تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

شياطين صالح

بقلم : باسم الصعيدي

اخترتك عشيقا ورفيقا لدربي وإلا سوف أحرقك ..

ما زلت أؤمن إنه ليس جميعنا بشر عاديين في أروقة الكرة الأرضية بل يوجد بيننا ملائكة أرضيين أو بشر سمائيين .. تلك النوعية من البشر يتخطون حاجز اللامعقول يهمسون إلى السماء فتستجيب أبوابها على الفور.. يطلبون فيجدون .. يقرعون فيفتح لهم .. ينظرون إلى وجه الإنسان يعلمون على الفور من هو وما هو حاله .. هؤلاء هم الخيرين الذين نجدهم في كل الأزمنة الذين لم يكن العالم مستحقا لهم ..

لم أكن يوما أرغب في كتابة مثل تلك الكلمات لأنها تتخطى منطق العقل ولكن لم أعد داريا أين أجد سمعا أفرغ فيه قصصي ، لم أحيا أيام الصبا مثل غلمان الحي الذين يهيمون في الشوارع لهوا وصخبا ويعودون الى ديارهم أخر الليل حاملين الأوساخ .. بل كنت غلام يهوى مجالسة الحكماء ومن أفواههم امتلأت أذني من الغرائب .. حتى جاء اليوم الذي كان كاللآلئ في دجى الليل البهيم واخذوا يتسامرون عن قصة العم صالح التي حدثت منذ ردح من الزمان ....

صالح رجل لديه من الأراضي الخصبة التي تؤهلها كي تكون سلة غذاء للقرية بأكلمها ..لم يكن متزوج أو بالأحرى لم يكن يرغب بالزواج .. كان يقضي النهار بأكلمه وسط فلاحة إرأضيه وفي المساء بعد إن يعطي كل أجير حقه يعتلي فوق الأتان قاصد منزله وبين العشب والزرع يتلذذ بذكر اسم الله حتى يصل الى منزله الذي كان يحيا فيه منفردا بين جدرانه .. يتناول عشائه ويقوم للصلاة وينام في فراشه في طمأنينة بدون جزع ..

وكانت أراضيه تنتج غلال وفيرة للغاية ، كانت نصف تلك الغلال تذهب إلى أحد دور الأيتام التي كانت تسع بداخلها أربعمائة طفل قد تعهد صالح أمام الله إن يعولهم وإن يسدد كل احتياجات الأطفال .. والنصف الآخر من خير الأرض كان يصب في أجور العمال وفقراء القرية وشيئا يسيرا يحتفظ به صالح لنفسه كي يحيا به .. هكذا كانت حياته وهكذا عاش حتى سخطت عليه أبالسة الأرض..

في أحدى الليالي كان صالح يستعد للنوم وإذا به يسمع صوت غناء وطبل وكأنها زفة عروس ولكن الصوت لم يكن قادما من الخارج بل من إحدى غرف منزله , فقام بمتابعة الصوت حتى حدد من أي غرفة يخرج وقام بفتح الباب ليجد نفسه أمام ثلة من الشياطين !!! منهم من كان يدق الطبل ومنهم من كان يرقص ومنهم من كان يشدو بالغناء . وعندما رأت الشياطين صالح توقف كل شيء . فسألهم ماذا تفعلون هنا في منزلي!!؟ . فأجابوه : ما لنا ولك يا صالح . لم نفعل لك شيء يغضبك لقد أتينا نلهو قليلا هنا معك ..!!.

فقال لهم صالح : إذا اسمعوني شيئا يسيرا من الغناء ..

فرحت الشياطين وظنت أنها قد أوقعت بالرجل البار صالح وانه ابتدأ يستجيب إلى مكائدهم واخذوا في الرقص والطبل والتهليل وصالح صامت لا يحرك ساكنا حتى انزعجت منه الشياطين وسألته : لماذا لم ترقص معنا وتلهو قليلا .. أليس أفضل لك من حياة البؤس التي تحياها ؟ ..

فأجاب : لقد سمعت غنائكم ولم يرق لي .. والآن هو دوري كي تسمعوا غنائي أنا أيضا ..

فانتبهت الشياطين له !!! فاخرج صالح كتاب الله من جيبه وبدا في قراءة آيات الله .. فصرخت الشياطين وولت هاربة مذعورة وهي تتوعد صالح إنها ستسقيه من كأس المر ... !!! ..

أغلق صالح باب الغرفة وساد الصمت أرجاء المنزل مرة اخرى وذهب كي يخلد في فراشه .

ومرت الأسابيع والشهور بكل ما فيها .. حتى جاء ذلك المساء اللعين الذي لم يكن في الحسبان ، كان صالح عائدا برفقة أحد الأشخاص على مشارف القرية وفجأة أنتبه فزعا وجحظت عيناه وتراجع قليلا إلى الخلف واصبح قلبه يخفق بشده حتى كاد إن يطير وتغير لونه وتصبب عرقا وبالكاد أستجمع بعض الكلمات همس بها للشخص الذي يمشي بجواره قائلا له : أبعد من جواري وقف بعيدا عني الآن .!!!، فأطاع الرجل الكلام .. في تلك اللحظة المريعة لم يكن في بال صالح إن تقف أمامه في الطريق جنية قوية للغاية تضع على رأسها تاج مرصع أشبه بملكات البشر .! ويناظر صالح بعيونها فإذا بها تقدح نار وكأنها موجودة من غابر الزمان رابضة في ذلك المكان على غير هدف تهيم ملتمسة من تلتهمه وراعه صوتها المخيف عندما أخبرته : بأني اخترتك عشيقا ورفيقا لدربي وإلا سوف أحرقك وأكحل عيني من تراب رمادك ..!! ..

وبقلب مرتجف وأطراف ترتعش حاول صالح إن يذكر اسم الله لعلها تخشى وتتلاشى من أمامه .. لكنها أخبرته بأن ذلك الأمر لا يجدي نفعا معها فهي تملك من القوة ما لا يستطيع أبناء البشر مقاومته !! ..

وأضحى صالح متيقنا إنه يواجه شراً عظيم لا يعرف متى سيدركه وما كان أمامه إلا أن يرفع وجه إلى عنان السماء وصرخ بكل ما أوتي من قوة قائلا : يا رب أرسل ملاكا كي ينجيني من هذا الشر العظيم !.

وقبل إن يطرق بنظره إلى أسفل لاحظ إن وجه السماء قد تغير وإذا بشاب بهي الطلعة فارع الطول قادم من الأعلى بسرعة عجيبة يشق سحب السماء شقا قابضا على سيف في يده اليمنى وعليه حله ملوكية و يملك من الإجلال والهيبة والعظمة ما يرعب سكان الأرض كلها . وما أن حطت قدماه على الأرض حتى تزعزع المكان على الفور وهوى بسيفه على الجنية فشطرها نصفين على التو ..

سقط صالح على وجهه من هول المشهد وصار يرجف وهيئته تغيرت وأصبحت أشبه بالأموات .. فتقدم الشاب ولمس صالح فأذهب من كيانه كل خوف وعادت القوة تسري في جسده من جديد وأنتصب من مكانه ونظر إلى ذلك المملوء بهاءاً وسأله : من أنت يا سيد !!؟ هل أنت لنا أم علينا !!؟ ..

فأجابه : لا تخف يا صالح . أنا وأحد من رؤساء الملائكة وقد أرسلني الله كي أنجيك !! ..

وفيما صالح مأخوذ من هول الموقف إذا بالشاب يصعد مرة أخرى ويختفي في عنان السماء .!! ..

ويلتفت صالح حوله ليجد الشخص الذي كان يسير معه يختبئ وهو يرتجف .. ناداه صالح متسائلا : لماذا خائف هكذا !!؟ ماذا رأيت ؟ ..

فأجاب الرجل : أراك تتحدث مع أشخاص غير مرئيين لعيني كمن يتحدث إلى نفسه لكني شعرت بزلزال ضرب المكان فسقطت من الخوف .. قل لي يا عم صالح ماذا حدث !؟ أنا أشعر أنه قد صار حدثا عظيم! ..

لم يمانع صالح في أخبار الرجل بالذي حدث شريطة إن لا يعلن الأمر إلا بعد وفاته .. فتعهد الرجل بذالك .. واخذوا يتسامرون حتى وصلوا إلى عمق القرية وذهب كلا إلى داره يتفكر داخل قلبه بتلك الأمور التي حدثت في تلك الليلة ..

ومع إشراقة فجر جديد كان الفخ التالي قد نصبته أبالسة الأرض ، حيث كان هذا اليوم هو ميعاد جني محصول الحنطة وكان من بين العمال صبية قد غرر بها أحد العمال وبدأت بوادر الحمل تظهر على بطنها .. ويوم .. بعد أسبوع .. بعد شهر .. بدأت بطنها تنتفخ ولم تعد تقدر أن تخفي الأمر عن أعين الأهل وحاولت مراراً وتكراراً مع صاحب الفعلة أن يتقدم لزيجتها لكنه رفض متعللا بعدم قدرته المادية على الزواج الآن . وأصبحت الصبية في وضع مرير للغاية حتى أشار عليها ذلك الشخص بمشورة أشبه بسم الاصلال ..

وعادت الصبية إلى منزل أهلها وأخبرت أبيها وأمها أنها تحمل جنين في أحشائها وأنها قد غرر بها ..وعندما سألوها من يكون هذا الشخص ؟ .. أجابتهم أنه صالح !! ..

خرج والد الفتاة إلى الشارع ينوح ويولول على العار الذي لحق به .. وهاجت وماجت القرية وتجمع الغوغاء وحملوا العصي قاصدين منزل صالح كي يفتكوا به .. وأقتحموا منزله وجروه من فوق فراشه وهو في ذهول وأخذوا يتبادلون عليه الصفعات ولفحات العصي والشتائم حتى تقدم أحد أصدقاء صالح باقتراح كي ينقذه من أيديهم .. بأن صالح سوف يتزوج الصبية ولكن بعد أن تنجب الطفل ومن الآن هو يتعهد بإعالتها هي وأهل بيتها جميعا حتى تمر فترة الحمل .. فوافق على الفور والد الصبية ..ولازم صالح الفراش حتى أستعاد عافيته ولم ينبس بكلمة واحدة لأنه كان يثق بأن الله لن يترك هذا الظلم يستمر طويلا وأخذ في الإنفاق بسخاء على الصبية وأهل منزلها جميعا .. حتى أنه كان يداعب نفسه ويمازحها أثناء العمل قائلا : أشتغل وأجتهد يا صالح لقد أصبح لك زوجة وطفل !!..

وتمر أشهر الحمل سريعا ويأتي يوم المخاض ولكن تتعثر الفتاة في الولادة بطريقة عجيبة وتتلوى من الآلام المبرحة واحتارت معها كل السبل حتى كادت أن تفارق الحياة فما كان منها أن صرخت قائلة : هذا ذنب صالح لقد أتهمته زوراً .. لم يكن هو والد هذا الطفل بل أنه فلان بن فلان ..

وما أن انتهت من شهادتها حتى ولدت جنينها بكل يسر . وظهرت براءة صالح وتجمهر أشراف القرية مع والد الفتاة وذهبوا إلى صالح يطلبون الصفح والمغفرة !! ..

ومرت السنوات على عجالة وشاخ صالح في العمر وأنهكت الأمراض جسده وأصبح على حافة الموت وأخذ يناجي الله قائلا : يا رب أنت تعلم أنه لم يعد بي قوة بعد والأمراض أعيت جسدي أسترد وديعتك التي بداخلي كي أستريح !! ..

وسادت حالة من الحزن على دار الأيتام التي كان صالح يسد احتياجاتها . وقام الأطفال في دار الأيتام بمناجاة اله الكون كي ينعم على صالح بالشفاء .. و بينما صالح كانت تستل روحه من الجسد وعلى غير المتوقع تضيء الغرفة ضياء ويدخل عليه شاب بهي الطلعة موجها كلامه إلى صالح قائلا : يا صالح هذه الليلة تطلب روحك منك !! ولكن لأجل الأربعمائة طفل الذين تعولهم قد أصدر الله أمرا بمد عمرك خمسة عشر عام أخرى تحياها بكل سلام وسوف تبطل محاربات الشياطين لك ..

بعد تلك الكلمات سرت قوة عجيبة في بدن صالح ووقف يتعجب من هيبة محدثه قائلا : أنا اعرفك جيدا يا سيدي أنت الملاك الذي قتل الجنية !! ..

وأختفي الملاك وعمت أجواء الغرفة رائحة زكية للغاية .. ويخرج العم صالح مرة أخرى للحياة يرعى أراضيه ويسد كل احتياج للمحتاجين ومرت عليه السنوات سعيدة دون تجارب وانقضت المهلة وتوفي العم صالح بشيبة صالحة ودفن في قبره وظلت ذكراه العطرة تتناقلها الألسن أما داره فقد تبرع بها كي تضمها دار الايتام إليها ..

وكان هناك متسول معتادا القدوم الى صالح من أحدى القرى البعيدة كي يحصل على معونة مالية . كان قد أعتاد أن يأتي كل عام ، ولم يعلم بأن العم صالح قد مات . ولما قرع باب دار العم صالح في جنح الظلام هامسا : عم صالح لقد أتيت كي تساعدني مثل كل عام ..

وأعاد الطرق من جديد على باب الدار !!.. ومرت لحظات بدأ الشك يتسلل فيها إلى قلب المتسول أن العم صالح ربما خارج الدار أو يغط في نوم ثقيل وقبل أن يهم بالطرق مرة أخرى يتهادى إلى سمعه صوت فتح الباب من الداخل ليجد أمامه العم صالح يخبره : ليس لدي مال كي أعطيك ولكن أذهب الى تاجر الغلال الفلاني هو مدين لي بمبلغ من المال .. أذهب وخذه هو لك !! ..

شكر المتسول العم صالح وذهب إلى الشخص المشار عليه وعندما طرق بابه أستيقظ الرجل فوجد المتسول أمامه ففزع على الفور قائلا : يا آلهي أنت نفس المواصفات التي أخبرني بها العم صالح رحمه الله في الحلم !!...

أستعجب المتسول وقال : العم صالح لم يمت حتى تقول رحمه الله لقد كنت قبل قليل أمام داره وهو الذي حدثني وأرسلني إليك ..

فأعطي التاجر المال إلى المتسول وهو يقول : حتى بعد موتك تفعل الخير يا عم صالح !!! .

عزيزي القارئ ... هل تعتقد أنه مازال هناك إنسان صالح مثل العم صالح مازال يرف على وجه الأرض !؟


تاريخ النشر : 2015-05-29

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق