تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

حياة أخرى (‏Another Life‏) .. قصة حب و خيانة و جريمة

بقلم : اياد العطار
fearkingdom@yahoo.com

قبل عدة أشهر شاهدت فلما أجنبيا على فضائية الـ "‏MBC‏" شدني بأحداثه و أعجبتني قصته و حبكته رغم ‏امتعاضي من تصرفات بعض أبطاله و النهاية التي آلت إليها حياتهم. و لأن صانعوا الفلم استبقوا أحداثه بعبارة ‏‏"مقتبس عن قصة حقيقية" لذلك رحت ابحث على الانترنيت مفتشا عن وقائع تلك القصة و أحداثها و صور ‏الأشخاص الحقيقيين الذين عايشوها , ثم خطر لي أن اكتب مقالا عن تلك القصة و عقدت العزم على إنشاء قسم ‏جديد في الموقع يكون مختصا بالأفلام المستوحاة من قصص حقيقية .. و ما أكثرها.

الى اليمين ملصق فلم حياة اخرى اما الى اليسار فصورة كل من الممثلة الانكليزية ناتشا ليتل التي ادت دور ايدي و الممثل لوين غريفيد الذي ادى دور فريدي

ايدي هي سيدة انجليزية متزوجة تغرم بشاب يصغرها بتسعة أعوام اسمه فريدي وتحاول عبثا الحصول على الطلاق من زوجها بيرسي لكي تتمكن من الارتباط بعشيقها لكن جميع محاولاتها تبوء بالفشل.

في إحدى الأمسيات بينما كانت ايدي تتمشى برفقة بيرسي عائدين الى المنزل من إحدى السهرات يتعرض الزوجان فجأة لهجوم مباغت من قبل شخص كان يختبئ بين الأشجار وسرعان ما يشتبك مع بيرسي في عراك عنيف تبادل خلاله الرجلان عدة لكمات قبل ان يتلقى بيرسي طعنة سكين أردته قتيلا على الفور.

في المخفر أخبرت ايدي الشرطة بأن المهاجم المجهول هو في الحقيقة عشيقها فريدي فتم إلقاء القبض عليه , ثم في تطور لاحق , تم إلقاء القبض على ايدي نفسها بتهمة التواطؤ مع عشيقها في جريمة قتل زوجها.

ورغم إصرار ايدي على عدم علمها بنية عشيقها في قتل زوجها , وكذلك اعتراف فريدي بأنه نفذ جريمته لوحده من دون أن يكون لأيدي أي دور فيها , إلا أن هيئة المحلفين لم تقتنع بكلام العاشقين وتعتبرهما مذنبين ويحكم عليهما بالإعدام ثم ينفذ فيهما الحكم لاحقا.

القصة الحقيقية :

فلم باتجك سلافيسا
من اليمين الى اليسار : فريدي - ايدي - بيرسي
ولدت ايدي (ايديث طامبسون) في لندن عام 1893 , الابنة البكر من بين خمسة أطفال لعائلة انجليزية متوسطة الحال. كانت طفلة ذكية واسعة الخيال و متقدة الحماس , برعت في الرقص و التمثيل. تركت الدراسة مبكرا و عملت في مسك دفاتر أحدى شركات الأخشاب و قد تميزت في عملها إلى درجة انه لم تمضي مدة طويلة حتى أصبحت مديرة المبيعات و أرسلت في عدة سفرات إلى باريس على حساب الشركة.

في عام 1909 تعرفت ايدي على شاب يكبرها بثلاث سنوات اسمه بيرسي طامبسون ثم تزوجت منه عام 1916 بعد فترة خطوبة استمرت ست سنوات و قد اشترى الزوجان منزلا في إحدى مدن مقاطعة اسيكس و عاشا هناك حياة مريحة و هادئة خاصة أن الاثنان كانا ناجحان و متميزان في عملهما.

في عام 1920 التقى الزوجان طامبسون بفريدي (فريدريك بايواترز) الذي كانت ايدي تعرفه منذ أن كان في التاسعة من عمره عندما كان صديقا لشقيقها في المدرسة , كان شابا وسيما و جريئا على العكس من بيرسي الذي اجتمعت فيه صفات الرجل الانكليزي الصارم و المحافظ.

كانت ايفز شقيقة ايدي الصغرى مغرمة بفريدي و تطمح لان ترتبط به لذلك أقنعت أختها و زوجها في أن يدعوا فريدي في رحلة إلى إحدى الجزر لكي تتوطد علاقتها به. لكن المفارقة التي جرت في تلك الرحلة المشئومة و التي لم تكن لتخطر على بال ايفز هي إن شقيقتها المتزوجة و التي كان من المفروض أن تساعدها في اصطياد فريدي وقعت هي في غرامه رغم انه يصغرها بتسعة أعوام!.
كان فريدي يعمل في الأسطول التجاري و قد استفزت قصصه المشوقة عن البلدان البعيدة التي زارها في رحلاته البحرية خيال ايدي الجامح فلم تلبث أن وقعت في هواه وارتمت في أحضانه ضاربة بعرض الحائط جميع التزاماتها مع زوجها وشقيقتها.

بعد عودة الزوجان طامبسون من الرحلة قام بيرسي بدعوة فريدي ليقيم معهم لفترة في منزلهم , كان الغرض من هذه الدعوة هو توطيد علاقة العائلة مع فريدي من اجل أن يحملوه على التقدم لخطبة ايفز. لكن هذه الإقامة تحولت فعليا إلى شهر عسل للعاشقان , وسرعان ما أخذت ايفز تشك في طبيعة العلاقة بين أختها و فريدي , كانت طريقة الكلام و النظرات المتبادلة بين العاشقان تشف عن مكنون قلبيهما , و قد كانت شكوك ايفز في محلها إذ ما لبث بيرسي أن ضبط زوجته متلبسة بالخيانة مع عشيقها فنشب بينه و بين فريدي شجار عنيف طلب فريدي خلاله من بيرسي أن يطلق ايدي فأمره هذا الأخير بمغادرة منزله على الفور , وبعد مغادرة فريدي قالت ايدي أن زوجها طرحها أرضا و ضربها بقسوة , لكن ذلك لم يمنعها من الاستمرار في علاقتها مع فريدي الذي أخذت تلتقي به خلسة.

فلم باتجك سلافيسا
صورة حقيقية التقطت عندما كان فريدي ضيفا في منزل الزوجان طامبسون و تجلس الى جوار ايدي ثم بيرسي
في عام 1921 أبحر فريدي مع الأسطول التجاري غائبا عن انكلترا لسنة كاملة تبادل خلالها العديد من رسائل الحب و الغرام مع ايدي التي طلبت الطلاق مرارا خلال هذه الفترة من زوجها لكنه رفض تطليقها.

في عام 1922 عاد فريدي من السفر و قد بلغ به الوجد و الغرام أقصى مداه و عندما التقى بأيدي اخبرها بأنه عازم على أن يضع حدا لمعاناتهما حتى يتمكنا من قضاء ما تبقى من حياتهما معا و طبعا كان بيرسي هو عنوان و سبب هذه المعاناة.

في مساء يوم 3 تشرين الأول / أكتوبر عام 1922 ذهبت ايدي برفقة زوجها إلى احد المسارح , و في نفس الليلة بينما كان الزوجان يتمشيان عائدين إلى منزلهم  قفز فجأة شخص مجهول من بين الشجيرات مهاجما بيرسي الذي سرعان ما اشتبك معه في شجار عنيف تعرضت خلاله ايدي إلى ضربة عنيفة طرحتها أرضا ثم تلا ذلك سقوط بيرسي بعد أن قام المهاجم بطعنه بالسكين قبل ان يفر مسرعا ليختفي في ظلام الليل الحالك.

حين حضرت الشرطة إلى مكان الحادث كان بيرسي جثة هامدة و إلى جانبه تكومت ايدي و هي في حالة عصبية يرثى لها , و قد شهد بعض السكان في منطقة الحادث بأنهم سمعوها أثناء العراك و هي تصرخ عدة مرات قائلة :"كلا لا تفعل". و حين نقلوها إلى مخفر الشرطة كانت ايدي لاتزال ترتجف و تبكي من هول الصدمة و كانت تحدث نفسها قائلة "آه يا الهي , لماذا فعل ذلك؟ أنا لم اطلب منه أبدا أن يقوم بذلك".

في المخفر أخبرت ايدي المحققين بأنها تعرف القاتل و انه لم يكن سوى عشيقها فريدي و أخبرتهم كذلك عن طبيعة العلاقة التي تربطها به ظنا منها بأنها ستعامل كشاهدة على الجريمة و ليس كمتهمة.

سرعان ما القي القبض على فريدي و قد عثرت الشرطة أثناء تفتيشها لمنزله على قرابة السبعين رسالة كانت ايدي قد أرسلتها إليه أثناء سفره , و ما أن اطلع المحققين على محتوى الرسائل حتى صدر أمر سريع بإلقاء القبض على ايدي باعتبارها شريكة لفريدي في جريمة قتل زوجها. لقد كانت رسائل ايدي هي الدليل الوحيد و الحاسم على إدانتها , ففي بعض تلك الرسائل كتبت لفريدي تقول بأنها ضاقت ذرعا بزوجها بيرسي و لم تعد تحتمل العيش معه و أنها تبحث عن وسيلة لتتخلص منه , و روت له كيف قامت بطحن شظايا الزجاج ثم وضعت المسحوق في طعام زوجها أملا في أن تتمزق أحشاءه فيموت لكنه كما يبدو خيب أملها و لم تطرأ عليه أدنى علامة لوعكة أو مرض , و في رسالة أخرى زعمت ايدي بأنها وضعت السم في طعام زوجها لكن هذه المرة أيضا لم يحدث له أي مكروه. و أخيرا كتبت بيأس تطلب من فريدي بأن يقوم بأي عمل ليحررها من زوجها , و قد اعتبرت المحكمة العبارات الواردة في رسائل ايدي دليلا قاطعا على اشتراكها في جريمة قتل زوجها عن طريق التحريض و ربما التخطيط أيضا , ففي ذلك الزمان كان هناك قانون بريطاني ينص على انه إذا تمنى شخصان موت شخص ثالث ثم قام احد هذين الشخصين بقتله فأن الاثنان يعتبران شريكين في الجريمة.

فلم باتجك سلافيسا
صورة اخرى ملتقطة في منزل الزوجان طامبسون
في الحقيقة هناك لغط و جدل كبير حول رسائل ايدي التي اعتبرت دليلا على إدانتها , فهذه الرسائل لم تعرض على المحلفين بصورة كاملة لأنها كانت تحتوي على أوصاف و عبارات جنسية كانت تعتبر خادشة للحياء في ذلك الزمان , لذلك قام المحققين باقتطاع أجزاء معينة منها بما يتلاءم مع رغبتهم في إدانة ايدي أما النصوص الكاملة لهذه الرسائل فجرى حفظها مع أرشيف الجريمة و لن يكون بالإمكان الاطلاع عليها إلا بعد مرور قرن من الزمان أي في عام 2023. ورغم أن ايدي كتبت بصراحة في رسائلها حول محاولتها قتل زوجها إلا إن أحدا ممن يعرفها جيدا لم يصدق كلمة مما كتبته و في اعتقاد الكثيرين فأن هذه الادعاءات هي أما مجرد خيالات واهمة لامرأة عرفت منذ طفولتها بخيالها الجامح أو مزاعم زائفة لعاشقة ولهانة تحاول إظهار مدى حبها و غرامها لعشيقها. وحتى فريدي نفسه اخبر المحكمة بأنه لم يأخذ مزاعم ايدي حول محاولتها قتل زوجها على محمل الجد و انه ظن بأنها اقتبستها من إحدى الروايات الغرامية التي كانت مدمنة على قراءتها , كما أن الأطباء الذين شرحوا جثة بيرسي لم يعثروا على أي دليل يؤكد ابتلاعه لمواد حادة مثل شظايا الزجاج أو  يثبت وجود أي مواد سمية في دمه.

فريدي قال في شهادته أمام المحكمة بأنه قام بقتل بيرسي لوحده من دون علم ايديث و أنه في الحقيقة لم يكن ينوي قتله و إنما أراد مجرد إخافته لإجباره على تطليق ايدي لكن رد فعل بيرسي المفاجئ و العنيف افقده أعصابه و جعله يستل سكينه ليوجه له طعنة لم يكن يعتقد بأنها ستؤدي إلى موته.

شهادة ايدي في المحكمة كانت ضعيفة و غير مقنعة , فعندما سألها المحلفون حول بعض الأمور التي كتبتها لفريدي في رسائلها لم تدافع عن نفسها و إنما إجابتهم بعبارة "لا اعلم!" , و قد قال محاميها لاحقا بأن أجوبتها الفارغة و عنجهيتها و ثقتها المفرطة في حصولها على البراءة هي التي أدت في النهاية إلى إدانتها.

في 11 كانون الأول / ديسمبر 1922 اصدر المحلفون قرارا اعتبروا فيه كل من ايدي و فريدي مذنبين في جريمة قتل بيرسي طامبسون و قد حكم القاضي على كليهما بالإعدام (كانت عقوبة الإعدام مازالت سارية في المملكة المتحدة آنذاك) , وحال صدور الحكم انهارت ايدي و أخذت تبكي و تصرخ بهستيرية في قاعة المحكمة فيما اخذ فريدي يصرخ قائلا بأنه وحده يتحمل مسؤولية الجريمة و أن ايدي بريئة.

رغم إن الناس انتقدوا و هاجموا ايدي و فريدي بسخط و غضب في بداية قضيتهما إلا إن اغلبهم تعاطفوا معهما بعد صدور حكم الإعدام إلى درجة انه تم جمع أكثر من مليون إمضاء لوقف حكم الإعدام و قد كانت لشجاعة فريدي في الدفاع عن ايدي حتى أخر لحظة و إصراره على تحمل المسؤولية لوحده دور كبير في جلب  تعاطف الناس , أما بالنسبة إلى ايدي فقد اعتبرها الكثيرون مجرد شابة متهورة انساقت وراء عواطفها في لحظة ضعف من دون أن يكون في نيتها حقا إيذاء زوجها و كان متوقعا أن يحكم عليها بالسجن لفترة قصيرة لكن أحدا لم يكن يتوقع أن يحكم عليها بالإعدام , فالكثيرون لم يصدقوا بأن امرأة جذابة و مثقفة من الطبقة الوسطى يمكن أن تعدم خاصة و إن آخر إعدام لامرأة في بريطانيا كان قد تم قبل فترة طويلة في عام 1907.

في أيامها الأخيرة قبل الإعدام كانت ايدي مرعوبة و خائفة لدرجة أنها لم تعد قادرة على تناول الطعام , كانت في ‏حالة عصبية منهارة تصرخ و تبكي طوال الوقت و لم تصدق بأنهم سيعدمونها حتى أنها طلبت ببساطة من والدها ‏حين زارها في السجن بأن يأخذها حالا إلى البيت , كأنه يستطيع فعل ذلك!.‏

في صبيحة يوم 9 كانون الثاني / يناير 1923 اقتيدت ايدي إلى حتفها بخطوات متعثرة , لم تقاوم و لم تفقد وعيها لكنها كانت في حالة ذهول إذ يبدو أن الرعب و الخوف اللذان رافقاها خلال فترة سجنها كانا كان قد استنزفاها تماما , و لسوء حظها لم يكن موتها سهلا و سريعا كما يتمنى اغلب المحكومين بالإعدام (1) , فعندما افلت الجلاد حبل المشنقة لم تنكسر عنقها و أخذت تتخبط بعنف فأصيبت بنزف حاد اغتسلت جراءه أرضية غرفة الإعدام بدمائها , لقد كان منظرا مروعا إلى درجة أن الجلاد الذي نفذ الحكم في ايدي انتحر بعد فترة من الزمن بسبب منظر إعدامها البشع الذي لازمه كالكابوس و أحال حياته إلى جحيم.

كان وزن ايدي قد ازداد في السجن مع أنها كانت قد امتنعت عن الطعام تقريبا خلال الأسبوعين الأخيرين من حياتها و لم تذقه أبدا خلال الأربعة أيام التي سبقت إعدامها , لذلك يعتقد البعض بأنها كانت حاملا , لكن لا يوجد دليل يؤكد هذه الشكوك.

وفي نفس الوقت الذي تدلت فيه جثة ايدي من على حبل المشنقة كان حكم الإعدام ينفذ في فريدي أيضا على بعد مسافة لا تتجاوز الكيلومتر الواحد و هي المسافة التي تفصل بين سجني الرجال و النساء.

ايديث طامبسون كانت في الثلاثين من عمرها عند إعدامها أما فردريك بايواترز فقد كان في الحادية و العشرين و قد دفنت جثتيهما في مقبرة تقع داخل أسوار السجن.

1- في السابق عندما كان الإعدام يتم بقطع الرأس بالسيف أو الفأس كان المحكوم عليه يقوم بوضع قطعة نقدية في يد الجلاد قبل تنفيذ الحكم كبقشيش له لكي يقوم بفصل الرأس بضربة واحدة فينهي المهمة بلا الم , أما أولئك البائسين الذين لم تكن أعناقهم تنقطع من الضربة الأولى فلك عزيزي القارئ أن تتخيل آلامهم و عذابهم البشع و هم يتخبطون في دمائهم كالحيوان المذبوح.

هذه القصة نشرت لأول مرة بالعربية في موقع مملكة الخوف بتاريخ 14 /01 /2010

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق