تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

انتقام شبح عمروش

بقلم : رشيد بوسكورة - هولندا
للتواصل : thami-10@live.nl

كان ينظر في اتجاه واحد لايحرك رأسه ..

كان عمار أو عمروش كما كان يحلو لأهل القرية تسميته ، رجلا أبلها لكنه كان ينطق بالحكمة ، لا تفارقه ابتسامته أينما رحل ، كان شخصا محبوبا يساعد كل أهالي القرية في نقل القمح إلى الطاحونة بعربته القديمة وإعادته لهم دقيقا ، عن طريق ذلك كان يربح بعض الدراهم التي يمن عليه بها سكان القرية ليشتري بها السجائر الرخيصة ذات التبغ الأسود ويلتهمها التهاما ، كان يدخن بشراهة ثلاثة سجائر متتابعة وكأنه لم يدخن شيئا .

عمروش هذا كان أيضا محبوبا من طرف الأطفال لأنه كان يحكي لهم قصصا ممتعة ، بحيث عند حلول الليل كانوا يصطفون حوله في شكل حلقة ويستمتعون بما ينسج خيال هذا الحكواتي البارع . كانت حكاياته كلها أشعار وعبر يستفيذ منها الصغار ، كان بالفعل بمثابة مدرسة إلى درجة أنه لم يكن يدخن أمام الصغار رغم إدمانه الكبير . أحيانا كثيرة كان حتى الكبار يتطفلون على مجمع الصغار هذا للإستمتاع بالقصص .

هذه القرية وكأي مكان على الأرض فيه الصالح وفيه الطالح ، في الجانب الآخر كان هناك رجل إسمه حسان لا يعرف للرحمة معنى ، يقسي على الإنسان والحيوان . في صغره كان يرمي الأحجار الكبيرة من أعلى القنطرة لتسقط على الضفادع على جانب الوادي فيقتلها شر قتلة ، كان يبحث عن العصافير الصغيرة في الأعشاش يشويها ويأكلها . حتى في فترة شبابه والتي من المفروض أن يكون عاقلا فيها ، كان يذبح القطط و يجعلها وليمة لبعض اصدقائه مدعيا بأنها أرانب ، فيأخذ من كل واحد منهم قدرا من المال ، يزينها بالبطاطس المقلية والزيتون والفلفل الحار ، ويحضر لهم أيضا مشروبا غازيا ويقول لهم اكلة شهية .

أخذ يوما خروفا مريضا بحيث قال لأمه : إن بقي هذا الخروف سيعدي الخرفان الاخرى . اتجه بالخروف إلى الوادي وهو في قمة الفرح والنشوة ، كيف لا و الضحية الآن من الوزن الثقيل ، ليس بقطة وليس بعصفور .. بدأ برشق الخروف المسكين بالحجارة ، بعد كل ضربة قوية كان الخروف الهزيل يفقد توازنه ويسقط ، تصبب حسان عرقا ، لكن في الأخير بقي الحيوان المريض واقفا ينظر إليه وكأنه في تحدي سافر له الشيء الذي لم يرق لحسان ورمى به في الوادي ، فمات المسكين غرقا .

مرت الأيام وأصبح حسان سائق تاكسي ، ينقل سكان القرية إلى المدينة ويعيدهم . في أحد الأيام وعندما كان راجعا إلى منزله صدمت سيارته رجلا في قارعة الطريق ، و لم يكن هذا الأخير سوى عمروش المسكين ، نزل حسان من سيارته وقال له : هذا أنت أيها المعتوه ، أمثالك أيها الحثالى موتهم أفضل من حياتهم ، فتركه ينزف حتى فارق الحياة . نزل خبر موت عمروش على سكان القرية كالصاعقة ، كان لذلك وقع كبير على الأطفال الذين كانوا في كل ليلة يجتمعون في شكل حلقة وينظرون إلى الوسط في منظر جد مؤثر وكأنهم لا يصدقون موت عمروش صديقهم الغالي .

أما حسان فقد كان ينام وكأنه لم يقترف جرما ، نومه الهادىء هذا لم يدم طويلا ، إذ سرعان ما أصبح يحلم بعمروش كل ليلة ، كان يناديه : ستعذب يا حسان كما عذبت الإنسان و الحيوان ...

مرت الأيام والشهور وحسان على هذا الحال ، تحولت أحلامه إلى كوابيس ، أصبح حلمه لعمروش ينغص عليه حياته إلى أن أصبح يفكر فيه في أية لحظة ويتخيله في أي مكان ، خصوصا في جانب الطريق قرب القنطرة ، عندما يكون عائدا في الليل .

في إحدى الليالي الباردة وبينما كان حسان يقود سيارته قرب المكان الذي صدم فيه عمروش ، نظر إلى المرآة الداخلية ليرى شبح عمروش جالسا في المقعد الخلفي ، كان ينظر في اتجاه واحد لايحرك رأسه .

تسمرت قدما حسان وانتصب شعر رأسه ، احس وكأن الدم تجمد في عروقه ، ارتعدت يداه ولم يعد يتحكم في المقود .. إنحرفت به السيارة وسقطت به من أعلى القنطرة في الوادي العميق . أحس حسان بالدوار الشديد وهو في السيارة في قاع الوادي ، كان الظلام حالكا في قعر الماء ... حاول فتح نافذة السيارة لكن يبدو وأن نظام السيارة الإلكتروني قد تعطل ، نفس الشيء بالنسبة لمصابيح السيارة ، أصبح تائها ، شبح عمروش وراءه ، والغرق أمامه ... لحظة لن يحسده عليها أحد في الكون أجمع ...

رمى بيده يتحسس زر الباب اليدوي الاحتياطي ، ضغط عليه لكن الباب لم تفتح لشدة ضغط الماء في الخارج . بدأ الماء يتسلل إلى السيارة تدريجيا من تحت قدميه .. في الأخير اهتدى إلى المصباح اليدوي ، أشعله أولا ليرى هل مازال شبح عمروش وراءه في المقعد الخلفي ، تنفس الصعداء حينما لم يجده ،الشيء الذي أعطاه عزيمة أكثر لتكسير زجاج النافذة بالمصباح اليدوي .

خرج عبر النافذة سابحا نحو سطح الماء ، كان يتهيأ له وكأن شيئا يجره إلى الأسفل ... في الأخير صعد بمشقة الأنفس عوما وأمسك بيده بنبات الدوم الموجود في جانب الوادي ، كان منخور القوى لا يستطيع الخروج من الماء ، بقي على هذا الحال يسترجع أنفاسه .

مصيبة حسان لم تتوقف هنا بل القادم أشد قساوة ، إذ بعد دقيقتين تقريبا سقطت حجرة من الفوق من المكان الذي انزلقت منه السيارة فاصابته في كتفه وهشمت جزءً من أضلاعه . أحس بالدماء تنزل منه بغزارة فتذكر عمروش عندما كان ينزف ولم يقدم له يد العون ... تذكر عندما كان يرمي الأحجار على الضفادع من فوق القنطرة ويهشم عظامها .. تذكر القطط التي كان يسلخها وينظر إلى ضلوعها ... انهار تماما ولم يعد يتحمل مسك نبات الدوم بيده ...

بدأ يغرق و يغرق تدريجيا ، تذكر الخروف الذي كان يغرق تدريجيا بعدما أشبعه ضربا بالحجارة وهو مريض ... خاطب نفسه : انا عمروش الآن أنزف وأنزف ... لا .. لا .. انا لست عمروش ، أنا المعتوه .. أنا الحثالة ... أنا حسان الذي مات كما عذب الإنسان والحيوان .

تاريخ النشر : 2015-06-21

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق