تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الجانب المظلم

بقلم : HM64

ذات ليلة باردة و ماطرة ، اختار ذلك الشاب ذو الثياب الرثة أن يجري دون هدف، فتارة يجري بكل ما أوتي من قوة ، و تارة يكبح من سرعته القليل، لعله يكتسب من فعله هذا بعض الطاقة ليعدو أكثر من ذي قبل، ورغم ظلمة الليل التي أسدلت ستارتها على كل شي، فانه بالكاد يستشعر طريقه بالرهان، فيستغل ومضات البرق ليسجل ملامح الطريق في ذاكرته الحية، و هكذا إلى أن سقط من الإجهاد، فقاوم ليفتح عينيه، لكن دون جدوى، لقد أراد أن يتأكد أن ذلك الشيء الذي كان يلاحقه قد اقترب، فكانت المفاجأة غير سارة قبل يغمى عليه.

اعتاد كل يوم أن يعود من عمله المتعب، فيقتني جل احتياجاته من طعام و أغراض شخصية قبل أن يدخل إلى غرفته التي استأجرها، لأنه غالبا ما يخرج منها حتى موعد العمل صباحا، و كانت هذه الغرفة مرتبة و بسيطة للغاية، تتوسطها طاولة و كرسي وفوقهما مباشرة تتدلى كرة زجاجية ملونة بداخلها مصباح كهربائي يضفي عند اشتعاله رونقا من البهجة و السرور إلى فضاء الغرفة، و بأركان الغرفة تتوزع أغراض معينة، من أواني و صندوق صغير، وفي الجانب الآخر يرقد سرير خشبي تعتليه قطعة أسفنجية و بطانيتين ملونتين، فقد حرص على أن يكون كل شيء في غرفته ذو نكهة و مذاق، يسر الناظرين و يكسبهم الصورة المتوخاة تجاه صاحب الغرفة.

جلس إذن على كرسيه بعد أن تناول عشاءه البسيط، و استل من خزانة طاولته كراسته الغالية وقلما، ففي طيات هذه الكراسة تقبع كل أفكاره و أهم مذكراته و أجزاء من أسراره الثمينة، فشرع في تصفح الكراسة، إلى أن بلغ الصفحة البيضاء التي سيكلف أنامله لتعبئتها اليوم و ربما أكثر منها.

و بعد برهة من الهدوء سادها صوت الورق و القلم الذي كان يتلهى به في محاولة منه التفكير في شيء يسحق الكتابة، فتذكر انه كان يتعجب أشد التعجب من الناس الذين يخافون من أشخاص يتحدثون مع أنفسهم علانية، فتمعن في الورقة للحظة ثم بدأ يكتب:

{ لا زلت لا اعلم السبب الذي يجعل الناس يتجنبون شخصا يتحدث مع نفسه، أما أنا فلا أجد بدا من فعل ذلك، لأنني علمت مؤخراً أنها طريقة أخرى جديدة لمصارحة الذات، ومن ثم أمكنني إصلاح العيوب التي تكتنفها، و اعلم أيضاً أنها طريقة غير مضمونة، ويرجع سبب ذلك إلى أن الناس مختلفون تماماً عن بعضهم البعض لان الوصفة التي نجحت في علاج هذا لم تنجح مع ذال الآخر.}

خطر في باله أن يقوم هو الآخر بالتحدث مع نفسه و تدوين كل شيء، فنهض أولا ليحظر كوبا من القهوة لعله يركز جيدا، و فجأة انقطع التيار الكهربائي نظرا لسوء لأحوال الطقس، فبدأ يتخبط في الظلمة حتى وقعت يده على شمعة صغير كانت يحتفظ بها لنفس المواقف، فوضعها على الطاولة ثم أشعلها، ثم أغلق النافذة، ثم وضع كوب القهوة على الطاولة، وجلس ليتمم:

{في الواقع لست متأكدا من كل هذه الأفكار، لكن لن أخسر شيئا إن جربت}

{# آهلا يا نفسي الآخر، أريد التعرف عليك أكثر هل هذا مسموح؟}

وما إن دون هذه الجملة حتى سقط وعاء القهوة من الطاولة الذي كان بجانبه ، فابتسم لأنه شعر بالسخافة، لكنه استمر بذريعة أنها أول مرة يقوم بعمل مماثل في حياته فأكمل كما يلي:

# أيها الأنا الآخر! لقد سكبت القهوة بسببك (مرافقا القول بابتسامة خفيفة)

فيرد صوت داخلي:
* لماذا تلومني، فأنت من دفعت الكوب بمعصمك ، (كان يعلم انه هو من يجيب نفسه، لذلك لم يستغرب صدور هذا الصوت من داخله)

فيجيب نفسه من جديد:
# لم أتذكر أنني لمستها، كيف عرفت إنني دفعتها بمعصمي؟

* لن أجيبك عن هذا السؤال السخيف الذي أنت أدرى مني بجوابه!

# حسنا. اخبرني المزيد عنك فقط، من أنت و ماذا تفعل بداخلي و كيف دخلت؟

* كل تلك الأشياء لا تهمني، و لا اعرفها، كل ما أريدك أن تدركه أيها المسكين، هو أنني مختلف عنك، فانا لست أنت.

# إذا لم أكن أنا هو أنت، فكيف اتخذت قراراتي الشخصية بدون أن تتدخل إذن ؟

* ركز جيدا في ما سأخبرك به، رغم انك تعرف مسبقا إلا انك تتغافل فقط عن هذه الأشياء: أنا هنا لان هذا جسمي و قد وجدت نفسي أتشاركه معك ،كما أني استطيع نزع إرادتك منه بسهولة، لكنني لم استطع نزعك منه، إذ لم أجد بدا من جعلك مسليا بعض الشيء، لأنني أنا من يفوز برغباتي دائماً دون أن تنبس ببنت شفة.

# هكذا إذن! أريد فقط أن اعرف ما الجانب الذي تؤيده؟ الخير أم الشر؟

* لا اعلم الحقيقة عن هذين الجانبين، إنني أؤيد جانبي الخاص، حيث لا قواعد ولا مشاعر و لا قوانين مثيرة للشفقة فيه، جانبي هذا يروق لي و أروق له.

# إذا لم تستطع إخراجي من جسمي؟ لماذا لا تجرب أن تخرج نفسك؟

* إن خروجي من هذا الجسم سهل للغاية بالنسبة لي، لكن سيهدد بقائك، و سيجلب لك الكثير من الشقاء، ثم أن حقوقك سيتم هضمها، فلولاي لما عشت دقيقة إضافية، ثم إني أريد أن أريك نفسي، و إذا بدوت لك مألوفا، أعلمني.

شعر الشاب ببعض العياء، فاستراح لبرهة ،و عندما هم بمعاودة الكتابة، دفع من جديد الشمعة عن غير قصد بمرفقه لتسقط أرضا و تنطفئ ، تم تلتها أوراق كانت بداخل الكراسة، كأنما هبت ريح عاتية، رغم أن النافذة كانت مغلقة .

وفيما كان يتخبط في الظلام محاولا جمع هذه الفوضى، تبادر إلى سمعه صوت تنفس ضخم وثقيل الإيقاع يصدر من احد أركان الغرفة، جعله ينهض مرتبكا، فحاول إشعال القداحة، ليستكشف مصدر الصوت ،و بعد محاولات إشعال مضنية اشتعلت القداحة اللعينة، ومع الحزمة الأولى من النور اتضح له أن ركنا من أركان الغرفة بدا حالكا للغاية، و ما أن اقترب شرعت التفاصيل في الاتضاح، و ما أن استوعب المنظر حتى تحركت فروة رأسه من مكانها،و خارت قواه، ثم تعثر و تراجع إلى الوراء ..

فتحرك ذلك الشيء الحالك السواد، فانفتحت عيناه المشعتين بلون اخضر،و فغر فاه مصدرا صوتا يكاد يكون بين صوت رضيع يصرخ و بين ذئب يعوي فكان صوتا مزدوجا مرعبا ينم عن أعماق كل الشرور.

التقط الشاب أنفاسه، وهرول بأقصى طاقته خارجا، ليفلت من نفسه الأخرى بعد أن أدرك لماذا يتجنب الناس شخصا مجنونا .

تاريخ النشر 14 / 07 /2015

شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق