تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

قصة التنين

بقلم : قصي النعيمي - سلطنة عُمان
aya_hasan222@yahoo.com

لا يكاد يخلو فلكلور شعب من الشهوب من ذكر التنين

بدأت قصة الإنسان لتبدأ حكايته مع غرائب الطبيعة و حوادثها الطارئة. و نحو هدفه المتجدد بإدراك المعرفة و إشباع روح الفضول كان سعيه الحثيث لتفسير تلكم الغرائب، و على الرغم من ذلك السعي فلم تكن أدواته و لا معارفه لتمكنه من بلوغ هدفه المنشود. و هنا حين اعترف الإنسان بقلة حيلته و قصور إدراكه كان طريق الخيال مرتعا خِصبا له في سبيل طلب الحقيقة. فكانت العنقاء و الغول و كان الخِلُّ الوفيّ و كان التنين. أما التنين و هو عنوان مقالي، فقد بات تراث مشتركا لدى كثير من الأمم و الشعوب، و أصبحت حكايته موروثا تقاسمت أطرافه ثقافات العالم القديم و الحديث. و انطلاقا من ذلك الاختلاف الجغرافي نشأ اختلاف كل قومٍ في نظرتهم للتنين، و تشكلت أنواعٌ عديدة تحكي قصة التنين عبر الموروث الإنساني، و من أهم تلك الأنواع :

1 - التنين الصيني

للتنين أهمية كبيرة ومنزلة خاصة في الفلكلور والتراث الصيني

هناك في أقصى الشرق، حيث التقى الضياء بالشواهق الخُضْر، و بعيدا حيث تلاشت ملامح الحقيقة خلف أستار الخيال، كان التنين هو الشعار و المعتقدُ و لا يزال. و بشكل عام، فإن التنين في التراث الصيني أو "Lung " كما يطلقون عليه، يُمَثِّل لديهم رمزا للخير و الفضيلة كما و يُعَبِّرُ عن الجمال و القوة. أما شكله الظاهري، فقد استمد ملامحه من الرمزية التي حازها في التراث الصيني، فَهو يتميَّزُ بقوة البنية و حِدَّةُ الرؤية، له أربعُ قوائِمٍ و جسد كأجساد الأفاعي في مرونته و تمدده، إضافة لقدرته على نفث النيران من فمه المُكَلَّلِ بالأنياب فهو يستطيع التحليق أو العوم في المياه العميقة. و تُمَثِّلُ المحيطات و الأماكن الرطبة البيئة المثالية لعيش هذا الكائن، و المسرح الذي تدور فيه غالِبُ قَصَصَهِ مع الإنسان.

و تاريخيا، فإن كَوْنَ التّنين رمزا للخير و القوة في المعتقد الصيني لدهور طِوالٍ أفسح له مجالا واسِعاً في عالم الفُنون بأنواعها. و قد كان التنين رمزا للصين الإمبراطورية و أباطرتها حتى عام 1912م، عندما أُقيمت الجمهورية على يدِ "صن يات سين". و الجدير بالذكر أن التنين كان شعارا لعديد من الممالك و الأحلاف في شتى بقاع الشرق الآسيوي، و لا تزال دولةٌ كدولة بوتان تتخِذهُ شعارا قوميا لها. و من الناحية الحياتية، فإن التنين أصبح حقيقَةً في المجتمع الذي يعيشه أهلُ الصين من خلال تماثيله في المعابد العتيقة أو القصور الأثرية. و قديما تَزيَّنت أثواب الصينيين الحريريةُ بتصاويره الخلابة، و باتت نقوشه على تلكم الأثواب كالماركة المعتمدة لها، و في ظلال التمدد السريع لأباطرة المغول أصبحت تلكم الأثواب مشهورة حتى خارج نطاق القارة الآسيوية، و قد أثبتت ذلك كثير من المخطوطات أشهرها تلك التي تعود لعام 1287م، و تظهر رسما ليوحنا القيليقي الأرميني مرتديا إحدى هذه الأثواب.

هناك احتفالات ومهرجانات في الصين خاصة بالتنين ..

بعيدا عن الفنون و الموروثات الملموسة، فالشعب الصيني يحمل للتنين تقديرا و إجلالا في كافة مجالات حياته. فكما أنهم يعتبرون شهر التنين (إحدى شهور السنة الصينية) شهرا للنماء و الازدهار، فإنهم يعتقدون أن كل مولود فيه سينعم في حياته بالصحة و الرفاه. و في تعابير اللغة الصينية الحديثة، فالتنين يعتبر لقبا لأصحاب السلطة و النفوذ، خصوصا إذا علمنا مدى اعتقادهم بقدرته على الإمطار و تحريك مكونات الطبيعة المختلفة مثل المياه و الرياح، و قد أعطته هذه المعتقدات مسحة من الإلوهية و شيئا من القداسة لدى أهل الصين.

2- التنين الأوروبي

للتنين تاريخ ضارب في القدم في الثقافة الاوربية

من بين طَيات الكُتب العتيقة انبعثت حِكايةُ التنين الأوروبي تروي مَلاحِمَ التضحية و الإباء. و من وحي تراث الأقدمين انطلقت الأسطورة بأمْتَعِ القصص إلى أقلام الأدباء. و لنبدأ في سرد قصة التنين الأوروبي علينا أن نتلمَّس بداياتها و ملامح نشأتها من خلال التسمية و جذورها. و لغويا، فإن معظم التسميات الأوروبية التي تُطلق على التنين كالمُفرَدَةِ "Dragon " الإنجليزية و "Drachen " الألمانية، تعود بأصولها إلى الكلمية اللاتينية "Draco " و التي تعني بدورها الحرص و الحذر أو المراقبة بانتباه. و من المُلاحَظ هنا أن "Draco " تشير إلى الكلمة الإغريقية "Drakon "، و هي دُميةٌ قُماشية على صورة كلب أو ذئب تم استخدامها من قِبل شعوب السّلاف قديما في حروبها بما يشبه الراية كما تشير بذلك نقوش عمود تراجان الأثري في روما، و هذه النقوش تُصوِّرُ إحدى حملات الإمبراطور الروماني تراجان على مملكة داتشيا جنوب شرقي أوروبا.

قصة القديس جورج - مار جرجس - مع التنين تعد الأشهر في التراث الاوربي والمسيحي

و شبيها بالتنين الصيني، فإنه يمتلك جلدا قشريا و قدرةً فائقةً على إطلاق النيران من جوفه. و يمتاز التنين الأوروبي بجناحين عظيمين كأجنحة الخفافيش، و و ذيل متين يمكنه من الدفاع عن نفسه. و بواسطة القراءة المتعددة في التراثيات نجد كثيرا من خصائصه، و من أبرز تلك الخصائص كانت المنافع السحرية لِدَمِه و الذي يجعل شاربه متمكنا من فهم لغة الطَّير.

بحسب المعتقدات والاساطير فأن التنين بأمكانه ان ينفث النار من فمه

دائما ما كانت تنظُرُ الشعوب الأوروبية إلى التنين على أنه كِيانُ العدائية و الشر، و ترسَّخت هذه النظرة في القرون الوسطى مع الحكايات التي تصوره دائما كحارس للكنوز المخزونة في القلاع أو الكهوف. بينما نجد أن الأساطير في شرقي أوروبا تذكُرُ التنانين غالبا كتوأمين يكون الذكر منهما مُدافِعا عن البشر على النقيض من توأمه الأنثى، و التي ترمز للشغب و الأذى. و بشكل مُعاكِس للصورة التي تبثها هذه الحكايات و الموروثات، فالتنين بات شعارا لغير واحِدَةٍ من المُقاطعات و المدن في شتى بقاع أوروبا، كمقاطعة ويلز البريطانية و مدينة ليوبليانا عاصمة سلوفانيا. و يمكن إرجاع هذه المكانة التي اكتسبها التنين إلى تصويره كحامٍ للثروات و صاحب سمات عدائية ضد المعتدين عليه، و التي أوجدت منه صورةً غير مباشرةٍ من صور الإباء أو الوطنية. و ربما يؤيد ذلك الرأي مني ما كان في حرب الوردتين الأهلية، فضمن هذه الحرب التي دارت رحاها لثلاثة عقود، اتخذت عائلة يورك التنين الأحمر رمزا لها خلال معركة "بو سورث"، بينما كان الخنزير الأبيض شعار عائلة لانكستر.

يعد التنين شعارا للعديد من الدول و الأسر الملكية والعوائل النبيلة في أوربا ..

و كما بدأت حديثي عن التنين الأوروبي أنهيه مسحورا بتلك العلاقة الأصيلة بين الإنسان و الأسطورة. تغيُّرٌ مذهل، و انقلاب على النمط السائد. و مع موجة الأفلام الكارتونية كسلسلة أفلام "Shrek " كان التأصيل لهاذا التغيّر، و كان تثبيت أركان ذاك الانقلاب. فمن كائن وحشي إلى حيوان أليف، و من كائن يُعبر عن الشرور انبثق رمز القومية و الإيباء.

3- التنين الإسلامي

صور من مخطوطات عثمانية وفارسية تعود للقرون الوسطى عن التنين

منذ 1400 عام، و غير بعيدٍ عن تلك الحضارات السالفة الذِّكر، سطعت أنوار حضارة جديدة ببشائر ثورة علمية و عملية هائلة. و مثلما انطلقت هذه الحضارة ممتدةً من الرقعة العربية إلى العالم شرقا و غربا، كذلك انطلقت بها مسيرةٌ معرِفِيَّةٌ من التجديد و الإِحياء. و من خصائص تلك المسيرةُ الإسلامية قيامها على ثوابت أصيلة من الإيمان الراسخ بالتوجيهات الدينية. و من هذا المنطلق آمن الكثير بوجود التنين كمخلوق غيبي وردت الأحاديث بوجوده. فهو كما تصوره الأحاديثُ حيَّةٌ عظيمةٌ سحوقٌ لها سبع رؤوس و قُدرةٌ على نفث النيران. و الحقيقة أنه ما من خبر أو حديث صحيح في ذكر التنين فقد أنكرها و ضَعَّفَها أهل المعرفة و العلماء.

استعاد التنين شهرته وشعبيته في السنين الأخيرة بسبب ظهوره في العديد من الأفلام السينمائية

و رغم تضعيف و إنكار الروايات التي تُثْبِتُ وجوده، فإننا نلاحظ توسُّعا كبيرا في ذكر التنين من قِبَلِ الإخباريين أو غيرهم من المُصنِّفين. فهذا الأبشيهي في كتابه "أطرف ما في المستطرف" تحت باب "ذكر الدواب و الوحوش" يقول واصفا إياه: "جسده كالليل، أحمر العينين لهما بريق، واسع الفم و الجوف"، أما في خبر نشأته فيقول: "و أول أمره يكون حيةً متمردةً ثم تطغى و تتسلط على حيوان البرِّ فيستغيث منها، فيأمر الله تعالى مَلَكاً فيحملها و يلقيها في البحر فتقيم فيه مُدةً ثم تتسلَّطُ على حيوانه أيضاً، فيستغيث منها فيأمر الله بإلقائها في النار فيعذب بها الكافرين". و هذه القصة التي أوردها الأبشيهيُّ و مع افتقارها لأصل تستند عليه، فإنها تُظهرُ تأثُّرا بيِّناً بالمأثورات التي تناقلتها الشعوب الوثنية القديمة. و من أبرز هذه المأثورات القصة الإسكندنافية التي تحكي عن "لوكي" كِيانُ الشغب في التقاليد النوردية و ابنه "يورمنجاند" الذي يُمثِّل أفعى عملاقة. و شبيها بما كتبه الأبشيهي، فإن "يورمنجاند" يستمر في النمو و التمرد على الأرض مما يُضطرُّ بِأبيه "لوكي" بإلقائه في البحر حيث يستمر في أفعاله المؤذية و التخريبية.

ختاما أقول..

هنا تنتهي قصة التنين، و معها تبقى تساؤلاتٌ لا زالت عَقَبَةً تواجهنا في سبيل إدراك المعارف الغائبة. و يظل باب الخيال مشروعاً لكل باحِثٍ و مُفكر، فلعل أحدهم يَنظُم من ضِياء الحقائق المتناثرة حكايةً أُخرى، أو يَنْسُج من خطى الأوائل طريقا للسائلين.

تاريخ النشر 13 / 09 /2015

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق