تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

جدات قاتلات : الجدة الأمريكية

بقلم : اياد العطار
fearkingdom@yahoo.com

العجائز لسن دوما لطيفات

معظم الناس ينظرون لكبار السن على أنهم مثال للمحبة واللطف والحنان , فهم عبق الماضي وبقية زمن ولى كانت فيه البساطة والطيبة هي العنوان , أو بالأحرى هذا ما يحلو لمعظم الناس تخيله عن الماضي وأناسه , وهي نظرة فيها الكثير من الغلو والشاعرية , فعجائز اليوم كانوا حتما شباب الأمس , وكانوا يرفلون بجميع الحماقات التي رافقت البشر منذ الأزل , كالعنف والقسوة والشهوة والأنانية والطمع ... وأنا بحكم سني الذي جاوز الأربعين عاما فقد عاصرت عنفوان الشباب للكثير من عجائز اليوم , وأذكر جيدا بأن - البعض منهم - لم يكونوا عنوانا لا للطيبة ولا للمحبة , بل كانوا نموذجا للحماقة والاستهتار , وربما فاقوا في طيشهم شباب اليوم . لكنهم اليوم بعد أن سقطت أسنانهم ووهنت عظامهم وزادت أمراضهم وخارت قواهم وخبت شهوتهم والتبست عقولهم .. صاروا كالحمل الوديع بعدما كانت الذئاب تخاف منهم وتخشاهم . وهذا هو حال الدنيا , فقد قالوا قديما : "كل قوي للزمان يلين" .

بيد أن هذا القول لا ينطبق على جميع العجائز , فالبعض منهم على ما يبدو لا تؤثر فيه عوامل الزمان , يظل كما هو , سيء الخلق والطباع , بل يصبح أسوأ , وأنا شخصيا , وربما أنتم أيضا , تلوع قلبي مرات على يد عجائز يعشقن إشعال الحرائق وبث الفتن وجرح مشاعر الآخرين بكلامهن المسموم , ظاهرهن الطيبة والحنان وباطنهن الخبث والدهاء , اتخذن من الشعر الأبيض والوجه المجعد والصوت المستكين قناعا وسبيلا ماكرا من اجل الوصول إلى مآربهن الشريرة. ومقالنا عزيزي القارئ يختص بهذا النوع من الجدات .

سفاحة ساكرامنتو

ولدت مع الكساد الكبير عام 1929 حيث كان اغلب الامريكان جائعين ومشردين

لو سألت أحدا من جيرانها عنها فسيخبرك فورا بأنها خير مثال للإيثار والتضحية في سبيل الآخرين , فهي تأوي العجزة والمسنين , خصوصا أولئك الذين لا يريدهم أحد , من مرضى ومدمنين ومشردين , تفتح لهم أبوابها وتحيطهم بأقصى درجات العناية والرعاية , مجانا أحيانا , وقد يمتد كرم نفسها وسخاء يدها ليطال الحيوانات أيضا , فكثيرا ما يراها الجيران وهي تستمتع بإطعام القطط المشردة والضالة في حديقة منزلها ...

تلك هي دورثي بونتي , العجوز الوادعة التي ما أن تراها حتى تقفز إلى ذهنك فورا صورة الجدة الطيبة الرءوفة الحانية .
لكن المظاهر كثيرا ما تكون خادعة ..

فما لا يعرفه الكثيرون , خصوصا جيران دورثي , هو أن هذه العجوز التي تبدو في غاية الرقة لها ماضي أسود كسواد الليل البهيم . وأن الكثير من الأكاذيب التي درجت على أخبارها للآخرين حول ماضيها لا وجود لها إلا في عقلها المريض . فهي لم تولد لوالدين ثريين من الجنوب .. لا .. هي ولدت في ريدلاند - كاليفورنيا عام 1929 لأبوين فقيرين يعملان كأجيرين في مزارع القطن , وقد صادف مولدها نحسا كبيرا , ففي تلك السنة وقع الكساد الكبير , وهي أزمة اقتصادية خانقة ألمت بالولايات المتحدة والعالم وخسر الناس بسببها وظائفهم ومدخراتهم وحتى منازلهم , وأنتشر جراءها الفقر والجوع والتشرد والمرض في كل مكان , وكان لعائلة دورثي نصيب من ذلك البؤس , حيث مات أبوها عام 1937 بمرض السل , ولحقته أمها بعد عام واحد , وانتهى المطاف بدورثي إلى دور الأيتام .

هربت لتتزوج بجندي شاب ..

كانت دورثي طموحة ومتمردة منذ نعومة أظفارها , هربت من الميتم في سن السادسة عشر لتتزوج بجندي عائد توا من ساحات الوغى في أوربا , حدث ذلك عام 1945 , وسرعان ما تكلل ذلك الزواج بإنجاب طفلتين جميلتين , لكن دروثي لم تحتفظ بالطفلتين , ربما بسبب أنانيتها , أو فقرها المدقع , فأرسلت إحداهما لتعيش مع أقارب لها في مدينة أخرى , فيما أعطت الثانية لزوجين قررا أن يتبنيانها .

ومن الأكاذيب الأخرى التي اعتادت دورثي تلفيقها هي أن زوجها الأول مات جراء سكتة قلبية , وذلك غير صحيح أيضا , فهو لم يمت , لكنه هجرها عام 1948 بعد أن أجهضت , تركها دون مال , فحاولت تدبر أمرها بتزوير عدد من الشيكات , لكن ألقي القبض عليها وسجنت لمدة ستة أشهر .

بعد خروجها من السجن أنجبت طفلة من علاقة عابرة مع رجل لا تعرفه التقت به صدفة في حانة , وكان مصير الطفلة هو التبني أيضا . دورثي مارست السرقة والبغاء لفترة قبل أن تتزوج من رجل يدعى اليكس جوهانسن , وذلك عام 1952 , وقد كان زواجا بائسا تعيسا بكل معنى الكلمة , فلم تلبث دورثي أن عادت لمشاكلها مع القانون , وألقي القبض عليها عام 1960 بتهمة إدارة بيت دعارة فنالت حكما بالسجن لثلاثة شهور , وما أن أطلق سراحها حتى عادت إلى السجن لثلاثة أشهر أخرى , هذه المرة بتهمة التشرد .

لاحقا عملت دورثي كمعاونة ممرضة , كانت وظيفتها تقتضي رعاية المسنين والعجزة , وعن طريق هذه المهنة تعلمت بأن الاحتيال والنصب على المسنين , خصوصا الذين لا يرعاهم أحد , أسهل بكثير من أنواع الجرائم الأخرى , فبدأت تتردد على الحانات لاصطياد المسنين , خصوصا المتقاعدين , كانت تقوم بتزوير إمضائهم ثم تستلم شيكات الرعاية الاجتماعية الخاصة بهم , لكن سرعان ما تم اكتشاف حيلتها وانتهت إلى السجن مجددا .

في عام 1966 تزوجت برجل يدعى روبيرتو بونتي , وذلك بعد أن حصلت على الطلاق من زوجها السابق , ولم يكن زواجها هذا أفضل حالا من سابقه , إذ انتهى هو الآخر إلى الطلاق بعد عامين . وفي عام 1976 تزوجت للمرة الأخيرة في حياتها من رجل سكير , ولم يدم هذا الزواج سوى بضعة أشهر .

منزل دورثي بونتي حيث وقعت الجرائم

في هذه الفترة بالذات انتقلت دورثي إلى منزل كبير في شارع 1426 F في ساكرامنتو وبدأت تؤجر الغرف للعجزة وكبار السن , كانت خطتها بسيطة , فهي تبحث عن المسنين الذين يحصلون على معونة الرعاية الاجتماعية الحكومية , كانت تستولي على الشيكات التي تصلهم وتودعها في حسابها البنكي . ولأن بعض أولئك المسنين كانوا يتذمرون جراء سرقة أموالهم , فقد قررت دورثي إسكاتهم إلى الأبد عن طريق قتلهم , وأولى الضحايا كانت صديقة لها تدعى روث مونرو انتقلت للعيش معها عام 1982 ولم تلبث أن ماتت جراء جرعة زائدة من الدواء , لكن الشرطة لم تشتبه بدورثي .

دورثي لم تتمكن طبعا من إسكات الجميع , فلقد تمكن أحدهم ويدعى مالكوم مكانزي من الاتصال بالشرطة وأتهم دورثي بتخديره وسرقة أمواله , فالقي القبض عليها وحكم عليها بالسجن لمدة خمسة أعوام .

خلال وجودها في السجن بدأت دورثي تتبادل الرسائل مع قريب لها متقاعد يدعى ايفرسون غلماوث – 77 عاما – وسرعان ما تطورت العلاقة بينهما إلى حب وغرام , وحين أطلق سراح دورثي مبكرا عام 1985 كان غلماونث ينتظرها بحرقة وشوق قبالة بوابة السجن بسيارته الفورد الحمراء , وقد عاش الاثنان معا لفترة وخططا للزواج , حتى أن غلماوث أفتتح حسابا بنكيا مشتركا مع دورثي , لكنه ما أن فعل ذلك حتى اختفى ولم يره احد بعدها ! .

بعد اختفاء غلماوث بفترة جلبت دورثي عاملا إلى منزلها وطلبت منه أن يصنع  لها صندوقا خشبيا يشبه التابوت , قالت بأن لديها أغراضا قديمة تريد أن تضعها في ذلك الصندوق , ولم تعطي العامل نقودا مقابل عمله , بل وهبت له سيارة فورد حمراء قالت بأنها لصديقتها ولم تعد تحتاجها . وحين انتهى العامل من الصندوق , وضعت فيه دروثي بعض الأغراض ثم أغلقته بأحكام , طبعا العامل لم يرى ماذا وضعت دورثي داخل الصندوق , لكنها طلبت منه أن يساعدها في نقل الصندوق إلى مخزن يقع في ضواحي المدينة , فوافق على ذلك وذهبا معا بالسيارة , وفي منتصف الطريق طلبت منه التوقف وجعلته يرمي الصندوق على ضفاف أحد الأنهر قائلة بأنه لا يحوي أمورا ذات قيمة ولا يستحق عناء دفع المال مقابل تخزينه .

بعدها بأشهر , في مطلع عام 1986 , كان أحد الرجال يصطاد على ضفة النهر حينما شاهد الصندوق وأرتاب بأمره فاخبر الشرطة عنه .

الشرطة فتحت الصندوق لتعثر داخله على جثة متفسخة بالكامل حتى أنهم لم يستطيعوا التعرف على هوية صاحبها .

دورثي بونتي .. الجدة الامريكية

دروثي استمرت بسحب المال من الحساب البنكي المشترك مع غلماوث وفي نفس الوقت كانت تتصل بعائلته وتخبرهم بأنه مازال يعيش معها لكنه مريض ولهذا السبب لا يتمكن من الحديث معهم .

في هذه الفترة بالذات شهد عمل دورثي توسعا كبيرا , كان هناك نحو أربعين نزيلا في منزلها , وأصبحت معروفة لدى موظفو الرعاية الاجتماعية على أنها السيدة التي تستقبل في منزلها حتى الحالات الصعبة والمزعجة , كالمسنين المدمنين على الكحول والعنيفين , طبعا دورثي لم تكن تفعل ذلك من اجل سواد عيون هؤلاء المسنين , لكن غرضها الأساسي كان الحصول على شيكات الرعاية الاجتماعية التي تصلهم شهريا عبر البريد , كانت تسرقهم , وكان البعض منهم يختفون دونما أثر فيما تستمر هي في استلام شيكاتهم .

لقد أزدهر عمل دورثي إلى درجة أنها كانت تودع شهريا مبلغ خمسة آلاف دولار في حسابها البنكي , ولقد استطاعت تجنب الشكوك والشبهات , لكن بعض الجيران بدءوا يشتكون من وجود رائحة كريهة مصدرها قبو منزلها , فأحضرت دورثي رجلا مشردا سكيرا يدعى جيف وأخبرت الجميع بأنها تبنته وأنه أصبح مساعدا لها . وسرعان ما بدأ جيف يحفر في القبو بإشراف دورثي , لم يعلم أحد لماذا يفعل ذلك , لكنه كان ينقل أشياء تحت جنح الظلام من القبو ويدفنها في الحديقة , ثم قام بصب أرضية القبو بالخرسانة , ولم يره احد بعدها !.

في نوفمبر عام 1988 طرق المحقق جون كابريرا باب منزل دورثي , زيارته لم تكن لها علاقة بأي شبهات أو شكوك تحوم حول دورثي , بل كانت زيارة روتينية الغرض منها السؤال عن عجوز مصاب بالفصام اسمه الفارو مونتويا كان موظفو الرعاية الاجتماعية قد أبلغوا عن اختفاءه .

كابريرا لم يعثر على مونتويا في منزل دورثي , لكن أثناء خروجه من المنزل شاهد حفرة كبيرة تم ردمها حديثا في الحديقة , ولسبب ما لا يعلمه هو نفسه , قادته غريزته إلى أن يطلب من رجاله أن ينبشوا تلك الحفرة , فشرعوا بالحفر , وما لبثوا سوى برهة حتى ظهرت لهم جثة بشرية , كانت تعود لإحدى النزيلات وتدعى ليونا كاربنتر . وبمزيد من الحفر تم العثور على 7 جثث أخرى .

في قاعة المحكمة

العجيب أن الشرطة لم تلقي القبض فورا على دورثي , بل سمحوا لها بالخروج لشرب كوب من القهوة في مقهى مجاور , وقد فرت طبعا ما أن خرجت من المنزل , هذه المرة إلى لوس انجلوس , هناك تعرفت على صاحب فندق وصادقته , لكنه تعرف على صورتها صدفة بينما كان يشاهد أحد البرامج التلفزيونية التي تتحدث عن الجرائم فأبلغ الشرطة عن مكانها .

الشرطة ألقت القبض على دروثي وتم تقديمها للمحاكمة بتهمة القتل , ولا يعلم على وجه التحديد كم عدد ضحاياها , لكن الشرطة تعتقد بأنها قتلت ما بين 9- 11 إنسان . وقد طالب الادعاء العام بإنزال أشد العقوبات بحقها , أي الإعدام , شارحا للمحلفين كيف كانت تقتل ضحاياها بكل برود ودناءة عن طريق تخديرهم ثم خنقهم بالوسادة . لكن محاميها استعطف المحلفين بالتطرق إلى طفولتها البائسة والأثر الذي تركته على تصرفاتها ونفسيتها .

بالنهاية حصلت دورثي على حكم بالسجن لفترتي مؤبد من دون إمكانية الحصول على عفو . وطوال السنوات التي قضتها في السجن كانت دورثي تصر على أنها بريئة , وبأن جميع أولئك المسنون ماتوا جراء أسباب طبيعية ولم يقتلهم أحد .
في عام 2011 ماتت دورثي بونتي في زنزانتها لأسباب طبيعية .

-------------------

يتبع : الجدة الروسية

المصادر :

- Dorothea Puente - Wikipedia
- DOROTHEA PUENTE AND THE BOARDING HOUSE OF DEATH

تاريخ النشر 07 /10 /2015

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق