تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
مقالات من نفس القسم
أحدث مواضيع النقاش
تجارب الرعب والغرائب
تجارب من واقع الحياة
اختبارات عقلية

مخيّلة مجرم

بقلم : أسامة حواسي - الجزائر
للتواصل : Oussama9432@gmail.com

أخرج سكينه التي عادةً ما يشحذها بعد كل جناية


كان ينظر بسكون إلى سطح المكتب المطلي بدماء ضحاياه .. و هو يردّد و يتفوّه بكلماتٍ بالكاد يستطيع أيّ مخلوق تفسيرها ..ثم أصبح يتنفّس بلهفةِ , كأنه ولِدَ محروماً من الهواء !

جدران غرفته كلّها مصبوغة بدهانٍ اسود , اللون الذي يحسبه يمثّل كل شيءٍ يهواه و يعشقه...

أخذ مارك ينظر من النافذة لعلّه يلمح أحداً , ليكون طبقه الرئيسي لهذا اليوم !

تنهّدَ قليلاً و اقترب ينظر بتمعّن من ذاك الزجاج البارد .. ثم رسم ابتسامة النجاة لروحه الشريرة , لأنه وجدَ اخيراً من يطفئ ولههُ ليومٍ إضافي .

أخرج سكينه التي عادةً ما يشحذها و يعتني بها , بعد كل جناية يرسمها على جبين ناصيته .. ثم همَّ بالخروج ..

عند اقترابه من الشخص المطلوب .. رسمَ مارك ابتسامته المزيفة , و ضمّنها بضحكةٍ خفيفة .. و برودة الأجواء تزامنت مع تجمّد شعوره الإنساني ... فتقدّم من الضحيّة و بادره التحيّة , و سأله : إن كان غريباً عن الحيّ ؟

و فعلاً كان قادماً من مدينة بعيدة ... لذا أكمل مارك تمثيليته الخبيثة على (فيلون) و هو يتفنّن بسحب ما تبقى من طيبته الملفّقة أمامه...و أستحسن فيلون بدوره عفويّة مارك , المشبّعة بكل سوءٍ و شرّ كان يجهله ....

و تابع الشابان حديثهما ..فطلب مارك من فيلون مرافقته إلى حفلٍ صاخب , جنوبَ المدينة .. لأن الحاكم قد رزق بمولود , و الحفلة هي اعلان فرحته بقدوم وليّ العهد ...

فرافقت موافقة فيلون بابتسامةٍ قد تكون الأخيرة له على وجه الدنيا , التي عاش فيها أربعةٌ و عشرون عاماً ...

اما نفس مارك الشريرة فهاجت بفرح لحصولها على ضحيةٍ جديدة , تُرضي اهواءه التي تعشق الأذى !

سحب مارك نفْساً عميقة , ممزوجة بخبث نيته ..ثم أخبر فيلون : أنه من المستحسن أن يذهب الآن , لأن غداً يومٌ طويل سَيُخلّد في ذهن فيلون...
طبعاً سيخلّد في ذهنه لأنه سيفقد روحه قريباً , لتذهب إلى بارئِها حبواً على نصف ساقِ .. لأنَ الساق الأخرى ستقطعُ حتماً !

افترق الصديقان المؤقّتان .. حيث وصل مارك إلى بيته المخيف , و باشر بتجهيز العدّة اللازمة لخطف روح فيلون المسكين...

أما في الجانب الآخر .. فقد كان فيلون يهيّىء ملابسه التي سيرتديها و يستعرضها في الحفلة الصاخبة , التي سيكون مفعولها عكسياً على حياته ... هذا ان بقيَّ منها شيء !

ذهبَ المجرم إلى مخدعه و هو يقوم برسم مخطّطٍ في عقله , لتقطيع جسد فيلون : أيبدأهُ يا ترى من الرأس نزولاً , أم من الداخل تشريحاً ؟!

تعِبَ دماغ مارك من تحليل في طريقة تقطيع القتيل .. و أقتنع أنَ الأشياء القادمة قد تلزم المرء في اتخاذ إجراءات و تغيرات منوطة بظروفها...

أقبلَ الصباح الساكن , و تقاطيع نور الشمس بالكاد تخترق سحب مدينة لندن الداكنة .. ارتشف مارك كوب الشايّ الساخن..و خرج من منزله .. منادياً على فيلون الذي يبعد عنه أمتاراً , محسوبة على دقّات قلب مارك المشتاق إلى تجرّع الدماء !

خرج فيلون و سلّمَ على من سيدفع لروحه رحلةً مدفوعة التكاليف , على حساب سكينة مارك المشحوذة بالحقد و الغلّ , و فكره المرتبط بإِبادة الآخرين !

راحَ الشابان في طريقهما نحو الحفل .. لكل منهما نيّة مختلفة , و لكل نيّة هدف , و لكل هدفٍ حدود...

وصلاَ متأخّرين إلى حفلة الحاكم .. ذهب مارك إلى مقصورة المشروبات ..و نادى على فيلون كجزء من خطته , التي لم يدرسها جيداً من كثرة العشوائية التي راودته , عندما كان يحاول النوم الليلة الماضية ..

تقدّم فيلون نحو المجرم , و تسلّم كأسَ النبيذ من يده... كان مارك قد أشبع الكأس بمخدرٍ , يجعل الناس تظن أنَ فيلون قد بلغ مرحلة السُكر لا محالة .. و شرب ضحيته المستقبلية الكأس , كأنه لم يذق نبيذاً من قبل ! و كأن شهيته فاتحةً للموت بابها ... و من بعدها , تبادل الطرفان أطراف الحديث..

و بعد مرور فترة من الوقت ... كان فيلون يهمّ بمغادرة الدنيا شيئاً فشيئا ..و رفيق دربه يقهقه في نفسه , ولوّ سمع فيلون قهقهته الوضيعة , لما رافقه طيلة الأيام المنقضية .. خاصة لو عرف بأن صورة جثّته ستضاف قريباً الى بقيّة صور ضحايا مارك , التي زيّن بها حائط غرفته !

سقط فيلون و أخذت أنفاسه تدقّ الأرضية ..و تجمّع الناس من حوله يستخبرون أحواله .. و يحاولون جعله يفيق , لكن دون جدوى !

فقد تغلّبت النيّة الدنيئة لمارك على النيّة الطاهرة للجميع ...و الذي صرخ بأعلى صوته , و أخذ يُبعد الناس المتجمّعين حول فيلون .. بعد ان اخرج من جيبه , هويةً مزيفةً لطبيب ..

ثم أخبرهم أن فيلون أفرط في الشراب , و عليه أخذه الى منزله بحكم الصداقة التي تربطهما ..
نعم !! صداقة تجمع السفّاح مع ضحيةِ لا حول لها و لا قوّة !

و اخيراً استطاع المجرم اخراج ضحيّته من الحفل.. و نادى سيارة أجرة...

فتوقفت السيارة ..و أدخل فيلون اليها , و جلس بجانبه .. و صار مارك يمدح نفسه على هذا الإنتصار .. رغم ان عينيه تحسبان المسافة أميالاً , رغم ان الحفل لا يبعد كثيراً عن منزله ...

وصل المجرم اخيراً إلى بيته .. ألقى معطفه على الكرسي .. ثم أخذ يجرّ ضحيته إلى الحمّام , و وضعه داخل الحوض .. لأن تشريحه هناك سيكون اقل فوضى

ثم اقترب منه بسكينته المعدّة لإجرامه .. و قد مرّرها على عنق الضحية , قبل لحظات من استيقاظ فيلون.. ثم أبتعد ليرى دماء الحياة بحسناتها و سيئاتها تفور من عنق فيلون ! كان هذا من أجمل اللوحات التي رسمها مارك و أروعها على الإطلاق !!

بعد مدةٍ قصيرة ..أحسّ القاتل أنَّ أمراً مريباَ يسيطر على ضحيته ! أو أنَ هلوسة جالت في مخيلته : بأن فيلون لازالَ يتنفّس !

تقدّم مارك منه و وضع السكين مرّة أخرى على رقبته ..

و هنا !! حدثت المعجزة ! حيث مدّ فيلون يديه إلى عنق مارك , و صار يضغط على اوداجه بقوّة .. الى ان بدأ مارك يحسّ بالإختناق .. و فجأة ! أصبح كل شيء من حوله سواداً دامساً !

و هنا !! استيقظ مارك فزعاً من نومه , و راح يتلمّس عنقه بقلق ! ..

ثم هبّ قائماً من مكانه و اقترب نحو الزجاج , راسماً ابتسامة الناجية لروحه ...

و صار يترقّب الشارع من خلال نافذته , باحثاً عن ضحيته الجديدة !

تاريخ النشر : 2016-01-19

شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق