تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

جدتي رحمها الله و والوسواس

بقلم : عبدو عبد الرحيم العرائشي المغربي - المغرب
للتواصل : abdou86awad@gmail.com

تخرج أحيانا ليلا حافية وفي عز عواصف الشتاء القارص

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته رواد الفضاء الكابوسي .. لدي العديد من القصص عن العالم الآخر والتي سأحكيها لكم إن شاء الله تعالى كلما سنحت الفرصة ، وهذه إحدى القصص التي حيت وكبرت معي ولازمتني منذ الصغر ومنذ أن كانت نسبة مساحة تخزين قرص العقل لازالت فارغة ... قصة المرحومة جدتي رحمها الله وأسكنها الله فسيح جناته وأتمنى منكم جميعا الترحم عليها ...

كانت جدتي من مواليد 1929 والكل يعرف ذلك الجيل وما عاناه من المر ، أم لخمسة أبناء وأراد القدر أن تعيش بقية حياتها في منزلنا ، يعني مع أبي حيث كنا عائلة من 9 أفراد بمن فيهم جدتي و والداي ، بعدما تخلى عنها أعمامي وعمتي وأداروا أوجههم عنها وكأنها ليست أمهم وذلك بعد أن مرضت بمرض لعين هو موضوع القصة .
عشنا وقضينا فترة طويلة وجميلة بحلوها ومرها بمنزل حكومي متوسط قريب من مقر عمل أبي ، حيث كان مثل مجمع سكني حكومي للموظفين وقد كانت أغلب المساكن والإدارات متبقية أو تم إصلاحها من دور تبقت من أيام الاستعمار الاسباني الذي كان مستوطنا هناك في يوم من الأيام ، ببلدة تعتمد جل ساكنتها من الفلاحين البسطاء على الفلاحة كمصدر للعيش والمعروفة كذلك بقصص وحكايات العالم الأخر منذ زمان بعيد.

المهم لما كانت جدتي بصحة جيدة ، كانت تعامل أمي المسكينة تلك الفتاة العروس الشابة ابنة المدينة والتي لا تعرف الكثير عن الأشغال الشاقة بالمنزل والطبخ...الخ بتسلط كبير و قسوة أحيانا ، و نفس الشيء مع أهل أمي لذلك كانت تحدث مشاكل كبيرة بين كل الأطراف أمي وأبي من جهة وجدتي رحمها الله وأهل والدتي من جهة ، قاربوا فيها في بعض الأوقات إلى إعلان الطلاق لكن في الأخير كان صبر الحبيبة أمي هو ما يمكن أن أسميه كل حياتي وحياة إخوتي الآخرين ... تصوروا معي أن جدتي رحمها الله التي آذت أمي في الماضي تحول أذاها إلى حب أكبر من حبها ، لأبنائها (أعمامي) ... تصوروا أعزائي منظرا لم يمحى من بالي إلى اليوم وهو ، عندما قاربت جدتي من الموت بأيام كانت لا تتعرف إلا على أمي فقط ، الكل من أعمامي يدخلون غرفتها يسألونها من أنا يا أمي؟ فلا يلقون جوابا أبدا وكأنهم غير موجودون وعندما تسألها أمي من أنا يا عمتي؟ كانت تومئ برأسها المتثاقل والذي أسلم نفسه للبارئ وكأنها تقول أنت كل شيء أتعلمون لماذا ؟ لأن أمي خدمت جدتي أكثر من ابنتها لما مرضت سنة 1989 حتى وفاتها في 2002 وقابلت الأذى بالجميل وما أدراك ما تلك الخدمة ؟على العموم تبقى هذه المقدمة مجرد سطور بدون فائدة إلا بالنسبة لمن أراد أن يستخلص بعض العبر.

في بادئ الأمر وبعد سنة أو سنتين من زواج أبي وأمي وسكنهما بذلك المجمع والمعروف بقصص الجن وقد سبق أن حكيت قصتي المعنونة بـ " تلك الفرقعة " والتي جرت بنفس المكان تقريبا .. في مغرب ذات يوم خرجت جدتي من المنزل لتأتي بشيء من الخارج فوجدت أن كلبتها وأبنائها الأربع ينامون ب "الكانون" وهو مصطلح بالدارجة المغربية يعني الموقد حيث قديما كانت تنتصب ثلاث أو أربع جلاميد وتحتها الحطب والرماد وهو يستعمل إما للطهي أو لتسخين ماء الاستحمام ... فقامت بضربها بعصا لتقوم من هنالك ففي الحال شلت يدها وساعدها الأيمن ولم تعد تقوى على تحريكهما ... كانت فعلا حالة مس جزئي لأحد الأعضاء وهو ساعدها ... عرض أبي جدتي على العديد من الأطباء بلا جدوى الكل يقول نفس الشيء " ليس بها شيء " وذراعها سليمة .. حينها جربوا العلاج الروحي فأخذها أبي لفقيه مشهور آنذاك بمدينة أصيلة القريبة ، يقول أبي أنه بمجرد أن دخل أبي وجدتي بباب الزاوية ضرب الفقيه على وجهه غاضبا قائلا " لا أعلم لماذا ضربتها ما الذي فعلته لك ؟ " قال هذا وهو لازال لم يعرف شيئا عن ما حدث ، فقد كانت الكلبة مسكونة بجنية.

طلب ذلك الفقيه طلبا غريبا من أبي من أجل علاج جدتي ، في بادئ الأمر قرأ عليها آيات قرآنية وطمأنهم بالعلاج إن شاء الله بشرط وهو الذبيحة وكذلك طلب من أبي أن يذبح دجاجة ذات ريش أسود كله ، واشترط أن لا تكون ولو حتى بقعة صغيرة جدا لونها مخالف للأسود ويقوم بطبخ ريشه بالماء الساخن و أن تتعرض جدتي لذلك البخار وكذلك كان ... الأغرب في ذلك الرجل أنه عندما كانوا ذاهبين سأل جدتي " هل تعرفين فلانة ؟ " أجابت بنعم فقد كانت تلك الفلانة جارة جدتي في يوم من الأيام والتي كانت قد مرت من تلك الزاوية قبل شهور من أجل علاج ابنها من مس .. وأخبرها الفقيه أمرا غريبا ، قال لها " أرجوك أن تبلغي تلك المرأة أنها إن لم تفي بوعدها وهو إحضار الذبيحة أنه سوف يموت أبناؤها كلهم " أحس أبي بنبرة جدية في كلام الرجل فأوصلوا الرسالة لتلك المرأة لكنها لم تف بوعدها بسبب بخلها مع العلم أنها كانت تملك قطيعا لأبأس به ، أتدرون ما حصل أصدقائي ؟ لقد توفي أبناؤها الخمسة منهم الشباب والمتزوجون واحدا تلو الآخر في مدة زمنية تفصل موتهم بين الشهر والشهر والنصف وبأسباب مجهولة.

لا حول ولا قوة إلا بالله مع أن المنطق والعقل وكل شيء يذهبان إلى الضد إلا أن هذا ما حصل فعلا ، المهم جدتي شفيت والحمد لله بعدما طبقت ما قاله ذلك الفقيه وأصبحت تحرك ذراعها كما كانت من قبل والأغرب أن ذلك الفقيه توفي بعد شهر من علاج جدتي لكن المستقبل كان يخبئ لها الأصعب..

سنة 1989 وبسن الستين قررت جدتي رحمها الله أن تحج فقد أفنت عمرها تجمع المبلغ الذي سيوصلها إلى هناك ، وبالفعل جمعت المسكينة ذلك المبلغ وقررت ، لكن عند اجتياز الفحص الطبي أكد الطبيب لأبي أنها أضحت كبيرة في السن وأن ذهابها قد يعرضها للخطر الكبير إلا أنها رفضت الفكرة وقالت أنها ستذهب ولو جاءها الموت أينما حلت ...

المهم أنها ذهبت للحج وذات يوم وأثناء أداء مناسكه وبالضبط الطواف (كان معروفا آنذاك أنه كان لكل بلد هناك رجال يمسكون بأيادي الحجاج الكبار في السن والعجائز والأميين والذين لا يعرفون الطريقة أو لا يستطيعون تذكر عدد الدورات كان مثل دليلهم ) آنذاك وفي لحظة ما وبعد انجاز عدد معين من الدورات أحست المسكينة بالتعب الشديد فما كان إلا أن أطلقت من أيادي فرقتها وسقطت ، حينها أصيبت بنوبة هلع وخوف كبيرين جدا على حد تعبيرها المرحومة ...

من هناك نقلوها إلى المكلفين بأمرها ومنذ ذلك الوقت يقول الناس الذين كانوا معها هناك وتقول هي كذلك أنها منذ تلك اللحظة تبدلت وتحولت إلى انطوائية وذات ذهن مشغول وشارد دائما ... بعد إتمامها للفريضة عادت إلى الديار محملة بالهدايا لنا ولجميع أفراد العائلة ... أقاموا لها حفلة بمناسبة عودتها ... لكن بعد أربعة أيام جاءها ما كان ينتظر المسكينة ، حيث بدأ والداي يستفيقان ليلا ويجدان المسكينة تتكلم وحدها وبصوت عال ، يسألونها ما بك تقول لهم عودا للنوم لاشيء أحبائي فقط أتكلم مع نفسي ..

تطور مرضها وأصبح أكثر حدة وخطورة ومرت السنين والليالي وكبرنا جميعا وأصبحنا نعرف كل شيء ، صدقوني كنت أنام قربها يا سادة وأسمعها ليلا كاملا تتكلم وتتوعد وتشتم بأسماء أناس لا نعرفهم لكن أسمائهم أعلام عربية متعارفة لدى الإنس ، الأخطر أنها عندما يشتد المرض تخرج أحيانا ليلا حافية وفي عز عواصف الشتاء القارص تجري فوق البرك المائية وتجري تتبع السراب وتتوعد وتصيح وتشتم - رحمها الله - حالتها كانت مستعصية جدا ، أحيانا تشتم امي ووالدي و تأتيها نوبة من القيء اللاإرادي وكذلك تبولها لا إراديا ...

وكم من مرة نخرج ليلا نبحث عنها نجد الباب مفتوحا وفراشها الدافئ فارغا نسرع في الثالثة والثانية والواحدة ليلا باحثين نجدها في حالات يرثى لها ، حتى أصبح أبي يحكم الباب ليلا بكل المقافل لكن يا ويلنا عندما يدوي صوتها ليلا تقوم الحرب من حولنا لنفتح لها الباب ولا ينفع الحوار أو أي شيء فهي تكون شبه مخدرة تشتم أناسا ليسوا بيننا وعيناها في السماء تزمجر وتغضب حتى تخور قواها حتى تنام من شدة الإعياء وتطلب من أمي طلبات غريبة أحيانا ، لكن أمي المسكينة لا تقول " لا " و قد توقظها في الثالثة ليلا لتقول لها أعدي العشاء للناس أنهم فوق السطح وهم ضيوفي أو أعدي الشاي والحلوى إنهم قادمون فتقوم أمام مرأى من عيوننا الصغيرة والبريئة المستيقظة في وقت ليس للصغار نشاهد ونسجل بأدمغتنا الصغيرة ما يحدث ، تقول لنا أمي ناموا أحبائي وتذهب إلى المطبخ وتعد كل شيء وتقوم بكل طلبات جدتي بدون رفض فقد كانت أمي نعم المحبة لأبي وأبناؤها ...

مرت السنين حتى أصبح كل شيء عاديا وهرمت المسكينة وأصبحت لا تقوى على النهوض وكانت يدها ورجلها هما أمي المسكينة لكن فمها لم يكل من الكلام مع الماورائيين الملعونين الذين تقول أنهم يسيئون لها ، وبقيت على تلك الحال حتى أواخر أيامها قبل موتها بشهور قطعت الكلام بتاتا.. كانت تمر أحيانا من فترات لا نحس أنها مريضة لكن لا يلبث أن يمر يومان وثلاثة تأتيها تلك الحالة.
الغريب أني كنت الأعز عندها و كنت أنام قربها وأسمع وأرى تصرفاتها وكلامها الذي إن سمعه غريب ظن أنها تتشاجر مع جيش عرمرم ، لكني لم أكن أخاف أبدا أقوم لأشعل لها النور أو أحضر لها الماء لتتشرب أو أحضر لها آنية تتقيأ بها(حاشاكم) أحيانا قد أقوم إلى 5 مرات في الليلة الواحدة ..

الأغرب والأدهى والمحير أن أبي لم يترك طبيبا ولا راق ولا زاوية طيلة سنين طوال حتى يئسنا من حالتها المرعبة ، فالطبيب يقول ليس بها شيء وأعضائها سليمة والراقي يرقيها فلا يجد أي شيء ، ذات مرة بقي معها أبي وأمي 3 أيام في زاوية من أجل علاجها بالرقية لكن بدون جدوى حتى الراقي نفسه احتار من أمرها وتعب وقال أنها فقط تتعذب هنا بالزاوية ليس بها أي شيء لكنهم كلهم لا يعرفون ما بها المسكينة وما تعانيه فقط هي وحدها من تعرف وقد توفيت سنة 2002 وهي تحمل سرها الأبدي الدفين معها وحدها ووحدها فقط لا أحد استطاع المعرفة أو ساعدها كل من يحتار في الأمر يقول انه مرض الوسواس ... أي وسواس هذا انه الحرب يا سادة ... صراعها دام 13 سنة و ياله من مرض أحبائي وقاكم الله تعالى ... رحمها الله وجعل الجنة مثواها ورحم الله كل موتى المسلمين .

تاريخ النشر : 2016-03-22

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق