تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

اعترافات الكساندر بيرس : الرجل الذي أكل رفاقه

بقلم : اياد العطار
fearkingdom@yahoo.com

هناك مواهب وقدرات تثير الدهشة ..

كلنا نخشى الموت , حتى ذاك الذي ينتحر يخشى الموت , لكن يأسه يغلب خوفه . خشيتنا الموت تجعلنا نتمسك بالحياة إلى أبعد الحدود , وقد نقدم على أمور خارجة عن تصورنا من أجل أن نبقى أحياء , إنها غريزة موجودة لدى جميع المخلوقات , أنظر إلى القطة الوادعة المسالمة , أحصرها في زاوية وراقب كيف ستكشر عن أنيابها وقد تخدشك بمخالبها .. وحديثنا اليوم عن رجل وجد نفسه محصورا في زاوية , ما بين المنايا التي تترصد خطواته وبين أفواه جائعة تتأهب لالتهامه , فماذا فعل ؟ .. وكيف نجا ؟ .. تلك قصة تفوق الخيال في مجرياتها ووحشيتها .. لكن مقتضيات قصتنا تستلزم أن نحدثكم أولا عن سكان أستراليا , فلعلك عزيزي القارئ لا تعلم بأن ما يقارب ربع سكان أستراليا اليوم تنحدر أصولهم من مجرمين مدانين تم ترحيلهم ونفيهم من بريطانيا (انجلترا , ويلز , اسكتلندا , ايرلندا ) بين عامي 1788 – 1868 ليقضوا مدة عقوبتهم في تلك القارة النائية والبعيدة عن الحضارة آنذاك .

المجرمون يتم نفيهم إلى استراليا بواسطة السفن ..

ونحن هنا لسنا بصدد الخوض في أسباب ودوافع ترحيل 165000 مدان (خمسهم من النساء) من الجزر البريطانية إلى استراليا خلال 80 عاما , فالغاية من هذا المقال هي التطرق لقصة غريبة مرعبة وليس إعطاء درس ممل في التاريخ وعلم الاجتماع , لكن بما أن كابوس هو موقع ترفيهي لا يخلو من ثقافة , لذا دعونا نشرح لكم باختصار شديد هذه القضية الحساسة في تاريخ أستراليا وبريطانيا لعلكم تنتفعون منها في حديث عائلي أو جلسة مع الأصدقاء ... ففي ذلك الزمان كانت بريطانيا تعيش بواكير الثورة الصناعية , وكانت مدنها الكبرى مكتظة بشدة بالسكان , إذ هاجر الناس من الريف إلى المدينة للحصول على عمل في المصانع , ونتج عن ذلك وضع مأساوي شاذ , إذ خلا الريف من فلاحيه فيما لم تعد المدن تستوعب سكانها , فأزداد الفقر , وأنتشر الجهل , وغدت الشوارع قذرة - بأسوأ ما تعنيه مفردة قذارة في ذهنك - , وأضحت الطرقات تعج بالسكارى والعاطلين , وتفشت السرقة والجرائم إلى درجة أصبح الناس يخشون السير في الطرقات . وبالرغم من صرامة القوانين البريطانية آنذاك , حيث كانت عقوبة الإعدام تطبق لأتفه الجرائم , كسرقة أرنب مثلا , غير أن الإعدامات الكثيرة لم تضع حدا للجريمة المتفشية في كل مكان , كما شعر القضاة بأن عقوبة الإعدام قاسية جدا ولا تتلاءم مع حجم الجرم في أغلب الأحيان , لذا جاء الإبعاد والنفي كأفضل خيار للتخلص من المجرمين أولا , والتخلص من فائض السكان ثانيا , ولإراحة ضمير القضاة ثالثا . وكانت أمريكا هي الجهة الرئيسية التي ينفى إليها المدانون , لكن باستقلال المستعمرات الأميركية (الولايات المتحدة) عن التاج البريطاني عام 1783 أضحت استراليا هي السجن الواسع الذي يرسل إليه المدانون .

ارسل بيرس إلى هوبارت عاصمة تاسمانيا والتي كانت آنذاك مستعمرة صغيرة ..

بطل قصتنا كان واحدا من أولئك المدانون الذين حملتهم سفن التاج البريطاني عام 1819 إلى استراليا , وقد تحسب عزيزي القارئ بأننا نتحدث هنا عن مجرم خطير , لكن الكساندر بيرس لم يكن كذلك , كان لصا ايرلنديا , وما أكثر اللصوص آنذاك , جريمته تنحصر في سرقة ستة أزاوج من الأحذية , عوقب عليها بالنفي سبعة سنوات إلى هوبارت ,  وهي اليوم عاصمة جزيرة تاسمانيا وكبرى مدنها (تاسمانيا جزيرة تقع جنوب استراليا وتابعة لها) , لكنها في ذلك الزمان لم تكن سوى مستعمرة صغيرة لاستقبال المجرمين المنفيين من أنحاء الإمبراطورية البريطانية .

كانت المستعمرة معتقلا مفتوحا يخضع لقوانين صارمة , الكثير من المدانين حسنوا سلوكهم خلال تواجدهم هناك , البعض منهم أمضى فترة نفيه بسلام ثم عاد للوطن , لكن الغالبية العظمى منهم رفضوا العودة وانخرطوا في الحياة كمستوطنين فتزوجوا وكونوا عائلات , وهؤلاء هم أجداد نسبة كبيرة من مواطني أستراليا اليوم . وهناك أيضا من المدانين من لم يرعوي , وأستمر في سلوكه الإجرامي في المنفى أيضا , ومنهم بطل قصتنا , الذي عوقب بالجلد عدة مرات لأسباب عدة من بينها سرقة بطات وديك رومي , والسكر وعدم إطاعة الأوامر , ومحاولة الفرار وعدم إخبار المسئولين عن مكان تواجده , وسرقة عربة حمل يدوية .. ولأن آخر العلاج هو الكي كما يقال , فأن أمثال بيرسي من المدانين الذين لا يتوقفون عن كسر القوانين كانوا يرسلون إلى أشد الأماكن رعبا وانعزالا , إلى جزيرة سارة الصغيرة التي تقع وسط خليج صغير يسمى ميناء ماكواري .

في الأعلى صورة مضيق بوابات الجحيم وفي الوسط صورة جزيرة سارة وفي الاسفل آثار السجن الذي كان قائما على الجزيرة

جزيرة سارة في الحقيقة لا تبعد سوى أميال قليلة عن الساحل الغربي لتاسمانيا , لكن الوصول إليها برا كان مستحيلا في ذلك الزمن , لأن معظم أجزاء تاسمانيا كانت بقاع مجهولة آنذاك , كان الناس يتهيبون الدخول في عمق الغابات المطيرة الموحشة التي تفصل ما بين شرق تاسمانيا حيث مستعمرة هوبارت وغربها حيث تقع جزيرة سارة , القليلون الذين تجرئوا ودخلوا لاستكشاف الغابات لم يعودوا أبدا . وعليه فأن الطريق الوحيد للوصول إلى جزيرة سارة كان عبر البحر , كانت السفن تدور حول تاسمانيا لتصل إليها , وحتى هذا الطريق كان محفوف بالمخاطر , لأنه يستوجب عبور مضيق خطير يدعى "بوابات الجحيم" , وهو أسم على مسمى , إذ يعد من أخطر الأماكن البحرية وأكثرها غدرا بالسفن التي تحطم الكثير منها وهو يحاول إيصال المحكومين إلى الجزيرة , وعليه فأن الكثير ممن كانوا يعاقبون بالسجن في الجزيرة كانوا يموتون غرقى في مياه البحر قبل وصولهم أصلا , أما أولئك الذين تكتب لهم النجاة من مياه المضيق القاتلة وتطأ أقدامهم ارض الجزيرة الجهنمية فسرعان ما يلعنون حظهم السيئ ويتمنون لو أن المضيق أبتلعهم قبل أن يروا هذا الجحيم الأرضي .

كانت أرض الجزيرة مغطاة بأشجار الصنوبر العملاقة , لكنها أرض غير قابلة للزراعة , ولم تكن هناك حياة برية تذكر , لذا كان البحر هو مصدر الغذاء الرئيسي لسكان الجزيرة من السجناء , وقد تسبب ذلك بموت الكثير منهم جراء سوء التغذية , فيما مات آخرون جراء الإسهال والإسقربوط وكذلك التسمم بفطريات خبز الشعير الذي كان يخزن لفترات طويلة ويقدم للسجناء . وكانت ظروف الاحتجاز سيئة للغاية , الطقس مطير وبارد , والسجناء المنهكين يعملون طوال النهار في قطع أشجار الصنوبر , وينامون ليلهم على أرضيات صخرية صلبة , وتتم معاقبتهم لأتفه الأسباب , مجرد النظر إلى وجه الحارس , أو التكلم بدون أذن , كانت عقوبتها مئات الجلدات . ولم يكن هناك من سبيل للفرار , فالمضيق القاتل بالمرصاد لمن يحاول الفرار بحرا , أما من يحاول الفرار برا فهناك أميال لا تنتهي من الغابات التي لم تطأها أرض إنسان تفصل عن أقرب مستعمرة . كان السجناء يطلقون على فكرة الفرار من الجزيرة أسم "ما وراء المستحيل" , بالنسبة لهم كان درب الخلاص الوحيد من جحيم الجزيرة  هو أن تقتل زميلك فيتم شنقك , وهو درب طواه عدد غير قليل من سكان الجزيرة التعساء .

لكن استحالة الهرب لا يعني بأن أحدا لم يجربه , فاليأس والغضب يدفع الناس أحيانا لتحدي المستحيل .

طفح كيلهم من حياة السجن القاسية وقرروا الهرب

في يوم 20 أيلول / سبتمبر 1822 كان هناك ثمانية سجناء يعملون في قطع أشجار الصنوبر على الجانب الشرقي من الجزيرة , كان قد طفح كيلهم وضاقوا ذرعا من حياة السجن البائسة فقرروا الهرب مهما كانت العواقب , كانت خطتهم تقتضي مهاجمة الحارس المشرف وتكبيله ثم سرقة قارب والهرب بواسطته عبر المضيق إلى الصين .. طبعا بالنسبة لمعظم الناس في ذلك الزمان كانت المعلومات الجغرافية خاطئة ومضللة , كانوا يظنون أن الصين مجاورة لأستراليا وأنه لا يفصل بينهما سوى مضيق أو نهر كبير ! .. لذا فأن معظم المدانين الذين فروا من أستراليا وتاسمانيا خلال القرن التاسع عشر كانوا يعتزمون الوصول إلى الصين .. لكن أحدا منهم لم يصل إلى هناك لأن هناك في الواقع 5000 ميل تفصل بين أستراليا والصين .

بطل قصتنا , الكساندر بيرس , كان واحدا من أولئك المدانون الثمانية الذين خططوا للهرب , وقد نجحوا فعلا في الجزء الأول والأسهل من خطتهم , أي السيطرة على المشرف وتكبيله , فهم في الواقع لم يكونوا يخضعون لحراسة مشددة , فإدارة السجن لم تكن تخشى فرار السجناء لأنه كان أمرا مستحيلا برأيها .

لكن الجزء الثاني من خطة الهرب سرعان ما باء بالفشل , فمياه المضيق كانت أصعب من أن تعبر بقارب صيد صغير , كما تعرض السجناء الفارون للمطاردة مما أجبرهم على الرسو بقاربهم على الساحل الغربي لجزيرة تاسمانيا القريبة , ثم انطلقوا إلى داخل الغابات المظلمة وأرضها الوعرة التي دأبت على ابتلاع الناس لكنها نادرا ما لفظت أحدا منهم مرة أخرى . وللعلم فأنه حتى في أيامنا هذه هناك عدد قليل من فرق الاستكشاف وعلماء الطبيعة المزودون بأحدث التجهيزات والكثير من المؤن يجرؤون على الدخول لاستكشاف تلك الغابات المخيفة .

خارطة توضيحية لجزيرة تاسمانيا

كان السجناء يعلمون أن مستعمرة هوبارت تقع على الطرف الآخر من الجزيرة , وأن عليهم السير نحو الشرق باستمرار لكي يصلوا إلى هناك , لكنهم لم يكونوا يعلمون كم يفصلهم عن الوصول إلى هناك , ويوما بعد آخر بدت لهم تلك الغابات كأنها بلا نهاية , كانوا يسيرون من الصباح حتى المساء , في ارض مجهولة مطيرة وبدون طعام , لم يكن هناك طرائد , وحتى لو وجدت فهم عاجزون عن صيدها والإمساك بها , لم يكونوا يحملون أسلحة , كان معهم فأس وحيدة يحملها سجين يدعى روبرت جرينهيل , وقد عين نفسه قائدا للمجموعة بمساعدة سجين آخر يدعى ماثيو ترافيرس .

كان الخوف مسيطرا على عقول أولئك الرجال الثمانية وهم يمضون على غير هدى في ظلمة تلك المتاهة العظيمة , كان الجوع هو هاجسهم الأكبر , فالجوع كافر عزيزي القارئ , ربما معظمنا لم يجرب الجوع الحقيقي , أي أن تمضي أياما من دون أن تأكل أي شيء , ذلك لن يؤثر على جسدك فقط , بل على عقلك أيضا , سيجعلك تهلوس , وقد يدفعك لفعل أمور لا تتخيلها , وهذا هو بالضبط ما حصل مع أولئك الرجال اليائسين , فبعد خمسة عشر يوما من السير المتواصل والإنهاك والجوع في عمق الغابة المطيرة والباردة توصلوا لقرار خطير : يجب على أحدهم أن يقتل ويؤكل لكي يعيش البقية ! ..

قرروا ان يقترعوا فيما بينهم ..

بالطبع لم يتطوع أيا منهم لكي يؤكل من قبل زملاءه , لذلك قرروا الاقتراع بسنابل الحشائش التي تغطي أرض الغابة , أخذوا ثمانية سنابل وقطعوها بالتساوي ما خلا واحدة جعلوها أقصر من البقية , ثم امسك جرينهيل بالسنابل في يده وطلب من كل واحد أن يستل سنبلة , وصاحب السنبلة الأقصر هو الخاسر الذي يجب أن يؤكل من قبل زملاءه . ولك عزيزي القارئ أن تتخيل الرعب الذي تملك أولئك الرجال وهم يمدون أصابعا مرتجفة ليستلوا السنابل واحدة بعد الأخرى , ولم يمضي وقت طويل حتى ندت صرخة مخيفة عن أحدهم , السجين الكساندر ديلتون , كان هو صاحب السنبلة الأقصر , وقف لبرهة ممسكا بتلك السنبلة اللعينة يتأملها برعب فيما عيون زملاءه تتأمله كأنه خروف العيد ينتظر الذبح ! , وأدرك الرجل المسكين بأن الأمر ليس مزحة حين نظر إلى وجوه رفاقه المتحفزة للانقضاض عليه فقفز مذعورا وركض نحو عمق الغابة محاولا الفرار , لكنه لم يبتعد كثيرا , إذ أحاط به الرفاق من كل جانب , امسكوه وثبتوه , لم يأبهوا بتوسلاته , وخلال لحظات أجهز عليه جرينهيل بالفأس , ثم قاموا بتقطيعه أربا وأوقدوا نارا وضعوا عليها اللحم والشحم والكبد والمخ والرئة ... لم يتركوا شيئا لم يأكلوه .. سوى العظام والشعر والأظافر.

الكسندر ديلتون وقد امسكوا به وخلعوا ملابسه استعداد لذبحه واكله ..

كانت تلك ليلة رهيبة بحق , لكنها أيضا الأولى منذ خمسة عشر يوما التي ينام فيها السجناء الفارين قريري العين عن شبع , بيد أن نشوة الشبع سرعان ما تبخرت وتحولت إلى رعب مطبق حين استيقظ السجناء في الصباح التالي , فالسؤال الأول الذي خطر ببالهم هو : من سيكون التالي ؟ ..

هذا الهاجس المخيف دفع اثنان من السجناء إلى ترك المجموعة ومحاولة العودة إلى سجن جزيرة سارة , وقد نجحا في الوصول إلى الساحل فعلا لكن لفظا أنفاسهما هناك جراء الإنهاك والجوع . هذا ترك خمسة أحياء فقط في مجموعة الفرار الذين استمروا في المسير باتجاه الشرق على أمل أن يكون خلاصهم قريب , مستعينين بخبرة جرينهيل الذي كان بحارا سابقا ولديه معرفة بحركة ومواقع الشمس والنجوم . لكن الأيام مرت بسرعة من دون أي بوادر على قرب انتهاء رحلتهم , وأطبق الجوع عليهم من جديد , فقرروا التضحية بشخص آخر , ووقع ألاختيار هذه المرة على توماس بودينهام , فذبحوه واكلوه كما فعلوا في المرة السابقة .

والآن لم يبق سوى أربعة أحياء , روبرت جرينهيل ومساعده ماثيو ترافيرس , إضافة إلى بطل قصتنا الكساندر بيرس وسجين آخر يدعى جون ماثر . ولأن جرينهيل كان هو من يحمل الفأس ويقود المجموعة مع صديقه ترافيرس , لذا فأن الضحية التالية كان لا يعدو أن يكون بيرس أو ماثر , وقد وقع الاختيار على ماثر , هذه المرة لم يقترعوا , بل أتفق الثلاثة الآخرين على قتله , باغتوه على حين غرة , قطعوه بالفأس وأكلوه .

بيرس ادرك بأنه سيكون الضحية التالية ..

أن مشكلة اللحم البشري بحسب الخبراء هو أنه غني بالبروتينات لكنه يفتقر إلى الكربوهيدرات (السكريات) التي تعد مصدرا رئيسيا لطاقة الجسم , وعليه فأنك مهما أكلت من اللحم البشري فسرعان ما ستشعر بالجوع وسترغب في الأكل مجددا خصوصا حين تكون في خضم رحلة مرهقة تستنزف طاقتك باستمرار , وعليه فقد أيقن صاحبنا , الكسندر بيرس , بأنه الضحية التالية , وبأنها مسالة وقت فقط حتى يقوم جرينهيل وصديقه ترافيرس بقتله وأكله. لكن شيئا حدث خارج التوقعات غير مجريات الأحداث تماما , إذ تعرض ترافيرس للدغة أفعى , جرينهيل أصر على أن يحملوه , ساروا به لمدة خمسة أيام , لكن بنهاية اليوم الخامس أدرك جرينهيل بأن لا أمل يرتجى من نجاة صديقه وأنه ميت لا محالة , فقتلوه وأكلوه , وهذه المرة , لشدة إنهاكهم , لم يطبخوه , بل أكلوا لحمه نيئا .

لم يبق الآن سوى جرنهيل وبيرس , أصبح الأمر بينهما أشبه بلعبة القط والفأر , فكلاهما يريد أكل الآخر ويتحين الفرص , وكان جرينهيل هو صاحب الحظ الأوفر , فهو من يحمل الفأس , لكن بيرس كان حذرا جدا , كان يحمل بيده عصا غليظة ولم يعط أي مجالا للمباغتة . ومرت الأيام تترى , أدرك الرجلان خلالها بأن نهاية الطريق مازالت بعيدة , وبأن النجاة معقودة لمن يقتل صاحبه أولا ويأكله . وبمرور خمسة أيام على آخر وجبة تناولاها , كان الرجلان قد أنهكا تماما , وكلا منهما قد عقد العزم على الغدر بالآخر .

تمكن من قتل جرينهيل ..

حين حل الظلام وأرخى الليل سدوله , أيقن الرجلان بأن من ينام منهما أولا سيقتل ويؤكل على يد صاحبه , لذا قاوما النوم قدر المستطاع , وكأنهما في مسابقة , ولك أن تتخيل الموقف عزيزي القارئ , رجلان منهكان ومستنزفان تماما ينامان إلى جانب بعض وكل منهما يحاول أن يبقي عيناه مفتوحة لئلا يقتله صاحبه .. يالها من محنة ! .. وقد كان النصر معقودا في هذه المسابقة الغريبة من نوعها لبيرس الذي أستطاع أن يقاوم النعاس حتى أستسلم جرينهيل للنوم وغفت عيناه , فنهض بيرس وأستل الفأس من بين يدي جرينهيل وانهال بها على رأسه فقتله ثم مزق جثته أربا وأستمتع بالتهام اللحم لوحده .

بمقتل جرينهيل كان قد مضى على فرار المجموعة 42 يوما , لم يبق سوى بيرس , ولم يعد هناك من يؤكل , كانت أرض الغابة قد أصبحت أقل وعورة الآن , لكن لم يكن هناك أي أشارة على أن الرحلة قد شارفت على الانتهاء , فالغابة الخضراء مازالت تمتد إلى ما لا نهاية تماما كما كانت في بداية الرحلة . وأغلب الظن كان بيرس سيموت وحيدا في غياهب تلك الغابة المطيرة ويصبح نسيا منسيا لولا أن الأقدار تدخلت مرة أخرى , فبعد عدة أيام على مقتل جرينهيل , وبينما بيرس يسير منهكا وجائعا ويائسا بين جذوع أشجار الصنوبر العملاقة إذ عثر على مخزن طعام لسكان الجزيرة الأصليين , وكان من عادتهم أن يخبئوا بعضا من صيدهم في جوف الغابة ليستعملوه في أوقات الضنك , وكانت تلك جائزة كريمة وغير متوقعة للص وقاتل بمستوى الكساندر بيرس! .

صور حقيقية لغابات تاسمانيا ..

أخيرا , بعد رحلة استمرت لمدة 55 يوما خرج بيرس حيا من الغابة , كانت نجاته أشبه بمعجزة , ومرة أخرى كان الحظ حليفه , إذ لم يكد يخرج من الغابة حتى صادف قطيعا من الغنم , وكان الراعي صديقا قديما له , فأواه وأطعمه ولم يسلمه إلى السلطات , وسرعان ما عاد بيرس إلى سيرته القديمة , فأصبح يسرق الأغنام من المزارع المجاورة بمساعدة صديقه الراعي , ولم يمض أقل من شهران حتى ألقي القبض عليه مجددا .

العجيب أن بيرس أعترف للقاضي – والذي كان قسيسا أيضا – بكل شيء وبالتفصيل الممل , كيف فر من جزيرة سارة وكيف قتل زملاءه واحدا بعد الآخر وأكلهم , لكن القاضي لم يصدق تلك الرواية , ظن بأن بيرس يختلق كل هذه الأمور ليغطي على زملاءه الذين فروا معه وأنهم مازالوا أحياء في مكان ما من المستعمرة . وربما كان مع القاضي حق في أن لا يصدق القصة , فمنظر بيرس لا يوحي لمن يراه بأنه أمام سفاح متوحش . كانت ملامح وجهه بريئة وذو قامة قصيرة لا تتجاوز 160 سم.

القاضي قرر إعادة بيرس إلى جزيرة سارة , أما شريكه راعي الغنم فقد أعدم شنقا لأنه كان فارا من الخدمة العسكرية .

عاد بيرس إلى جزيرة سارة , وكان قد مضى على فراره منها 113 يوم . السجناء هناك استقبلوه كبطل , كيف لا وهو الشخص الذي حطم أسطورة جزيرة الجحيم ونجح في الفرار منها .

ويبدو أن صاحبنا بيرس كان مجبولا على التمرد , فلم تمض على عودته سوى أشهر قليلة حتى فر مرة أخرى , هذه المرة بصحبة سجين شاب يدعى توماس كوكس , وعلى العكس من رحلته السابقة قرر بيرس هذه المرة أن لا يدخل إلى الغابة وأن يسير نحو الشمال بمحاذاة الساحل الغربي لجزيرة تاسمانيا . وهي خطة سرعان ما أثبتت فشلها , إذ ألقي القبض عليه بعد 11 يوما من فراره , كان وحيدا , وبتفتيش ملابسه عثروا على قطع لحم وأجزاء من جثة بشرية , فأعترف بيرس بأنها تعود لكوكس , العجيب أنه كان يحمل مئونة جيدة من الطعام , وعليه فأن قتل والتهام لكوكس ليس له ما يبرره .

صورة لجثة بيرس بعد اعدامه مباشرة ..

وبسؤاله عن سبب قتله لكوكس , قال بيرس بأنهم وصلوا إلى نهر وكان عليهم عبوره , فأخبره كوكس بأنه لا يجيد السباحة , فتملك الغضب من بيرس لأن شعر بأن كوكس سيكون عقبة وسيؤخره , فقرر قتله , وحين سألوه عن سبب ألتهامه لكوكس مع أنه يحمل طعاما كافيا , أجاب بأنه يستلذ بأكل اللحم البشري! .

كانت اعترافات بيرس صادمة حقا , صحيح أن أكل لحوم البشر لم يكن شيئا فريدا في استراليا وتاسمانيا ونيوزيلندا حيث أن السكان الأصليين في تلك البقاع النائية لم يكونوا يتورعون عن أكل لحوم جثث أعدائهم , إلا أنها المرة الأولى التي يسمع فيها برجل أبيض يأكل لحما بشريا . والأدهى بأنه لم يلتهم اللحم البشري بدافع الجوع فقط , بل اللذة أيضا .

تمت محاكمة بيرس بسرعة ومن دون أن يحظى بمحامي , ونال حكما بالإعدام شنقا حتى الموت .

في الساعة التاسعة من صباح يوم 19 تموز / يوليو عام 1824 تم تنفيذ حكم الإعدام في الكساندر بيرس الذي كان حينها في الرابعة والثلاثين من عمره  . ويقال بأن آخر جملة نطق بها بيرس قبل إعدامه كانت التالي : " إن لحم البشر لذيذ , طعمه أطيب بكثير من لحم السمك والخنزير" !!.

وقد أمر القاضي بأن تسلم جثة بيرس إلى الهيئات الطبية للاستفادة منها في دروس التشريح , ولازال الجزء العلوي من جمجمته موجودا ومعروضا في أحد المتاحف الاسترالية .

صورة لجمجمة الكساندر بيرس

قصة الكساندر بيرس نالت شهرة واسعة , العديد من الروايات وكتب التاريخ تناولتها , وتم تصوير عدة أفلام عنها , نذكر منها الفيلم الوثائقي (الاعتراف الأخير لالكساندر بيرس) عام 2008 , وفيلم الرعب (سلالة الموت) عام 2008 , وفيلم (أرض فان ديمن) عام 2009 .

ختاما ..

كل الشرائع والأعراف اجتمعت على تحريم أكل لحم البشر , لأنه أمر مقزز ودنيء , أللهم إلا في حالة الضرورة القصوى , كأن لا يبقى أي شيء آخر ليؤكل , حينها يباح أكل لحوم الموتى من البشر . وقد حدث ذلك مرارا عبر لعصور و ومازال يحدث في بعض بقاع الأرض المنكوبة بالمجاعة . برأيي الشخصي فأن أكل لحم البشر أمر سيء وحقير وغير مقبول أطلاقا , لكن هناك ما هو أسوأ وأحقر منه , وهو أكل لحوم الناس وهم أحياء , بالنهاية لا أظن بأن الميت سيتألم لو قطعوا لحمه وأكلوه , لكن المؤلم حقا هو أن تقتل آمال الأحياء وتئد طموحاتهم , تأكل أموالهم بالخداع وتستولي على ثرواتهم , ذلك أمر يحدث للأسف كل يوم على أيدي بعض الساسة والمسئولين الفاسدين , ولا أرى الناس تستبشعه كاستبشاعهم لأكل لحم البشر , لا والأعجب من ذلك أن هناك من يصفق ويهلل لهؤلاء , وهناك من بلغت به السذاجة حدا أن يمضي كل عدة أعوام ليعيد انتخاب نفس اللصوص الذين سرقوه وأكلوا لحمه خلال الأعوام السابقة .. حقا لله في خلقه شؤون ! .

المصادر :

- Alexander Pearce - Wikipedia
- A journey through hell's gate
- Pushed to the edge: doco reveals Tasmania's cannibal past
- Mapping the Cinematic Journey of Alexander Pearce
- The Last Confession of Alexander Pearce

تاريخ النشر 22 /03 /2016

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق