تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
مقالات من نفس القسم
أحدث مواضيع النقاش
تجارب الرعب والغرائب
تجارب من واقع الحياة
اختبارات عقلية

أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا؟ - (2) - مصر

بقلم : د. مؤمن احمد عباس
drahmed_momen@yahoo.com

النيل .. شريان الحياة في مصر

أ- قحط وغلاء ووباء

مرحبا بكم..

في المقال السابق تحدثنا عن الويلات والمجاعات التي ألمت ببغداد والعراق طوال تاريخها الإسلامي..
والتي أودت إلى القحط والجوع الذي دفع الناس لأكل أي شيء وكل شيء فقط حتى لا يهلكوا جوعا..
فأكلوا الحشرات والفئران والقطط والكلاب والجيف..
ثم وصل بهم الأمر لأكل لحم البشر..سواء كانوا موتى أو أحياء يذبحونهم أو ينتظرون موتهم ثم يأكلونهم..
وكما توقعت..أثار المقال في نفوس الكثيرين مشاعر التكذيب والذهول فضلا عن التقزز والغثيان..
الكثير منكم لم يصدقوا أو يعوا ذلك الجانب المظلم من تاريخ الأجداد..ولهم كل الحق في ذلك..
وربما خفف من الوطء قليلا استنادي فيما ذكرت على مصادر موثقة لثقات لا يتطرق الشك إلى صدقهم كالطبري والمسعودي والهمذاني وغيرهم..ثم جاء أخي الرائع إياد ليخفف الكثير من الوطء بحنكته في تعليقه عندما أشار إلى نقاط في غاية الأهمية أجملها فيما يلي:

1- نحن بشر ككل البشر وما يسري على البشر يسري علينا
2- يجب علينا أن نتجرد من الأهواء حينما نطالع مثل تلك المقالات حتى لا نميل مع الهوى فنبتعد عن الحكم الصائب
3- يجب أن نطلع أكثر على تاريخنا لنرأب القصور لدينا في جهلنا به

واليوم ها نحن سويا نستكمل تلك السلسلة من المقالات..
سنتحدث اليوم عن (مصر)..
ولقد صدق (هيرودوت)(1) عندما قال تلك الجملة الخالدة:
(مصر هبة النيل)..
فالباحث المتعمق سيجد أن هذا البلد ارتبط عبر التاريخ ارتباطا وثيقا وجذريا بنهر النيل..
عندما يفيض ويجود بمائه..تفيض (مصر) بالخير..ويعم الرخاء..     
وعندما يتقهقر يعم البلاء والجدب في أنحاء البلاد..
هكذا تاريخ (مصر)..
ارتباط وثيق بهذا النهر بدأ مع بدء الخليقة..ولن ينتهي إلا بقيام الساعة..
حيث إن اقتصاد (مصر) كان- في المقام الأول- اقتصادا زراعيا يعتمد اعتمادا أساسيا على الري من ماء النيل.. يقول (القضاعي)(2) فيما نقله عنه (ياقوت الحموي)(3)في كتابه (معجم البلدان):
(ومن عجائب (مصر).. النيل.. جعله الله لها سقيا يزرع عليه ويستغنى به عن مياه المطر)
وبدون إطناب غير محبب دعوني أدخل في الموضوع مباشرة..
فموضوعنا اليوم طويل بحق..برغم سعيي الحثيث للاختصار قدر الإمكان..
لذلك هيا بنا نلج التاريخ مباشرة...

...................................................................................

ادرك الفاتحون العرب اهمية مصر ووفرة خيراتها

أقْدم العرب المسلمون على فتح مصر وهم يدركون حقيقة قدراتها العظيمة وخيراتها الوفيرة..
ولا شك أن مصر الإسلامية كانت تتمتع بقسط وافر من الغنى والرخاء..حتى إنها كانت - في رأي عمرو بن العاص- تعدل دولة الخلافة بأكملها ونعتها بعض الخلفاء بأنها :(سلة الخير) 
كما أنها كانت تعد خزانة أمير المؤمنين..
لكن رخاء مصر لم يسلم من بعض الأزمات الاقتصادية التي كانت تقطع حبل ذلك الرخاء من وقت لآخر..
وقد أصاب المقدسي(4) حينما قال في كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) عن مصر:
(هذا إقليم إذا أقبل فلا تسأل عن خصبه ورخصه وإذا أجدب فنعوذ بالله من قحطه)
يقول المقريزي(5)في كتابه (إغاثة الأمة بكشف الغمة):
(ولم تقتصر الأزمات الاقتصادية في مصر الإسلامية على فترة من تاريخها دون أخرى بل حدثت هذه الأزمات في كافة عصور تاريخ مصر الإسلامية: عصر الولاة.. العصر الطولوني.. العصر الإخشيدي.. ثم العصر الفاطمي)
وتجدر الملاحظة هنا إلى أن كثرة ما وصل إلينا عن المجاعات والملمات التي حدثت في العصر الفاطمي لا يعني بالضرورة أنه كان العصر الأسوأ..بل إن ذلك يعود إلى قلة الوارد إلينا من تاريخ القحوط التي ألمت بمصر في غير ذلك من العصور..
وأعود فأقول إن استقرار الدولة الفاطمية بمصر وبقائها ردحا من الزمن كالخلافة العباسية ببغداد جعل المؤرخون يلتفتون لتوثيق الكوارث التي عصفت بمصر في ذلك العصر..
وقبل أن نستعرض الكوارث والأزمات الاقتصادية التي ألمت بمصر دعونا أولا نستقصي أسبابها..
والسبب الأساسي كما أسلفت هو النيل..فالحياة في (مصر) كانت ومازالت وستظل مرتبطة بنهر النيل:

1- فيضان النيل:

صورة قديمة لفيضان النيل قبل بناء السد العالي

كان الري بمصر قديما ريا حوضيا يعتمد على فيضان النيل لذلك سعى المصريون منذ القدم لإنشاء الخلجان والترع..وكان يوجد قبل الفتح الإسلامي بمصر 7 خلجان هي:
خليج سخا وخليج دمياط وخليج منف وخليج المنهي وخليج السردوس وخليج الإسكندرية..
أما خليج أمير المؤمنين فقد جدد حفره عمرو بن العاص في ولايته الأولى على مصر لتحل عليه الميرة إلى أهل الحجاز في المجاعة المعروفة التي وقعت بعام الرمادة..
وفي العصر الإسلامي شقت خلجان أخرى كخليج أبي المنجا الذي أمر بحفره الأفضل بن بدر الجمالي في خلافة المستعلي بالله الفاطمي سنة 506هـ نزولا على نصيحة أبي المنجا بن شعيا اليهودي المصري..
ثم كانوا يبنون السدود على فوهات الخلجان والترع قبل الفيضان وكانت تبنى من الحلفاء والطين..وكان يبنى السد وراء الآخر فكان الري يتم على مراحل..
ثم كانوا يبنون الجسور لحفظ ماء الفيضان من التسرب ولتنظيم عملية الري..
يقول ناصر خسرو(6) الرحالة الفارسي الذي زار مصر في عهد المستنصر بالله الفاطمي في كتابه (السفرنامه):
(إن المصريين أنشئوا على الشاطئ من أول الولاية  إلى آخرها جسرا من الطين ليسير عليه الناس وتصرف خزينة السلطان  كل سنة للعامل المعتمد عشرة آلاف دينار لتجديد عمارته وصيانته..
وكان لنيل مصر وصفه على جميع الكور..فكان مائة وعشرون ألف رجل معهم المساحي وآلات يعملون طول العام..يخصص منهم سبعون ألفا للصعيد وخمسون ألفا لأسفل الأرض (الوجه البحري) ومهمتهم حفر الخلجان وإقامة الجسور والقناطر وسد الترع وقطع القصب والحلفا وكل نبت يضر بالأرض..وكانت الحكومة تنفق في هذا الصدد نحو ثلث خراج البلاد.. وقد يزاد في الإنفاق إذا اقتضى العمل ذلك)
وعني المصريون عناية فائقة بقياس فيضان النيل لتقدير الخراج على الأرض الزراعية من ناحية ومن ناحية أخرى للتنبؤ بسني الشدة والرخاء فأقاموا لذلك المقاييس العديدة على طول مجرى النهر في أسفل الأرض (الدلتا) وفي أعلاها (الصعيد)..والمقياس عبارة عن عمود من رخام قائم مقسم إلى أذرع وأصابع..ومن أشهر تلك المقاييس مقياس (منف)..
وكان الحد اللازم لري الأراضي هو بلوغ المنسوب 14 ذراع واصطلح على تسميته بحد الكفاية..وكان هذا في عهد الدولة الفاطمية..أما الحد الأنسب للرخاء فكان 16 ذراع واصطلح على تسميته بحد الوفاء..أما حد الفيضان فكان 18 ذراعا واصطلح على تسميته بحد الاستبحار..وهو الذي يهدد المدن بالفيضان والغرق..
وجدير بالذكر أن نقص مياه النيل لم يكن يؤثر فقط على الريِ والزراعة بل كان له أسوأُ الأثر على التجارة الداخلية التي كانت تعتمد اعتمادا رئيسيا على نهر النيل في نقل البضائع بين أنحاء البلاد..
إذ كان نقص ماء النيل يعطل سير المراكب مثلما حدث في سنة 398هـ التي نقص فيها ماء النيل نقصا كبيرا
قال يحيي بن سعيد الأنطاكي(7)في كتابه (صلة تاريخ أوتيخا):
(صار النيل مخائض تخوضه الدواب فأدى هذا إلى انقطاع سير المراكب في البحر الشرقي من المحلة..
وقد كان تعطل المراكب-بطبيعة الحال- يهدد بغلاء الأسعار في المدن الكبرى كالفسطاط التي كانت تعتمد في ميرتها على ما يأتيها من الأقاليم وعلى نشاط التجارة الداخلية..)
يؤكد ذلك ما ورد في بردية من أوراق البردي العربية التي جمعها البروفيسير هنريك جروهمان(8)..
كانت هذه البردية المفقود أولها موجهة من أولي الأمر إلى صاحب المكس بميدان القمح سنة 91هـ وفيها يحث من وجه تلك الرسالة صاحب المكس على أن يسرع بإدخال القمح إلى الفسطاط حتى لا يغلو سعره ويخبره أنه أعفى التجار من المكس على القمح تشجيعا لهم على سرعة إدخاله إلى المدينة..
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن تعطيل تجارة القمح كان يؤدي إلى غلو الأسعار وحدوث أزمة اقتصادية..وهو الأمر نفسه الذي كان يحدث إذا تعطلت المراكب بسبب نقص مياه النيل..
ولم يقتصر وقوع الأزمات الاقتصادية على حالات قصور النيل وحدوث الظمأ أو القحط وإنما كانت تحدث بعض الأزمات في حالات الاستبحار التي تنجم عن زيادة مفرطة لماء النيل..
يقول الأنطاكي:

مقياس النيل .. العمود كان يستخدم لقياس ارتفاع المياه

(حيث إن الأماكن التي تستبحر يدوم مكوث الماء عليها فيفوت أوان زراعتها.. وكان حد الاستبحار إذا بلغه النيل استبحر من البلاد ربع الأراضي الزراعية.. وإذا تخطت الزيادة ثمانية عشر ذراعا كانت العاقبة في انصرافه حدوث وباء..)
وهنا يظهر العامل النفسي الذي تحكم في علاقة المصريين بنيلهم أبد الدهر..
إنه الخوف من الغد..أو كما اصطلح على تسميته..الاستشعار..
فعندما كان الناس يستشعرون عدم بلوغ النيل حد الوفاء أو أثناء الاضطرابات السياسية وانتقال الحكم من دولة إلى دولة..كانوا يعمدون لتخزين الغلال مما يؤدي إلى الاحتكار والغلاء..يقول المقريزي:
(كان الناس دائما إذا توقف النيل في أيام زيادته أو زاد قليلا يقلقون ويحدثون أنفسهم بعدم طلوع النيل فيقبضون أيديهم على الغلال ويمتنعون عن بيعها رجاء ارتفاع السعر ويجتهد من عنده مال في خزن الغلة إما لطلب السعر أو لطلب ادخار قوت عياله فيحدث بهذا الغلاء فإن زاد الماء انحل السعر وإلا كان الجدب والقحط.. ففي كتمان الزيادة عن العامة فائدة وأجل عائدة)
وباختصار كانت هناك دورتان تحيقان بمصر وتتسبب أيهما في حدوث المجاعة:

أ- دورة1: (عدم وصول النيل حد الكفاية-خوف الناس وتخزين الغلال-موت المزروعات وانعدام التجارة الداخلية-ارتفاع الأسعار-نفوق الماشية أو ذبحها للتخلص من عبء مئونتها وأكل لحمها-قحط وجدب ربما يصحبه الوباء-تكاثر الموت-ثورة الجياع وأكل الجيف والميتة-تدخل الحكومة بضرب الخبازين والطحانين وخازني الغلال- انحلال الأزمة)
ب- دورة2:(وصول النيل حد الاستبحار-غرق المزروعات والماشية-غلاء ومجاعة ووباء-تكاثر الموت...)

2- نفوق الماشية:

اعتمد الاقتصاد المصري على الزراعة منذ القدم

كان فيضان النيل يسبب فساد المراعي وقلة الأعلاف فيؤدي ذلك إلى نفوق أعداد كبيرة من الماشية فضلا عن إصابتها في بعض الأحيان بالطاعون فيتفشى الموت فيها ويتعذر اللحم كما يتعذر وجود مواشي لحرث الأراضي الزراعية فتحدث المجاعة..

3- الآفات الزراعية:

كانت الآفات الزراعية من العوامل المسببة للأزمات الاقتصادية في مصر الإسلامية فقد كانت هذه الآفات تتلف المحاصيل وتأتي على معظمها وكان من هذه الآفات:
أ-الفئران:
ب- الجراد:
حيث كان الجراد والفئران يزيدان في بعض السنوات زيادة رهيبة فيأتيان على كل المزروعات..

4- الأوبئة والطواعين:

يقول المقريزي:
(وكان الوباء غالبا ما يبدأ في المدن المزدحمة بالسكان خصوصا مدينة الفسطاط لسوء أحوالها الاجتماعية والصحية.. فقد كانت الفسطاط مدينة مزدحمة بالسكان أشد الازدحام وكانت شوارعها ضيقة وترابها تثيره الأرجل فتتكدر منه أرجاؤها ويسوء بسببه هواؤها فيجعلها هذا الهواء السيئ المترب عرضة للوباء الَذي يتفشى بين الناس في سرعة بسبب ضيق الشوارع واكتظاظ المدينة بالناس لذلك كان المياسير من أهل المدينة يهربون إلى الريف من الوباء إذا حل بالفسطاط)

5- الثورات والفتن

6- الهجرات الداخلية والخارجية:

حيث كان الناس ينقلون الأوبئة معهم أثناء فرارهم منها سواء من الفسطاط للأقاليم أو العكس أو من الشام والعراق لمصر في وقت لم تكن هناك أي دراية بمفهوم الحجر الصحي ومنع السفر..مع ملاحظة حدوث زيادة في السكان نتيجة الهجرة إلى مصر تتسبب في إحداث مجاعة..

7- تزييف النقود!!

8- الحرائق.

9- الزلازل.

.............................................................................................

والآن مع استعراض لبعض الأوبئة والمجاعات التي وقعت بمصر على مدار تاريخها الإسلامي:

1- عصر الولاة: (21 - 254هـ/ 641 - 868م):

كان الناس يهربون من المدن عند وقوع الوباء

يقول ساويرس بن المقفع(9) في كتابه (تاريخ البطاركة):
(حدث سنة 28هـ  في ولاية عبد الله بن أبي السرح غلاء لم يحدث مثله من زمن قلوديوس وإلى أيامه فسار كل من في الصعيد إلى الريف في طلب الغلة.. وكان الناس مطاريح في الأزقة والأسواق أمواتا مثل السمك المدمس على برك الماء.. وكان يموت في كل يوم عدد كبير)
يقول المقريزي:
(في سنة 66 هـ وقع الطاعون بمصر ومات فيه خلق عظيم..
وفي سنة 70 هـ وقع طاعون آخر ووباء بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان فخرج عبد العزيز من الفسطاط هاربا إلى حلوان التي أعجبته فاتخذها سكنا وجعل بها الحرس والشرط والأعوان..
وإذا كان عبد العزيز قد هرب من وباء فقد كان قدره أن يلقى حتفه في وباء آخر نزل بالفسطاط أيضا سنة 85هـ.. وفي سنة 87 هـ غار النيل فلم يبق منه شيء..وعم الغلاء..وتكرر ذلك بعد تسعة أعوام في عهد عبد الله بن عبد الملك بن مروان وكانت شدة عظيمة فتشاءم الناس من ابن عبد الملك وسموه مكيسا وانتهى الأمر برحيل عبد الله عن مصر في صفر من العام التالي تلاحقه اللعنات وهجو الشعراء..
وفي سنة 90هـ في ولاية قرة بن شريك نزل بالبلاد وباء عظيم وصار الموتى كل يوم لا يعرف عددهم من كثرتهم..
وفي سنة 96 هـ تولى خراج مصر أسامة بن زيد التنوخي وكتب إليه الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك أن:
(احلب الدر حتى ينقطع ثم احلب الدم حتى ينصرم)
فأصابت أهل مصر شدة عظيمة وحدث غلاء عظيم مات بسببه خلق كثير أكثر مما يموت في الوباء..
وفي سنة 105 في ولاية محمد بن عبد الملك من قبل أخيه هشام وقع بمصر وباء شديد فهرب منه محمد بن عبد الملك إلى الصعيد لكنه عاد بعد بضعة أيام إلى الفسطاط ليخرج عن مصر نهائيا لم يلها إلا نحوا من شهر..
وفي سنة 108 هـ في ولاية حفص بن الوليد على مصر من قبل هشام بن عبد الملك حدث بمصر قحط شديد فاستسقى حفص بالناس..فخرجوا لصلاة الاستسقاء مسلميهم وكتابييهم فسقوا بفضل الله..
وفي سنة 133 هـ في ولاية أبي عون أول عصر العباسيين لم يصل النيل إلى حد الوفاء فصلى الناس صلاة الاستسقاء وخرج في ذلك المسلمون واليهود والنصارى من أهل الفسطاط والجيزة.. وتبع الغلاء وباء شديد فهرب أبو عون إلى دمياط خوفا من الوباء..)
………………………………………………….

2-الدولة الطولونية: (254هـ / 868م - 292هـ 904م)

عصر الطولونيين كان عصر رخاء ...

والجدير بالذكر أن عصر الطولونيين بمصر كان عصر رخاء اقتصادي لم تشهد مصر خلاله أي أزمات أو قحوط أو مجاعات نتيجة حسن تدبير أحمد بن طولون ومن أتى بعده وإصلاحاتهم السياسية والاقتصادية..
ومما يذكر في ذلك العصر من الملمات هو تعرض مصر لزلزال شديد..وعلى ندرة الزلازل بمصر إلا أنها كانت شديدة الوطء..يقول ابن بطريق(10)في كتابه (نظم الجوهر) المشهور ب(تاريخ ابن بطريق):
(وفي عهد خمارويه في سنة 273 هـ وقعت بمصر رجفة عظيمة سقطت فيها دور كثيرة ومات خلق كثير..وظن الناس بها زلزلة الساعة.. فاضطربوا وعم البلاء والغلاء..حتى بلغ سعر مُد القمح(13) دينارا..وانعدمت الأقوات حتى أكل الناس بذر الكتان.. فمات خلق كثير حتى امتلأت أسواق مصر موتى وكانوا يحملونهم على الجمال على كل جمل ثمانية موتى ويحفرون لهم حفرة عظيمة ويلقونهم فيها)..
وكذلك ما حدث عام 290 هـ من القحط الناتج من عدم وصول منسوب الفيضان لحد الكفاية وانقطاع قطر السماء..فامتد القحط طيلة 3 سنوات عجفاء انتهت بسقوط الدولة الطولونية عام 292 هـ وعودة مصر تحت الحكم العباسي من جديد..وبقيت كذلك لثلاثة عقود..
يقول ابن عذارى المراكشي(11)في كتابه (البيان المغرب في اختصار تاريخ ملوك الأندلس والمغرب):
(حدث سنة 307 هـ في ولاية زكا الأعور والي مصر من قبل الخليفة العباسي المقتدر بالله أن غلت الأسعار بمصر ووقع الوباء في الناس وجلا كثير منهم وكانوا في هربهم من الوباء يحملونه معهم حينما حلوا فيفشى وينتشر فعم الوباء طول البلاد وعرضها حتى أفنى ثلثي السكان..
وخلال ذلك لم يحدث قحط بمصر سوى بسبب ثورة محمد بن علي الخليجي على فساد الوالي العباسي محمد بن سليمان الكاتب وتنكيله بآل طولون..ونتج عن هذه الثورة بلاء وقحط شديد..وصارت البلاد يبابا..
ثم تولى أمر مصر الوالي هلال بن بدر (309 - 311 هـ) فاضطربت أحوال مصر وكثر القتل والنهب في الناس وفشا الفساد وقطع الطريق بالديار المصرية فعظم ذلك على الرعية وضعف هلال عن إصلاح أحوال مصر فصار كلما سد أمرا انخرق عليه آخر فكانت أيامه على مصر شر أيام فلما تفاقم الأمر عزله الخليفة المقتدر بالله
وولى غيره..وبقي الحال هكذا إلى أن نجح محمد بن طغج الإخشيدي في دخول الفسطاط في سنة 323هـ/ 935م..وأسس الدولة الإخشيدية..)
.................................................................................................

2- الدولة الإخشيدية:( 323هـ/ 935م- 358هـ/ 960م)

سنة 341 هـ تسببت الفئران بالمجاعة

كانت البداية مع الجراد.. يقول ابن بطريق:
(في سنة 327هـ هجم على مصر جراد لا توصف كثرته حتى منع شعاع الشمس أن يقع على الأرض فأتى على الكروم والفواكه والنخل حتى خربت البساتين والحقول..فعمت المجاعة وخرج الناس في طلبه ليأكلوه حتى أفنوه..
وفي سنة 347هـ شهدت مصر جرادا طبق الدنيا فأتى على جميع الغلات والأشجار..ونفقت الماشية وعمت مجاعة أشد وطئا من الأولى..وما أفاد الناس ما أكلوه منه إذ عم الموت في كل مكان..فأكل الناس حيوانات الشوارع ثم أكلوا جيف الماشية)
ثم حدث اجتياح الفئران لمصر..يقول المقريزي:
(وقع سنة 341 هـ وباء الفأر وأهلك الغلات والكروم..وحدثت مجاعة شديدة فاضطر الناس لأكل الكلاب والقطط ثم عمدوا إلى الفئران..ويقول بعض الثقات أن اصطياد الفئران كان سهلا لفرط ضخامتها فكان الفأر يعادل في حجمه الأرنب..)
ثم حدث حريق القاهرة الشهير..قال ابن عذارى:
(وكانت المدن الكبيرة تتعرض لحرائق كبيرة ففي سنة 343هـ في عهد كافور الإخشيدي وقع حريق كبير بالفسطاط في سوق البزازين وقيسارية العسل ودخل الليل والنار على حالها لم تتغير وبات الناس على خطر
عظيم فركب كافور وأمر بالنداء: (من جاء بقربة أو كوز ماء فله درهم)
فكان مبلغ ما صرفه عشرة آلاف درهم ونيف.. وكان جملة ما احترق غير البضائع والأقمشة ستة عشر ألف دار)
ثم واجهت مصر أخطر أزماتها الاقتصادية على مر تاريخها خلال حكم الدولة الإخشيدية..استمرت تلك الأزمة تسع سنوات كاملة حيث بدأت عام 352هـ ويصفها المقريزي بقوله:
(ثم وقع الغلاء في الدولة الإخشيدية أيضا واستمر تسع سنين متتابعة وابتداء في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة والأمير إذ ذاك علي بن الإخشيد وتدبير الأمور إلى أبي المسك كافور الإخشيدي وكان سبب الغلاء أن ماء النيل انتهت زيادته إلى خمسة عشر ذراعا وأربع أصابع فنزع السعر بعد رخص فما كان بدينار واحد صار بثلاثة دنانير وعزَ الخبز فلم يوجد وزاد الغلاء حتى بلغ القمح كل ويبتين(14) بدينار وقصر مد النيل في سنة ثلاث وخمسين فلم يبلغ سوى خمسة عشر ذراعا وأربعة أصابع واضطرب فزاد مرة ونقص أخرى حتى صار في النصف من شهر بابَه إلى قريب من ثلاثة عشر ذراعا ثم زاد قليلا وانحط سريعا فعظم الغلاء وانتقضت الأعمال لكثرة الفتن ونهبت الضياع والغلات وماج الناس في مصر بسبب السعر فدخلوا الجامع العتيق بالفسطاط في يوم جمعة وازدحموا عند المحراب فمات رجل وامرأة في الزحام ولم تصل الجمعة يومئذ وتمادى الغلاء إلى سنة 355هـ وتعرض الصعيد لهجمات النوبة التي وصلت حتى أخميم..وفسد ما بين أبي الحسن علي بن الإخشيد صاحب مصر وبين كافور الإخشيدي مدبر مملكته حتى منع كافور الناس من الاجتماع به ولم يحسم الخلاف إلا وفاة أبي الحسن علي معتلا في سنة 355 هـ فانفرد كافور بحكم مصر..
وفي سنة خمس وخمسين كان مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وأصابع وقصر مده وقلت جريته وفي سنة ست وخمسين لم يبلغ النيل سوى اثني عشر ذراعا وأصابع ولم يقع مثل ذلك في الملة الإسلامية وكان على إمرة مصر حينئذ كافور الإخشيدي فعظم الأمر من شدة الغلاء..
ثم مات كافور وتولى أبو الفوارس أحمد بن علي الإخشيدي وهو ابن 11 سنة..
واضطربت أحوال البلاد اضطرابا شديدا فكثرت الفتن والحروب بين الجند والأمراء وراح ضحيتها خلق كثير وانتهبت الأسواق وأشعلت الحرائق وتضاعف السعر حتى بيع إردب(15) القمح بستة دنانير وأفرط الغلاء حتى أطلق عليه الغلاء العظيم..
وأكل الناس الجيف والكلاب.. وكانوا يسقطون موتى من الجوع واقترن بذلك وباء عظيم فكثر الموت ولم يلحق دفن الموتى فكان يحفر لهم حفر ويرمى فيها عدد كثير ويردم عليهم التراب من غير صلاة ولا غسل ولا كفن
واختلف العسكر فلحق الكثير منهم بالحسن بن عبد الله بن طغج وهو يومئذ بالرملة وكاتب الكثير منهم المعز لدين الله الفاطمي وعظم الإرجاف بمسير القرامطة إلى مصر وتواترت الأخبار بمجيء عساكر المعز من المغرب إلى أن دخلت سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ودخل القائد جوهر الصقلي بعساكر الإمام المعز لدين الله..
وبنى القاهرة المعزية وكان مما نظر فيه أمر الأسعار.. فضرب جماعة من الطحانين وطيف بهم.. وجمع سماسرة الغلات بمكان واحد وتقدم ألا تباع الغلات إلا هناك فقط.. ولم يجعل لمكان البيع غير طريق واحد فكان لا يخرج قدح قمح(16) إلا ويقف عليه سليمان بن عزة المحتسب واستمر الغلاء إلى سنة ستين فاشتد فيها الوباء وفشت الأمراض وكثر الموت حتى عجز الناس عن تكفين الأموات ودفنهم فكان من مات يطرح في النيل..
فلما دخلت سنة إحدى وستين انحل السعر فيها وأخصبت الأرض وحصل الرخاء..وبيع كل تسعة أقداح من القمح بدينار)..
………………………………………………..

4-الدولة الفاطمية: 362هـ / 973م - 576هـ / 1171م

القاهرة القديمة

كان دخول جوهر الصقلي مصر عام 358هـ في أوج الأزمة الاقتصادية التي أطاحت بالإخشيديين وكانت الأحوال في الحضيض..وبرز ربما لأول مرة في التاريخ الإسلامي تزييف النقود!!..فقد تم تزييف الدينار!!..
يقول المقريزي:
(في سنة 359هـ ظهر في مصر ما يسمى بالدينار الأبيض (بمعنى المزيف) وكانت قيمته عشرة دراهم ولم تستطع السلطات منع تداوله فقرر جوهر الصقلي خفض قيمته ليكون بستة دراهم فعم البلاء وافتقر خلق كثير..
ومما يذكر أيضا هو وقوع وباء عظيم بمصر عام 360هـ..فما كادت مصر تستفيق من الأزمة الاقتصادية التي أودت بالإخشيديين حتى ألم بها الوباء..يقول المقريزي:
(في المحرم من سنة 360هـ اشتد الوباء والأمراض بالقاهرة..وبلغ مد الوباء درجة كبيرة من العنف فكثر الموت حتى عجز الناس عن تكفين الأموات ودفنهم فكانوا يطرحون موتاهم في النيل ولا شك أن اقتراف الناس لتلك الخطيئة في حق موتاهم كان يعود عليهم بمزيد من البلاء فقد أدى ذلك إلى انتقال العدوى وتفشي الوباء..وفني نصف سكان مصر..
أما الدولة الفاطمية ذاتها فقد كانت في بدايتها بداية خير ورخاء لمصر لحنكة المعز لدين الله ومن بعده ابنه العزيز بالله في تصريف أحوال الرعية ووضع الإصلاحات الاقتصادية..ومرت فترة حكمهما دونما أزمات بل عم الرخاء البلاد..ومما يذكر أنه في عهد العزيز بالله أعقب الغلاء سنة 372هـ وباء شديد بمصر أفنى خلقا كثيرا لا يحصى عددهم واستمر هذا الوباء متفشيا حتى العام التالي..
ثم تولى الحاكم بأمر الله الحكم وهو ابن 11سنة ونصف..
وحدث في عهده العجب العجاب لاستخفاف الجنود به من ناحية ومحاولته إثبات صرامته من ناحية أخرى..
من ذلك أنه نهى عن بيع الفقاع -شراب من الشعير- والملوخية والترمس والسمك الذي لا قشر له وضرب عنق من فعل ذلك.. ونهى عن بيع الزبيب ونهى التجار عن حمله إلى مصر ثم جمع كمية كبيرة أحرقها على شاطئ النيل وأنفق على إحراقها فقط دون قيمتها خمسمائة دينار ومنع بيع العنب وقطع الكروم وأحرق ما كان في المخازن من جرار العسل فكسرت وقلبت في النيل حتى امتلأ بها ورفع المكوس على الغلات ثم أعادها ثم رفع بعضها وأبقى البعض الآخر..وتلاعبت الحكومة بالناس فصكت دراهم ودنانير جديدة وأمرت الناس باستبدالها بالقديمة ما أدى لتربح الحكومة وخسارة الناس ما يعادل 60% من القيمة الفعلية لأموالهم..كما اشتغل الوزراء بتجارة الغلال وتلاعبوا في الأسعار لتحقيق أعلى ربح..وأعقب الغلاء وباء في سنة 398هـ فأفنى كثيرا من أهل مصر واستمر تفشيه حتى آخر سنة 399هـ فتزايدت الأمراض وعزت الأدوية وكثر الموت..)
كما ذكر ابن أيبك(12) في كتابه (اللقط الباهرة في خطط القاهرة)عن سنة 416هـ:
(أكل الفأر زرع مصر حتى أتى عليه وبطبيعة الحال كان إتلاف المحاصيل يؤدي إلى رفع أسعار المتبقي منها ويظهر الغلاء وفضلا عن هذا فقد كانت الفئران تنقل الطاعون وتؤدي إلى تفشيه فتهلك أعدادا غفيرة من الناس والماشية الأمر الذي كان يؤدي لحدوث المجاعات..)
وهذا بالإضافة إلى ثورة أبي ركوة الأموي واستيلائه على الفيوم..يقول ابن أيبك:
(كانت الثورات مصدرا للمجاعات طيلة تاريخ مصر..فمثلا ثورة أبي ركوة الوليد بن هشام الأموي الذي خرج بنواحي الفيوم في خلافة الحاكم بأمر الله الفاطمي فاضطربت الأسعار وغلت وعدم الخبز وشح الدقيق وتزاحم الناس على روايا الماء واضطربت الأحوال المالية فتدخلت السلطات بالشدة ونودي في الأسواق:
(أي أحد زاد في السعر فقد أوجب على نفسه القتل فتراجعت الأسعار إلى حدها)..)
كذلك فإن قصور فيضان النيل أدى إلى القحط والغلاء الفاحش في الأسعار..يقول المقريزي:
(وصل سعر الدينار إلى 34 درهم.. وبلغ القمح كل ويبة أربعة دنانير والأرز كل ويبة بدينار ولحم البقر رطل ونصف بدرهم ولحم الضأن رطل (17)بدرهم والبصل عشرة أرطال بدرهم والجبن ثماني أواق(18) بدرهم وزيت الأكل ثماني أواق بدرهم..والدقيق الرطل بدينار..والخبز كل رطلين بدرهم وربع..ولم يجد الفقراء والمساكين ما يطعمون به أولادهم سوى العسالج الخشنة من القنبيط التي ينزعها البقالون عن رؤوس الكرنب ويرمونها فيَقتات بها الفقراء مع القليل من كسب اللوز وكسب السمسم..وغلت روايا الماء لتعذر علف الدواب وانعدام من يسقي عليها فبيعت رواية الجمل بثلاثة دراهم وراوية البغل بدرهمين وتقاضى الطحانون أجرا عن طحن القفة خمسة دراهم..
وغلت القطاني كلها وجميع الحبوب وحل بالناس ضر ومسغبة.. وكثرت حوادث النهب التي قام بها عبيد الدولة وبعض العربان حتى أنهم نهبوا بلدة أشمون ثم نهبوا ساحل الفسطاط.. فتحارس الأهالي منهم وتخندقوا واشتبكوا معهم في عدة وقائع وأُغلقت العديد من الحوانيت وأُخليت بعض الدور وانقضت السنة والناس في أشد أنواع البلاء
ثم انعدم الخبز وانعدمت الأقوات .. وهلكت الماشية..وقام الخبثاء بتخزين الغلال وبيعها في السوق السوداء.. فعمت المجاعة وكثر الموت نتيجة سوء التغذية ومات خلق كثير من الجوع ..وخرج الخليفة في موكبه فتجمهر الناس عليه وكادوا يفتكون به لولا حرسه الذين استطاعوا تهريبه إلى القصر والناس يهتفون:
(الجوع..الجوع..ما هكذا فعل بنا أبوك ولا جدك)
فأمر الخليفة بضرب عنق كل من يخزن الغلال وحرق داره ونهب أمواله..فخاف الخزانين وأرشدوا المحتسب إلى 150 مخزنا سريا لتخزين القمح..وأخرجوا ما عندهم فتخففت الوطأة..
ثم أمر بالخبازين والطحانين فجمعوا وضربوا بالسياط في الميدان وشهر بهم..فانحلت الأزمة قليلا..
وفي سنة 406هـ زاد النيل زيادة كبيرة تخطت حد الاستبحار حتى غرق المقياس وامتلأ كل مكان من القاهرة بالماء ولم يبق طريق يسلك إليها إلا من الصحراء وغرقت الضياع والبساتين..)
ثم تولى الظاهر لإعزاز دين الله الحكم خلفا لأبيه الحاكم عام 414 هـ وكان أول من سن قوانين للحد من نفوق الماشية مثل حظر ذبح الإناث..ومنع ذبح الأبقار السليمة التي تصلح للحرث..وفرض العقوبات بالغرامة بل والسجن في بعض الأحيان على المخالفين..
ومما يذكر في عهده الوباء الرهيب الذي عم مصر قاطبة فكان يشبه الوباء الذي حدث أيام جوهر الصقلي..
يقول المقريزي:

القاهرة القديمة

(وفي خلافة الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمي فشت الأمراض وكثر الموت في الناس في سنة 415هـ وانشغل الناس بما هم فيه من وباء عن الاحتفال بليلة الميلاد وتواتر الوباء والموت حتى لم يكن يخلو منزل واحد من عدد من المرضى وامتد الوباء إلى الواحات سنة 417هـ فحل بأهلها جدري عظيم مات به خلق كثير من أهلها ثم ثار بأهل مصر رعاف عظيم في العام نفسه واختتمت خلافة الظاهر بوباء آخر حل بمصر سنة 426هـ لم يعش الظاهر بعده طويلا إذ توفي في نصف شعبان سنة 427هـ..)
ثم تولى المستنصر بالله الحكم عام 427هـ بعد وفاة أبيه الظاهر..وهو ابن السابعة من عمره..وشهد عصره أقسى القحوط والمجاعات التي مرت على مصر طيلة تاريخها على الإطلاق..ولكني لن أذكر شيئا عنه الآن بل سأفرد له مقالا كاملا سترون وأنتم تطالعوه أنه يستحق الحديث عنه باستفاضة..
ثم تولى الخلافة المستعلي بالله خلفا لوالده المستنصر..وقد حدث زلزالين شديدين بمصر في عامين متتاليين عامي 487 و488هـ في مستهل خلافته فهدمت دور كثيرة وفني خلق كثير وخربت القاهرة وصارت أطلالا..
ثم تولى الآمر بأحكام الله الخلافة..وولى الأفضل بن بدر الجمالي الوزارة خلفا لوالده أيضا..
يقول ابن عذارى المراكشي:
(وأثناء ولاية الآمر بأحكام الله المنصور حدث في سنة 490هـ وباء في أعقاب غلاء هذا العام ثم امتد إلى العام التالي فمات خلق كثير وفي سنة 493 عم أكثر البلاد الطاعون نتيجة أن وفد على مصر أعداد كبيرة من سكان البلاد الشامية هربا من الفرنج والهجمات الصليبية على الشام وكانوا يحملون الأوبئة فعم الوباء البلاد ومات بمصر خلق كثير)..
يقول المقريزي:
( في سنة 497هـ عز القمح بمصر ثم هان فبيع أولا كل مائة إردب بمائة وثلاثين دينارا فذهب الأفضل إلى القائد عبد الله بن فاتك - الملقب بعد ذلك بالمأمون البطائحي- وولاه على الحسبة بغية تدبير الحال فختم على مخازن الغلات وأحضر أربابها وخيرهم في أن تبقى غلاتهم تحت الختم إلى أن تصل الغلة الجديدة أو يفرج عنها وتباع كل مائة إردب بثلاثين دينارا فمن أجاب أفرج عنه وباع بالسعر المذكور ومن لم يجب أبقى الختم على حواصله وقدر ما يحتاج إليه الناس في كل يوم من الغلة وقدر الغلال التي أجاب التجار إلى بيعها بالسعر المعين وما تدعو إليه الحاجة بعد ذلك بيع من غلات الديوان على الطحانين بذات السعر..فلم يزل الأمر على ذلك إلى أن دخلت الغلة الجديدة فانحلت الأسعار..واضطر أصحاب الغلة المخزونة إلى بيعها خشية من السوس فباعوها بالنذر اليسير وندموا على ما فاتهم من البيع بالسعر الأول..
وفي سنة 515هـ هبت ريح سوداء على مصر واستمرت ثلاثة أيام فأهلكت خلقا كثيرا من الناس والدواب والأنعام وأتلفت المزروعات والمحاصيل..
وحدثت في خلافة الحافظ لدين الله عبد المجيد أكثر من أزمة اقتصادية أولاها وقعت بين سنتي 531هـ - 532هـ فكانت غلاء شنيع وقحط ذريع... إلا أنه لم يستمر فإن الأفضل كان قد ركب إلى الجامع العتيق بمصر وأحضر كل من يتعلق به ذكر الغلة وأدب جماعة من المحتكرين ومن يزيد في الأسعار ووظف عليهم القيام بما يَحتاج إليه في كل يوم وباشر الأمر بنفسه وأخذ فيه بالحد..فلم يسع أحد خلافه ولم يزل الحال كذلك إلى أن من الله تعالى بالرخاء وكشف عن الناس ما نزل بهم من البلاء..
ثم حدث وباء في سنة 536هـ كثر فيه الموت وامتد وعظم في العام التالي حتى هلك فيه خلق لا يحصى..
وفي شعبان من ذات السنة غلت الأسعار وعدم القمح والشعير فبلغ القمح تسعين درهما للإردب والدقيق مائة وخمسين الحملة (الجوال) والخبز ثلاثة أرطال بدرهم والشعير بسبعة دراهم الويبة والزيت الطيب الرطل بثلاثة دراهم والجبن كل رطل بدرهمين والبيض كل مائة بعشرة دراهم والزيت الحار الرطل بدرهم ونصف والقلقاس كل رطل بدرهم والدجاج والفراريج لا يقدر على شيء منها لغلوها البالغ..
وفي خلافة الفائز بنصر الله في سنة 549هـ وقع غلاء بوزارة الصالح طلائع بن رزيق بلغ فيه إردب القمح خمسة دنانير لقصور ماء النيل عن الوفاء وكان بالمخازن من الغلات ما لا يحصى فأخرج جملة كثيرة من الغلال وفرقها على الطحانين وأرخص أسعارها ومنع من احتكارها وأمر الناس ببيع الموجود منها وتصدق على جماعة من الفقراء والمتجملين وتصدق الأمراء وذوو الجاه واليسار بما نفس عن الناس ما هم فيه من بلاء وسرعان ما انحلت الأزمة وعم الرخاء..
أثبت الصالح طلائع بن رزيق قدرة في إدارة شؤون الدولة الفاطمية.. فلما قتل ساءت أحوال الفاطميين في خلافة العاضد بالله آخر خلفاء الفاطميين ووقع الصراع الشهير بين شاور وضرغام على السلطة فأصبحت مصر ميدانا للتدخل الصليبي الذي أدى إلى تدخل نور الدين محمود بدوره لدفع الصليبين عن الاستيلاء على مصر فوقعت معارك وحروب كان لها بلا ريب أسوأ الأثر على أحوال البلاد الاقتصادية ووقعت الفسطاط فريسة هذا الصراع إذ تخرجت على يد شاور الذي أمر بإحراقها كيلا تقع في أيدي الصليبيين لذلك عانت البلاد من أزمة اقتصادية مزمنة في ظل هذه الأحوال السياسية المتردية وربما يفسر لنا هذا رضاء الناس بسقوط الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين الأيوبي وارتياحهم لهذا المصير الذي آلت إليه حتى قيل: إنه لم ينتطح في سقوطها عنزان..)

.................................................................................................

أكتفي بهذا القدر من الملمات التي حدثت بمصر..لن أتطرق للملمات التي وقعت في عهد الأيوبيين أو المماليك أو العثمانيين..برغم تعدد تلك الملمات وشناعتها إلا أنني أرى أني قد أطلت عليكم..مع أني وأقسم على هذا حاولت أن أكون مختصرا قدر الإمكان..ولمن أراد الاستزادة فبإمكانه مراجعة الرابط التالي
http://media.kenanaonline.com
والآن..قد يقول قائل:كل هذا جميل ولكنه لا يتفق مع عنوان المقال..فأين كل هذا من أكل لحم البشر؟؟
وأقول له صدقت..فأنا أردت أن أختم مقالي بتلك الأفعال التي قام بها الجوعى الذين استبد بهم القحط على مر السنين..وخصوصا سني الشدة المستنصرية.. ولكني وجدت ذلك يحتاج لصفحات عديدة لاستيفائه حقه..
وأعلم أنني قد أطلت عليكم لذلك سأؤجل الحديث عن ذلك للمقال القادم بإذن الله..
فأنا أتناول في تلك السلسلة فكرتين..أولاهما عرض الملمات التي ضربت العالم الإسلامي طيلة تاريخه..
وثانيتهما تصرف الناس حيال ما واجهوه أثناء تلك الملمات من القحط والغلاء والوباء والجوع..
وفي هذا المقال اكتفيت بعرض الملمات-لأنها كثيرة بحق كما رأيتم-مع نبذة مختصرة عن تصرف الناس حيالها..حيث وجدنا الجوعى يأكلون الجراد والفئران والقطط والكلاب وحتى الجيف..
أما في المقال القادم فسأستفيض في شرح الشدة المستنصرية وما حدث خلالها..بل وما حدث خلال خلافة المستنصر التي امتدت لستين سنة كاملة كأطول فترة حكم لخليفة مسلم في التاريخ..
وأعدكم أنني سأروي حقائق موثقة لن تتخيلوها حتى في أبشع كوابيسكم..
ولكن هذا مقال آخر إن شاء الله..
دمتم بخير...

هوامش:

1- هيرودوت:
هيرودوت أو هيرودوتس ( باليونانية ρόδοτος λικαρνσσεύς باللاتينية Herodotus ) كان مؤرخا إغريقيا عاش في القرن الخامس قبل الميلاد (484 ق.م - حوالي 425 ق.م).. اشتهر بالأوصاف التي كتبها لأماكن عدّة زارها وأناس قابلهم في رحلاته وكتبه العديدة عن السيطرة الفارسية على اليونان عرف بأبي التاريخ. هيرودوتس معروف بفضل كتابه تاريخ هيرودوتس الذي يصف فيه أحوال البلاد والأشخاص التي لاقاها في ترحاله حول حوض البحر الأبيض المتوسط كمصر وليبيا وإيطاليا..ومن أشهر مقولاته) :مصر هبة النيل) و (من ليبيا يأتي الجديد)

2- القضاعي:       
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي المعروف ب(ابن الآبار) (1199- 1260م/ 595 هـ - 658 هـ)
ولد في بلنسية سنة 595 هـ كان عالما في الفقه والحديث بصيرا بالرجال والتاريخ مجيدا في البلاغة والإنشاء عمل في دواوين الكتابة لبعض ولاة الموحدين وعندما سقطت بلنسية في أيدي النصارى زهد في المقام في الأندلس فسافر منها إلى المغرب ثم إلى تونس حيث عمل كاتبا لأميرها وبها قتل سنة 658 هـ بعد أن دبرت له مؤامرة دنيئة فمات مظلوما مأسوفا عليه من معاصريه ومن جاء بعدهم

3- ياقوت الحموي:
شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي (574 - 626 هـ) أديب ومؤلف موسوعات وخطّاط من أصل رومي اشتغل بالعلم وأكثر من دراسة الأدب وقد سمى نفسه (عبد الرحمن)..وأهم مؤلفات ياقوت الحموي كتابه المعروف (معجم البلدان) الذي ترجم وطبع عدة مرات
ويلقب بالحموي نسبة لمدينته حماة التي ولد بها وقد أسر الروم والده في غارة لهم على مدينة حماة ولم يستطع الحمدانيون فداءه مثل غيره من العرب فبقي أسيرا بها وتزوج من فتاة رومية فقيرة أنجبت (ياقوتا) ولهذا لقب بالرومي..وفي صغره كان واليه التاجر عسكر بن أبي نصر البغدادي وعامله عسكر معاملة الابن وقد حفظ القرآن وتعلم القراءة والكتابة والحساب وحين أتقن ياقوت القراءة والكتابة ..ثم سافر مع عسكر إلى عدة بلاد مثل بلاد فارس وكافة أرجاء الشام والجزيرة العربية ومصر..وكان أثناء رحلاته يدون ملاحظاته الخاصة عن الأماكن والبلدان والمساجد والقصور والآثار القديمة والحديثة والحكايات والأساطير والغرائب والطرائف..في عام 597هـ/1200م ترك ياقوت الحموي تجارة عسكر وفتح دكانا متواضعا بحي الكرخ في بغداد ينسخ فيه الكتب لمن يقصده من طلاب العلم وجعل جدران الدكان رفوفاً يضع بها ما لديه من الكتب وكان في الليل يفرغ للقراءة.. عاود ياقوت السفر مرة أخرى إلى أنحاء سورية والبلدان المجاورة وكان يودع دائما المعلومات الجديدة التي يجمعها في معجمه فظل يصحح فيه ويضبطه.. ووجد ميتاً في منزله يوم الأربعاء 12 جمادى الأولى عام 622هـ/1225م وكان قد توفي قبل ذلك بأيام ولم يشعر به أحد ثم دفن في مقبرة الخيزران

4-المقدسي:
محمد بن أحمد بن أبي بكر المقدسي رحالة ولد في القدس سنة 336هـ947م ونشأ بها احترف التجارة فكثرت أسفاره حتى صار رحالة جغرافيا وصنف كتابا اسماه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم)
انتقد في كتابه هذا كتب السابقين واعتمد في كتابه على الملاحظة والمشاهدة الميدانية وعلى ما سمعه من الثقات وما وجده في الكتب المصنفة..سعى المقدسي في كتابته إلى إبراز شخصية الإقليم الذي يكتب عنه وقد وصف بأنه أكبر جغرافي عرفته البشرية قاطبة..واشتهر باتساع نطاق أسفاره ودقة ملاحظاته وعمقها وحسن ترتيب مادة كتابه وصوغها صوغا طيبا وتضمن أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم كل فروع الجغرافيا المتعارف عليها الآن وذلك أثناء عرضه لأقاليم العالم الإسلامي المختلفة بدأ المقدسي رحلته من مدينة القدس إلى جزيرة العرب في بداية عام (356هـ/966م) بهدف الحج ثم زار العراق والشام ومصر والمغرب وزار أقطار العجم وبدأها بإقليم المشرق ثم الديلم والرحاب والجبال وخوزستان وفارس وكرمان والسند حتى انه لقب بالواوي من كثرة الترحال والبشاري وابن البناء وانتهى من رحلته في حدود عام (375هـ/985م) استنادا إلى معلومات شخصية أشارت إلى أنه أنهى في هذه الفترة تأليف كتابه في مدينة شيراز عاصمة إقليم فارس بعد أن أتم الأربعين من عمره..توفي في سنة 380هـ/990م..

5-المقريزي:
شيخ المؤرخين المصريين (أبو محمد وأبو العباس أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي الشافعي الأثري) المعروف باسم (تقي الدين المقريزي) ولد وتوفي في القاهرة(764 هـ ـ 845 هـ) (1364م- 1442م) عُرف بالمقريزي نسبة لحارة في بعلبك بلبنان تعرف بحارة المقارزة فيقال أن أجداده من بعلبك وأن والده ذهب إلى القاهرة حيث ولى بها بعض الوظائف.. ولد المقريزي سنة 764 هـ وتوفي في مصر عصر يوم الخميس 16 رمضان سنة 845 هـ بالقاهرة ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة بحوش الصوصية البيبرسية..كان المقريزي محل احترام رجال الدولة في عصره وكانوا يعرضون عليه أسمى المناصب فكان يجيب مرة ويرفض أخرى حيث تولى الحسبة والإمامة والخطابة عدة مرات وعمل مع الملك الظاهر برقوق ولكنه رفض تولي القضاء..وحبب إليه العلم في آخر أمره فأعرض عن كل مظاهر الحياة وأبهتها وفرغ نفسه للعلم وكان ميله إلى التاريخ أكثر من غيره حتى اشتهر ذكره به وتتلمذ على يديه كبار المؤرخين مثل الحسن بن تغري.. وألف كثيرا وأجاد في مؤلفاته التي أربت على مائتي مجلد..من أشهرها..(إغاثة الأمة بكشف الغمة)..(الذهب المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك)..(شذور العقود في ذكر النقود)..(اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء)..(السلوك لمعرفة دول الملوك).. اهتم تقي الدين المقريزي بالمشكلات الاقتصادية وقدم لنا أفكارا عن بعض الظواهر كظاهرة المجاعة.. يتميز فكر  المقريزي بالروح العلمية ويعتمد على الأسس المادية في مناقشته وطرحه للقضايا فهو يأخذ بمبدأ السببية ويتنكر لمبدأ القدرية ويقول في مقدمة كتبه:
(فالأمور كلها قلها وجلها إذا عُرفت أسبابها سهل على الخبير إصلاحها..فالمجاعات وأمثالها ليست شيئا مفروضا على الإنسان من عل ينزل بأمر ويرتفع بأمر كما أنها ليست ناجمة عن جهل الطبيعة وعماها دون أن يكون للإنسان بها دور بل هي ظاهرات مادية اجتماعية لم تلازم البشر دائماً ولكنها تقع آنا وتنقطع آنا آخر تقع عندما تجتمع أسبابها ودواعيها وتنقطع عندما تنتهي تلك المسببات والدواعي إن كل شيء خاضع للتطور يولد وينمو ويموت)

6- ناصر خسرو:
ناصر خسرو قبادیانی (1004- 1088م) رحالة وشاعر وفيلسوف فارسي اعتنق المذهب الشيعي الإسماعيلي وعمل داعيا له وله كتاب الأسفار أو (السفرنامه) الذي دون فيه أخبار أسفاره في أرجاء العالم الإسلامي وامتاز بوصف دقيق لبيت المقدس ووصف نادر لأحوال وسط وشرق الجزيرة العربية أيام القرامطة والأخيضريين في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)..الكتاب باللغة الفارسية ويتمتع بقدر من الشعبية في إيران إلا أنه مترجم أيضا إلى العربية

7- يحيى بن سعيد الأنطاكي:
بطريرك الإسكندرية على عهد الحاكم بأمر الله..وضع كتاب (صلة تاريخ أوتيخا)..ويتناول بإسهاب الأحداث التاريخية بين عامي 326هـ/938م و425هـ/1035م..ذكر أيام الملوك والخلفاء والوزراء والكتاب والأمراء والقادة وتواريخ وفياتهم كما ذكر أسماء بطاركة الإسكندرية وبيت المقدس وإنطاكية والقسطنطينية وأعمارهم وبعد تأليفه للكتاب قام بتغييره وألفه تأليفاً جديدا حيث انتقل من الإسكندرية إلى أنطاكية سنة 405هـ/1016م فوقف فيها على مصادر جديدة لأخبار ندت عنه من قبل فقام بتنقيح كتابه وأجرى عليه تعديلا كبيرا فحذف بعضه وزاد عليه جديدا حتى استقر رأيه على ما صنفه ونبه إلى نسخته الأخيرة المزيدة والمعدلة وأشار إلى عدم الاعتناء أو الاهتمام بالنسخ الأخرى التي سبق أن صنفها واستهل كتابه بوصف ما انقطع من كتاب سلفه (ابن البطريق) فبدأ بالفصل الأخير من كتابه المعروف ب(تاريخ أوتيخا) معتمدا على آخر نسخة أيضا والتي وصل فيها إلى خلافة الراضي العباسي سنة 326هـ/938م..وتميز كتابه بالصدق والموضوعية..توفي عام 1066 م.

8- هنريك جروهمان:
Henryk Ludwik Grohman (1862 -1939 ) بولندي من أصل ألماني يعتبر من رواد الصناعات القطنية  في بولندا..ورث عن والده مصنعا من أكبر مصانع أوروبا في الغزل والنسيج..اهتم بالثقافة والتاريخ والمعرفة وبنى مركزا ثقافيا في (لودج) حيث ولد..صار فيما بعد من معالم المدينة..جمع فيه  1734 مخطوطة أثرية..وقد آل المتحف للحكومة البولندية بعد وفاته

9- ساويرس بن المقفع:
(أبو البشر ساورى ابن المقفع) (915م- 987م) أسقف الأشمونيين (هرموبوليس) بالصعيد..أخذ يتدرج في الوظائف أيام حكم الأسرة الإخشيدية حتى أصبح كاتبا ماهرا وكانت رتبة الكاتب آنذاك رتبة مهمة في الجهاز الإداري للحكام الوافدين..وبعد أن ترقى إلى أعلى المناصب الرسمية تخلى عن وظيفته ليترهبن في أحد الأديرة.. أتقن ساويرس علوم الكتاب المقدس وألف فيها باللغة العربية العديد من الكتب منها كتاب (الدر الثمين في إيضاح الاعتقاد في الدين) الذي ينقسم إلى 15 بابا يذكر فيه ساويرس 1161 (ألف ومائة وواحد وستون) نصا كتابيا هذا بصرف النظر عن التلميحات إلى (نصوص من الكتاب المقدس) منها 307 مرجع إلى العهد القديم و 854 إلى العهد الجديد وترجمها جميعها بجهده الذاتي من اللغة القبطية إلى العربية دون أن يسبقه إلى ذلك أحد حتى ذكر عنه (أنه لم يوجد في عصره من يضاهيه في معرفة الكتاب المقدس) كانت علاقة المعز بالبطرك إبرام علاقة طيبة حتى حسده الوزير اليهودي (يعقوب بن كلس) ولما كان ساويرس من أصدقاء إبرام البطرك وأكبر علماء الكنيسة في ذات الوقت كان كثيرا ما يتردد على ديوان الملك وكان المعز يدعوه للمناظرة مع أئمة المسلمين واليهود في حضوره..اشتغل أيضا بتوثيق التاريخ ووضع كتابا هاما اسماه (تاريخ البطاركة)..استعرض فيه تاريخ مصر باستفاضة..ولكن لم يهتم به أغلب دارسي التاريخ لاعتقادهم الخاطئ بكونه يؤرخ للبطاركة وليس لمصر عامة..

10- ابن بطريق:
(سعيد بن البطريق) (263هـ-328 هـ ) طبيب ومؤرخ مسيحي ولد في الفسطاط في 263هـ وأبدع في الطب حتى اشتهر به قيل عنه: (كان متقدماً في زمانه وكانت له دراية بعلوم الطب). عين بطريركا على الإسكندرية وسمي أوثوشيوس أو أوتيخا له عدد من المصنفات أشهرها كتابه في التاريخ (نظم الجوهر) المعروف أيضا (بتاريخ ابن البطريق) الذي أخذ عنه ابن خلدون وأكمله الأنطاكي كما أن له كتب في الطب.. توفي عام بالإسكندرية

11-ابن عذارى المراكشي:
(أبو عبد الله أحمد ابن محمد المراكشي) المشهور بابن عذاري ( ؟ - 695هـ/؟ -1295م).. مؤرخ من أهل مراكش لا يعرف عنه إلا أنه نشأ حوالي نهاية القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي..اشتهر بمؤلفه: (البيان المغرِب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب) طبع في ثلاثة مجلدات. نشره أول مرة المستشرق دوزي سنة 1268 هـ 1851م وترجم الكتاب كاملا إلى الفرنسية وهو من أفضل المراجع وأوثقها في موضوعه..قال في مقدمته إنه وصل في الجزء الثالث منه إلى أخبار سنة 667هـ إلا أن المطبوع منه يقف عند سنة 460هـ

12- ابن أيبك:
(أبو بكر بن عبد الله بن أيبك الدواداري) مؤرخ مصري مملوكي اشتهر باسم (مؤرخ النيل) نشأ وعاش في حارة الباطنية بالقاهرة كان جده ووالده وهو ذاته على اتصال بأكابر الأيوبيين والمماليك وشهود عيان لكثير من الحوادث خلال حقبة زمنية تمتد من أوائل القرن السابع حتى منتصف القرن الثامن للهجرة..وهي حقبة ذات أهمية تاريخية كبرى شهدت صراعات بني أيوب الداخلية وزوال دولتهم وبزوغ نجم الدولة المملوكية..من أهم مؤلفاته (كنز الدرر وجامع الغرر) و(درر التيجان وغرر تواريخ الزمان) و(اللقط الباهرة في خطط القاهرة) ويعد الكتاب الأول من أهم ما كتب عن العصرين الأيوبي والمملوكي نظرا لمعايشة ابن أيبك الدواداري لكثير من وقائع وأحداث العصرين.. على الرغم من ضعف أسلوب الدواداري وكثرة أخطائه اللغوية فقد كان مصدرا هاما من مصادر الحقبة التاريخية التي أرخ لها وقد كتب بروح العصر الذي عاش فيه وبالألفاظ المصرية التي كانت متداولة حينذاك وبذلك قدم دون أن يقصد، معلومات إضافية عن لغة العصر الذي عاش فيه
13-14-15-16-17-18: الموازين القديمة في مصر:
مد القمح=750 جم
إردب القمح=150كجم
ويبة القمح=25 كجم
الإردب=6ويبات
الأوقية=34جم
الرطل=12 أوقية=408جم
الصاع=5.33 رطل=2175جم
المد=0.25صاع=1.33رطل=543جم

المصادر:

مجموعة من الكتب من مكتبتي الخاصة ومن بعض الأصدقاء وهي :

1- (معجم البلدان) لياقوت الحموي- دار الشروق للطباعة والنشر
2- (إغاثة الأمة بكشف الغمة) لتقي الدين المقريزي- دار المعارف للطباعة والنشر
3- (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) لمحمد بن أبي بكر المقدسي- دار نهضة مصر للطباعة والنشر
4- (السفرنامه) لناصر خسرو- ترجمة ونشر دار بعلبك
5- (صلة تاريخ أوتيخا) ليحيى الأنطاكي- دار المعارف للطباعة والنشر
6- (تاريخ البطاركة) لساويرس بن المقفع- دار المعارف للطباعة والنشر
7- (نظم الجوهر) لسعيد بن البطريق- مكتبة مدبولي للطباعة والنشر
8- (البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب) لابن عذارى المراكشي- دار مراكش للطباعة والنشر
9- (اللقط الباهرة في خطط القاهرة) لابن أيبك- دار الشروق للطباعة والنشر
10- (شذور العقود في ذكر النقود) لتقي الدين المقريزي- دار المعارف للطباعة والنشر
11- الموسوعة الحرة (ويكيبديا)

هذه القصة نشرت لأول مرة بالعربية في موقع كـابوس بتاريخ 30 /11 /2011

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق