تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
مقالات من نفس القسم
أحدث مواضيع النقاش
تجارب الرعب والغرائب
تجارب من واقع الحياة
اختبارات عقلية

أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا؟ - (2) - مصر

بقلم : د. مؤمن احمد عباس
drahmed_momen@yahoo.com

الشدة المستنصرية .. اسوأ كارثة في تاريخ مصر

ب- الشدة المستنصرية

مرحبا بكم
في المقال السابق استكملنا الحديث عن الويلات والمجاعات التي ألمت بالبلاد الإسلامية على مر التاريخ الإسلامي..
تحدثنا عن الملمات التي ضربت مصر الإسلامية طيلة تاريخها..
وكما رأيتم كانت من الكثرة بحيث لم يسعها مقال واحد..
فاكتفيت بذكر بعضها في المقال الأول..
ولم يكن ذلك البعض يحتوي على حوادث تتناول أكل لحوم البشر طبقا للعنوان..
مما حدا بالبعض لعتابي وانتقادي وهم في هذا على حق..
فالمقال بدا وكأنه محاضرة في التاريخ ليس إلا..
وكان الأولى به المنتديات والمواقع المهتمة بالتاريخ وليس الرعب كموقعنا هذا..
ولكنني وضحت أن تلك الحوادث الخاصة بأكل لحم البشر قد حدثت بالفعل..
ونوهت عن ذلك في خاتمة مقالي السابق..وأني سأتناولها في مقال منفصل..
وهاأنذا سأستعرضها معكم الآن..
وكالعادة..
فهي من الغزارة بحيث لا تتطلب كثير إطناب..
لذلك فلنصمت قليلا..
وهيا بنا نلج التاريخ مباشرة...

.........................................................................

أول أمس جمعني حوار بصديق يعمل أستاذا جامعيا يدرس التاريخ الإسلامي في إحدى الجامعات هنا..
كان معجبا للغاية بسلسلة مقالاتي الأخيرة..وقال ضاحكا:
لقد ذكرتني بمسلسل (عباس الأبيض) للممثل القدير د.يحيى الفخراني وكتابه الشهير في المسلسل (التاريخ كما يجب أن يكون)..
فهذه المقالات دراسة تاريخية وافية بالفعل..
ابتسمت وقلت:
أرجو ألا يتغير رأيك عندما تعلم موضوع مقالي القادم..
ابتسم وقال:
وماذا ستروي لنا يا (أستاذ عباس)؟..- وهو اسم الفنان د.يحيى في المسلسل-
قلت:
سأحكي عن الشدة المستنصرية
ارتج عليه وظهر الفزع جليا على وجهه واعتدل في جلسته بصعوبة وهو يقول بصوت مبحوح:
ماذا؟..الشدة المستنصرية؟..أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..(سلام قولا من رب رحيم)..
(الله لا يرجعها أيام)..كانت أفظع من سني يوسف عليه السلام السبع العجاف
قلت له:
هدئ من روعك يا دكتور
قال:
وكيف لي أن أهدأ..ألا تعلم أنها أفظع سنين مرت على مصر طيلة تاريخها؟..ألا تعلم أن المصريين كانوا سيفنون عن بكرة أبيهم خلالها؟..لولا لطف الله لمحي اسم (مصر) من الوجود بسببها..
قلت:
أعلم هذا وأكثر..وسأكتب عما حدث باستفاضة..ليس خلال تلك السنين السبع فحسب..ولكن طيلة الستين عاما التي كان فيها المستنصر خليفة على (مصر) كي أكون منصفا..
قال:
وهل تخيلت رد فعل القراء؟..أنصحك أن تتريث أو تتناول موضوعا آخر
قلت:
أمانة الكلمة يا دكتور
قال:
صدقت..ولكن اعذرني..فلن أستطيع قراءة مقالك هذا..فلا أريد أن تلازمني كوابيس أرى نفسي فيها ألتهم من قبل الجوعى وقد تكالبوا علي
قلت:
للأسف..تلك الكوابيس كانت حقيقة في يوم من الأيام يا دكتور..حقيقة مفزعة
أومأ برأسه مؤمنا..وانصرف صامتا
فمن هو المستنصر بالله؟..وما هي الشدة المستنصرية؟..
هذا ما سنعرفه الآن ..

............................................................................................

المستنصر بالله معد أبو تميم 1035 - 1094م 427-487هـ:

دينار ذهبي بأسم المستنصر بالله ضرب الاسنكدرية

يقول المقريزي في كتابه (إغاثة الأمة بكشف الغمة):
(هو الخليفة الفاطمي الخامس..تولى الخلافة بعد وفاة أبيه الظاهر لإعزاز دين الله علي وهو ابن سبع سنين..
كان أطول من ولي الحكم زمنا في التاريخ الإسلامي..إذ استمرت خلافته قرابة ستين سنة هجرية..
كانت أمه سودانية..وكانت أمة سوداء لتاجر يهودي يقال له‏:‏ أبو سعد سهل بن هارون التستري فابتاعها منه الظاهر واستولدها المستنصر.. وكان المستنصر متدينا وكان يحتفظ بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم (ذو الفقار)..
كانت ثروته المادية تبلغ 35 مليون دينارا ذهبيا..هذا بخلاف التحف التي يمتلئ بها قصره والرخام الذي يزين مقابر عائلته..
وكان قصره من أفخر وأعظم ما عرف في تاريخ الإسلام فكان يضم بين جدرانه ثلاثون ألف نسمة ويحرسه كل ليلة ألف حارس ما بين فارس وراجل ويبلغ عدد المساكن حوله نحو عشرون ألف بيتاً متقنة البناء يفصل بعضها عن بعض الحدائق والبساتين كما يبلغ عدد الحوانيت حوله ما يقرب من ذلك ويدخل متحصل الجميع له ويمشى في موكبه يوم فتح الخليج نحو مائة وثمانون ألفا من الجنود والأعوان من أجناس مختلفة وكثير ما كان يوجد بين حرسه الأمراء وأولاد الملوك من أقاصي البلاد حتى من الهند..
وكان للمستنصر جدتان تركنان على ثروة طائلة وهما أختا المعز وكان كل خليفة ولي بعده يتوقع موتهما ليتمتع بأموالهما إلا أنهما عمرتا طويلا وتوفيتا زمن المستنصر فآلت ثروتاهما إليه..فأنفق من تلك الثروة مبلغا كبيرا في تجديد جامع عمرو بن العاص في الفسطاط وتغيير طرازه القديم وكان قد تهدمت أجزاء منه..وصنع فيه مشكاة وجعل قبتها تجاه مكة وأبدع في زخرفتها ثم أمر ببناء مئذنة عظيمة فيها وأمر أيضا بتصميم منبر للخطابة..)
كل هذا جميل..
ولكنك عندما تذكر اسمه يفزع الناس ويتذكرون الويلات التي حدثت في عصره ويصبون عليه اللعنات..
فماذا حدث في عصره؟
تعالوا بنا نستقصي الأمر..ونقلب صفحات التاريخ..
كانت بداية حكمه على غير المتوقع مليئة بالرخاء..
رخاء عم (مصر) وفاض على بقية الدول والمقاطعات الإسلامية..
والعجيب أن هذا الرخاء استمر سبعة عشر عاما كاملة بلا انقطاع..
دون أن تواجه (مصر) خلاله أي أزمات اقتصادية أو أي عثرات..في أطول فترة في تاريخها المديد يعم الرخاء فيها على شعبها..
ويرجع ذلك كما يقول المقريزي إلى إنشاء الحكومة قبل وفاة الخليفة الظاهر ما يعرف بالمخازن السلطانية لتخزين القمح والغلال وتوزيعها على الشعب بأسعار مخفضة لمواجهة جشع التجار والقضاء على السوق السوداء..ما يشبه ما تقوم به وزارات التموين والتجارة في الحكومات الحالية..
وكأن تلك السنين كانت الهدوء الذي يسبق العاصفة..
حيث بدأت المأساة مع حلول عام 444هـ..يقول المقريزي:

الخبز .. مقياس رخاء وبؤس الأمم

(في هذا العام وقع أول غلاء في خلافة المستنصر ووزارة أبي محمد الحسن اليازوري..إذ تحرك السعر بسبب قصور النيل وخلو المخازن السلطانية من الغلات لانشغال اليازوري عنها بمهامه الكثيرة لجمعه بين الوزارة والقضاء.. فاشتدت بالناس المسغبة ووصل سعر الخبز أربعة أرطال بدرهم وثمن حتى جاء تدارك الأزمة من حيث لم يحتسب أحد..فقد تصادف أن خبازا صعلوكا كان دكانه يجاور دكان عريف الخبازين بأحد أسواق الفسطاط.. وكان الإقبال على خبز العريف حتى كاد خبز الصعلوك أن يبور..فنادى عليه:
أربعة أرطال بدرهم..
مخفضا السعر ثمن درهم ليرغب الناس فيه فاتبع الناس خبزه وكسد خبز العريف الذي حنق عليه وأوعز إلى عونين من الحسبة أن يغرماه عشرة دراهم فشكا الخباز الصعلوك لليازوري ما حل به فأمر اليازوري -بعد أن تحقَّق من الواقعة- بعزل العريف وكافأ الصعلوك بثلاثين رباعيا من الذهب..فلم يملك الخباز نفسه من الفرح حتى نادى على الخبز:
خمسة أرطال بدرهم
فمال الناس إليه وخشي بقية الخبازين كساد أخبازهم فجاروه في التخفيض فنادى:
ستة أرطال بدرهم
فاتبعوه وظل يخفض السعر نكاية في العريف المعزول وهم يتبعونه خوفا من بوار أخبازهم حتى انخفض سعر الخبز إلى عشرة أرطال بدرهم!!..
فقرر اليازوري الامتناع عن تخزين القمح بالمخازن السلطانية وتخزين بضائع أخرى كالحديد والخشب..وأقنع المستنصر بذلك..فعم الغلاء في مصر في العامين التاليين وتزايد فأرسل المستنصر إلى حاكم القسطنطينية يطلب منه إمداد مصر بالغلال..فأرسل له أربعمائة ألف إردب..ثم مات وخلفت من بعده زوجته وراسلت المستنصر أن يواليها إن خرج عليها أحد الرجال فرفض فمنعت عنه الغلال..
وكان التجار يشترون القمح وهو في السنابل ثم يطحنوه ويخزنوه ويغالون في السعر حتى وصل سعر ويبة القمح إلى 8 دنانير والخبز الرطل بدرهمين.. وبلغ الشعير والفول خمسة دنانير والحمص تسعة دنانير..و بلغ سعر الرمانة الواحدة أو السفرجلة الواحدة دينارا..
فتراجع اليازوري عن قراره السابق وأمر بجمع سنابل القمح من الحقول وتخزينها في المخازن السلطانية ورد أمول التجار مع إرباحهم ثمن دينار لكل دينار دفعوه..ثم أمر ببيع القمح كل ويبة بثلاثة دنانير..فتخفف الناس قليلا..)
ثم بدأت الشدة المستنصرية..وهي سبع سنين عجاف تشابهت مع سني يوسف عليه السلام العجاف..
ما عرف الناس قحطا مثلها مذ عهد يوسف عليه السلام إلى وقتنا الحالي..وقد اصطلح على أن بدايتها كانت عام 457هـ واستمرت 7 سنين..وسميت بالغلاء العظيم..يقول عنها المقريزي:
(الغلاء الذي عظم أمره..وشنع ذكره..وامتد أمده سبع سنين)
وقبل أن أسترسل دعونا نتساءل:
ما هي الأسباب الحقيقية وراء الشدة المستنصرية؟
قد يسارع البعض بالقول إنه النيل الذي لم يبلغ حد الكفاية كالمعتاد كما حدث في زمن يوسف عليه السلام..
إلا أن هذا الاستنتاج للأسف خاطئ..وللعجب إن أسباب الشدة لم تقتصر على النيل فقط وإنما تكالبت عدة عوامل مجتمعة لتتفاقم الأزمة وتصل المجاعة لحد مريع سنتحدث عنه لاحقا..
وتلك الأسباب هي:

1- العوامل البشرية:

عهد المستنصر .. عهد القلاقل والاضطرابات

ضعفت شخصية الخليفة ففقد السيطرة على من حوله من الوزراء والجند..
وبرغم أنه كان يريد الخير..إلا أنه بدا كالدبة التي قتلت صاحبها..
إنه حسن الظن الذي يورد المهالك..
يقول ابن إياس(1)في كتابه (بدائع الزهور في وقائع الدهور):
(إن الأسباب الحقيقية للشدة المستنصرية هي:
كثرة تغيير الوزراء بعد مقتل اليازوري وانتشار الفتن وحوادث النهب وانحلال الإدارة وقلة التجار وانعدام الوارد وانقطاع الكارم وضياع حرمة الخلافة وهيبتها واستبداد ولاة الأعمال بما في أيديهم والنيل من كل هذا براء..كذلك فقد استقلت الحجاز والشام..وكثرت هجمات البيزنطيين من ناحية وضغوط العباسيين والسلاجقة والبرابرة من ناحية أخرى)
ويصف المقريزي أسباب الشدة بإسهاب قائلا:
(فلما قتل الوزير اليازوري لم تر الدولة صلاحا ولا استقام لها أمر وتناقضت عليها أمورها ولم يستقر لها وزير تحمد طريقته ولا يرضى تدبيره وكثرت السعاية فيها فما هو إلا أن يستخدم الوزير حتى يجعلوه سوقهم ويوقعوا به الظن حتى ينصرف ولم تطل مدته وخالط السلطان الناس وداخلوه بكثرة المكاتبة فكان لا ينكر على أحد مكاتبته فتقدم منهم كل سفساف..وحظي عنده عدة أوغاد وكثروا حتى كانت رقاعهم أرفع من رقاع الرؤساء والجلة وتنقلوا في المكاتبة إلى كل فن حتى إنه كان يصل إلى السلطان في كل يوم ثمانمائة رقعة فتشبهت عليه الأمور وانتقضت الأحوال ووقع الاختلاف بين عبيد الدولة، وضعفت الوزراء عن تدبيرهم لقصر مدتهم وأن الوزير منذ يخلع عليه إلى أن ينصرف لا يفيق من التحرز ممن يسعى عليه عند السلطان وتقف عليه الرجال فما يكون فيه فضل عن الدفاع عن نفسه فخربت أعمال الدولة وقل ارتفاعها وتغلب الرجال على معظمها واستصفوا نواحي ارتفاعتها... فاضطلع الارتفاع وعظمت الواجبات ووقع اصطلاح الأضداد على السلطان وواصلوا اقتضاءه قيوضهم فيوفيهم واجباتهم ولازموا بابه ومنعوه لذاته وتجرؤوا على الوزراء واستخفوا بهم وجعلوهم غرضا لسهامهم فكانت الفترات بعد صرف من ينصرف منهم أطول من مدة نظر أحدهم فطغى الرجال وتجرؤوا حتى خرجوا من طلب الواجبات إلى المصادرة فاستنفدوا أموال الخليفة وأَخلوا منها خزائنه وأحوجوه إلى بيع عرضه..فتلاشت الأمور واضمحلت.. ينتقلون فيها بحكم غلبة من تغلب صاحبه عليها ودام ذلك بينهم سنوات خمسا أو ستا ثم قصر النيل فنزعت الأسعار نزوعا بدد شملهم وبرق الفهم وشتت كلمتهم وأوقع الله العداوة والبغضاء بينهم فقتل بعضهم بعضا حتى أباد خضراءهم  وعفى آثارهم فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا)..

2- قصور النيل:

وصل ارتفاع النيل ذراعان فقط

هل تتخيلون أن النيل وصل ارتفاعه في وقت من الأوقات إلى ذراعين؟؟!!
نعم ذراعين فقط..
يقول المقريزي:
(وأما النيل فإنه اخترق في برمودة اختراقا وصار المقياس في أرض جزر وانحسر الماء عنه نحو الجزيرة وظهر في وسطه جزيرة عظيمة ومقطعات أبنية وتغير ريحه وطعمه ثم تزايد التغير ثم انكشف أمره عن خضرة طحلبية كلما تطاولت الأيام ظهرت وكثرت كالتي ظهرت في البيت من السنة الخالية ولم تزل الخضرة تتزايد إلى أواخر شعبان ثم ذهبت وبقي في الماء أجزاء نباتية منبتة وكان طعمه وريحه نتن ثم أخذ ينمى ويقوى جريه إلى نصف رمضان فقاس ابن أبي الردار قاع البركة فكان ذراعين وزاد زيادة ضعيفة إلى ثامن ذي الحجة ثم وقف ثلاثة أيام فأيقن الناس بالبلاء واستسلموا للهلاك ثم إنه أخذ في زيادات قوية فبلغ في ثالث ذي الحجة خمس عشرة ذراعا وستة عشر إصبعا ثم انحط من يومه)

3- الأوبئة:

تكالبت في عصر المستنصر على (مصر) عدة أوبئة متلاحقة كانت شديدة الوطء..
لم يكن الناس يكادون يستفيقون من وباء حتى يحل بهم وباء أشد..
ولقد طالت الأوبئة نهر النيل ذاته في سابقة لم تتكرر منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا..
يقول المقريزي:
(في سنة 433هـ كان بمصر وباء توفي فيه جماعة من الأشراف وفي سنة 446هـ أعقب الغلاء وباء عنيف فكثر الموت في الناس ثم اشتد عنفه في سنة 447هـ وقيل:
إن المواريث مال جزيل
لكثرة من توفي دون وريث واستمر الوباء في سنة 448هـ على نحو لم يعهد من قبل وزاد في عنفه أنه عم أمصار الشام والعراق ومصر فكان المسافرون بين هذه الأمصار يزيدون الوباء تفشيا بما ينقلونه من عدوى..

الاوبئة حصدت ملايين البشر خلال العصور الوسطى .. صورة لمرضى الطاعون الاسود الذي اباد ثلثي سكان اوربا

وفي سنة 450هـ بدأت موجة أخرى من الوباء فاشتد بمصر حتى كان يموت في كل يوم ما يحصيه ديوان المواريث نحو عشرة آلاف غير من لا يعرفون من الموتى من صعاليك الناس وتفاقم الوباء في العام التالي سنة 451هـ حتى أفنى ثلثي أهل مصر وبارت الأراضي لانعدام من يزرعها من الرجال فخرج الجند يحرثون ويزرعون لانعدام الفلاحين وقيل:
إن الرجل كان يمشي من جامع ابن طولون إلى باب زويلة فلا يقابله إنسان واحد يمشي في الأسواق..
وفي سنة 455هـ تفشى طاعون عظيم بمصر وقراها فكان يموت في كل يوم ألف إنسان على مدى عشرة أشهر وامتدت هذه الموجة عام 457هـ التي أعقب غلاءها وباء شديد حتى تعطلت الأرض الزراعية لكثرة من مات فيه
وشهدت الستينيات من القرن الخامس الهجري موجة أخرى من الوباء ففي سنة 461 كثر الوخم والوباء بمصر وابتلي الناس بالتخم في حلوقهم فكانوا يموتون به واشتد الوباء في العام التالي بالقاهرة والفسطاط حتى إنه كان يموت الواحد من أهل البيت فلا يمضي اليوم أو الليلة إلا ويموت جميع من فيه وحدث وباء مماثل في سنة 465هـ كان أهل البيت الواحد فيه يموتون أيضا في ليلة واحدة.. وكان يموت كل يوم ألف نفس وفى يوم مات 18 ألف وقيل انه فني ثلثي أهل (مصر) وقيل كانوا مليون وستمائة ألف وقيل إن تنيس (محافظة الشرقية قديما) لم يبق بها إلا مائة نفس..وكان المستنصر يتحمل تكاليف تكفين عشرين ألفا يوميا حتى افتقر..وتحولت القطائع والفسطاط والقاهرة إلى أطلال خربة..
فأصبحت البيوت خاوية على عروشها..
وكان المار بها يتلو قوله تعالى:
(فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم) سورة الأحقاف الآية (25)
يذكر ابن إياس - نقلا عن المسبحي(2) - :
( حدث في سنة 451هـ فناء عظيم حتى هلك ثلثا أهل مصر وصارت الأرض بائرة لم تزرع من عدم الرجال)
يقول الموفق عبد اللطيف البغدادي(3)في كتابه (الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر) عما حدث في نفس العام المذكور:
(ابتدأ النيل يتحرك بالزيادة وكان قبل ذلك بنحو شهرين قد بدت في مياهه خضرة سلقية..ثم كثرت وظهرت في رائحته وفرة كريهة وعفونة طحلبية كأنه عصارة السلق إذا بقي أياما حتى يتعفن..
وجعلت منه في وعاء ضيق الرأس فعلى سحابة خضراء فرفعتها برفق وتركتها تجف فإذا بها طحلب لا شك فيه.. ويبقى الماء بعد رفع هذه السحابة عنه صافيا لا خضرة فيه إلا أن طعمه وريحه باقيان وتوجد فيه أيضا أجساما صغارا نباتية مبثوثة كالهباء لا ترسب..
وصار أرباب الحمية يتجنبون شربه وإنما يشربون ماء الآبار..
وأغليته بالنار ظنا مني أنه يصلح بذلك كما وصى الأطباء أن يفعل بالمياه المتغيرة.. فزاد طعمه وريحه كراهة وسهكا..وكان يصحب الخضرة دود وحيوانات أجمية..وهذا التغير في الماء يكون بالصعيد أكثر لأنه أقرب إلى المبدأ)..
ويستطرد البغدادي قائلا في موضع آخر:          
(وكانت الأوبئة والطواعين كثيرة الحدوث في مصر الإسلامية لتوفر العوامل المهيأة لحدوثها ففضلا عن المجاعات التي كانت تتسبب في موت كثير من الناس وتعذر الدفن السريع مع كثرة الموتى وعدم ارتقاء الطب الوقائي فإن فساد المياه وعفونتها وركودها في موسم التحاريق- الذي يسبق أول الفيضان الجديد - كانت تسبب الوباء..)

4- الغلاء والمجاعة:

نبذ الناس اطفالهم بسبب الجوع .. لوحة توثق للمجاعة في انجلترا القرون الوسطى

بالطبع توقفت الزراعة لانعدام الماء من ناحية ولانعدام الفلاحين من ناحية أخرى لكثرة تفشي الموت بالوباء..وانعدمت الأعلاف فنفقت الماشية..وكان الناس يذبحونها ليقتاتوا على لحمها وليتخلصوا من نفقة مئونتها.. وتوقفت الصناعة وبالتالي التجارة وانتشرت البطالة ومن ثم انتشرت السرقات وعمليات السطو المسلح وتشكيل العصابات وأدى ذلك الي انفلات الأمن الذي شمل جميع قطاعات الدولة بما فيها الجيش نفسه الذي تفكك تحت التحزب والتشرذم حيث كان الجيش يتألف من السودانيين والشوام والمغاربة وغيرهم ..
كما انتشرت حوادث القتل والسرقة والسطو والاختطاف وهي حوادث غريبة وعجيبة ولم تحدث في تاريخ مصر أو تاريخ المسلمين بهذا الشكل إلا في هذه الأيام الصعبة
وانعكس هذا على الأسعار..فتصاعدت تصاعدا خطيرا..وعمت المجاعة..يقول ابن الصيرفي(4) في كتابه (البيان في دلائل الإعلام على أصول الأحكام):
(ولكي يعرف حجم المأساة يكفينا أن نشير إلى أنه ثم بيع إردب القمح بثمانين دينارا..وبيع رطل الخبز في زقاق القناديل كبيع الطرف بخمسة عشر دينارا..ثم تزايد السعر لجشع التجار وقلة المعروض وانعدام الأقوات..وحكي لي أن رجلا جلب من الشام دجاجا بستين دينارا باعها بنحو ثمانمائة دينار فلما وجد البيض باع البيضة بدرهم ثم كثر..وأما الفراريج فاشترى الفروج بمائة درهم ثم باعه بعشرين دينارا.. وتزايد السعر حتى بيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة دنانير وبلغت رواية الماء دينارا وبيعت دار ثمنها تسعمائة دينار بتسعين دينارا اشترى بها دون تليس(5) دقيق.. وعم مع الغلاء وباء شديد وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد فانقطعت الطرقات برا وبحرا إلا بالخفارة الكبيرة مع ركوب الغرر وبيع رغيف من الخبز كما تباع التحف والطرق في النداء: خراج ! خراج ! فبلغ أربعة عشر درهما..
ثم استمر الارتفاع الجنوني في الأسعار حتى وصل سعر القمح سنة 461هـ إلى مائة دينار للإردب الواحد منه ثم عدم وجوده وعظم الجوع وامتدت أيدي الجند إلى نهب الأهالي.. وفر كثير من أهل القاهرة والفسطاط إلى الشام والعراق والمغرب وقيل إن أم المستنصر نفسها فرت إلى بغداد..وعظمت المسغبة بالعامة والخاصة ولم ينج منها المستنصر نفسه الذي آل أمره إلى أن باع كل ما في قصره من ذخائر وتحف وثياب وأثاث وسلاح وخلافه وصار يجلس على حصير ويضع في قدميه قبقاب من خشب أبيض من غير دهان ولا سير ويقتات من الصدقات)
ويذكر المقريزي حادثة تبين ما آل إليه حال الناس في المجاعة يقول فيها:
(إن سيدة غنية من نساء القاهرة آلمها صياح أطفالها الصغار و هم يبكون من الجوع فلجأت إلى شكمجية حليها و أخذت تقلب ما فيها من مجوهرات و مصوغات ثم تتحسر لأنها تمتلك ثروة طائلة و لا تستطيع شراء رغيف واحد..فاختارت عقدا ثمينا من اللؤلؤ تزيد قيمته على ألف دينار وخرجت تطوف أسواق القاهرة و الفسطاط فلا تجد من يشتريه ثم عرضته على جماعة في أن يعطوها به دقيقا.. وكل يعتذر إليها ويدفعها عن نفسه إلى أن رحمها بعض الناس وباعها به وليس دقيق بمصر.. وكانت تسكن بالقاهرة فلما أخذته أعطت بعضه لمن يحميه من النهابة في الطريق فلما وصلت إلى باب زويلة تسلمته من الحماة له ومشت قليلا به.. فتكاثر الناس عليها وانتهبوه نهبا فأخذت هي أيضا مع الناس من الدقيق ملئ يديها لم ينبها غيره ثم عجنته وسوته لما صار قرصة أخذتها معها وتوصلت إلى أحد أبواب القصر ووقفت على مكان مرتفع ورفعت القرصة على يدها بحيث يراها الناس ونادت بأعلى صوتها:
(يا أهل القاهرة ادعوا لمولانا المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه وأعاد عليهم بركات حسن نظره.. حتى تقومت على هذه القرصة بألف دينار)..
حقا إن شر البلية ما يضحك..
ويستطرد المقريزي قائلا:
)وأخذ المستنصر نصيبه كاملا كأي فرد في الشعب من المجاعة والحاجة.. فالجوع لا يرحم أحدا لذلك أرغم الجند الخليفة المستنصر أن يبيع ممتلكاته حتى يدفع لهم أجورهم..وكان يشارك كل يوم في تكفين عشرين ألفا من الموتى من ماله حتى لا يطرحهم ذويهم في النيل..فصرف كل ما يملك..حتى خلا القصر من أثاثه اللهم إلا من حصيرة قديمة..يتخذ منها مجلسا ومرقدا..ولم يبق معه إلا غلام واحد يخدمه وحمار هزيل يركبه..
أما طعامه فكان رغيفين كل يوم تبعث له بهما بنت أحد العلماء كصدقة..وكان لا يقوى في بعض أيامه على الوقوف من شدة الجوع..
أما أسرة الخليفة وأمه ونساء القصر فقد هاجروا من مصر لإنقاذ أنفسهم من الجوع وعصيان الجند)
يقول ابن إياس:
.(ولم تسلم المكتبة الملكية من العبث فأمر ناصر الدولة جنوده بنهبها وكان فيها مئات الألوف من المجلدات فأخذها الجنود وكانوا يتسلون بتمزيقها كما يتسلى الأطفال بتمزيق الأوراق واللعب بها وحدث أن أحد قواد المستنصر كان عهد إليه بالهجوم على قصر الخليفة ونهبه فاعتنى بحمل جميع الكتب الثمينة وأنقذ ما يمكن إنقاذه وحملها إلى الإسكندرية ولكن التقى بحامليها عصابة من المتمردين الذين انتشروا في طول البلاد وعرضها فاستولوا على الكتب ونزعوا أغلفتها المصنوعة من الجلود الثمينة المزخرفة وحولوها إلى نعال يلبسونها أما الأوراق فأشعلوا فيها النار وما بقى طرحوه في الصحراء فحملتها الرياح وشاهدها الناس وبقيت هذه الوراق منتشرة على سطح أحد التلال فأطلق الناس على هذا التل اسم (تل الكتب).. ويحضرني أنه حينما تولى صلاح الدين الملك بعد ذلك بما يقرب من قرن وجد في القاهرة مكتبة تحوى 120 ألف مجلدا)
- وهذا لعمري يذكرني بما فعله المغول بمكتبة (بغداد)-..
نعود لابن إياس حيث يقول:
(ولم تجد هذه النفائس الخليفة نفعا وبقى محاصرا بالقاهرة يتكبد آلام الفاقة والعوز إلى درجة الاستعطاء فطلب إحسانا من بعض النسوة وكانت مشهورة بالغنى والعطاء ولكنها سبقت فوزعت ثروتها على الجياع..بيد أنها لم ترفض طلبه فأمرا له بصحن من الشوربة ورغيفين كل يوم لسد جوعه أما نساؤه فإنهن همن على وجوهن يستجدين فخرجن من القصر مكشوفات الرؤوس حافيات الأقدام من سوء الحالة وبمضي الأيام خارت قواهن من الجوع فسقطن إلى الأرض وماتت الواحدة تلو ألأخرى فكان الجياع يأخذون الذين يسقطون من الموت ويلتهمون لحومهم كالتهام الجوارح للجيف..
ولم يبق للخليفة سوى بغلة وغلام وقبقاب وحصيرة فقط..
ونبش الناس قبور الخلفاء الذين دفنوا في مصر وأخذوا النفائس التي وجدوها فيها واشتروا بها طعاما وتطاولوا إلى ما في أعناق نساء الخليفة وما زال جنوده يجردونه حتى بلغت الفاقة به إلى درجة الاستعطاء ولم يقدر الخليفة على حماية نفسه ودفع الأذى عن بيته فاضطره قواد حرسه من الأتراك إلى بيع القناطير المقنطرة من النفائس التي جمعها هو وأجداده وورثها عن آبائه مما لا يدخل تحت حصر فقسموها على أنفسهم وباعوا النفائس الأخرى بأبخس الأثمان..وكان من هذه النفائس التي استلبها الجنود الأتراك خريطة مطرزة بأسلاك الذهب الإبريز ومرسوم عليها جميع ممالك الأرض في ذلك الوقت بجبالها وأنهارها ومدنها وشوارعها وقد كان الخليفة المعز قد أمر بصنعها فصنعت له..هذا عدا السيوف والدروع المرصعة بالأحجار الكريمة والحلي وغيرها مما كان يهديه سلاطين وملوك الأرض إلى الخلفاء..كل هذه النفائس لعبت بها أيدي العابثين من الجنود واستولت عليه وهى لا تعرف له قيمة وأثناء الاستيلاء على هذه النفائس شبت النار في المفروشات الحريرية فالتهمت النيران ما تبقى منها.)

5- الاضطرابات السياسية:

يقول ابن إياس:     
(ثم كانت الفتن والحروب التي وقعت بين جند الجيش بعضهم بعضا..فانقسموا على أنفسهم بين عبيد وأتراك ومغاربة وأرمن وشوام..وكان لأم المستنصر دور رئيسي في إشعال تلك الفتن لانحيازها لبني جلدتها من العبيد وتحريضهم على الأتراك الذين كان يتزعمهم ناصر الدولة بن حمدان الذي انشق على الخليفة وهرب الي الدلتا والإسكندرية المعروفة بكرهها للحكم الفاطمي لأنهم احتفظوا بمذهبهم السني وكانوا قد ساعدوا ابن حمدان ضد الخليفة وأعلن ناصر الدولة هناك سقوط الخلافة وأسقط الدعاء للخليفة علي منابر هذه المناطق وحارب الجند السودانيين حتى أخرجهم الي الصعيد وتبعهم خمسة آلاف من عائلاتهم بالقاهرة خشية بطش الأتراك بهم..فعاثوا بالصعيد فسادا..ثم حاصر ابن حمدان القاهرة تمهيدا لإنهاء الدولة والدعاء لنفسه خليفة وبالفعل دخلها وقبض علي أم الخليفة وانتهب أموالها ثم تركها بعد دفع فدية.. ولم يعد للمستنصر حياله حول ولا قوة فبالغ ناصر الدولة في إهانة الخليفة وأُمه وأمسك بزمام الأمور وخاطب الخليفة العباسي القائم بأمر الله وكتب إلى ألب أرسلان سلطان السلاجقة  يستدعيه لبسط سلطانه على مصر ولولا انشغال سلطان السلاجقة بمحاربة البيزنطيين حينذاك لتغيرت صفحات عديدة من تاريخ الدولة الفاطمية في مصر..
وأسفر النزاع عن ضياع هيبة الخليفة الفاطمي وسلطته على البلاد التي أصبحت قسمة بين العبيد في الصعيد وناصر الدولة في الوجه البحري ثم ما لبث الأمر كذلك حتى دبر الأتراك مقتل ابن حمدان سنة 465هـ..)
يقول ابن الصيرفي:
(وكانت الأحوال يومئذ بالحضرة قد فسدت والأمور قد تغيرت وطوائف العساكر قد تبعثرت وتخربت والفتن بينهم قد اتصلت وتأكدت والوزراء يقنعون بالاسم دون الأمر والنهي حتى تغير اثنا عشر وزيرا في بضع سنين والرخاء قد أُيِس منه والصلاح لا يطمع فيه والولاة قد ملكوا الريف والصعيد بأيدي العبيد والطرقات قد انقطعت برا وبحرا إلا بالخفارة الثقيلة والكلفة الكبيرة مع ركوب الغرر وشدة الخطر والمارقون ينوي بعضهم لبعض شدة الاحتيال والغدر ويضمر كل منهم لصاحبه الاغتيال والبغي)

...................................................................................................

هذا هو ما حدث بالتفصيل..
ولكن ماذا عن رد فعل الناس..
ماذا فعلوا خلال تلك السنوات؟..وكيف تجاوزوها؟؟
بالواقع هذا هو أصعب جزء من المقال..حتى أن المؤرخين أنفسهم حرصوا على أن ينفوا عن أنفسهم أي شبهة تعمد..يقول البغدادي:
(وجميع ما شاهدناه لم نتقصده ولا تتبعنا مظانه وإنما هو شيء صادفناه اتفاقا..)
وله كل الحق..فما حدث كان شنيعا بحق..
وأعود فأقول صدق من قال:
(ساعة البطون تتوه العقول)
و(الجوع كافر)
وقبل أن أسترسل دعوني أنصح أصحاب القلوب الضعيفة منكم بعدم الاستمرار في القراءة..
وقد أعذر من أنذر..

.................................................................................................

خلت الشوارع من الناس .. ماتوا جميعا!

يقول البغدادي:
(دخلت سبع سنين مفترسة لأسباب الحياة ويئس الناس من زيادة النيل وتصحرت الأراضي وهلكت الماشية وهلك الحرث والنسل وارتفعت الأسعار وأقحطت البلاد وضوى أهل السواد والريف إلى أمهات البلاد وجلا كثير إلى البلاد النائية ومزقوا كل ممزق.. وطائفة منهم يزيدون على عشرين ألفا انتقلوا إلى برقة وأعمالها فعمروها وقطنوا بها - وكانت مملكة عظيمة خربت في زمان خلفاء (مصر) على يد الوزير اليازوري ونزح عنها أهلها-..ودخل منهم خلق إلى القاهرة واشتد بهم الجوع وخطف الخبز من على رءوس الخبازين ووبئ الهواء..ووقع في الناس الموت عند نزول الشمس الحمل..وهاجرت النساء للعراق والشام وكن يبعن أنفسهن لقاء
وجبة طعام أو كسرة خبز..واضطر بعض أعيان الدولة ان يخدموا الناس لقاء كسرة من الخبز..
كما بيعت حارة بأكملها مكونة من عشرين دارا بطبق من الطعام حتى سميت بحارة الطبق..
وأكل الناس الجيف والميتة..ثم عمدوا إلى القطط والكلاب يذبحونها ثم يأكلونها..حتى ندرت فبيع الكلب ليؤكل بخمسة دنانير والقطة بثلاثة دنانير..ثم أكلوا البعر والروث فتفشت فيهم الأمراض وكثر الموت حتى أن الماشي بالقاهرة لا يزال يقع قدمه أو بصره على ميت أو من هو في السياق (يعني يحتضر) وكان يرفع من القاهرة كل يوم من الميضأة ما بين مائة إلى خمسمائة..
وأما الدور والدكاكين فقد خلا معظمها وليس لموتاها عدد يرمون ولا يوارون ثم عجزوا عن رميهم فبقوا في الدور والدكاكين..وأما الضواحي والقرى فهلك أهلها قاطبة إلا من شاء الله..والمسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار وتجد البيوت مفتحة وأهلها موتى..حدثني بذلك غير واحد وأما بيوت الخليج وزقاق البركة والمقس وما تاخم ذلك فلم يبق فيها بيت مسكون..
وقال لي بعضهم إنهم مروا ببلد ذكروا أن فيها أربعمائة نول للحياكة فوجدوها خرابا وأن الحائك في جورة حياكته ميت وأهله موتى حوله..فحضرهم قوله تعالى:
( إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) سورة يس الآية (29)..
ثم قالوا:
(ثم انتقلنا إلى بلد آخر فوجدناه ليس به أنيسا واحتجنا إلى الإقامة به لأجل الزراعة فاستأجرنا من ينقل الموتى مما حولنا إلى النيل كل عشرة بدرهم..فكان جملة ما أخذه الحمال خمسمائة درهم ونيف..)
وخبرت عن صياد بفوهة تنيس (محافظة الشرقية قديما) أنه مر به في بعض يوم أربعمائة آدمي يقذف بهم النيل إلى البحر..فحضره قوله تعالى:
(أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها(  سورة البقرة الآية (259)..
وأما أنا فمررت على النيل فمر بي في ساعة نحو عشرة موتى..وأما طريق الشام فصارت منزوعة ببني آدم وعادت مأدبة بلحومهم للطير والسباع..
وهذا في القاهرة..وهو مع كثرته نزر في جنب ما هلك بمصر والحواضر وكله نزر في جنب ما هلك بالإقاليم..
فقد سمعنا من الثقات في الإسكندرية أن الإمام صلى يوم الجمعة على سبعمائة جنازة وأن تركة انتقلت في مدة شهر إلى أربعة عشر وارثا..
فكان الذي تحت قلم ديوان الحشرية من الموتى وضمته الميضأة في مدة اثنين وعشرين شهرا مائة ألف وأحد عشر ألفا إلا شيئا يسيرا..في عموم (مصر))
إذن فقد عم القحط والجدب والغلاء والوباء..وانتشرت حوادث النهب والاستلاب..بل وتخلص الخليفة والناس من مجوهراتهم وممتلكاتهم لقاء وجبة طعام أو كسرة خبز..
وأكل الناس الجيف والميتة من فرط الجوع..ثم أكلوا القطط والكلاب فلما عدموها عمدوا إلى أكل روث البهائم..فهل توقف رد فعل الناس عند هذا الحد؟..وهل رحمهم الجوع؟؟
لا والله..فقد استفحل الأمر..وكالعادة..سقط عن الناس ثوب التدين والحضارة..وحكمتهم شريعة الغاب..
وهاكم ما حدث..

صورة حقيقية لرجل وامرأة قاما بخطف وقتل وشوى الاطفال والتهامهم خلال مجاعة روسيا في القرن التاسع عشر

يقول البغدادي:
(اشتد الغلاء واستفحلت المسبغة وعدمت الأقوات حتى عجز الناس عن إطعام أنفسهم فضلا عن إطعام عيالهم..
فكانوا يتخلصون منهم..فكثيرا ما كانت المرأة تتخلص من صبيتها في الزحام فينتظرون حتى يموتوا..         
وأما بيع الأحرار فشاع وذاع وعرض علي جاريتان مراهقتان بدينار واحد وسألتني امرأة أن أشتري ابنتها وقالت:
جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم..
فعرفتها أن هذا حرام فقالت:
خذها هدية..
وقد بيع خلق كثير وجلبوا إلى العراق وخراسان..
وانتهز الأثرياء الفرصة فاسترقوا الأبكار من الأحرار..وكانوا يتباهون فيما بينهم..فمنهم من يقول إنه قنص خمسين بكرا..ومنهم من يقول سبعين..وكل ذلك بالكسر(يعني بضع وخمسين وبضع وسبعين)..)
إذن فقد استعبد الأحرار من شدة الوطء..هذا مريع..ولكن الشنيع لم يأت بعد..
يقول البغدادي:
(وحكا لي من أثق به أنه اجتاز على امرأة وبين يديها ميت قد انتفخ وانفجر وهي تأكل من أفخاذه فأنكر عليها فزعمت أنه زوجها..
وأشباه هذا كثير جدا ومما شاع أيضا نبش القبور وأكل الموتى فقد أخبرني تاجر مأمون حين ورد من الإسكندرية بكثرة ما عاين لها من ذلك يعني من أكل بني آدم وأنه عاين خمس أرؤس صغار مطبوخة في قدر. وهذا المقدار كاف واعتقد أني قد قصرت..)
انظروا..حتى البغدادي نفسه قد استبشع ما حدث..ولم تقو نفسه على الاستمرار في سرد الأحداث برغم كثرتها وبشاعتها فاتهم نفسه بالتقصير..وأكاد أجزم بأنه قد قرر وقتها أن هذا كاف..ولن يكمل..
لذلك نجده يستطرد- ربما بعد أن تمالك نفسه قليلا- في سرد الأحداث..
وقبل أن أنقل لكم ما كتبه أجد لزاما علي أن أطالبكم مجددا بعدم الاسترسال في القراءة..ولكم مطلق الحرية في اختياركم..
يقول البغدادي:
(وتزايدت الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا..
- فكانوا في بادئ الأمر يقفون بالطرقات فيقتلوا من يظفروا به ثم يقطعوا لحمه ويأكلوه..
- وكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم حبال فيها كلاليب (خطاطيف) فإذا مر بهم أحد ألقوها عليه ونشلوه في أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه وعرف هذا الزقاق التي كانت تقوم فيه هذه العمليات بزقاق القتل وتعقبتهم الشرطة حتى تم القبض عليهم وإعدامهم بعد ذلك..
- وجاء الوزير يوما إلى الخليفة على بغلته فأكلتها العامة فشنق طائفة منهم فاجتمع عليهم الناس فأكلوهم..فلما أصبح الصباح كانوا عظاما نخرة..
- ثم تعدوا إلى أكل الصغار وكثيرا ما يعثر عليهم ومعهم صغار مشويين أو مطبوخين فيأمر الخليفة بإحراق الفاعل..
- وقبض على رجل اتهم بخطف ابن جاره وشيه ثم أكله..فاعترف بأنه اتفق مع أبي الطفل على ذلك وشاركه لحمه فأعدما..
- وقبض على رجل كان يقتل النساء والصبيان ويدفن رءوسهم وأطرافهم ويأكل لحمهم ثم يبيع الفائض..فأعدم..
- ورأيت صغيرا مشويا في قفة مع رجل وامرأة أحضرا لقصر الخليفة فقالا:
نحن أبواه..
فأمر بإحراقهما..

نصب تذكاري لرجال ونساء يفرون خلال مجاعة ايرلندا الكبرى .. الملايين فروا الى امريكا خلال تلك المجاعة المروعة

-  وقبض على امرأة في السوق وفي يدها ساق مشوية فاقتادتها الشرطة لقصر الخليفة والناس قي السوق كل في حاله لا ينكر عليها شيئا..
- ودعا رجل جاره لمأدبة لحم..ثم خرج لبعض أمره..فاستراب الرجل من مذاق اللحم وسأل ابنة المضيف:
من أين اشترى أبوك هذا اللحم؟
فقالت ببساطة الطفولة:
إنها جارتنا السمينة زينب..قد جاءت لزيارة أمي بالأمس فذبحها أبي
- ووجد بمصر رجل قد جردت عظامه وبقي قفصا..
وفشي أكل بني آدم واشتهر ووجد كثيرا..
- وحكت لي عدة نساء أنه يتوثب عليهن لاقتناص أولادهن ويحامين عليهن بجهدهن.. ولقد أحرق من النساء بمصر في أيام يسيرة ثلاثون امرأة كل منهن تقر أنها أكلت جماعة..
- ورأيت امرأة أحضرت إلى الخليفة وفي عنقها طفل مشوي فضربت أكثر من مائتي سوط على أن تقر فلم تحر جوابا بل وجدناها قد انخلعت عن الطباع البشرية ثم سجنت فماتت..
- وحكا لنا رجل أنه كان له صديق فدعاه ليأكل فوجد عنده فقراء قدامهم طبيخ كثير اللحم وليس معه خبز فرابه ذلك وطلب المرحاض فصادف عنده خزانة مشحونة برمم الآدميين وباللحم الطري فارتاع وخرج هاربا..
- وقد جرى لثلاثة من الأطباء ما يلي..
أما أحدهم فإن أباه خرج فلم يرجع..
وأما الآخر فأعطته امرأة درهمين ومضى معها فلما توغلت به مضائق الطرق استراب وامتنع وشنع عليها فتركت دراهمها وانسلت..
وأما الثالث فإن رجلا استحبه إلى بيته بحجة وجود مريضة وجعل في أثناء الطريق يتصدق بالكسر ويقول:
هذا وقت اغتنام الأجر..
ثم أكثر حتى ارتاب منه الطبيب ودخل معه دارا خربة فتوقف في الدرج وفتح الرجل فخرج إليه رفيقه يقول : هل حصل صيد ينفع؟..
فجزع الطبيب وألقى بنفسه إلى إسطبل فقام إليه صاحب الإسطبل يسأله فأخفى قصته خوفا منه أيضا فقال له صاحب الإسطبل:
قد علمت حالك فإن أهل هذا المنزل يذبحون الناس بالحيل وقد نجاك الله منهم..
- ووجدنا طفيحا عند عطار به عدة خوابئ مملوءة بلحم الآدميين في الملح فسألوه فقال: خفت دوام الجدب فيهزل الناس..
- وكان جماعة ممن اتهموا بأكل الناس قد طلبوا ليقتلوا فهربوا..فأخبرني الثقة أن الذي وجد في بيوتهم أربعمائة جمجمة..)
- وأخيرا يقول المقريزي:
(ودخلت سنة خمس وستين والأحوال على حالها أو في تزايد إلى زهاء نصف السنة..وتناقص موت الفقراء لقلتهم لا لانعدام السبب الموجب وتراجع سكان مصر لأقل معدل في تاريخها وتناقص أكل الآدميين ثم عدم..وقل خطف الأطعمة من الأسواق لفناء الصعاليك وخفت القاهرة وصارت أطلالا وعم الخراب.. فأما الهلالية ومعظم الخليج وحارة الساسة والمقس وما تاخم ذلك فلم يبق فيها أنيس وإنما ترى مساكنهم خاوية على عروشها..وحكي لي أنه كان بمصر سبعمائة منسجا للحصر فلم يبق إلا خمسة عشر منسجا فقس على هذا أمر باقي الصناع من سائر الأصناف..)
...................................................................................
هل تخيلتم ذلك في أبشع كوابيسكم؟..
كنت قد وعدتكم بسرد حقائق لا تتخيلوها حتى في أبشع كوابيسكم طرا..
وأعتقد أنني قد وفيت بوعدي..
أعرف السؤال الذي يتقافز على ألسنتكم جميعا الآن لا يطيق صبرا..
كيف انكشفت تلك الغمة؟..وكيف لم يمح اسم (مصر) من الوجود؟؟
بالواقع هنا تتجلى إرادة الله وقدرته مصداقا لقوله:
(إن مع العسر يسرا)
فمن رحم المعاناة يولد الأمل..ومن قلب الظلام ينبثق النور..
وهذا هو ما حدث فعلا..
فقد تجمعت عدة عوامل مجتمعة في وقت واحد للقضاء على تلك الأزمة الرهيبة..
وبدا وكأن هناك يد خفية قد امتدت وسط غياهب الظلمات لانتشال (مصر) من الهوة السحيقة التي كانت تهوي إليها وتتخبط في غياهبها..
إنها يد الله..

.............................................................................................

الفرج بعد الشدة .. صورة للقاهرة القديمة

يقول المقريزي:
(لما سمع الخليفة مقولة السيدة التي اقتضت قرصة خبز بألف دينار استدعى وزيره وعنفه وأقسم له إن لم يوفر القمح في الأسواق بأسعار معتدلة ليقطعن رقبته..فاستراع الوزير وخرج يستدعي قائد الشرطة وقال له مثلما قال الخليفة.. فخرج قائد الشرطة واستدعى تجار الغلال وأحضر ثلاثة من المسجونين المحكوم عليهم بالإعدام وألبسهم ملابس فاخرة مثل ملابس التجار وأحضرهم اجتماع التجار على أساس أنهم تجار أيضا قدموا من الشام وصاح في أحدهم قائلا:
لماذا تخفى القمح أيها الرجل الطماع والمجاعة قد أهلكت الناس أو لست تخاف الله يوم الدين؟
ثم أمر السياف بقطع رقبته أمام التجار وهكذا فعل مع الثاني والثالث فارتعدت فرائص التجار وخافوا خوفا عظيما..ثم استدعى واحدا من التجار الحقيقيين فصاحوا جميعا بصوت واحد يطلبون العفو وقالوا إنهم سيخرجون حنطتهم ويبيعونها في الأسواق بالأثمان التي يقدرها لهم وانفرج الحال قليلا ولكنه لم يدم طويلا على هذا المنوال..فقد استمر ناصر الدولة يضيق الخناق على القاهرة قاصدا خلع الخليفة والاستيلاء على الحكم.. واحتل ناصر الدولة القاهرة في نفر من رجاله ممن كانوا يتقدمون من جهة الصالحية ودخل القاهرة سنة 466 هـ – 1073م وعندما دخل رسوله قصر الخليفة المستنصر وجده جالسا على حصير بال ولم يجد عنده من قوت سوى رغيفين أعطتهما إليه إحدى المحسنات..فأشفق على حاله وارتد عنه..
ولم يمكث ناصر الدولة كثيرا مستمتعا بالنصر فسرعان ما حقد عليه صهره واسمه دكوز فأظهر الفرح باحتلال ناصر الدولة (مصر) خشية من بطشه وصالحه وظل يلاطفه حتى تمكن منه وقتله سنة 1073م فخلصت البلاد من شره..واستراح الخليفة من موت ناصر الدولة..
ثم اتصل سرا ب(بدر الجماَلي) والي عكا وكان أرمني الأصل يدين بالولاء للخليفة..وحمل الخليفة رسوله السري رسالة احتوت على ثلاثة أوامر:
القضاء على الفتنة التي دبت في الجيش..وقتل دكوز..وتولي وزارة مصر
فهاجم بدر (مصر) بجيش من أهل الشام عن طريق البحر حتى يفاجئ الجنود الأتراك بالرغم من معارضه قواد جيشه ووصل إلى ثغر دمياط وأنزل بها الجنود وسار في الدلتا ففتك بالقواد الأتراك..
وعندما دخل القاهرة سنة 1074م أخذ كبار قواد الأتراك بالحيلة فأعد لهم وليمة عظيمة وكان قد أوصى جنوده أن يبطشوا بهم ورتب لكل واحد من قواد الأتراك أميرا من أمرائه وكان أجرتهم أن يعطى لكل منهم قصر فضلا عن أملاك القواد الأتراك الذين يقتلونهم فسروا بذلك سرورا عظيما وبعد انتهاء الوليمة أخذ كل أمير قائدا تركيا ومعه ثلة من الجنود ليوصله إلى منزله فبطش كل أمير بالقائد الذي معه وقتله بالسيف بالقرب من منزله ولما أصبح الصباح كان كل أمراء بدر الجمالي يسكنون في قصور الأتراك..
وأسرع بدر إلى الخليفة المستنصر يخبره بنجاح الخطة والقضاء على خصومه ولهذا لقبه الخليفة ب(أمير الجيوش)..-وهذا لعمري يذكرني بمذبحة القلعة الشهيرة التي دبرها الوالي محمد علي باشا  ضد القواد والأمراء المماليك-..
وبقي من القواد الأتراك اثنين لم يحضرا الوليمة أحدهما توجه إلى الإسكندرية والآخر إلى دمياط وقاموا على الأهالي نهبا وسرقه وقتلا فتوجه إليهم أمير الجيوش في حملة قوية قضت عليهم وسبى نساءهم وخيولهم وعتادهم وفرق أجود نسائهم على جنوده وباع الباقي في القاهرة فباع المرأة بدينار والحصان بدينار ونصف..
ونما خبر قوة جيش المستنصر إلى سكان مكة فرجعوا إلى إعلان الولاء به واعترفوا به أميرا للمؤمنين وكانوا قبل ذلك قد انفصلوا وصار ولاؤهم للخليفة العباسي ببغداد..وقاموا إلى كسوة الكعبة التي أرسلها خليفة بغداد ومزقوها ووضعوا بدلا منها كسوة المستنصر..

احدى بوابات القاهرة القديمة .. يا ترى كم شهدت من افراح و اتراح

وبعد أن انتظمت البلاد ظهر غازيا جديدا من الأتراك اسمه عبد العزيز ظهر في فلسطين وكانت جيوش أمير الجيوش مشتبكة في مطاردة العبيد بالصعيد عام 1086م فانتهز عبد العزيز غياب الجمالي عن الشام واستولى عليها بدون مقاومة فدخل دمشق ثم القدس ثم طبرية واستمر يزحف حتى وصل إلى مشارف القاهرة..
ووقع بدر في ورطة لأن جيوشه كانت في الصعيد فعمد إلى الحيلة والدهاء وبدأ يظهر الود والمصالحة مع عبد العزيز وفى الوقت نفسه كان عبد العزيز لا يعرف أن الجيوش بالصعيد ودارت المناقشات بينهم حتى ارتضى عبد العزيز أن يدفع بدر إليه مبلغا من المال كتعويض عن تكاليف حملته في الشام  مقابل الخروج من (مصر)..وظل بدر يماطل في الوعد ويطيل في الرد ويختلق الأعذار وأثناء ذلك كان يحث جنوده في الصعيد على سرعه العودة إلى القاهرة لحمايتها وأخيرا وصل جنوده وفى نفس الوقت كان أعداد غفيره من حجاج المسلمين قد قدموا من أنحاء البلاد إلى القاهرة بهدف الذهاب إلى مكة فذهب إليهم بدر لاستقبالهم ووقف فيهم خطيبا وأخبرهم بالغزاة وأنه يجب عليهم الجهاد قبل الذهاب إلى الحج لأنه أوجب..وأن عليهم إنقاذ (مصر) من مطامع الغزاة وإنقاذ البلاد والذود عنها فأثر عليهم ببلاغته فانصاعوا وتحمسوا للجهاد فانتخب ثلاثة ألاف فرد منهم ووزع عليهم السلاح وأخذ يتخابر مع قبائل العرب ممن يعيشون على الحدود الشرقية وتضامنوا مع الغزاة من قبل ورغبهم في الغنائم والأسلاب والأموال فسمعوا له وأمدوه بالرجال فانتظم له جيش غفير فقادهم بنفسه وباغت بهم صفوف العدو وأبلى بلاء حسنا فهزم الغزاة وقتل منهم الألوف ففروا هاربين من أمامه تاركين أشلائهم وعشرة ألاف من الصبيان والصبايا كانوا قد سبوهم من الشام ليبيعوهم في مصر بيع الرقيق..
ويبدو أنه لم تكتب له الراحة..إذ تمرد عليه اثنان من العامة والتف حولهما مؤيدون وناصبوه العداء فسير عليهما حملة كبيرة بقيادة ابنه الأفضل - الذي خلفه في الوزارة بعد وفاته- فهزمهما وشتت شمل الملتفين حولهما وقطع رقبة الأول وزج بالثاني في غيابت السجن..
ولما استتب له الأمر راح يصلح شئون البلاد والعباد ويخضع الخارجين من أهلها فخاف قطاع الطرق من قطع رقابهم وارتدوا عن أفعالهم وساد الأمن والسلام البلاد
ودبر بدر الأمور أحسن تدبير وأرخص الأسعار بعد طول مدة غلائها في السنين الماضية وذلك أنه نادى بإخراج الغلال وبيعها وأخذ يهجم على كل من يبلغه أن عنده غلة خزين فإذا وجد ذلك طلبه وكشف عما يكفيه وجميع عائلته من تلك الغلة مدة سنة كاملة ويأمر بالفاضل عنه فيباع ويصب في العروض فرخص السعر حتى صار سعر إردب القمح ثلاثة دنانير في القاهرة وخمسة في الإسكندرية وستة في قوص بالصعيد..
وطابت نفوس الناس ومشى الحال وقويت الهيبة وارتد المفسد وأمنت الطرق وسافر التجار وورد الجالب وازداد الخراج..وعم الخير أنحاء البلاد..
كما قام بإلغاء الضرائب علي أصحاب الأراضي والمصانع والتجارة لمدة سنتين لتخفيف الأزمة..
وفي نفس الوقت بدأ النيل في الجريان نحو (مصر) وكأن هذا كان إيذانا من الله بانقشاع الغمة..
وعادت (مصر) رويدا رويدا إلي الحياة..وتحسنت الأحوال الاقتصادية..
ولم يركن بدر إلى الدعة..بل اجتهد في تحصين القاهرة.. فبنى حول القاهرة سورا جديدا لحمايتها وشيد فيه ثلاثة أبواب ضخمة هي:
باب النصر وباب الفتوح وتم بناؤهما سنة (480هـ : 1087م ) وباب زويلة ( المتولي ) وتم بناؤه سنة ( 484هـ: 1091م ) وجدد الكثير من الجوامع وبنى جوامع جديدة في القاهرة والإسكندرية وجزيرة الروضة مثل مسجده الذي بناه بماله الخاص ويسمى مسجد أمير الجيوش أو (الجيوشي) كما يسميه أهل (مصر) والذي بناه على حافة جبل المقطم سنة (478 هجرية : 1085م) ويشرف الآن على قلعة صلاح الدين الأيوبي..
كما أسس حي الجمالية بالقاهرة الذي سمي باسمه تيمنا..ومن فرط حب الناس له كانوا يقولون عندما يلقونه متهللين:
(ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة)..سورة آل عمران الآية (123)
ولما رأى الخليفة أعمال بدر وحكمته وحسن تدبيره خلع عليه لقبا فأسماه (أمير الجيوش سيف الإسلام بدر الدين الجمالي)..ومكث أمير الجيوش بمصر عشرين سنة وكان سببا من الله في كشف الغمة وإغاثة الأمة..
ومات في سنة واحدة مع الخليفة المستنصر وكان ذلك ( سنة 487هـ : 1094م))

............................................................................................

وهكذا انتهت أصعب أزمة واجهت (مصر) على مر العصور بفضل الله..
وأعتقد أنني قد استوفيتها حقها..واستوفيت المستنصر بالله حقه..فهو برأيي لا يستحق أن تصب فوق رأسه اللعنات..فقد رأيناه متدينا..رحيما..زاهدا في الدنيا ومتاعها الزائل..ولكن حسن الظن أورده المهالك كما أسلفت..
رأيناه في البداية يود ألا يكون بينه وبين شعبه حجاب..ففتح باب قصره للمظالم..فاستغله الخبثاء من الحاشية وذوي المطامع..
ثم رأيناه يشارك شعبه الصبر على الملمات والجوع..وينفق كل ثروته على تكفين الموتى ومساعدة المحتاجين حتى فنيت تلك الثروة..حتى إذا دخل عليه رسول ناصر الدولة ورأى حاله أشفق عليه وانصرف عنه..
وحتى عاش على الصدقات..وقد كان بإمكانه جمع ثروته والهرب بها إلى المغرب حيث مركز الدولة الفاطمية قديما أيام جده المعز..
بل إن المقريزي يقول واصفا رد فعل المستنصر إبان تمرد الجيش وانقسامه بين الأتراك والعبيد:
(ولم يكن الخليفة يبطش بأحد من الثائرين فطمع فيه الأتراك..
ورأى الخليفة نفسه بلا نفوذ يذكر حتى في قصره وعلى خدمه وحاشيته لنفوذ أمه القوي في داخل القصر وخارجه فكانت الحاكم الفعلي للبلاد فحدثته نفسه أن يتنازل عن هذا الملك الأسمى والتخلص من صلف أمه وعنادها وتدخلها وذهب إلى الفسطاط ليقضى بقية حياته في الزهد في جامع عمرو ولكن والدته لم توافق فردته بعد مصالحته بأن أعطت له بعض النفوذ داخل القصر فقط)
وإن كان لي أن أدلي بدلوي فيما سبق فسأقول:
لقد خرجت من كل ما سبق بحقيقة مفادها أن طبع المصريين متأصل منذ الأجداد..ويتمثل هذا في نقطتين:
أولاهما الخوف من الغد..وهذه لعمري نقيصة وبلية
وثانيتهما التسامح الديني وطيبة أهلها فالكل مصريين بغض النظر عن الديانة..وهذه لعمري ميزة وفضيلة تميزت بها (مصر) طيلة تاريخها المديد دونما سائر الأمصار..وهاكم بعض الشواهد:
1-يقول ساويرس بن المقفع:
(وفي سنة 133هـ في ولاية أبي عون أول عصر العباسيين لم يصل النيل إلى حد الوفاء فصلى الناس صلاة الاستسقاء وخرج في ذلك المسلمون واليهود والنصارى من أهل الفسطاط والجيزة)
2- يقول المقريزي:
(لم تحدث في حياة أحمد بن طولون أزمات اقتصادية على الإطلاق إلا أن مرضه الأخير أحدث اضطرابا في مصر إذ تخوف الناس من احتمالات ما بعد وفاته خصوصا وأن ولي عهده خمارويه كان لا يزال حينئذ صغير السن أخضر العود قليل التجربة فاضطربت مصر لمرض ابن طولون وخرج الناس قاطبة إلى الصحاري وفعلوا مثل ما يفعلون في الاستسقاء فخرج الناس حفاة وعلى رؤوسهم المصاحف وخرج اليهود وعلى رؤوسهم التوراة وخرج النصارى وعلى رؤوسهم الأناجيل وخرج الأطفال من المكاتب (الكتاتيب) وعلى رؤوسهم الألواح وخرج العلماء والصلحاء وهم يدعون الله تعالى له بالعافية والشفاء)
3-يقول الأنطاكي:
(وتميزت مصر طيلة تاريخها بالحرية الدينية..فلما حكمها الفاطميون وكان مذهبهم التشيع بقي معظم أهل مصر على مذهبهم السني وخاصة في الإسكندرية..وعاشوا في سلام رغم اختلاف المذاهب..بل إن أهل الذمة من اليهود والنصارى قد وصلوا إلى أرفع المناصب في عهد الفاطميين..فكان منهم الوزراء كيعقوب بن كلس اليهودي وزير المعز لدين الله وأبي المنجا اليهودي محتسب النيل في عهد المستعلي بالله الفاطمي ووزيره الأفضل بن بدر الجمالي.. حتى إن شاعرا من الشعراء المعاصرين يسمى ابن البواب نظم في ذلك أبياتا قال فيها

يهــود هــذا الزمــان قـد بلغـوا  ** غايـــة آمــالهم وقــد ملكــوا
العـــز فيهــم والمــال عنــدهم  ** ومنهـــم المستشـــار والملـــك

كما كان كانت علاقة المعز بالبطرك إبرام علاقة طيبة وكان ساويرس بن المقفع من أصدقاء إبرام البطرك وأكبر علماء الكنيسة في ذات الوقت فكان كثيرا ما يتردد على ديوان الملك وكان المعز يدعوه للمناظرة مع أئمة
المسلمين واليهود في حضوره..)
4- يقول المقريزي:
(وفي خلافة الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمي فشت الأمراض وكثر الموت في الناس في سنة 415هـ وانشغل الناس بما هم فيه من وباء عن الاحتفال بليلة الميلاد)
5- وأختم المقال بتلك الواقعة الطريفة..يقول الأنطاكي:
(اتفق أن ساويرس كان جالسا في ديوان المعز إذ عبر أمامهم كلب حراسة وكان يوم جمعة وكان أئمة المسلمين واليهود حضورا فقال له المعز بابتسامة ساخرة:
ماذا تقول يا ساويرس في هذا الكلب هو نصراني أو مسلم ؟
فقال له : اسأله فهو يجيبك عن نفسه
فتظاهر المعز بالغضب وقال :وهل الكلب يتكلم ؟ إنما نريدك أنت أن تقول لنا..
قال : نعم يجب أن نجرب هذا الكلب وذلك أن اليوم يوم جمعة والنصارى يصوموه ولا يأكلوا فيه لحم فإذا أفطروا عشية يشربون النبيذ والمسلمين لا يصوموه ولا يشربوا فيه النبيذ ويأكلوا فيه اللحم فضعوا أمامه لحم ونبيذ فإن أكل اللحم فهو مسلم وإن لم يأكله وشرب النبيذ فهو نصراني..
فلم يتمالك المعز نفسه من الابتسام وأمر له بصلة..)
هكذا كانت (مصر) طوال تاريخها..أزمات اقتصادية..اضطرابات ومطامع سياسية..أوبئة ومجاعات..
ومع ذلك تجدها دوما صلبة..تظل واقفة أمام الزمان لا تنحني..تمد يد العون للجميع..حتى في أحلك وأقسى الظروف..
تحافظ على تراثها وتسعى لبناء مجدها..وتفتح ذراعيها للجميع فتجود عليهم بخيرها..
هي التي ذكرت في القرآن خمس مرات ودخولها سلام
وهى التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم  في أحاديثه حيث قال:
)ستفتح عليكم بعدى مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فإن لكم منهم ذمة و رحما(
وقوله (إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا بها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض 
قال أبو بكر: لم يا رسول الله؟
قال لأنهم و أزواجهم في رباط إلى يوم القيامة).
هذه هي (مصر)
ولك الله يا (مصر)

.....................................................................................

في المقال القادم سنرتحل للغرب قليلا لنحط رحالنا في أرض الإسلام الخضراء..
سنتحدث عن البرابرة والأمازيغ والدولة الرستمية والإدريسية النبوية والأغلبية..
سنجوب بلاد بن بلة وبومدين وديدوش مراد وسيدي عبد القادر بوعلام..
سنذهب إلى بلد المليون ونصف المليون شهيد..
إنها الجزائر..
أحد أحب بلاد الله إلى قلبي حقيقة لا مراء..
ولكن هذا مقال آخر إن شاء الله..
وكل عام وأنتم جميعا بخير..سنة جديدة أتمناها سعيدة للجميع بإذن الله..

هوامش:
................

1- ابن إياس:
زين العابدين محمد بن أحمد المعروف بـ بن إياس الحنفي ويكنى بـ(أبو البركات) هو مؤرخ مصري ولد في القاهرة سنة 1448م وتوفي بها سنة 1523م يعد من أشهر وأهم المؤرخين الذين أرخوا للعصر المملوكي ولاسيما في الفترة الأخيرة منه يعد كتابه (بدائع الزهور في وقائع الدهور) (5 أجزاء في 6 مجلدات) أهم مؤلفاته وأرخ فيه لتاريخ مصر الضخم من بداية التاريخ لغاية سنة 1522م.

2- المسبحي:
العالم المسلم العربي الشيعي المصري الأمير المؤرخ والأديب والكاتب والفقيه الفلكي عز الملك محمد بن أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز وشهرته عز الملك المسبحي المتوفي420هجرية مؤرخ الدولة الفاطمية بمصر حكم البهنسا أيام الحاكم بأمر الله وتولى ديوان الترتيب وأخر من عاصر المسبحي من الخلفاء الفاطميين الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله

3-الموفق عبد اللطيف البغدادي:
موفق الدين أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي بن أبي سعد ولد في بغداد في العراق سنة 557هـ الموافق 1162م في دار جده بدرب الفالوج ببغداد وهو من أصل موصلي واشتهر باسم عبد اللطيف البغدادي ولقب بابن اللباد كان أبوه مشتغلا بعلم الحديث والقراءات كما أن عمه كان فقيها لذلك فقد تعلم (البغدادي) ونهل من هذا المنهج العلمي الفياض حيث يسر له ولده وهو في صباه سماع الحديث من جماعة علماء أفاضل مما جعله ينشأ في جو من العلم والتقوى..
يقول موفق الدين البغدادي إن من مشايخه ابن التلميذ وابن نائلي والإمام الناصر لدين اللَّه ويضيف عن نفسه:
(ثم انتقلت إلى كتب ابن سينا صغارها وكبارها وكتبت وحصلت كثيراً من كتب جابر بن حيان الصوفي وابن وحشية وباشرت عمل الصنعة الباطلة وتجارب الضلال الفارغة وأقوى من أضلني ابن سينا بكتابه في الصنعة الذي تمم به فلسفته التي لا تزداد بالتمام إلا نقصا..ولما كان في سنة 585هجرية حيث لم يبق ببغداد من يأخذ بقلبي ويملأ عيني ويحل ما يشكل علي ودخلت الموصل فلم أجد فيها بغيتي لكن وجدت الكمال بن يونس جيداً في الرياضيات والفقه والحكمة قد استغرق عقله ووقته حب الكيمياء وعملها حتى صار يستخف بكل ما عداها..واجتمع إلى جماعة كثيرة لما دخلت القاهرة فجاءني ابن سناء الملك فأنزلني دارا قد أزيحت عللها وجاءني بدنانير وغلة وأقمت بمسجد الحاجب لؤلؤ رحمه اللَّه أقرئ وكان قصدي في مصر ثلاثة أنفس ياسين السيميائي والرئيس موسى بن ميمون اليهودي وأبو القاسم الشارعي وكلهم جاءوني أما ياسين فوجدته محالياً كذابا مشعبذا يشهد للشاقاني بالكيمياء ويشهد له الشاقاني بالكيمياء وكتب لي بثلاثين دينارا في كل شهر على ديوان الجامع وزدت حتى تقرر لي في كل شهر مائة دينار..
ثم رجعت إلى دمشق وأكببت على الاشتغال وإقراء الناس ثم أتى إلى مصر ذلك الغلاء العظيم والموت الذي لم يشاهد مثله) وألف الشيخ موفق الدين في ذلك كتابا ذكر فيه أشياء شاهدها أو سمعها ممن عاينها تذهل العقل وسمى ذلك الكتاب كتاب (الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر) ثم ارتحل إلى القدس وأقام بها مدة وكان يتردد إلى الجامع الأقصى ويشتغل الناس عليه بكثير من العلوم وصنف هنالك كتبا كثيرة ثم أنه توجه إلى دمشق ونزل بالمدرسة العزيزية بها وذلك في سنة 604 هجرية كانت شهرته بعلم النحو ثم إنه سافر إلى حلب وقصد بلاد الروم وأقام بها سنين كثيرة وكان في خدمة الملك علاء الدين داود ابن بهرام صاحب أرزنجان وصنف باسمه عدة كتب وكان قد عزم أن يأتي إلى دمشق ويقيم بها ثم خطر له أن يحج ويجعل طريقه على بغداد وأن يقدم بها للخليفة المستنصر باللّه العباسي أشياء من تصانيفه..توفي ببغداد عام 629هـ -1231م

4- ابن الصيرفي:
أبو بكر الصيرفي هو الشيخ محمد بن عبد الله البغدادي الصيرفي الشافعي ( ؟ - 330هـ ؟ - 942م)..نسبته إلى الصيرفي وهو من يصرف الدنانير والدراهم (أي الصراف) عالم دين في الفقه الشافعي..أخذ العلم عن أحمد بن منصور الرمادي وعن أبي العباس بن سريج.. كان قويا في المناظرة متبحرا في علم أصول الفقه حتى قال أحدهم (ما رأيت أعلم بالأصول بعد الشافعي من أبي بكر الصيرفي).. شرح رسالة الشافعي في علم أصول الفقه وله في الأصول أيضًا، كتاب البيان في دلائل الإعلام على أصول الأحكام وكتاب الفرائض. وهو أول من صنّف في علم الشروط..مات بمصر

5- التليس =318.6 لتر تركي للسوائل و312.5 كجم للقمح والدقيق وأشباههما

المصادر:
...............

ذات مصادر الجزء الأول إضافة إلى:
1- كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور) لابن إياس- دار الشروق للطباعة والنشر- مصر
2- كتاب (الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر) لعبد اللطيف البغدادي- مكتبة موقع كابوس
3- كتاب (البيان في دلائل الإعلام على أصول الأحكام) لابن الصيرفي- دار الشروق للطباعة والنشر- مصر

هذا المقال نشر في موقع كـابوس بتاريخ 03 / 01 /2012

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق