تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
مقالات من نفس القسم
أحدث مواضيع النقاش
تجارب الرعب والغرائب
تجارب من واقع الحياة
اختبارات عقلية

أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا؟ - (3) - الجزائر (تلمسان)

بقلم : د. مؤمن احمد عباس
drahmed_momen@yahoo.com

صورة لمرفأ الجزائر العاصمة .. المدينة العريقة التي عرفت الكثير من الشدائد

مرحبا بكم..
في المقال السابق تحدثنا عن أرض الكنانة..ولكن بعدما فنيت كنانتها من السهام أو كادت..
فكانت تلك السهام مطروحة في الشوارع والدور والحوانيت إما موتى أو تعاني سكرات الموت..
دون أن تجد من يدفنها..لا لانعدام المدافن..ولكن لانعدام من يقوم بالدفن..فقد فني هو الآخر..
فقط كان سعداء الحظ هم من ماتوا قبل الفناء الشامل..ذلك أنهم وجدوا من ينقل جثثهم إلى المساجد ليصلى عليها ثم تدفن إكراما لها..
أو تطرح في النيل فيما بعد عندما كثر الموت لتواريها مياهه في غياهبها..
فالمهم هو التواري..
سواء ووري الثرى أو ووري الماء..
قد يبدو هذا بشعا..ولكن الأبشع أن تبقى جثتك في العراء بلا دفن..
ولا تخش شيئا..فلن تكون جثتك مطعما للجوارح..فقد فنيت هي الأخرى..
وعندما أشرف المصريون على الاختفاء من الوجود كلية..
وعندما أشرف التاريخ أن يمحو اسم مصر من صفحاته..
امتدت يد الرحمن الرحيم بالغوث بعد الجدب..وبالفرج بعد الكرب..
وعادت مصر إلى الحياة من جديد..
واليوم..سنتحدث عن نفس تلك الأحداث تقريبا..
ولكنها في مكان آخر..مكان لا يبعد كثيرا عن مصر..
إنها الجزائر هذه المرة..
أحب بلاد الله إلى قلبي بعد مصر..
وقبل أن أبدأ المقال دعونا نتساءل السؤال الذي راودني منذ الصغر:
لماذا سميت الجزائر بهذا الاسم؟؟
سؤال غريب هو..ولكن الأغرب هو المسمى ذاته..فالجزائر ليست جزائر..هل فهمتم شيئا؟..
أقصد أن الجزيرة كما تعرفها كتب الجغرافيا على مر التاريخ هي قطعة من اليابسة يحوطها الماء من كل جانب..
وهذا لا ينطبق على الجزائر..
وبالبحث العميق تمكنت من معرفة الجواب..

اطلال رومانية في الجزائر

تقول المصادر التاريخية أن بلكين بن زيري مؤسس الدولة الزيرية في الجزائر حين أسس عاصمته عام 960على أنقاض المدينة الرومانية إكوسيوم (Icosium ) أطلق عليها اسم جزائر بني مزغنة  نظرا لوجود 4 جزر صغيرة غير بعيد عن ساحل البحر قبالة المدينة..وهو ما أكده الجغرافيون المسلمون مثل ياقوت الحموي والإدريسي..
وكان العثمانيون هم من أطلق اسم الجزائر على كافة البلاد باشتقاقه من اسم العاصمة..
والمستعرض لتاريخ هذا البلد سيعي تماما ما أقول عندما أقول إنها (أرض الشهداء)..
فلو قدر لنا أن نسأل التاريخ عن هذا البلد..لمط التاريخ شفتيه إشفاقا وقال:
(إن الملمات التي ألمت بهذا البلد هي التي جعلت رأسي يشتعل مني شيبا..)
إذ إن تلك الملمات لم تكن تعطي الفرصة لأهل هذا البلد لعمل أي شيء سوى مواجهتها..
فلم يكونوا يستفيقون من إحداها إلا وتضربهم ما هي أشد منها وقعا..وأقسى منها طرا..
لذلك فلا غرابة في أمرين:
أولهما عدم إنشاء حضارة عظيمة كحضارة مصر أو العراق..
وثانيهما كون هذا البلد هو الأقل عددا من حيث كثافة السكان مقارنة بمساحته..
لا لانعدام التكاثر والتناسل..ولكن لأن الوفيات فاقت أعدادها أضعاف المواليد..
ويكفي للدلالة على ذلك أن أورد ما خطه الفرنسيون بأنفسهم عما كانوا يفعلونه إبان احتلالهم للجزائر..
حيث ارتكب جيش الاحتلال العديد من الجرائم ضد المدنيين والتي سماها المؤرخون بالرازيا (بالفرنسية: Razzias ‏):
يقول المؤرخ العسكري شارل أندري جوليان (Charles A.Gulliane ):
(الرازيا كما يسميها الفرنسيون لا تهدف إلى معاقبة المخطئين وإنما صارت مصدرا لتموين الجيش..كان كل ما ينهب يباع ويوزع ثمنه على الضباط والجنود..ربع الغنائم للضباط والنصف للجنود والباقي لخزانة الجيش.. وتنتشر الرازيا فتصير أسلوبا للتدمير المنظم والمنهجي الذي لم يسلم منه لا الأشخاص ولا الأشياء..إن جنرالات جيش إفريقيا لا يحرقون البلاد خفية..إنهم يفعلون ذلك ويعتبرونه مجدا لهم سواء أكانوا ملكيين أم جمهوريين أو بونابارتيين)
يقول المؤرخ العسكري دوكرو (Ducrot ):
(ما نهب في (رازيا) واحدة حمولة 2000 بغل)

لوحة تجسد الغزو الفرنسي للجزائر عام 1830

يروي العقيد مونتانياك (Montagnac ) في مذكراته:
(أخبرني بعض الجنود أن ضباطهم يلحون عليهم ألا يتركوا أحدا حيا بين العرب.. كل العسكريين الذين تشرفت بقيادتهم يخافون إذا أحضروا عربيا حيا أن يجلدوا..
لقد محا الجنرال لاموريسيير (La Moricière ) من الوجود خمسة وعشرين قرية في خرجة واحدة إنه عمل أكثر انعداما للإنسانية..
فبمجرد أن حدد موقع القبيلة حتى انطلق سائر الجنود نحوها ووصلنا الخيام التي صحا سكانها على اقتراب الجنود فخرجوا هاربين نساء وأطفالا ورجالا مع قطعان ماشيتهم في سائر الاتجاهات..هذا جندي يقتل نعجة.. بعض الجنود يدخلون الخيام ويخرجون منها حاملين زرابي على أكتافهم بعضهم يحمل دجاجة..تضرم النار في كل شيء..يلاحق الناس والحيوانات وسط صراخ وغثاء وخوار إنها ضجة تصم الآذان..(مدينة معسكر يوم 19 ديسمبر 1841)..
ثم يعود فيقول:
(إن الجنرال لاموريسيير يهاجم العرب ويأخذ منهم كل شيء: النساء والأطفال والمواشي..يخطف النساء يحتفظ ببعضهن رهائن والبعض الآخر يستبدلهن بالخيول والباقي تباع في المزاد كالحيوانات أما الجميلات منهن فنصيب للضباط..(معسكر في31 مارس 1843)..
وفي صفحة أخرى نجده كتب:
(النساء ولأطفال اللاجئون إلى أعشاب كثيفة يسلمون أنفسهم لنا..نقتل..نذبح..صراخ الضحايا واللاقطين لأنفاسهم الأخيرة يختلط بأصوات الحيوانات التي ترغي وتخور كل هذا آت من سائر الاتجاهات..إنه الجحيم بعينه وسط أكداس من الثلج..إن هذه العمليات التي قمنا بها خلال أربعة أشهر تثير الشفقة حتى في الصخور..ولم يكن عندنا وقت للشفقة..بل كنا نتعامل معها بلا مبالاة جافة تثير الرجفة في الأبدان (معسكر في 31 مارس 1842)..)
ويقول النائب البرلماني توكوفيل (Tocqueville ):
(إننا نقوم بحرب أكثر بربرية من العرب أنفسهم..لم يستطع الفرنسيون هزم العرب حربيا فهزموهم بالتدمير والجوع)
ويقول النقيب لافاي (Lafaye ):
(كان الضباط يخيرون الفلاحين بين أن يقدموا لهم الأكل أو الإبادة..كنا نخيم قرب القرية..يعطيهم الجنرال مهلة لإعداد الطعام أو الموت كنا نوجه سلاحنا نحو القرية وننتظر ثم نراهم يتوجهون لنا ببيضهم الطازج وخرافهم السمينة ودجاجاتهم الجميلة وبعسلهم الحلو المذاق جدا..(تلمسان في 17 يوليو 1848)..
لقد أحرقنا قرى لقبيلة بني سنوس..لم يتراجع جنودنا أمام قتل العجائز والنساء والأطفال..إن أكثر الأعمال وحشية هو أن النساء يقتلن بعد أن يغتصبن..ولكننا لم نكن نتمالك أنفسنا أمام الجميلات..وكان هؤلاء العرب لا يملكون شيئا يدافعون به عن أنفسهم (23 ديسمبر 1948)..)
ويروي ضابط المراسلة تارنو (Tarnaue ) في مذكراته:
(إن بلاد بني مناصر رائعة حقا..ولكننا أحرقنا كل شيء..ودمرنا كل شيء..آه من الحرب..كم من نساء وأطفال هربوا منا إلى ثلوج الأطلس ثم ماتوا بالبرد والجوع (تلمسان في 17 أبريل 1842)..
إننا ندمر..نحرق..ننهب..نخرب البيوت..ونقتلع الشجر المثمر (5 يونيو 1841)..
أنا على رأس جيشي نحرق الدواوير والأكواخ ونفرغ المطامير من الحبوب..ونرسل لمراكزنا في (مليانة) القمح والشعير(5 أكتوبر 1842)..)

الجزائر .. بلد المليون شهيد

ويروي الجنرال لاموريسيير في مذكراته:
(..في اليوم التالي انحدرت إلى (حميدة) كنت أحرق كل شيء في طريقي..لقد دمرت هذه القرية الجميلة..أكداس من الجثث المتلاصقة الجثة مع الأخرى مات أصحابها مجمدين بالليل..فأصبح الصباح والثلج يلصقهم ببعض..إنه شعب بني مناصر.. إنهم هم الذين أحرقت قراهم وسقتهم أمامي كالنعاج ..كان هذا مثيرا (28 فبراير 1843)..)
ويقول الجنرال شانجارنييه (Changarnier ) في مذكراته:
(إن هذا يتم تحت القيادة المباشرة لبوجو الذي راح جنوده يذبحون اثنتي عشرة امرأة عجوزا بلا دفاع..(مدينة الجزائر في 18 أكتوبر 1841)..)
ويقول الجنرال كانروبير (Canrobert ):
)ينفذ جنودنا هذا التدمير بحماس..إن التأثير الكارثي لهذا العمل البربري والتخريب العميق للأخلاق الذي يبث في قلوب جنودنا وهم يذبحون ويغتصبون وينهب كل واحد منهم لصالحه الشخصي لهو أمر شنيع..( تنّس في 18 يوليو 1845)
هذا هو ما كان يحدث بالجزائر أيام الاحتلال الفرنسي..
هل وعيتم الآن لم سميت الجزائر بلد المليون والنصف مليون شهيد؟..
هو رقم كبير جدا بلا شك..
ولكن هذا في التاريخ الحديث..
فماذا عن التاريخ القديم؟؟..
وهل فني من الجزائر قديما مثلما فني منها حديثا؟..
الإجابة باختصار شديد هي للأسف نعم..بل لقد فني أكثر من هذا بكثير..
فالجزائر طوال عمرها مصابة بالملمات..وهي على كثرتها..تفوق ما أصيبت به أي بقعة أخرى من بقاع الأرض..وتحتاج لتدوينها العديد من المجلدات لا مجرد مقال لا يتعدى صفحات معدودة..
لذلك..رأيت اختصارا أن أركز على جزء واحد فقط من تاريخ هذا البلد وما حدث فيه..
وأترك لكم القياس على بقية تاريخ الجزائر..
فما حدث في كل عصر لا يختلف كثيرا عما حدث فيما قبله أو فيما يليه..- وإن كان ما وصلنا منه قليل للأسف-
حتى بدا لي وكأنه ميراث تتوارثه الأجيال التي لم تدرك معنى الدعة وراحة البال طيلة تاريخ هذا البلد العظيم..
فقد توالى عليه العديد من الحكام والدول..منذ بداية العصر الإسلامي وحتى الآن..
فمنذ دخلها الإسلام على يد الإمام عبد الرحمن بن رستم مؤسس الدولة الرستمية عام 156هـ
بدأت بالدولة الرستمية..ثم الإدريسية..ثم الأغلبية..ثم الدولة العبيدية الفاطمية..فالدولة الزيرية..ثم الحمادية..ثم الدولة الموحدية..فالدولة الزيانية..نهاية بالحكم العثماني..مرورا بالاحتلال الإسباني ثم الفرنسي..
تاريخ طويل هو بلا شك..
وهو مع طوله مليء بالملمات..
لذلك كما أسلفت فسأكتفي باستعراض جزء من هذا التاريخ..
وما وددت أن أستعرضه هو الملمات التي وقعت بتلمسان إبان الحكم الزياني (698-845هـ/1299-1442م)
حين سيطرت دولة بني زيان على المغرب الأوسط أو ما يعرف الآن بالجزائر..واتخذت من تلمسان عاصمة لها..وبلغت حضارتها شأوا جعل حدود دولتها تمتد من مصر شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا..ومن البحر المتوسط شمالا إلى حدود أفريقيا الوسطى جنوبا..وكانت تلمسان يسكنها ما يقرب من مائة وخمسة وعشرون آلف نسمة..
فماذا فعلت بها الملمات؟..
هذا ما سنعرفه بعد قليل...

........................................................................................................

جدار قلعة مدينة تلمسان التاريخية في الجزائر

قبل أن نستعرض الملمات دعونا أولا كما اعتدنا نستقصي أسبابها..
والأسباب التي كانت تؤدي للملمات والمجاعات ببلاد المغرب الأوسط هي:

1- الجفاف:

وينتج عن ندرة سقوط المطر..وهذا طبيعي في تلك البقعة من الأرض..وقد كان الناس يحترزون من الجفاف بتخزين المؤن..فيقدرون على مواجهته إن استمر لمدة سنة.. أما إذا توالت سنتان من الجفاف فإن ذلك كان يؤدي إلى وقوع المجاعة كما حدث عام (303-305هـ) و عام (776-778هـ) أما إن استمر الجفاف ثلاث سنوات فتلك لا محالة هي الكارثة إذ كانت تنفذ المؤن و المدخرات وترتفع الأسعار..
يقول ابن خلدون(1):
(فطبيعة العالم في كثرة الأمطار وقلتها مختلفة والمطر يقوى ويضعف ويقل و يكثر والزرع والثمار والضرع على نسبته إلا أن الناس واثقون في أقواتهم بالاحتكار فإذا فقد الاحتكار عظم توقع الناس للمجاعات فوقع الغلاء..)

2- العواصف البردية:

 عواصف قوية كانت تحدث في آخر كل خريف خلال فصل الشتاء تتسبب في إتلاف المحاصيل الزراعية وقتل البهائم والبشر كما حدث عام (679هـ/1280م) يقول ابن خلدون:
(كانت الريح الشرقية بالمغرب قد دامت ستة أشهر فأعقبها الوباء العظيم والأمراض الكثيرة)
وقد كانت العواصف دوما مصحوبة بالبرد والثلوج..بل إنها في الكثير من الأحيان تتحول إلى أعاصير مدمرة..
فقد ذكر ابن مرزوق(2):
(كانت تلمسان أشد بلاد المغرب الأوسط بردا وتجلدا وكانت الرياح القوية خاصة تلك القادمة من الجنوب تؤدي إلى إحراق المحاصيل الزراعية وحدوث المجاعة كما حدث عام 776هـ/1374م حيث إن المجاعة حدثت نتيجة إعصار عظيم ألم بسكان تلمسان)

3- الفيضانات والسيول:

كانت ناجمة عن الأمطار الغزيرة فكانت تؤدي إلى منع الحرث والبذر وإتلاف المحاصيل الزراعية ومن هذه الأمطار تلك هطلت على أبي القاسم الفاطمي وفرضت عليه الإقامة شهرا متواصلا في سوق إبراهيم عام (315هـ/997م) ولم تقتصر خطورة عدم انتظام التساقطات هذه في ما تحدثه من سيول بل في تهيئتها للأرض لتفشي الأوبئة ذلك أن سقوط المطار بعد فترة من الجفاف أو في غير موعدها يؤدي إلى ظهور بعض الأوبئة وفي هذا الشأن يذكر الحسن الوزان(3):
(في بعض السنين ينزل المطر في شهر يوليو فيفسد الجو كثيرا و تنشأ عنه حمى حادة تشتد على أكثر الناس ولا ينجو منها إلا القليل)

4- الجراد:

الجراد .. يجتاح الارض كالوباء فيسبب المجاعات

ذكر علماء الزراعة والأغذية أن أخطر أنواع الجراد هو الجراد الصحراوي الذي ينتشر أفقيا من الهند إلى المغرب وعموديا من سواحل البحر المتوسط إلى خط الاستواء..وغالبا ما ينتشر في شمال إفريقيا خلال فصل الربيع..وفي إحدى رسائل الأمير علي بن يوسف (500-537هـ/1106-1143م) يصف الدمار والخراب الذي يخلفه الجراد فيقول:
(إن الجراد داء عضال وإن كان كما يقال- من البحر نشره- فإنما هو جمرة تحرق البلاد وتجيع العباد وشأنها الفساد..ينزل بالوادي قد امتلأ عشبا وطلعت أزهاره شهبا..فيتركه جمرة سوداء لا يجد فيها الضب عرادا ولا النبت  أراكا ولا قتادا..)
وقد داهم الجراد بلاد المغرب سنة 624هـ/1228م فأتى على المحاصيل بجميع أنواعها فارتفع سعر القمح ومختلف المواد الغذائية و تكرر قدومه سنة 630هـ/1232م فعمت المجاعة بسببه بلاد المغرب الأوسط فانعدمت فيه الأقوات ونقصت الغلات وقل مردود الأرض وذهب معظم الإنتاج فتضرر الإنسان والحيوان معا وقد وصف ابن الخطيب(4) هذه الكارثة بقوله:
(عظم الجفاف وعصفت الريح الرجف تنقل الهضب قبل ارتداد الطرف وتبيد أعيان الأرض وتعاجل حلاق لمم النبت فصيرت  وجه الأرض كمطارح خبث الحديد أما مضارب البيد يبسا وقحلا وعقرا للأرجل وعصيانا على السنابك فأحرقت  ما كان قد نجم من باكر البذر ونشط النبات ودامت فاستأصلت الأوراق من الشجر الدهي الذي لا يسقط ودامت حتى نشفت البشرات وأثنيت الجلود..)

5- الحروب والفتن:

شكلت الاضطرابات والحروب سمة أساسية من سمات العصر الوسيط إذ لا تكاد الحروب تنتهي حتى تتصاعد من جديد مخلفة وراءها الخراب والدمار والجوع..
من ذلك يصف ابن الخطيب الحملة التي قام بها السلطان المريني أبو يعقوب على تلمسان سنة 670هـ و قيام قبائل بني توجين التي كانت مناوئة  للسلطة الزيانية باستغلال الفرصة حيث راحت تعمل التخريب  بجهات تلمسان فيقول:
(فقطعوا الثمار ونسفوا الآبار وخربوا الربوع وأفسدوا الزروع ولم يدعوا بتلك الجهات قوت يوم حاشا السدرة والدوم..وفي إحدى حملات السلطان المريني أبي سعيد عثمان بن يعقوب (710-731هـ) والتي جاءت على إثر سوء  العلاقة بينه وبين السلطان الزياني أبي حمو موسى الأول (707-718هـ) حين استعصت تلمسان على أبي سعيد سير الحملات إلى نواحيها وغلب أبو سعيد على معاقلها ورعاياها وسائر ضواحيها إلى تخزين ما لديهم من أقوات والامتناع عن عرضها في الأسواق الشيء الذي كان يصعد من موجة الغلاء)
وزاد عدم الاستقرار السياسي داخل الدولة الزيانية الناجم عن الصراعات الداخلية على السلطة بين فروع الأسرة الحاكمة من عجز الدولة عن الدفاع عن حدودها مما دفع بالطامعين في الحكم من جيرانها الحفصيين و المرينيين السيطرة عليها فمثلا سهلت الحرب العنيفة بين أبي حمو موسى الثاني وابن عمه أبي زيان بن سعيد في الفترة الممتدة ما بين سنتي 762-783هـ الأمر على السلطان المريني عبد العزيز من احتلال تلمسان سنة 772هـ..

6- الضرائب:

كانت الدولة الزيانية تفرض ضرائب ثقيلة ومتنوعة لحاجتها المتزايدة إلى الأموال لتهيئة الجيوش والاستعداد للحروب..وكانت الزراعة أكثر القطاعات تضررا من سياسة الجباية فقد كانت تلك السياسة كارثة على الفلاحين حيث أرغموا على دفع الضرائب وقد أفقد هذا الوضع المزارعين  كل حافز للعمل والإنتاج حيث اضطروا إلى هجر أراضيهم كما عمد بعضهم إلى تقليص مساحة الأرض التي يملكها يقول ابن الخطيب:
(كانوا يقومون بتقطيع أشجار أراضيهم ونتف زروعها..فلما دخل السلطان المريني أبو الحسن علي بن عثمان تلمسان سنة 737هـ رفع فيها من المغارم ما كان شائعا خسيسا..-وكان يجتمع فيه أموال المغرم على الحطب و الدجاج و البيض والتبن و سائر المرافق التي يفتقر إليها القوي والضعيف-..ورفع فيها أيضا تضعيف المخازن في الاختفاء..وكان مما رفع وظيفة مغرم الماء وكان سقي الجنات يضطر فيه المغرم للبراءة ولصاحب الحوز والحراس..ويجري من المصائب و الخسارات والغبن ما لا يدخل تحت حصر..وأسقط عن أحواز تلمسان  ما اشتمل عليه المغرب الأوسط من الحوادث والمظلمات ما يضاعف به الله الحسنات ويرفع له الدرجات..)

7- الصراعات الداخلية:

صورة للمعركة الفاصلة بين الغزاة الفرنسيين والجزائريين تحت قيادة عبد القادر الجزائري

كانت الصراعات الداخلية على السلطة بين فروع الأسرة الزيانية الحاكمة وما نتج عنها من حرب عنيفة بين أبي حمو موسى الثاني وابن عمه أبي زيان بن سعيد أثرت سلبا على المنظومة الإنتاجية في شموليتها فقد خلفت هذه الحرب وراءها الدمار والجوع.. وأدت إلى انقسام الدولة الزيانية إلى شطرين الشطر الشرقي و يضم أراضي من شرق الجزائر الحالية إلى غاية مدينة الجزائر تقريبا وكانت تحت سلطة أبي زيان والشطر الغربي من مدينة الجزائر إلى غاية الحدود الغربية الحالية للجزائر تقريبا و يقع تحت سلطة ابن حمو موسى الثاني واضطربت الأحوال الأمنية..
يقول ابن خلدون:
(إن الغلا لحدوثه سببان إما احتباس المطر في البلاد المحتاجة إليه وإما ظهور الفتن و الحروب بسبب الخروج عن الملوك فإذا دامت الفتنة وقع الفساد في الحواضر والبوادي وفسدت حبوبها المختزنة وانقطعت الطرق وعدمت المرافق لأجل ذلك وتزعزع الفلاحون..فعندما لا تصبح الحقول طوال سنوات متعددة سوى مسرحا لمعارك أو مجرد ممر لعبور وحدات المحاربين التي ترتع في المنطقة وتمارس فيها سياسة الأرض المحروقة فإن الأمر ينتهي بالفلاحين إلى الانصراف عن الاهتمام بمزروعاتهم أو إلى عدم الاهتمام إلا بالحد الأدنى الذي يكفيهم للغذاء..)

8- الأوبئة:

لوحة قديمة لحارة جزائرية

كان المغرب الأوسط مرتعا للطواعين التي ألمت به طوال العهد الزياني تقريبا..فلم يكن الناس يستفيقون من طاعون إلا ويحل بهم ما هو أشد منه قسوة..
فكان ينتشر على رأس كل عشر سنوات أو خمس عشرة سنة أو عشرين سنة تقريبا يؤدي إلى هلاك الكثير من الناس..وتشير الدراسات الحديثة أن أول طاعون اكتسح العالم كان طاعون جوستنيان(5) في القرن السادس الميلادي..وبعد عودته الدورية لمدة قرنين اختفى فجأة في القرن الثامن الميلادي ليعاود الظهور من جديد في القرن الرابع عشر الميلادي انطلاقا من آسيا الوسطى حيث ظهر ببلاد الصين سنة 746هـ/1346م و اكتسح أوروبا ووصل إلى شمال إفريقيا سنة 749هـ/1349م..وقد عرف بمسميات مختلفة منها الطاعون الأكبر والطاعون الأسود..والموت الأسود..والشر الأسود..والفصل الكبير..وسنة الفناء..
بدأ الطاعون دورته الأولى بالمغرب الأوسط في عهد السلطان المريني أبي الحسن (732هـ/1352م) ثم تفشى في عهد السلطان الزياني أبي سعيد عثمان الثاني (753هـ/1353م)..
ثم عاود ظهوره في عهد السلطان الزياني أبي حمو موسى الثاني عام (760هـ/1389م) ثم عام (770هـ/1369م) وعام (777هـ/1376م)..وكانت هذه هي الموجة الثانية من الطاعون التي تضرب العالم بأسره فضربت مصر والشام وأوروبا واصطلح على تسميتها ب(الوباء الثاني)
ثم هدأ الطاعون لفترة..ولكنه عاود الظهور في عهد أبي العباس أحمد العاقل بن أبي حمو موسى الثاني عام 845هـ /1442م
وقد عاصره ابن خلدون فوصفه انتشاره وصفا دقيقا بقوله:
(نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيق به الأمم..فذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها..جاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها فقلص من ظلالها وقلل من حدها وأوهن من سلطانها وتوادعت إلى التلاشي والاضمحلال أحوالها وانتقص عمران الأرض بانتقاص البشر فخربت الأمصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل..وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب ولكن على نسبته و مقدار عمرانه..)
ولقد كان انتشار هذا الطاعون يعود لسببين رئيسيين هما:
أ-العلاقات التجارية التي كانت تربط كلا من فاس وسبتة وسلا وتلمسان في ذلك الوقت مع الدول الأوروبية عبر البحر المتوسط وفيما بينها أيضا..وكان انتقال التجار بينها ينشر معهم الوباء أينما حلوا..
لقد أكدت بعض الدراسات الطبية أن الطاعون لم يكن متوطنا بأرض المغرب الأوسط بل كان يأتيه من الخارج خاصة عن طريق الموانئ حيث كانت السفن الواردة عليه من أوروبا تحمل معها جرثومة يارسين(6) إما بواسطة القوارض التي تتحول من السفن إلى الرصيف أو من البحارة المصابين..
ب- الحملات العسكرية التي شنها أبو الحسن المريني وجيشه على تلمسان خاصة والمغرب الأوسط عامة..فكان الجنود يحملون معهم الوباء أينما وجدوا..
أما عن أعراضه فيصفها ابن مرزوق بدقة بقوله:
(إنه حمى خبيثة دائمة مهلكة..في الغالب يتبعها كرب وعرق غير عام لا يعقبه راحة بل ترتفع عقبه الحرارة وقد يتبعها تشنج وبرد في الأطراف وقيئ مراري سمج وعطش..ثم يبصق الإنسان دما ثم يصيح ويموت..وكان يخرج خلف أذن الإنسان بثرة فيخر صريعا ثم صار يخرج للإنسان كبة فيموت أيضا سريعا..)
وقد تفشى هذا الوباء في بلاد المغرب مخلفا الآلاف المؤلفة من الضحايا..
يقول ابن خلدون:
(كان يتبع أهل الدار..فمن بصق منهم دما تحققوا كلهم عدما..فمات خلق كثير وفنيت قرى بأكملها فصارت أثرا بعد عين)
يقول ابن مرزوق:
(وقد أتى الطاعون على معظم سكان تلمسان حتى قيل أنه لم يبق منهم إلا العشر..وكان أشد فتكا بالأطفال الذين لم يبلغوا الحلم والفقراء وأهل الشظف..كما طال الموسرين والعلماء..فقد كان للحاج يوسف بن يحيى حفيد العالم التفريسي أولادا انقرضوا في هذا الوباء وكذلك فقد توفي به الفقيه أبو عبد الله محمد بن يحيى النجار من خيرة علماء عصره في العلوم العقلية كما توفي به عالم تلمسان أبو موسى عيسى المعروف بابن الإمام وغيره من العلماء والأهالي..كما هلك فيه عالم تلمسان ومفتي بلاد المغرب الشيخ أبي العباس أحمد بن عبد الرحمن المغراوي التلمساني الشهير بابن زاغو)
يقول ابن خلدون:
(ولم أزل منذ نشأت وناهزت مكبا في تحصيل العلم حريصا في اقتناء الفضائل إلى أن كان الطاعون الجارف فذهب الأعيان والصدور وجميع المشيخة وكم هلكت فينا من أمم (تلمسان) وكم انجلى من أهلها أعلام..وكم كابدوا من محن وقد كسدت بهذا العهد أسواق العلم بالمغرب لتناقص العمران فيه وانقطاع سند العلم والتعلم..)

9- الغلاء:

كان طبيعيا أن يؤدي ارتفاع أعداد ضحايا الحروب والأوبئة إلى تضرر الاقتصاد لانعدام وجود فلاحين لزراعة الأرض..ما أدى لتضرر التجارة..فانعكس ذلك على الأسعار..يقول ابن خلدون واصفا الغلاء الذي رافق مجاعة عام 698هـ/1293م وطاعون عام 764هـ/1363م:
(بلغ الرطل من الملح دينارين..وكذلك غلا الزيت والسمن والعسل واللحم..وذكر بعضهم أن الدجاجة بلغت ثمانية دنانير ذهبا وبلغ ثمن البقرة الواحدة ستون مثقالا من الذهب والضأن سبعة ونصف مثقالا والرطل من لحم البغال والحمير بثمن مثقال ومن الخيل بعشرة دنانير..وبيعت الخسة بعشرين درهما..واللفتة بخمسة عشر درهما ورطل الفقوس بأربعين درهما ورطل الخيار بثلاثة أثمان الدينار ورطل البطيخ بثلاثين درهما والحبة من التين
والأجاص بدرهمين..)
وبطبيعة الحال استفحلت بالتبعية ظاهرة النهب والسلب التي اتخذت أبعادا حقيقية في ظل الفوضى وضعف السلطة المركزية وانعدام الأمن واشتداد الغلاء فقد اضطر ابن خلدون أن يقيم في تلمسان مدة شهر لانعدام الأمن في المسالك والطرق فقال:
(إن أمر الطريق كان في الخوف والجوع ما مقتضاه أن كل من يقع قدومنا عليه يتعجب من وصولنا سالمين ثم يتأسف علينا عند ارتحالنا..)

....................................................................................

صورة قديمة جدا لمقهى في الجزائر العاصمة

إذن فالأسباب التي تؤدي للكوارث والمجاعات تكاد تكون متماثلة برغم اختلاف الإقليم..فهي في بغداد مثلها في مصر وها هي الجزائر لا تحيد عن الصف والوصف..
عوامل طبيعية من جفاف وعواصف وآفات حشرية + اضطرابات سياسية داخلية وخارجية تصحبها الحروب والانشقاقات + أوبئة ..يؤدي كل ذلك لانعدام التجارة وتكاثر الموت..فينزل بالناس الغلاء والمسغبة وترتفع وتيرة
السلب والنهب وقطع الطرق وانعدام الأمن..وينتهي كل ذلك إلى المجاعة..فينخلع الناس عن الطبائع البشرية وتسيطر عليهم شريعة الغاب كما سنرى بعد قليل..
وقد حدثت مجاعات عديدة كما أسلفت طوال تاريخ الجزائر المديد..وطوال تاريخ الدولة الزيانية أيضا..وكان من أشهر تلك المجاعات:

1- مجاعة 776هـ/1374م:
حدثت هذه المجاعة في عهد حكم السلطان أبو حمو موسى الثاني..ومما يثير الانتباه أن هذه المجاعة لم تقتصر على تلمسان الزيانية بل امتدت لتشمل مناطق أخرى من العالم يقول ابن خلدون:
(كما نكبت سائر أقطار المغرب كذلك بها في هذه السنة (776هـ/1374م ) وكانت المجاعة عظيمة بالمغرب وعم الخراب به..وفي مايوركا سمي هذا العام بعام الجوع و لم ينج من هذه المجاعة إلا بلدان أوروبا الشمالية)
يمكن إرجاع أسباب هذه المجاعة التي اجتاحت تلمسان خلال هذه الفترة لسببين هما:
أ- التقلبات المناخية والإعصار الشديد الذي اجتاح بلاد المغرب الأوسط و يؤكد ذلك ابن خلدون بقوله:
(نتجت المجاعة عن إعصار عظيم أهلك زرع تلمسان وحيوانها)..
ب-الحروب التي خاضها أبو حمو موسى الثاني خلال فترة حكمه و ما رافقها من فتن داخلية كان لها دور كبير في تضرر الفلاحة يقول ابن خلدون:
(كما أن المجاعة حدثت نتيجة لقبض الناس أيديهم عن الفلح في الأكثر بسبب ما يقع في آخر الدولة من الفتن  الواقعة في انتقاص الرعايا و كثرة الخوارج لهرم الدولة..)
ويصف ابن خلدون المجاعة من بدايتها فيقول:
بدأ الغلاء والجوع والموت بالعراق والشام..ثم مصر..حتى بلغني أن الناس أكل بعضهم بعضا ثم وصلت المجاعة تلمسان واشتد الجوع بالناس وافتقروا إلى ما لدى السلطان فتصدق عليهم بنصف جبايته كل يوم على ضعفائها ويجتمعون في الرحاب الفسيحة المعينة فيقسم حفظه الله الأرزاق عدلا بينهم..وقد استبد الجوع بالناس وعم الغلاء حتى لقد اشتكى أحد الميسورين وهو أبو العباس أحمد الشهير بابن قنفذ القسنطيني من ارتفاع سعر المواد الغذائية في مدينة تلمسان جراء هذه المجاعة إذ لم يستطع تحمل النفقة الباهظة التي كانت تكلفه يوميا أربعة دنانير ذهبا دون المزية العظمى واليد الكبرى التي تبيع له الطعام..
وفي محاولة للتخفيف من معاناة الناس أصدر السلطان أبو حمو موسى الثاني قرار بالتكفل بالضعفاء والمساكين والفقراء وضمهم إلى بيمارستانات(7) المدينة و تقديم الطعام لهم في الصباح و المساء طوال فصلي الشتاء والربيع كما فتح للرعية أهراء الزرع ومخازنه و أباح للناس بيعه وخفض لهم سعره بحسب ما اقتضته ظروف المجاعة وأحكامها..وكان أبو حمو موسى الثاني كغيره من سلاطين بني زيان حريصا على تخزين المال والمؤن تحسبا لمثل هذه الظروف ولغيرها..وكان يحث الناس على الاقتصاد وتخزين المؤن كل سنة..اتقاء لمجاعة كمجاعة سلفه أبي حمو موسى الأول..)
إذن فقد مرت تلك المجاعة على خير..
أتدرون ما السبب؟..
السبب هو تحصن الناس والسلطان بتخزين المؤن تحسبا للمجاعات..
أتدرون ما الذي دفعه للقيام بهذا؟..
إنها المجاعة التي ضربت تلمسان في عهد سلفه أبو حمو موسى الأول..
وكانت مجاعة شنيعة بحق..
وهاكم تفاصيلها:
2- مجاعة 698-706هـ/1299-1306م:
وصفتها المصادر التاريخية بالمجاعة الكبرى والمجاعة العظيمة..
وقعت بسبب الحصار الطويل الذي فرضه السلطان أبو يعقوب يوسف المريني عليها..حيث بدأ هذا الحصار يوم 2شعبان 698هـ/1299م وانتهى في ذي القعدة سنة 706هـ/1306م أي أنه استغرق مدة ثماني سنوات وثلاثة أشهر..كان لهذا الحصار وقع شديد على سكان مدينة تلمسان بحيث أحاط العسكر بها من جميع جهاتها وفقدت فيه الدولة الزيانية معظم مدنها بالمغرب الأوسط ونتيجة لذلك نال سكان تلمسان من الجوع ما لم ينل أمة من الأمم..
و انطلق المرينيون على المنازل نهبا و اكتساحا و أصدروا أوامرهم بقتل كل من يدخل بضاعة أو مواد غذائية إلى تلمسان وتطاول الزمن فتضرر السكان من داخلها لانعدام الأقوات باستنفاذ المخازن فارتفعت أسعار المواد الغذائية والحبوب والخضر والفواكه وسائر المرافق في غلاء تجاوز حد المألوف -كما أسلفت- فاستهلك الناس أموالهم ومدخراتهم وضاقت أحوالهم فلم يطق السكان تحمل هذه المجاعة فمات منهم خلق كثير فكان الهالك بالجوع أكثر من الهالك بالقتل..
وتشير المصادر التاريخية أن هذه المجاعة خلفت كثيرا من الضحايا..
حيث يقول المؤرخون إن مدينة تلمسان أصبحت خاوية على عروشها فقد كان يقطنها ما يفوق مائة و خمسة وعشرون ألف نسمة على أقل تقدير فلم ينج من هذه المجاعة إلا خمسة آلاف نسمة..
فماذا كان رد فعل الناس؟..

الجزائر .. ماضي عريق

يقول ابن خلدون:
(..حتى أكلوا الجيف والقطط والفئران والحشرات من صراصير وعناكب وخنافس..وجميع الحيوانات والعقارب والحيات والضفادع وغير ذلك.. فكان الفائز بأيها منهم يفر متواريا خشية أن يشاركه في أكلها أحد..وربما أكلها ولم يقتلها بعد من فرط سرعته وجوعه وخوفه.. حتى ندرت كلها ثم فنيت فعدم وجودها..
فكانوا يفرطون ثم يجعلون غائطهم في الشمس حتى يعود يابسا فيطبخونه ويأكلونه..
ثم بلغ بهم الجوع أن أكلوا أشلاء الموتى..ثم عمدوا إلى أكل بعضهم بعضا فكانوا يتربصون بضعيفهم فيقتلوه ثم يتداعون عليه كما تتداعى الأكلة على قصعتها..فلا يتركونه إلا عظاما نخرة..
والمريني في ذلك يشدد عليهم الحصار ويقول لأواصلنه عليهم حتى أقتلهم جوعا..)
يقول ابن الخطيب:
(كثر موت الفقراء و المساكين بالجوع فكنت أسمع الفقير يصرخ بأعلى صوته:
لبابة قدر شحمة أذني أشمها وخذوها فلا يزال كذلك حتى يموت..فينقض الجوعى على لحمه ينهشونه..وقد يكون منهم أهله وزوجته..فلا تبقى حاجة لدفنه..فقد دفن ببطون الجوعى..)
أرأيتم ماذا يفعل الجوع بالناس؟
وقبل أن نسارع باتهام أبا حمو موسى الأول بأنه السبب الرئيسي لتلك المجاعة..ونصب فوق رأسه اللعنات ..دعونا أولا نستقصي الحقائق..ونقرأ معا ما كتب عن هذا السلطان:
يقول ابن خلدون عن هذا السلطان:
(فولي بعده أخوه الملك الأمجد ذو الغرة الميمونة والجبين الأسعد الذي فرج الله بيمن طلعته الشدة وآل الأمر من بعد الضيق إلى السعة في أقرب مدة وغمر أهل مملكته اليمن والأمان أمير المسلمين أبو حمو موسى بن عثمان فأقام عمود الملك بعدما أشرف على الهلاك وقارع الثوار واقتحم الأنحاء والأغوار وأقام العدل وأقر القرار وكان فظا غليظا حازما يقظا عظيم الاعتبار)
إذن فكما هو واضح..لم يكن هذا الرجل بالسلطان الضعيف أو العاجز أو المقصر..بل إنني أجزم أنه قد حاول اتخاذ كافة التدابير للحيلولة دون وقوع ما حدث..ولكن يبدو أن الكارثة الطبيعية الناجمة عن الحصار المريني كانت تفوق طاقة السلطان أبو حمو موسى الأول وأكبر من إمكانياته..
ويبقى أن نقول في النهاية..
إنها إرادة الله...

................................................................................

هذه هي الجزائر..
الجزائر العظيمة التي حاول أعدائها القضاء عليها مرارا..
ولكنها كانت تنتصر في كل مرة..
بعزيمة رجالها وتجلدهم وصبرهم على المحن الذي لم أجد له أو لها مثيلا..
شعب يتعرض للإبادة المتعمدة..فلا يبقى فيه إلا النذر اليسير من البشر..
وحتى هؤلاء المساكين حياتهم والموت سواء..
فما أكثر معاناتهم التي تنفطر لها القلوب..
معاناة الجوع والمرض والخراب والدمار..
معاناة العيش على أرض الأجداد المغتصبة..
معاناة رؤية الأعداء يرتعون على أرض الوطن..
معاناة فقدان الأحبة والصحاب..
والأفظع من هذا وذاك..
عدم معرفة ما حل بجثثهم..أو حتى مكان قبورهم..
ليظل السؤال القاتل الذي يعصف بالرءوس:
هل ارتاحوا في نومتهم الأبدية؟..
أم كتب عليهم الشقاء أحياء وأموات؟..
ومع ذلك..ومع كل هذا الضعف والتشرذم..لا يفتر حماسهم..
فيجمعون شتاتهم..ويقاتلون عدوهم..حتى يجلونه عنهم..
ثم لا يلبثوا قليلا حتى يبتلوا بغيره..
وهكذا دواليك..
تخيلوا بلدا هذا هو روتينه اليومي تقريبا..
ترى كيف يكون حاله وحال أهله؟..
وكلمة أخيرة أوجهها لهم:
تحية لكم أيها الرجال الشرفاء

………………………………………….........

في المقال القادم سنواصل رحلتنا إلى الغرب..
وسنحط رحالنا في أجمل البقاع الإسلامية في الفن المعماري على مر العصور..
سنزور غرناطة وطليطلة ومريم..
ثم نتوقف عند مدينة العلم..
قرطبة..
أجمل بقاع الأرض في وقتها وأكثرها امتلاء بالسكان..
فقد كان يقطنها ما يربو عن المليون ونصف المليون نسمة..
ومدحها الشعراء فقال أحدهم:
بأربع فاقت الأمصار قرطبة ***منهن قنطرة الوادي وجامعها
هاتان ثنتان والزهراء ثالثة***والعلم أعظم شيء وهو رابعها
سنجوب كل تلك البقاع وأكثر في البلاد الساحرة..
الأندلس..
لن نجوبها بالطبع بغرض السياحة..فقد اعتدنا على الكآبة سويا..ههههههه
سنرى كالعادة ما حل بأهلها من الملمات والكوارث..
وماذا صنع الجوع بهم..

ولكن هذا مقال آخر إن شاء الله..
ولعمري إنه سيكون مقالا مختلفا تماما..

.....................................................................................

هوامش:
............

1-ابن خلدون:
هو ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خالد (خلدون) الحضرمي..المعروف أكثر باسم ابن خلدون (ولد في يوم الأربعاء 1 رمضان 732 هـ الموافق 27 مايو 1332م وتوفي في الجمعة 28 رمضان 808 هـ الموافق 19 مارس1406م) كان فلكيا اقتصاديا مؤرخا فقيها حافظا عالما للرياضيات استراتيجيا عسكريا فيلسوفا  ورجل دولة..يعتبر مؤسس علم الاجتماع..ولد في إفريقية في ما يعرف الآن بتونس عهد الحفصيين كما امتلكت عائلته في الأندلس مزرعة هاسيندا توري دي دونيا ماريا الحالية القريبة من دوس هرماناس (اشبيلية)..ترك تراثاً ما زال تأثيره ممتداً حتى اليوم..
توفى ابن خلدون في مصر عام 1406م وتم دفنه قرب باب النصر بشمال القاهرة

 2- ابن مرزوق:
ابن مرزوق هو داعية ورجل دولة ولد في تلمسان ما بين سنة 1310 وسنة 1311م وتوفّي بالقاهرة سنة 1379م.. خدم شيخه شعيب أبو مدين في حياته وكان أبو مدين متصوفا أندلسيا..تتلمذ على يديه الكثير من المؤرخين أشهرهم ابن الخطيب..

 3-الحسن الوزان:
ليون الأفريقي أو يوحنا ليون الأفريقي أو يوحنا الأسد الأفريقي هو الحسن بن محمد الوزان الزياتي الفاسي..اشتهر بتأليفه الجغرافي في عصر النهضة..
ينتسب الحسن بن محمد الوزان إلى قبيلة بني زيات..عاشت أسرته حقبا من الزمن في الأندلس وولد هو بمدينة غرناطة قبيل سقوطها في يد القشتاليين..يختلف المؤرخون في تحديد سنة ولادته فيجعلها بعضهم عام 901 هـ/ 1495م وبعضهم عام 906 هـ/ 1500م
انتقل للمغرب للعيش بفاس وأصبح سفيراً لسلطانها محمد البرتقالي في سفر مر فيه على تمبكتو وممالك أفريقية أخرى وقد زار كذلك مصر وإسطنبول في رحلاته كما حج أثناء إقامته في غرب آسيا ثم سقط في الأسر خلال توقف سفينته في جزيرة جربة واقتيد إلى روما كهدية للبابا ليون العاشر الذي حمله على اعتناق النصرانية والبقاء لتدريس العربية في روما التي كتب فيها مجموعة كتب في اللغة والأدب والجغرافيا أشهرها كتاب (وصف أفريقيا) الذي ترجم للعربية ونشر في عام 1399 هـ / 1979م على يد د. عبد الرحمن حميدة.. لم يعلم هل مات في روما أم لا وإن كان الغالب أنه قفل راجعا لتونس ليعيش في دار الإسلام دون أن يشتهر في الجانب الإسلامي كشهرته في الغرب باسم يوحنا ليون الأفريقي

4-ابن الخطيب:
المؤرخ المسلم لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن علي بن أحمد السلماني الخطيب ولد في لوشة في رجب713 هـ/1313م- وتوفى في فاس 776 هـ/ 1374م..درس الأدب والطب والفلسفة في جامعة القرويين بفاس..قضى معظم حياته في غرناطة في خدمة بلاط بني نصر وعرف بذي الوزارتين: الأدب والسيف..
نـقشت أشعاره على حوائط قصر الحمراء بغرناطة..
انتقلت أسرته من قرطبة إلى طليطلة بعد واقعة الربض أيام الحكم الأول ثم رجعت إلى مدينة لوشة واستقرت بها.. وبعد ولادة لسان الدين انتقلت العائلة إلى غرناطة حيث دخل والده في خدمة السلطان أبي الحجاج يوسف وفي غرناطة درس لسان الدين الطب والفلسفة والشريعة والأدب. ولما قتل والده سنة 741 هـ في معركة طريف كان مترجما في الثامنة والعشرين فحل مكان أبيه في أمانة السر للوزير أبي الحسن بن الجياب. ثم توفي هذا الأخير بالطاعون الجارف فتولى لسان الدين منصب الوزارة..ولما قتل أبو الحجاج يوسف سنة 755 هـ وانتقل الملك إلى ولده الغني بالله محمد استمر الحاجب رضوان في رئاسة الوزارة وبقي ابن الخطيب وزيرا.
ثم وقعت الفتنة في رمضان من سنة 760 هـ فقتل الحاجب رضوان وأقصي الغني بالله الذي انتقل إلى المغرب وتبعه ابن الخطيب وبعد عامين استعاد الغني بالله الملك وأعاد ابن الخطيب إلى منصبه..ولكن الحساد وفي طليعتهم ابن زمرك أوقعوا بين الملك وابن الخطيب الذي نفي إلى المغرب حيث مات قتيلاً سنة 776 هـ..

5-6-طاعون جوستنيان وجرثومة يارسين:
ظهر في القرن السادس خلال حكم الإمبراطور البيزنطي جوستنيان ووصل إلى عاصمته القسطنطينية على متن سفن تحمل حبوب قادمة من مصر..ويعتقد أن طاعون جوستنيان كما يسميه المؤرخون قد قتل نحو نصف سكان أوروبا وسهل من سيطرة العرب على المدن البيزنطية الواقعة في الشرق الأدنى وأفريقيا
وينتشر هذا المرض بواسطة الفئران وينتقل إلى البشر بواسطة البراغيث، أو في بعض الحالات مباشرة عن طريق التنفس.
قام فريق من علماء البيولوجيا بقيادة باربرا برامانتي من معهد باستير في باريس وستيفاني هاينش من جامعة جوهانس جوتنبرج في ألمانيا بتحليل حامض نووي (دي إن إيه) وبروتين من مقابر الطاعون وهي المدافن الشاملة عبر أوروبا التي تم فيها دفن الموتى..وقد كتب هذا الفريق قائلا:
(إن اكتشافاتهم تشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أن (الموت الأسود) كان سببه بكتيريا (يرسينيا بيستيس)..)
وقد اختفى الطاعون في القرن الثامن الميلادي..ثم وصلت إحدى السلالات إلى ميناء مرسيليا على الساحل الجنوبي لفرنسا عام 1347م وانتشرت سريعا عبر فرنسا وبحلول عام 1349م وصلت إلى هيرفورد وهي مدينة إنجليزية مزدحمة ومركز تسوقيا بالقرب من حدود ويلز..

7- بيمارستان:
بيمارستان هي كلمة تعني مستشفى أصلها فارسي معناها (محل المریض).. كانت البيمارستانات في العصور الوسيطة دورا للعلاج ومعاهد لتدريس الطب وكانت البيمارستانات مستشفيات عامة تعالج فيها الأمراض الباطنية والرمدية والعقلية وتمارس فيها العمليات الجراحية.. يتم العلاج فيها عن طريق طاقم طبي متخصص‫.. كان الأطباء المسلمون هم أول من فرق بين المستشفي العام ودور العجزة والمصحات التي تعزل فيها المجانين وأصحاب الأمراض الخطيرة مثل الجذام‫. ويعتبر البيمارستان هو الأساس الحقيقي للمستشفيات المعاصرة‫.. ويرجع الفضل في تأسيس المصحات النفسية والمستشفيات العامة والمدارس والجامعات الطبية للأطباء المسلمين في العصور الوسطى‫. إلى أن تدهورت أحوالها وأهملت وهجرها المرضى فما عادت تستخدم إلا لعزل المجانين.. وصارت كلمة مارستان/مورستان تعني مأوى المجانين.  

...........................................................................................

المصادر:
................

بعض الكتب القيمة من مكتبتي ومن المكتبات الخاصة ببعض الأصدقاء الأعزاء وهي:
1-(العبر و ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) لابن خلدون والمسمى أيضا ب( تاريخ ابن خلدون)- دار الكتاب اللبناني (المجلد السادس) ج7- بيروت 1983
2-(بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد) لابن خلدون (ج1) تحقيق عبد الحميد حاجيات - المكتبة الوطنية- الجزائر 1980
3-(نفاضة الجراب في علالة الاغتراب)  لابن الخطيب تحقيق وتقديم السعدية فاغية- مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء 1989.
4- (معيار الاختيار في ذكر المعاهد و الديار) لابن الخطيب تحقيق محمد كمال شبانة - مكتبة الثقافة الدينية- مصر 2002.
5-(المسند الصحيح الحسن في مآثر و محاسن مولانا أبي الحسن) لابن مرزوق دراسة وتحقيق ماريا خيسوس فيغيرا تقديم محمود بوعياد- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع-الجزائر 1401هـ/1981م.
6-(وصف إفريقيا) (ج1) للحسن بن محمد الوزان المعروف بليون الإفريقي ترجمه عن الفرنسية محمد حجي ومحمد الأخضر - دار الغرب الإسلامي الطبعة الثالثة- بيروت 1983.
7-الموسوعة الحرة (ويكيبديا)

هذه القصة نشرت لأول مرة بالعربية في موقع كـابوس بتاريخ 21 / 01 /2012

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق