تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
مقالات من نفس القسم
أحدث مواضيع النقاش
تجارب الرعب والغرائب
تجارب من واقع الحياة
اختبارات عقلية

قصاصات سوداء (2) .. الخازوق

بقلم : اياد العطار
fearkingdom@yahoo.com

من بين كل وسائل وأدوات التعذيب التي تفتقت عنها عقول الطغاة وأذنابهم عبر التاريخ، يبدو أن الخازوق هو الأكثر التصاقا بالذاكرة الجماعية للشعوب العربية، إذ درج الناس على القول بأن : "فلان أكل خازوق" أو "تخوزق" كتعبير مجازي عن الوقوع في ورطة وكناية عن خيبة الأمل والفشل الذريع. ولعل العدد الكبير من الخوازيق التي "يأكلها" المواطن العربي منذ ولادته وحتى مماته، وأقصد هنا الخازوق بمعناه المجازي وليس الحقيقي، هي السبب الفعلي وراء بقاء هذا المصطلح الغريب حيا ضمن قاموس لهجاتنا الدارجة بالرغم من اختفاء الممارسة البشعة المرتبطة به منذ أمد بعيد. ولأن بعض الناس يستعملون الكلمة من دون أن يعو معناها، لذا قررت كتابة هذه القصاصة السوداء عن الخوزقة كممارسة لها تاريخ طويل وحافل بعذابات وآلام الناس في منطقتنا العربية .. ولا يفوتني قبل الشروع في ذلك أن أعتذر أليك عزيزي القارئ لبشاعة الوصف الذي قد تحتويه المقالة.

الخازوق .. تاريخ طويل من الرعب والسادية

الـ "خزق" في اللغة تعنى الغرز والطعن، ومنها أتت كلمة الخوزقة التي تشير إلى ممارسة سادية غير إنسانية تقوم على غرز وتد خشبي مدبب الرأس يدعى الخازوق، ودفعه بالقوة داخل جسم الإنسان، غالبا عبر الدبر أو الفرج، وأحيانا عبر مناطق أخرى من الجسم كالبطن والقدم واليد .. الخ .. ثم يقومون برفع هذا الخازوق وتثبيته إلى الأرض بصورة عمودية، فيرتفع المخوزق معه حتى لكأنه جالس فوقه، ويبدأ رأس الخازوق المدبب في الغوص داخل جسد المخوزق أكثر فأكثر بفعل الجاذبية الأرضية، حتى يخترق الأحشاء ويخرج ثانية عبر الكتف أو الفم، وتختلف سرعة وقوع الموت حسب خبرة الجلاد وإتقانه لعمله، فكلما كان رأس الخازوق مدببا ومدهونا أكثر، كلما كان مروره في الجسد أسرع، وكلما أقبل الموت أبكر.

يبقى حيا حتى يخرج الخازوق من فمه

وقد تفنن جلادو العصور الوسطى في خوزقة الناس، فربما استخدموا خازوقا غليظا وجعلوا رأسه مسطحا، لكي لا يخترق الجسد بسرعة، فيبقي الضحية حيا على الخازوق لعدة أيام. وزيادة في عذابه، كانوا يعمدون أحيانا إلى أطعامه، ثم يسقونه شرابا مسهلا، فيتضاعف ألمه لعدم قدرته على التغوط بسبب الخازوق الذي يسد دبره.

وكان باستطاعة الجلاد المحترف أن يدفع الخازوق من دون تمزيق الأحشاء الداخلية، فيبقى المخوزق حيا حتى يخرج الخازوق من فمه. ولك عزيزي القارئ أن تتخيل حجم العذابات التي عانى منها المخوزقون، خصوصا أولئك الذين ظلوا أحياء لفترة طويلة، كانوا يعمدون إلى تحريك أجسادهم من جهة إلى أخرى ليحصلوا على شيء من الراحة، تماما كما يفعل المسافر حين يمضي ساعات طويلة على كرسي الحافلة فيحاول التململ من جهة إلى أخرى لإراحة جسده، لكن المشكلة مع الخازوق، هي أن كل حركة كانت تؤدي إلى نفاذ الرأس المدبب أكثر فأكثر داخل الجسد.

الصلب والخوزقة

الصلب والحرق .. أوربا العصور الوسطى

من خلال بحثي السريع عن مصادر تفيدني في كتابة هذا المقال، لاحظت بأن البعض يخلطون، عن عمد أحيانا، بين الصلب والخوزقة، رغم أن اختلاف العقوبتين بائن، فالصلب هو تعليق وتثبيت الضحية إلى خشبة أو جذع شجرة أو صخرة عالية أو سور قلعة .. الخ .. بواسطة الحبال والمسامير، وقد يبقى المصلوب حيا لعدة أيام لا يموت إلا بعد أن ينهكه الجوع والعطش، أو قد يقتل على خشبته جلدا أو رجما أو حرقا. وقد عرفت جميع الأمم والشعوب الصلب ومارسته، من أقصى الأرض إلى أقصاها، حتى صار الصليب جزءا حيا من الذاكرة والثقافة الإنسانية حين تحولت الخشبة التي صلب عليها السيد المسيح إلى أشهر أيقونة دينية عرفها العالم.

أذن الصلب ببساطة هو تثبيت جسد الإنسان إلى خشبة، بينما الخوزقة هي تثبيت الخشبة إلى جسد الإنسان. ولا شك في أن الأخيرة كانت أشد وطأة ونكالا على الإنسان من الأولى، صحيح أن العقوبتين متقاربتان في السادية والوحشية، وأن عاقبة كلاهما واحدة، كما يقول الشاعر :

من لم يمت بالسيف مات بغيره   تعددت الأسباب والموت واحد

لكني أرى بأن الخوزقة كانت تهدف إلى ما هو أبعد من مجرد قتل وإعدام الشخص، إذ لما تكلف الجلادون كل هذا الجهد والعناء بينما بإمكانهم فعل ذلك بسهولة بضربة سيف واحدة. وأحسب أن الغاية الأصلية من الخوزقة كانت تتمثل في إذلال الضحايا وكسر إرادتهم، فلا يخفى على أحد ما للخازوق من دلالات جنسية مذلة ومهينة خصوصا بالنسبة للرجل، لهذا كان يؤتى أحيانا بزوجة المخوزق وقريباته من النساء لتتم خوزقته أمامهن. كما يلعب الخازوق دورا كبيرا في بث الرعب والهلع في قلوب الناس، فجيوش العصور الوسطى مثلا كانت تخوزق بعض الأسرى بالقرب من أسوار المدن المحاصرة، من اجل كسر معنويات السكان وتخويفهم من ملاقاة نفس المصير البائس، فيدفعهم الخوف إلى تسليم مدينتهم من غير قتال. وقد يلجأ الحكام إلى الخوزقة لإخافة خصومهم السياسيين، أو تثبيط عزائم الثوار والمتمردين، أو إرعاب اللصوص والمجرمين.

أول خازوق

الخازوق الآشوري

عملية البحث عن أول خازوق في التاريخ هي أشبه بالبحث عن إبرة في كومة من القش. فالخوزقة ممارسة سادية ضاربة في القدم، ربما بدأت بالتزامن مع الصلب، بل ربما لم تكن الخوزقة الأولى سوى تحريف بسيط لعملية الصلب. لكن على ما يبدو فأن الأشوريين كانوا من أوائل وأشد المولعين بالخازوق، وقد صوروا ولعهم هذا في نقوشهم التي خلدت انتصاراتهم على أعدائهم. والأشوريون هم أقوام سامية استوطنوا شمال العراق واشتهروا بالقسوة المفرطة في تعاملهم مع أعدائهم، فكانوا يسلخون جلود الأسرى وهم أحياء، ويجعلون الناس في أسياخ ثم يشوونهم على النار، ولا يتوانون عن قتل الشيخ والمرأة والطفل الصغير، فضلا عن تهجير مدن كاملة وسوق سكانها للعبودية. وقد سبقتهم سمعتهم المخيفة أينما حلوا وارتحلوا، فأسسوا إمبراطورية قائمة على الخوف امتدت لتشمل العراق وإيران وتركيا والشام ومصر.

لكن ولع الأشوريين بالخازوق لا يعني أنهم أول من أستخدمه، ووحشيتهم في تعاملهم مع أعدائهم ليست فريدة من نوعها في العالم القديم كما يظن البعض. فقبل الأشوريون بقرون طويلة، كان الخازوق حاضرا في مسلة الملك البابلي حمورابي (1750 ق.م)، حيث نص أحد قوانين تلك المسلة على :

"إذا تسببت امرأة بالموت لزوجها من أجل رجل آخر، فيجب وضعها على الخازوق"

وفي مصر الفرعونية هناك أشارات قديمة على استعمال الخازوق منذ عهد الأسرة الثالثة عشر (1675 ق.م)، فأحدى العقوبات كانت تقضي بإعدام الشخص بوضعه على عصا مدببة الرأس. وهناك علامة هيروغليفية واضحة تشير إلى هذه العقوبة، حيث تبدو على شكل عصا مغروسة في بطن إنسان.

علامة هيروغليفية تشير الى الخوزقة

هناك أيضا نصوص تاريخية كثيرة تشير إلى استخدام الخازوق من قبل الكلدان والفرس والرومان، لكننا هنا نقف مرة أخرى أمام معضلة التمييز بين الصلب والخوزقة عند تعاملنا مع تلك النصوص، والراجح هو أن معظم تلك النصوص القديمة، ومن ضمنها ما ذكر في العهد القديم من الكتاب المقدس، والتي تحدثت عن تعليق الناس على الأشجار وفوق أوتاد خشبية، كانت حقيقة الأمر تشير - غالبا - إلى الصلب. طبعا ليس بالضرورة الصلب فوق قطعتين متقاطعتين من الخشب كما في صليب السيد المسيح، وإنما الصلب أيضا فوق خشبة واحدة شبيهة بالخازوق، لما في ذلك من سهولة الإعداد وسرعة الإنجاز، وربما من هنا أتى الخلط الكبير بين الصلب والخوزقة.

العصور الوسطى

الضحية يحمل خازوقه الى مكان الاعدام - صورة من مخطوطة المانية عن الخازوق في العالم العربي

خلال بحثي السريع في المصادر التاريخية العربية المتعلقة بما قبل الغزو المغولي، ولا أزعم طبعا بأني بحثت في جميع المصادر، لكني بحثت في أشهرها، كالكامل في التاريخ لأبن الأثير، وتاريخ الأمم والملوك للطبري. ولم أعثر على أي ذكر للخازوق، فالعقوبات الشائعة آنذاك كانت الجلد وقطع الرأس بالسيف، بالإضافة إلى تقطيع الأطراف من خلاف ثم الصلب، ونادرا ما كانوا يصلبون الناس أحياء، إلا في حالات استثنائية سنعود أليها في مقال منفصل نتناول فيه الصلب بالتفصيل.

هناك حادثة واحدة وحيدة عثرت عليها في "مروج الذهب" للمسعودي، وهي حقيقة الأمر لا تتكلم عن الخازوق ولا تذكره، لكنها أقرب ما تكون إلى الخوزقة، حيث يقول المسعودي :

" وجرى بينه ( أحد دعاة العلويين ) وبين المعتضد ( الخليفة العباسي ) خطب طويل، وكان في مخاطبته للمعتضد أن قال: لو شويتنِي على النار ما زدتك على ما سمعت مني، ولم أقر على من دعوت الناس إلى طاعته وأقررت بإمامته، فاصنع ما أنت له صانع، فقال له المعتضد: لسنا نعذبك إلا بما ذكرت، فذكر أنه جعل في حديدة طويلة أدخلت في دبره وأخرجت من فمه وأمسك بأطرافها على نار عظيمة حتى مات بحضرة المعتضد وهو يسبه ويقول فيه العظائم".

هذه الحادثة النادرة لا تعد دليلا على استخدام الخازوق في العصر العباسي، أو بالأحرى لا تعد دليلا على شيوع استخدامه. ولا نعلم علم اليقين متى وأين مورست الخوزقة أول مرة في العالم العربي والإسلامي، أظنها من العقوبات المستوردة، مثلها مثل التوسيط والسلخ، ربما جلبها المغول معهم، أو أتت مع قبائل التتار وغيرهم من قبائل الأتراك البدوية.

وأيا كان من جلب الخازوق معه، فالأكيد أنه لم يكن اختراعا عثمانيا كما يتصور الناس، ولا كان العثمانيين هم أول من أستعمله، والأرجح أنه لم يظهر إلا في العهد المملوكي، فأقدم الإشارات إليه تعود لبدايات ذلك العهد، منها ما ذكره المؤرخ بدر الدين العيني في كتابه "عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان" حيث أورد قصة عن الخازوق بطلها أحد أمراء المماليك وضحيتها أحد أمراء الايلخانيين – حكام المغول في العراق وإيران – يقول :

"فأخذوه وجاءوا به إلى قطلوشاه (أمير إيلخاني) وهو قاعد على الخازوق، وهو ميت قديد، فلما رآه على هذه الهيئة بكى وصاح، ثم نظر فإذا هم قد نصبوا له خازوقاً مثله بجنب قطلوشاه، فقال لهم: ما هذا؟ قالوا له: هذا مجلسك الذي أمرنا بأن نجلسك عليه، فقال: يا قوم لا تفعلوا فما أظن دوباج (أمير مملوكي) يفعل بهذا لأنه صاحب دين ويقين صادق، وهو صالح من الصالحين، فقالوا له: لا تطول هذا الكلام، فلا بد لك من الجلوس على هذه الخشبة، ونصبوا مع خشبته ثلاثين خشبة لأصحابه، وأقعدوا جميعهم على الخوازيق، ولم يتركوا منهم إلا واحداً من غلمانهم ليروح بالخبر".

أما المقريزي في "السلوك لمعرفة دول الملوك"، وكذلك أبن تغري بردي في "النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة"، فيوردان خبرا ضمن حوادث سنة 702 هـ / 1302 م، عن مقتل الأمير أيدمر الشمسي القشاش، وهو أمير من المماليك كان مولعا بالخوازيق، وسأكتفي بإيراد رواية المقريزي لأني أظن بأن أبن تغري بردي قد نقل عنه، يقول المقريزي :

"ومات الأمير أيدمر الشمسي القشاش، وكان قد ولى الغربية والشرقية جميعاً، واشتدت مهابته، وكان يعذب أهل الفساد بأنواع قبيحة من العذاب منها أنه كان يغرس خازوقاً ويجعل محدده قائماً، وبجانبه صار كبير يعلق فيه الرجل، ثم يرسله فيسقط على الخازوق فيدخل فيه ويخرج من بدنه".

الغريب أن أبن بطوطة، الرحالة المغربي المشهور، لم يأت على ذكر الخازوق أبدا خلال رحلته التي طاف بها أرجاء العالم الإسلامي في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، باستثناء مرة واحدة، وهذه المرة في الهند، لكنه لم يذكره بالأسم، وقد يكون هذا دليلا على عدم معرفته به أصلا، وبالتالي فهو دليل على عدم شيوع الممارسة وندرة حدوثها، حيث كتب يقول :

"فإذا كان عند الصباح قُسم الكفار المأسورين بالأمس أربعة أقسام، وأُتي إلى كل باب من أبواب الكتكر (السور المحيط بالمعسكر) بقسم منهم ، فركزت الخشب التي كانوا يحملونها بالأمس عنده ثم ركزوا فيها حتى تنفذهم ، ثم تذبح نسائهم ويربطن بشعورهن إلى تلك الخشبات ، ويذبح الأولاد الصغار في حجورهن ، ويتركون هنالك".

هذه المجازر الدموية وقعت أثناء مرافقة أبن بطوطة لعسكر السلطان محمد بن تغلق شاه خلال حملة عسكرية للقضاء على حركة تمرد هندية. حيث كان المتمردون يختبئون ويحتمون بالغابات، فلجأ السلطان إلى قطع تلك الغابات، وكل من عثروا عليه فيها من الهنود كانوا يخوزقونه بهذه الطريقة البشعة والقاسية. الجدير بالذكر أن آل تغلق هم سلالة من السلاطين الأتراك الذين حكموا دلهي لقرابة قرن من الزمان، وبالرغم من أن أبن بطوطة قاتل الهنود مع عساكر المسلمين، إلا أنه اشمئز مما شاهده من قسوة هذا السلطان ومن فظائعه التي يطول ذكرها، فكتب معلقا على ذلك :

"وذلك أمر شنيع ما علمته لأحد من الملوك ، وبسببه عجل الله حينه".

ولنترك الهند ونعود إلى عالمنا العربي، فنقرأ ما كتبه المؤرخ الدمشقي محمد أبن طولون، الذي عاصر السنوات الأخيرة لحكم المماليك في الشام، في كتابه الموسوم "مفاكهة الخلان في حوادث الزمان". فضمن حديثه عن سنة 902 هـ / 1496 م، يورد لنا خبرا عن خوزقة رجلين وامرأة من المماليك متهمين بالقتل والسرقة، فيقول في ذلك :

" فأدخلوا على النائب وهو في الاصطبل، ففي الحال أمر بتخوزقهم على أوتاد ممدودة بجانب الخندق تجاه الاصطبل المذكور، فمات الرجلان، واستمرت السرية ( المرأة ) حية وهي مخوزقة، تحادث الناس ويحادثونها إلى وقت العصر، فأمر النائب بتخزيقها ثانياً فماتت، وكان يوما مهولا".

ويعود ليحدثنا مرة أخرى ضمن أحداث سنة 910 هـ عن خوزقة بعض اللصوص فيقول :

" فلم يزل النائب يتتبعهم إلى أن وقع بهذين دون رفاقهما، فأمر بتخوزقهما في أدبارهما بخوازيق غلاظ في اليوم المذكور".

ومرة اخرى عام 916 هـ تحول فرح الناس بولادة طفل السلطان إلى مناسبة عامة للخوزقة :

"وفي يوم الأحد سادس عشريه نودي بالزينة، ودقت البشائر، واشتهر أن السلطان ولد له ولد ذكر، والعادة أن يهب للمماليك شيئاً معيناً، فنقض عنه، فخرج عليه جماعات منهم، قيل ونهبوا الأسواق، فنزل إليهم وقبض جماعات، فغرق وقتل وخوزق وحبس".

ادخال الخازوق في دبر الضحية - صورة من مخطوطة المانية عن الخازوق في العالم العربي

أبن طولون عاصر الحدث الأعظم في زمانه، سقوط دولة المماليك بعد أن حكموا لقرنين من الزمان ودخول العثمانيين إلى الشام أثر انتصار السلطان سليم في معركة مرج دابق (1516م)، وقد ترافق هذا الحدث مع نشوب فوضى عارمة بسبب فراغ السلطة الناجم عن زوال العهد القديم، فأستغل الزعار واللصوص ذلك وعاثوا في البلد فسادا، ومن أجل استعادة الأمن والنظام أمر الوالي بخوزقة عدد منهم. وفي ذلك يقول :

"وفيه خوزق شخص من منين، غربي المارستان القيمري بالصالحية، ولم يعهد قبل ذلك أنه خوزقه فيها أحد، خوزقه الصوباشي بنفسه، وقصد بذلك ردع زعر الصالحية، ثم وجه لكل حارة من حارات دمشق خازوقا ليفعل فيها ذلك، وسبب تخوزق هذا الشخص أنه ظهر أنه حرامي".

السلطان العثماني نفسه دشن عهده الجديد في دمشق بخوزقة بعض رجاله كما يخبرنا أبن طولون :

"وفي يوم الأحد ثالث صفر منها، خوزق الخنكار بالمصطبة ثلاثة عشر نفساً من خزنداريته وبوابيه، بسبب فقد مال من خزانته، واختلفا في قدره، فقيل ألفا درهم ومائتان، وقيل ألفا قبرصي".
والخنكار هو لقب السلطان العثماني، وهو لفظ أعجمي يعني "السلطان الأعظم".

ولنودع أبن طولون وننتقل إلى القاهرة لنستمع إلى أبن إياس الحنفي وهو يحدثنا في "بدائع الزهور" عن خوزقة عجيبة جرت عام 928 هـ لأربعة أشخاص من ديانات مختلفة .. كل واحد منهم خوزقوه في مكان .. يقول :

"أما اليهودي فخوزقوه عند باب الصاغة ، والنصراني خوزقوه بالقرب من المارستان ، وأشيع عنه أنه لما خوزقوه أسلم وتلفظ بالشهادتين فلم يلتفتوا إلى أسلامه ، فخوزقوه وأقام يوما وليله وهو قيد الحياة يتكلم حتى مات بعد ذلك ، وأما مقدم درك الأزبكية فخوزقوه في الأزبكية عند الدكة بالقرب من بركة قرموط ، عند المكان الذي قتل فيه الأنكشاري ، وأما أبن أنس القوادة التي غرقوها ، فخوزقوه في الأزبكية".

أما الجبرتي في "عجائب الآثار" فيحدثنا عن خوزقة أناس كثيرون خلال زيارة دينية عام 1220 هـ فيقول:

"وفي ثامنه، سافر أناس كثيرة لزيارة مولد سيدي أحمد البدوي المعتاد وسافر أيضاً الشيخ الشرقاوي، وحضر هناك كاشف الغربية وحصل منه قبائح كثيرة وقبض على خلائق كثيرة وبلصهم وحبسهم وخوزق أناساً كثيرة من غير ذنب ولا يقبل شفاعة أحد في شيء".

وقد يكون أشهر المخوزقين في تاريخ مصر الحديث، هو طالب الأزهر سليمان الحلبي، الشاب السوري الذي أقدم على اغتيال الجنرال كليبر قائد جيوش الحملة الفرنسية على مصر في الرابع عشر من تموز / يوليو عام 1800م. الفرنسيون ألقوا القبض على سليمان فحاكموه محكمة صورية كان الغرض منها كسب إعجاب الشعب المصري الذي طالما عانى وذاق الأمرين من جور الولاة المماليك والأتراك وتطاولهم المستمر على الناس بدون أثبات أو دليل، وقد سجل الجبرتي ذلك الإعجاب، فكتب يقول :

"قبضوا عليه وقرروه ولم يعجلوا بقتله وقتل من أخبر عنهم بمجرد الإقرار بعد أن عثروا عليه ووجدوا معه آلة القتل مضمخة بدم ساري عسكرهم وأميرهم بل رتبوا حكومة ومحاكمة وأحضروا القاتل وكرروا عليه السؤال والاستفهام مرة بالقول ومرة بالعقوبة ثم أحضروا من أخبر عنهم وسألوهم على انفرادهم ومجتمعين ثم نفذوا الحكومة فيهم بما اقتضاه التحكيم وأطلقوا مصطفى أفندي البرصلي الخطاط حيث لم يلزمه حكم ولم يتوجه عليه قصاص كما يفهم جميع ذلك من فحوى المسطور بخلاف ما رأيناه بعد ذلك من أفعال أوباش العساكر الذين يدعون الإسلام ويزعمون أنهم مجاهدون وقتلهم الأنفس وتجاريهم على هدم البنية الإنسانية بمجرد شهواتهم الحيوانية".

طبعا لا أدري ماذا كان رأي الجبرتي ليكون لو علم بعدد الرؤوس البريئة التي حصدتها مقصلة الثورة الفرنسية ؟.. لكن كلامه دليل واضح على أعجاب وتوق جميع البشر للنظام والقانون، والجبرتي ليس شاذا عن هذه القاعدة، على الرغم من أن المحاكمة الفرنسية "العادلة" أفضت في النهاية إلى قرار إعدام على الطريقة العثمانية! .. أي "كأنك يا بو زيد ما غزيت" .. فحرقوا يد سليمان اليمنى بالنار حتى العظم، ثم وضعوه على الخازوق، وبقى حيا لساعات عدة قبل أن يفارق الحياة، ولم ينسى الفرنسيين أن يأخذوا جمجمته معهم عندما غادروا مصر بعد أشهر قليلة، وهي معروضة اليوم في متحف الإنسان في باريس وفوقها لوحة صغيرة كتب عليها : "مجرم".

الضحايا جلوس على الخازوق وبعضهم يدخن! - صورة من مخطوطة المانية عن الخازوق في العالم العربي

الحديث عن الخوازيق لم يقتصر على المؤرخين العرب والمسلمين، فالرحالة الأوربيين ذكروه أيضا، وإحدى أفضل تلك الشهادات الحية وأكثرها تفصيلا هي تلك التي كتبها الفرنسي جين دي تيفينو (Jean de Thévenot ) في القاهرة خلال رحلته إلى الشرق في مطلع القرن السابع عشر، حيث كتب يقول :

"العقوبة المعتادة في مصر هي قطع الرأس ..... والخوزقة أيضا من العقوبات الشائعة عندهم، والتي تنفذ بهذه الطريقة. يقومون بمد المجرم على بطنه ويديه معقودتان خلف ظهره ، ثم يشقون مؤخرته بواسطة شفرة حادة ، ويضعون داخل الجرح قبضة من العجين التي هيئوها سابقا لهذا الغرض والتي تقوم بإيقاف الدم فورا ،  ثم يدفعون داخل جسد المخوزق عصا طويلة تكون بضخامة اليد ، وتكون مدببة ومستدقة الطرف ،  يقومون بتشحيمها قليلا أولا ، ثم يدفعونها داخل جسد الضحية بواسطة مطرقة خشبية حتى تخرج من صدره ، أو من رأسه أو من أكتافه ، وبعدها يرفعونه عن طريق تثبيت العصا على الأرض بثورة عمودية."

دي تيفينو يصور لنا فظاعة الخوزقة من خلال مشاهدته الحية للعذاب الذي كابده أحد الأشخاص الذين قادهم سوء حظهم وطالعهم إلى الجلوس على الخازوق، فيقول في ذلك :

"وفي أحد الأيام شاهدت رجلا على الخازوق ، وكان قد حكم عليه بالبقاء حيا فوق الخازوق لثلاث ساعات ، ويجب أن لا يموت بسرعة ، لذلك لم يدفعوا الخازوق كثيرا ليخرج من أحد أعضاء جسده ، ووضعوا له سلسلة أو مستراح على الخازوق ، لتخفف من حمل جسده فلا ينزلق إلى أسفله ، وعلى هذه الحالة تركوه لعدة ساعات ، (وظل يتكلم خلالها) ويتلفت من جهة إلى أخرى ، متوسلا بالمارة لكي يقتلوه ، وهو يعض فمه ويعصر وجهه آلاف المرات بسبب الآلام الشديدة التي يكابدها مع كل حركة ، لكن بعد العشاء أرسل الباشا أحد رجاله لكي يقتله ، وقد فعل بذلك بسهولة ، بجعل رأس الخازوق ينفذ عبد صدر المخوزق ، ثم تركه هناك حتى صباح اليوم التالي".

ويبدو أن هذه العقوبات القاسية كانت من نصيب العرب وأبناء البلد فقط، حيث يعلق دي تيفينو على ذلك قائلا :

"هذه من العقوبات الشائعة جدا والمألوفة في مصر ، لكنها من النادر جدا أن تطبق في تركيا ، أبناء البلد يعاقبون بهذه الطريقة ، أما الأتراك فيعاقبون بالسجن".

ولا عجب بعد هذا أن يبقى الخازوق لصيق الذاكرة العربية، فنجده حاضرا حتى في الأمثال، فيقولون في مصر والشام : "مثل مرزوق، يحب العلو ولو على خازوق"، حكاية عن صغير الشأن الذي يطلب الوجاهة بكل الوسائل. أما في العراق فيقولون : "بين خازوقين راحة" أي أن المصائب لا تأتي متوالية، والمفروض أن تكون بينها فترة من الراحة.

فلاد دراكولا .. أمير الخوازيق

فلاد الثالث .. دراكولا

من الصعب أن يذكر الخازوق فلا يذكر أسم فلاد المخوزق (vlad the impaler ) معه، وفلاد هذا هو أمير مقاطعة والاشيا الرومانية، وأسمه الحقيقي "فلاد تيبس الثالث" المعروف بدراكولا، كان قاسيا دمويا تحولت قصة حياته إلى أسطورة أقتبس منها المؤلف الايرلندي برام ستوكر شخصية مصاص الدماء الأشهر .. "الكونت دراكولا".

الأمير فلاد المخوزق عاش في فترة حرجة من تاريخ أوربا الشرقية، فبعد سقوط القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح أصبح البلقان بأسره ساحة مفتوحة أمام الجيوش العثمانية، وغدت مقاطعة والاشيا الرومانية عالقة ما بين مطرقة العثمانيين وسندان الهنغاريين، وكلاهما طامع يتهدد كيان ووجود هذه الأمارة الصغيرة، وقد زاد من الطين بلة، تناحر أمراء والاشيا المستمر على العرش، ومؤامرات النبلاء البويار الذين استغلوا هذا التناحر لتعزيز نفوذهم ومصالحهم.

دراكولا أمضى ردحا من شبابه برفقة شقيقه الأصغر رادو في مدينة أدرنه التركية حيث بقيا هناك لأربعة سنوات كرهائن لضمان ولاء والدهما للعثمانيين، هناك تعلما اللغة التركية وتعرفا على التقاليد العثمانية، ويقال بأن فلاد غالبا ما كان يتعرض للضرب والتعنيف من قبل الأتراك بسبب شخصيته الجريئة والمتحدية، على العكس من شقيقه رادو الذي اندمج كليا مع الثقافة العثمانية فأشهر أسلامه وصار من المقربين إلى السلطان. ويبدو بأن تلك الفترة الصعبة من حياة دراكولا قد أثرت في نفسه كثيرا ولعبت دورا كبيرا في تأصيل كرهه العميق للأتراك، وهو كره لم يدانيه في المرتبة سوى كرهه لطبقة البويار في والاشيا، فهؤلاء كانوا قد تآمروا على والده وقتلوه، ودفنوا شقيقه الأكبر حيا بعد أن اقتلعوا عينيه.

قلعة فلاد الثالث في رومانيا

دراكولا حكم والاشيا بصورة متقطعة، إجمالا لمدة سبعة أعوام، وهي فترة قصيرة جدا مقارنة بأعداد البشر الذين قتلهم، والذين ناهز عددهم المائة ألف إنسان، أغلبهم من الأتراك والبويار. ففي إحدى رسائله لملك هنغاريا يقول دراكولا :

"لقد قتلت الفلاحين الأتراك من الرجال والنساء، الشيوخ والشباب .. (على طول الدانوب) .. لقد قتلنا 23884 منهم، من دون حساب هؤلاء الذين أحرقناهم أحياء في بيوتهم أو الذين قطعت رؤوسهم بواسطة جنودنا، لذلك يا جلالة الملك، عليك أن تعرف بأني قد نقضت السلام معه – يعني السلطان محمد الثاني –".

وبسبب هذه المجازر الفظيعة، أرسل السلطان جيشا عثمانيا بقيادة حمزة باشا للاقتصاص من دراكولا وقتله، لكن ما أن عبر هذا الجيش العرمرم إلى الضفة الأخرى من الدانوب حتى وقع في كمين محكم نصبه له دراكولا وجيشه الصغير، وخلال ساعات فقط تبدد الجيش العثماني برمته، وأعتلى جنوده رؤوس آلاف الخوازيق التي نصبها دراكولا لهم، أطولها كان خازوق حمزة باشا نفسه.

السلطان محمد الفاتح

أوربا بأسرها ابتهجت لانتصار دراكولا على العثمانيين، فيما استشاط السلطان محمد الفتح غضبا لمصير جيشه، فجهز جيشا عثمانيا جرارا قاده بنفسه للقضاء على دراكولا واحتلال والاشيا، لكن هذه الحملة العسكرية لم تفضي إلى شيء، فدراكولا الخبير بأساليب القتال العثمانية، لم يخض معركة ناجزة مع السلطان، وإنما لجأ لحرب العصابات، خصوصا أسلوب الغارات الليلية، وهي غارات ألقت الرعب في قلوب العثمانيين، وزاد من رعبهم واشمئزازهم ذلك المنظر البشع الذي كان  ينتظرهم على سفوح التلال المحيطة بأسوار مدينة تراجوفشت الرومانية، حيث انتصبت غابة كاملة من الخوازيق تكللت رؤوسها المدببة بجثث عشرين ألف إنسان، غالبيتهم من الجند العثمانيين. ويقال بأن بشاعة هذا المنظر، ورائحة تحلل الجثث التي لا تطاق، دفعت السلطان إلى التخلي عن فكرة مطاردة دراكولا فقفل عائدا على وجه السرعة إلى عاصمته الجديدة القسطنطينية، وعوضا عن إرسال المزيد من الجيوش لجأ السلطان إلى أسلوب جديد .. المال والدسائس، وقد أتت هذه الطريقة أوكلها في النهاية، فتمكن رادو، شقيق دراكولا المتحالف مع العثمانيين من الإطاحة بأخيه وتنصيب نفسه أميرا على والاشيا، في حين انتهى المطاف بدراكولا سجينا في هنغاريا.

إمارة رادو أستمرت لحوالي عشرة أعوام، وبعد موته عاد دراكولا ليعتلي كرسي الأمارة من جديد، لكنه لم يبقى في منصبه لأكثر من شهرين، إذ قتله العثمانيين وحملوا رأسه إلى اسطنبول، أما جثته فقد دارت حولها الكثير من الشائعات والأساطير، فتحولت بمرور الزمان إلى مادة دسمة لقصص الرعب وأفلام مصاصي الدماء.

نقش ألماني يصور دراكولا وهو يتناول طعامه بينما جلادوه يقطعون الناس امامه

فلاد دراكولا كان قاسيا جدا، لا يتورع عن قتل الناس لأتفه الأسباب، إلى درجة أن أهل والاشيا كانوا يتركون حاجياتهم في الأسواق من دون أن تمتد يد اللصوص أليها بالسرقة، وذلك خوفا من بطش دراكولا، إذ كان يوسط الناس، ويسلخهم أحياء، ويشويهم على النار، ويقطع أطرافهم، ويفعل بهم الأعاجيب، وكان فنانا في استعمال الخازوق، فلم يكتف بخوزقة الناس في أدبارهم، وهي الطريقة الشائعة، بل خوزقهم في بطونهم وأقدامهم وأيديهم ورقابهم، وخوزق بالمقلوب، أي من الفم إلى الدبر، لم يستثن من ذلك النساء والشيوخ، ولا حتى الأطفال الرضع. وفي إحدى المرات أمر بتثبيت عمائم السفراء الأتراك بالخوازيق إلى رؤوسهم لأنهم رفضوا أن يخلعوها احتراما له حين دخلوا بلاطه.

كانت قلعة دراكولا وبلاطه عبارة عن سوى مسلخ بشري مجهز بكل ما يخطر على البال من وسائل القتل والتعذيب. وكان على زائر قلعته أن يجتاز دربا طويلا للوصول إلى قاعة البلاط، وعلى جانبي ذلك الدرب الموحش كانت تنتصب غابتان من الخوازيق يجلس عليها مئات الناس ما بين حي وميت، ومع كل خطوة كان الزائر يسمع أنات وتوسلات وبكاء المخوزقين، وهي أصوات كان دراكولا شغوفا بها لأنها بالنسبة أليه كانت أعذب من زقزقة البلابل، ولم يكن يحلو له تناول طعامه إلا بعد أن يشنف آذانه بهذه الأصوات المرعبة ويمتع ناظريه بمنظر جلاوزته وهم يقومون بتقطيع أوصال الناس وسلخهم وخوزقتهم أمامه. ويقال بأنه كان يستمتع بشرب كؤوس عدة من دماء ضحاياه، ولهذا أشتهر بين الناس كمصاص دماء. والظاهر أن الرجل لم يكن إنسانا سويا، بل كان يعاني من عدة اضطرابات نفسية، فحتى خلال فترة سجنه التي امتدت لسنوات طويلة، يقال بأنه كان يخوزق الحشرات والجرذان في زنزانته باستعمال عصي خشبية صغيرة!.

لقطة من فلم تاريخي .. هذه المناظر كانت عادية في ايام دراكولا

ولعل أعظم مآثره، أو بالأحرى مجازره، هي تلك التي ترافقت مع بداية عهده كأمير على والاشيا، حيث قام بدعوة البويار إلى حفل ضخم أقامه على شرفهم، وخلال الحفل سئل دراكولا نبلاء البويار عن عدد الأمراء الذين عاصره كل منهم خلال حياتهم، فطفق هؤلاء يعددون، بعضهم قالوا بأنهم عاصروا أكثر من عشرة أمراء، وأقل واحد فيهم كان قد عاصر سبعة أمراء، فاستشاط دراكولا غضبا عند سماعه لذلك، وقال لهم أنكم ما عاشرتم كل هذا العدد من الأمراء إلا بسبب مؤامراتكم الخبيثة، فلا يبقى الأمير في منصبه سوى سنوات قليلة حتى يقتل أو يخلع بسبب دسائسكم وخياناتكم؛ ثم ذكرهم بقتلهم لأبيه، وقرعهم على تعذيبهم لأخيه ودفنهم إياه حيا، وفي النهاية أعطى إشارة لجلاوزته فانقضوا كالوحوش الكاسرة على البويار، يقطعونهم أربا أربا ويضعونهم على الخوزايق، حتى أفنوهم عن بكرة أبيهم، لكن دراكولا لم يكتف بذلك، بل أرسل جنوده يلاحقون البويار في طول البلاد وعرضها، ينهبون ممتلكاتهم، ويغتصبون نسائهم ويستعبدون أطفالهم، ويقال بأنه خوزق عشرات الآلاف منهم، ولم يسلم منه أحد (هذه القصة ذكرتني بمذبحة القلعة التي أوقعها محمد علي بالمماليك).

وبالرغم من قسوة دراكولا ودمويته إلا أنه يعتبر بطلا قوميا في بلاده، فهو لم يفعل ما فعل إلا دافعا عن استقلال رومانيا، ويرى المؤرخين الرومان بأن أغلب القصص الدموية التي رويت عنه هي أما مبالغ فيها أو من اختراع وتلفيق أعدائه، خصوصا الهنغاريين، الذين كانوا يبررون تقاعسهم عن مؤازرة دراكولا في حربه مع العثمانيين بترويج هذه القصص عنه واتهامه بالجنون، ويجدون في ذلك وسيلة لتبرير تبذيرهم وتبديدهم للأموال التي كان يرسلها لهم بابا روما لإقامة حلف مسيحي يدافع عن أوربا بوجه العثمانيين.

في المقابل فأن أغلب القصص والأخبار عن دراكولا أتت من المصادر الأوربية المعاصرة له، خصوصا الألمانية والبولندية والروسية، لذا يستبعد أن تكون جميع تلك القصص ملفقة، والأرجح بنظري أن دراكولا كان قاسيا فعلا، لكنه لم يكن فريدا من نوعه في ذلك الزمان، فهو عاش في حقبة قاسية كانت المجازر والمذابح ترتكب فيها من قبل جميع الأطراف.

الخازوق حول العالم

جهاز للتعذيب في اوربا العصور الوسطى .. تصميمه وعمله شبيهان بفكرة الخازوق

الولع بالخوازيق لم يقتصر على فلاد دراكولا ولا على ولاة المماليك وباشوات العثمانيين، فالقيصر الروسي ايفان الرهيب خوزق آلاف الناس خلال عهده. أما السويديون فكانت لهم طريقة خاصة في الخوزقة، إذ كانوا يغرزون الخازوق في جلد الضحية وليس في لحمه، فيدفعون الخازوق تحت جلد الظهر أو البطن ثم يرفعون المخوزق ويصلبونه وهو على تلك الحالة. اليابانيون عرفوا الخازوق أيضا، وأستعمله الساموراي في بعض حروبهم. ويقال بأن الجنود اليابانيون مارسوا الخوزقة أيضا خلال الحرب العالمية الثانية. وتم استعمال الخازوق كوسيلة للتعذيب من قبل محاكم التفتيش سيئة الصيت في أوربا، وأستعمله الأسبان في شيلي لقتل بعض زعماء الهنود الحمر، وكانت هذه العملية تتم بحضور زوجة الضحية. أما قبائل الزولو في جنوب أفريقيا فكانوا يستعملون الخازوق لمعاقبة محاربيهم الذين يتقاعسون عن القتال.

ختاما فأن الحديث عن الخازوق يطول، وهو حديث مقرف تشمئز منه النفوس، لكنه خير دليل على وحشية الإنسان وظلمه لأخيه الإنسان، وهي وحشية لا تقتصر على شعب من الشعوب، ولا تقف عند أمة من الأمم، فالمدن الفاضلة والشعوب الملائكية المسالمة لا تجدها إلا في عقول السذج والبسطاء من الناس، ولا تعثر عليها سوى في ترهات الفاشيين العنصرية. ولتعلم عزيزي القارئ بأن قراءة التاريخ وتقليب أوراقه السوداء – على بشاعتها - لا تعد نقيصة لأحد، بل هي وسيلة بناءة لمصارحة النفس ومصالحة الآخر .. وسيلة لتحديد مكامن الخلل ومعرفة أسباب الفشل .. وسيلة لكي نصبح أكثر تفهما وأكثر إنسانية.

المصادر :

1 – مروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعودي
2 - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان لبدر الدين العيني
3- رحلة أبن بطوطة
4 – السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي
5 – النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لأبن تغري بردي
6 – مفاكهة الخلان في حوادث الزمان لمحمد أبن طولون
7 – بدائع الزهور في وقائع الدهور لأبن إياس الحنفي
8 – عجائب الآثار للجبرتي
9 - Impalement - Wikipedia, the free encyclopedia
10 -Impalements in Antiquity
11 - Brutal Ancient Torture and Punishments
12 - The Code of Hammurabi
13 – VLAD THE IMPALER - The Historical Dracula
14 - Vlad the Impaler - Wikipedia, the free encyclopedia
15 - Judas Cradle - Torture

تاريخ النشر 27 /05 /2012

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق