تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

استبدال (Changeling) .. القصة الحقيقية

بقلم : اياد العطار
fearkingdom@yahoo.com

فيلم رائع من حيث القصة والاخراج والتمثيل ..

قبل عقدين من الزمان أتصل أحدهم بالمؤلف مايكل ستراجنسكي ليخبره بأن شرطة لوس انجلوس بصدد إحراق آلاف الوثائق القديمة من أرشيفها , وأن بعض تلك الوثائق ربما تحتوي معلومات تهم مايكل . وبالفعل ذهب مايكل وتمكن بمساعدة مصدره من معاينة تلك الوثائق والمخطوطات القديمة , واستوقفته من بينها وثيقة مكتوبة بخط اليد هي عبارة عن محضر جلسة استماع عقدها مجلس مدينة لوس انجلوس عام 1928 لمناقشة قضية سيدة تدعى كريستين كولينز كان أبنها الصغير قد تعرض للاختطاف وتعرضت هي لظلم وحيف كبير من قبل رجال الشرطة . تلك القضية استحوذت على تفكير ووجدان ستراجنسكي فراح يبحث في تفاصيلها وملابساتها وسرعان ما كتب عنها سيناريو فيلم بعنوان " قضية كريستين كولينز الغريبة " . لكن أحدا من استوديوهات هوليوود الكبيرة لم يبدي رغبة بشراء ذلك السيناريو , لأن ستراجنسكي كان مؤلفا مغمورا آنذاك .

ستراجنسكي المحبط وضع السيناريو جانبا , وأنشغل بمشاريع أخرى . ومرت السنين , أصبح ستراجنسكي خلالها مؤلفا معروفا يشار إليه بالبنان . وفي أحد الأيام بينما كان يفتش في أوراقه القديمة وقعت يده صدفة على السيناريو المنسي , فأستعاد فورا هاجسه القديم في تحويله إلى فيلم , وتفرغ مجددا للبحث في قضية السيدة كولينز , أخذ يدور على المكتبات وأقسام الشرطة والسجون والمستشفيات لمدة سنة كاملة جمع خلالها أكثر من 6000 وثيقة تاريخية مرتبطة بالقضية , وحين انتهى من جمع وترتيب معلوماته جلس وكتب سيناريو الفيلم خلال 11 يوم فقط , وعرض السيناريو الجديد على المخرج رون هوارد الذي وافق عليه في الحال , لكن التزامه بمشاريع أفلام أخرى أجبره على إيكال المشروع لمخرج ثاني , ووقع الاختيار على المخرج والممثل المخضرم كلينت ايستوود الذي تحمس فورا للفيلم , وتم اختيار الحسناء انجلينا جولي لتقمص دور السيدة كولينز , فرفضت الدور أولا لأنه حسبما قالت آذى مشاعرها كأم , لكنها عادت وقبلت بعدما علمت بأن ايستوود هو من سيخرج الفيلم , وهكذا تحول السيناريو الذي صنعته الصدفة إلى واحد من أجمل الأفلام وأكثرها إثارة للمشاعر والوجدان .

قصة الفيلم

انجلينا جولي بدور السيدة كولينز ..

في عام 1928 كانت هناك سيدة تدعى كريستين كولنز , عاملة هاتف , تعيش في لوس انجلوس مع أبنها والتر ذو التسعة أعوام والذي اختفى من المنزل ذات يوم وباءت جميع محاولات العثور عليه بالفشل . سرعان ما أخذت قضية والتر طابعا ضاغطا على شرطة المدينة لفشلها في تحديد مصيره , فسمعة الشرطة كانت سيئة أصلا , لذلك بذل المحققون جهدا استثنائيا لحل هذه القضية , آملين أن يحسن ذلك من سمعتهم في المدينة .

بعد عدة أشهر تتلقى السيدة كولنز إخطارا من الشرطة بالعثور على والتر , لكنها سرعان ما تكتشف عند لقاءها بالصبي الذي أحضرته الشرطة بأنه ليس أبنها , الأمر الذي وضع الشرطة في موقف لا تحسد عليه أمام عدسات الصحفيين الذين حضروا لتغطية اللقاء المؤثر بين الأم وطفلها , مما دفعهم للضغط على السيدة كولينز لكي تأخذ الصبي إلى منزلها "على سبيل التجربة" ! .

وبالفعل تأخذ السيدة كولينز الصبي رغم تأكدها من أنه ليس أبنها , فلا يمكن لأم أن تتوه عن فلذة كبدها مهما طال زمن الفراق , كما أن جميع الدلائل تؤكد بأن الفتى ليس والتر , فهو أقصر ببوصتين , ولا يتذكر أي من الأمور التي اعتاد والتر فعلها , ويكتب بطريقة مختلفة .

الصبي أقصر من أبنها ..

بعد ثلاثة أسابيع تعود السيدة كولينز إلى الشرطة وهي تحمل الدليل القاطع على أن الصبي ليس أبنها , فقد حصلت على سجلات الأسنان الخاصة بوالتر , وهي لا تتطابق مع أسنان الصبي الذي أحضرته الشرطة . غير أن الضابط المسئول عن القضية , النقيب جونز , يصر على أن الفتى هو والتر ويعزو سبب عدم تعرف كولينز عليه للضغوط النفسية التي رافقت اختفائه , وبدلا من أنصاف الأم المكلومة فأنه يقوم باحتجازها في قسم الأمراض النفسية في مستشفى لوس انجلوس العام . وخلال تواجدها تكتشف السيدة كولينز بأن العديد من النزيلات معها تم إيداعهن هناك لإرغامهن على عدم تحدي الشرطة , أي مثلها تماما . وبعد عدة أيام يخبرها الطبيب المسئول عن القسم صراحة بأنه سيطلق سراحها لو اعترفت بأن الصبي الموجود في منزلها هو أبنها والتر . لكن كولينز ترفض ذلك .

خلال فترة بقاءها في قسم الأمراض النفسية يشن الناشط السياسي والاجتماعي القس جوستاف , الذي تبنى قضية كولينز منذ البداية , حملة لتأليب الرأي العام ضد الشرطة . وتشاء الصدف أن تنكشف للشرطة في ذلك الوقت أبعاد جريمة رهيبة راح ضحيتها أكثر من عشرين صبيا داخل مزرعة دواجن خارج المدينة . الشاهد الرئيسي على تلك الجرائم , الفتى سانفورد كلارك , يخبر الشرطة بأن أحد أولئك الصبية كان أسمه والتر , وأنه تعرض للاختطاف والقتل على يد خاله جوردن نورثكوت . وبانكشاف مصير والتر يعترف الصبي الذي أحضرته الشرطة بأنه ليس أبن السيدة كولينز , وبأنه في الحقيقة صبي هارب من منزله في ولاية إلينوي . ويقوم القس جوستاف بإخراج السيدة كولينز من المصحة .

وضعوها في قسم الامراض النفسية ..

محامي السيدة كولينز يحصل على أمر من المحكمة بإخلاء سبيل جميع النسوة المحتجزات ظلما في قسم الأمراض النفسية . وخلال جلسة الاستماع التي يعقدها مجلس المدينة تحضر السيدة كولينز والقس جوستاف يدعمهما آلاف الناس المعترضين على سياسات وأداء الشرطة . ويخرج المجلس بقرارات مهمة منها إعفاء النقيب جونز من منصبه وإعادة النظر بالاعتقالات الظالمة التي نفذتها الشرطة . وفي نفس الوقت تجري محاكمة القاتل جوردن نورثكوت ويحكم عليه بالإعدام شنقا .

رغم أن الدلائل تشير إلى أن والتر كان من بين ضحايا نورثكوت إلا أن السيدة كولينز لا تفقد الأمل في أن يكون أبنها ما يزال حيا في مكان ما , فالشرطة لم تعثر على جثته أبدا . وبعد عامين تتلقى السيدة كولينز رسالة من المدان نورثكوت يشترط فيها مقابلتها ليخبرها عن مصير ابنها , فتذهب لمقابلته , لكنه يفاجئها برفضه إخبارها أي شيء , ويتم إعدامه في اليوم التالي .

بعد عدة سنوات , في عام 1935 , تعثر الشرطة على صبي اسمه ديفيد كان يعتقد بأنه من ضمن ضحايا نورثكوت . الصبي يقول بأنه كان محتجزا في مزرعة الدواجن مع صبيين آخرين احدهما أسمه والتر , وبأنهم تمكنوا من الهرب ليلا , لكنهم تفرقوا خلال فرارهم ولا يعرف ديفيد ماذا حل بالصبيين الآخرين .

شهادة الفتى تعطي أملا جديدا للسيدة كولينز , وهو أمل لم تفقده حتى آخر لحظة في حياتها .

القصة الحقيقية

كريستين كولينز الحقيقية ..

فيلم "استبدال" من الأفلام النادرة التي ألتزم المؤلف فيها بأحداث القصة الحقيقية بحذافيرها . يمكن القول بأن 95 بالمائة من أحداث الفيلم واقعية , ولهذا السبب لا أرى داعي لتكرار قصة معاناة السيدة كولينز , لأننا تطرقنا لها بالتفصيل خلال عرضنا لأحداث الفيلم . سأكتفي بالحديث عن جرائم جوردن نورثكوت الرهيبة .

في الساعة الخامسة من مساء 10 آذار / مارس 1928 خرج والتر كولينز من منزله المتواضع في منطقة لنكلن هايز في لوس انجلوس وفي جيبه عشرة سنتات أخذها توا من أمه لمشاهدة فيلم في دار سينما قريبة من منزله , وكان ذلك آخر العهد بالصبي ذو التسعة أعوام , إذ لم يعد لمنزله أبدا .

والد الصبي , الذي يدعى والتر أيضا , والمسجون بتهمة السطو المسلح , أتهم بعض رفاقه في السجن باختطاف أبنه من أجل الانتقام منه . لكن تحقيقات الشرطة لم تفضي إلى شيء .

والتر في الحقيقة تعرض للاختطاف وهو في طريقه إلى السينما , وكان يعرف خاطفه جيدا , فهو شاب يعمل في المتجر الذي دأبت أمه على التسوق منه , وسبق أن تحدث معه . في ذلك اليوم أقترب ذلك الشاب من والتر وعرض عليه أن يأخذه إلى مزرعته ليستمتعا معا بركوب الخيل , فوافق الصبي وذهب بإرادته مع ذلك الشاب اللطيف المرح , لكن ما أن وصلا إلى المزرعة حتى تبدل كل شيء , تحول الشاب فجأة إلى وحش كاسر , فقام بحبس الصبي رغما عن أرادته في حجرة صغيرة ملحقة بحقل الدجاج واخذ يضربه ويغتصبه لعدة أيام .

لكن من يكون ذلك الشاب السادي ؟ ..

جوردن نورثكوت

أنه جوردن ستيوارت نورثكوت , ولد في كندا عام 1909 وأنتقل مع والديه إلى الولايات المتحدة عام 1924 . كان والده يعمل في مجال البناء . واستقرت العائلة في لوس انجلوس حيث عمل جوردن لفترة كبائع في متجر , وهناك شاهد والتر لأول مرة برفقة أمه التي كانت من زبائن المتجر .

في عام 1926 أقنع جوردن أباه أن يشتري له مزرعة في بلدة وينفيل القريبة من لوس انجلوس . هناك شيد جوردن مزرعة دواجن وعاش فيها وحيدا فيما بقي والداه في لوس انجلوس . وبعد فترة ذهب جوردن إلى كندا وأقنع شقيقته المتزوجة بأن تسمح لأبنها سانفورد بمرافقته إلى الولايات المتحدة ليعمل ويدرس هناك , فوافقت الشقيقة وأتى سانفورد برفقة خاله إلى المزرعة , ولم تمض فترة طويلة حتى بدأ الخال يسيء معاملة أبن أخته .

نورثكوت كان مجرما ساديا مولعا بالصبية , أتخذ من مزرعة الدواجن غطاءا لجرائمه , فكان يختطف الصبية من المدينة ثم يحتجزهم في حجرة ملحقة بحقل الدجاج , هناك كان يتلذذ بتعذيبهم واغتصابهم حتى يمل منهم , يقوم عندها بإعادتهم إلى المدينة ويطلق سراحهم , ويقال بأنه كان يؤجر بعض أولئك الصغار لأثرياء المدينة من ذوي الميول الغلمانية (الغلماني هو شخص مولع جنسيا بالصبية والغلمان) . لكن من غير المعلوم متى بدأ جوردن بقتل الصبية الذين يحتجزهم في المزرعة , ولا كم هو العدد الحقيقي لضحاياه , فهو زعم بأنه قتل أكثر من عشرين صبيا , لكن الشرطة لم تعثر سوى على أربعة . وأول أولئك الضحايا الذين عثرت عليهم الشرطة هو فتى مكسيكي مجهول الهوية , ربما رآه جوردن على الطريق وأوهمه بأنه سيقدم له عملا في مزرعته , وهكذا أوقعه في حبائله , حيث احتجزه وأغتصبه لعد أيام قبل أن يقتله بطلقة من مسدسه , بعدها قام بقطع رأسه لكي لا يتعرف عليه أحد ثم اجبر أبن أخته سانفورد على أن يحرق الرأس في حفرة الجير ويهشم الجمجمة على أعمدة السور المحيط بالمزرعة . أما الجسد فقد وضعه في حقيبة تركها على جانب أحد الطرق الخارجية بعيدا عن المزرعة . وبعد يومين عثرت الشرطة على جثة الفتى , ولأنه كان من دون رأس أطلقوا عليه أسم "المكسيكي مفقود الرأس" .

الصبي المفقود .. والتر كولينز ..

الجريمة الثانية المعروفة هي اختطاف وقتل والتر كولينز , وقد ذكرنا سابقا كيف احتال عليه وأختطفه أثناء ذهابه لمشاهدة احد الأفلام في السينما القريبة من منزله . وبعد عدة أيام على احتجازه في المزرعة , حضرت والدة جوردن فجأة إلى المزرعة لتمضي عدة أيام , وقد لفت انتباهها فورا حرص أبنها الشديد على أن يبقيها بعيدا عن حظيرة الدواجن , ولأنها كانت خبيرة بماضيه في التحرش بالصبية والأطفال , لهذا استغلت فرصة نزوله إلى المدينة لشراء بعض الحاجيات ودخلت إلى الحظيرة فعثرت على والتر في الحجرة المرفقة .

الصبي الصغير ظن بأن العجوز سترأف به .. مسكين .. ما علم بأنه واقف أمام الشيطان وقد تلفع ثوب امرأة , تعلق بثياب السيدة العجوز , أنتحب وتوسل إليها , اخبرها قصته .. فوعدته خيرا ثم عادت إلى كوخ المزرعة وهي تغلي من الغضب , صرخت بحفيدها سانفورد قائلة : " ياله من غبي جوردن ! .. كيف يخطف ويغتصب صبيا يمكن أن يتعرف عليه ؟ " .

وحين عاد جوردن من المدينة وبخته أمه ثم قالت : "هذا الصبي يعرفك جيدا .. يجب إسكاته إلى الأبد" .

فقال جوردن : " سأذهب الآن واضع رصاصة في رأسه وأنهي الموضوع " .

لكن الحيزبون الشريرة صرخت قائلة : " كلا يا أحمق .. الرصاص له صوت " .

فتساءل جوردن : "كيف سنقتله أذن ؟ " .

فقالت العجوز وعيناها تلمعان كعيني ذئب كاسر : " بضربة فأس .. يوجه كل منا ضربة للصبي .. حتى نكون جميعا متورطين في قتله فلا يشي أحدنا بالآخر ؟ " .

سارة لويز .. ولدة جوردن ..

يا لها من فكرة شيطانية ! .. وهكذا تسلل الثلاثة إلى الحظيرة بينما كان الصبي نائما متكورا على كومة من القش , ربما كان يحلم آنذاك بالعجوز وهي تطلق سراحه فيعود لحضن أمه .. لله ما أسذج الصغار وما أسهل خداعهم ! ..

أقترب جوردن أولا , وقف فوق رأس الصبي ثم عالجه بضربة من فأسه .. فأنتفض الصبي يتخبط ويرفس كدجاجة مذبوحة .

يا ترى هل أحست السيدة كولينز بحر الضربة على رأس أبنها في تلك اللحظة ؟ .. اجزم بأنها انتفضت من سريرها مفزوعة , اجزم بان قلبها وجعها , أجزم بأنها تمتمت والدموع مسترسلة على خدها :  والتر حبيبي .. أين أنت الآن يا بني ؟ .

مسكينة سيدتي .. آه لو تعلمين ما حل بصغيرك , لكن خير لكِ أن لا تعلمين , خير لكِ أن لا تريه وهو يتخبط في دمه , وهو يمد  كفه الصغيرة المخضبة بالدماء يتوسل الرحمة .. يطلب النجدة .. لكن من للصغير يحميه ؟ .

له ضربة أخرى من فأس ماضية ! .. يوجهها الفتى سانفورد بعيون باكية , فهو أيضا مسكين مظلوم , وقع بيد جدة وخال لا يخطر مثلهم على بال , ولا يوجد من هو أكثر منهم وضاعة وخسة .

وأخيرا تقدمت العجوز البالية , غير مكترثة ولا مبالية , استلت الفأس من يد حفيدها وهوت بها على ذلك الوجه الملائكي الصغير ..

تمدد الصبي جثة هامدة , نزعوا عنه ثيابه وحملوا جسده البض الصغير فرموه في حفرة الجير , وبعدها عادوا وناموا كأن أمرا لم يكن ..

نامت جميع العيون عن والتر تلك الليلة .. إلا عين أمه .. وعين أخرى في السماء .. لا تنام أبدا ..

الشقيقان لويس ونيلسون ..

للأسف والتر لم يكن آخر ضحايا مزرعة الرعب , هناك طفلان آخران , شقيقان بعمر الورد , لويس (12 عام) ونيلسون (10 أعوام) , كانا في طريقهما إلى مهرجان لهواة نماذج اليخوت عندما اختفت آثارهما . بحثت الشرطة عنهما في كل مكان , من دون جدوى . والدا الصبي , آل وينسلو , كانوا يعيشون في مدينة بومونا , وهي تقع على بعد ثلاثين ميلا من منزل السيدة كولينز في لوس انجلوس , لهذا لم يخطر ببال المحققين بأن هناك علاقة ما بين اختفاء الشقيقين واختفاء والتر كولينز , وبأنهما تعرضا أيضا للخداع من قبل جوردن الذي أخذهما بشاحنته إلى مزرعة الدواجن حيث قام بحبسهما واغتصابهما , ومن اجل أبعاد الشبهات أجبرهما بعد عدة أيام على كتابة رسالة على ورقة منزوعة من كتاب ذكرا فيها بأنهما هربا إلى المكسيك للبحث عن الذهب ! . وبعدها بأسبوع أجبرهما على كتابة رسالة أخرى ذكرا فيها بأنهما بخير وبصحة جيدة وبأنهما تعمدا الاختفاء من أجل أن يصبحا مشهورين . طبعا ما كتبه الطفلان في هذه الرسائل المجهولة العنوان كان من دون معنى بالنسبة لوالديهما , فلم يكن هناك سبب يدفع أبنيهما للهرب من المنزل . لكنهما آملا أن يكون الطفلان بخير , كانت تلك الرسائل بمثابة قشة يتعلقان بها .

لكن لويس ونيلسون لم يكونا بخير , فبعد أن عذبهما طويلا , أقدم جوردن على قتلهما , مزق جسديهما الصغيرين بفأسه بمساعدة أمه وسانفورد , ثم وضعهما في حفرة الجير , ودفن ما تبقى من جثتيهما خلف المزرعة , في قبر مجاور للقبر الذي دفن فيه بقايا والتر .

سانفورد يتكلم

الفتى سانفورد كلارك ..

في أواخر عام 1928 كان القلق قد أستبد بوالدة سانفورد على أبنها الذي ذهب مع خاله منذ عامين , ولهذا أرسلت أبنتها الشابة جيسي إلى الولايات المتحدة للاطمئنان عليه , ومع أن جيسي لم تمكث في المزرعة سوى أيام قلائل , لكنها كانت كافية لشقيقها الصغير لكي يخبرها خلسة بأن خاله يسيء معاملته ويجبره على فعل أمور بشعة .

جيسي حاولت أن تأخذ شقيقها معها , لكن خالها هددها , فرجعت إلى كندا لوحدها وقصت على أمها ما أسره سانفورد إليها , فقامت الأم في الحال بالاتصال بالقنصلية الأمريكية وأطلعتهم بالتفصيل على ما قاله أبنها عن الجرائم البشعة التي وقعت في مزرعة الدواجن التي يديرها خاله .

القنصلية اتصلت فورا بدائرة الهجرة في كاليفورنيا , والتي بدورها أرسلت بعض عملائها للتحقق من الأمر . وفيما كانت سيارة العملاء تقترب من المزرعة لمحها جوردن من بعيد ففر هاربا وترك سانفورد لوحده . وبغياب خاله المجرم تغلب سانفورد على خوفه فبدأ يحدث العملاء بالتفصيل عن الجرائم البشعة التي وقعت في المزرعة , في البداية لم يصدقوه , لكنهم عثروا فعلا على الفأس المخضبة بالدماء , وعلى بعض ملابس الصبية المفقودين , وعلى الكتاب الذي كتب الشقيقان وينسلو على أوراقه الرسائل التي أرسلت إلى والديهما . غير أن المحققين لم يعثروا في القبرين خلف المزرعة سوى على بعض العظام والشعر والأظافر , فأخبرهم سانفورد بأن خاله وجدته قاما بنبش القبرين قبل بضعة أسابيع وأخذا الجثث إلى الصحراء حيث قاما بحرقها هناك .

في الاعلى صورة للمزرعة .. وفي الاسفل بعض العظام التي عثر عليها هناك ..

جوردن وأمه هربا إلى كندا , لكن السلطات الكندية ألقت القبض عليهما وأعادتهما إلى الولايات المتحدة . وسرعان ما أنهارا واعترفا بكل شيء , جوردن زعم بأنه قتل أكثر من عشرين طفلا , لكن الشرطة لم تعثر على إي جثث في المزرعة , كل ما عثروا عليه هو بعض العظام وخصل شعر . لكن بالرغم ذلك يعتقد المحققون بأن ضحايا جوردن اكبر بكثير مما كشف عنه , ويقال بأنهم وجدوا أدلة على الخطف والقتل حتى في منزل والده في لوس انجلوس , أي أنه كان يختطف ويغتصب الأطفال حتى قبل أن يشتري المزرعة عام 1926 . لكن جوردن لم يحاكم إلا على جرائمه المكتشفة , وهي جريمة قتل الفتى المكسيكي , وجريمة قتل الشقيقان لويس ونيلسون وينسلو .

خلال المحاكمة بدا جوردن مستمتعا جدا بالأضواء المسلطة عليه , ومهتما جدا بما تكتبه الصحافة عنه , ربما شعر كأنه نجم سينمائي , وكان واثقا من نفسه , فراح يضحك ويمزح مع هيئة المحلفين , ولم يبدي أي ندم , قال بأنه يحب الصبية الصغار ولهذا كان يختطفهم , وزعم بأنه هو نفسه تعرض للاغتصاب على يد والده عندما كان في العاشرة من عمره , لكن أباه نفى تلك التهمة عن نفسه .

أما والدته , سارة لويز , فقد حوكمت بجريمة قتل والتر كولينز , وقالت أمورا غريبة خلال محاكمتها , زعمت بأن زوجها أغتصب أبنتها , فحملت الابنة وأنجبت جوردن , أي أنها في الحقيقة جدة جوردن وليست أمه . ثم عادت وزعمت بأن جوردن ليس أبنها ولا حفيدها لكنه أبن نبيل انجليزي . وبأنه تعرض للتحرش الجنسي في صغره على يد جميع أفراد العائلة . وبغض النظر عن جميع تلك الترهات التي قالتها سارة لويز فقد أدانتها المحكمة بجريمة قتل والتر كولينز وحكمت عليها بالسجن المؤبد . فيما حكمت على أبنها جوردن بالإعدام شنقا . وقبل إعدامه بيومين طلب جوردن أن يقابل السيدة كولينز ليخبرها عن مصير أبنها , لكنه رفض أن يتحدث إليها عندما حضرت , وقال أنه بريء .

لم تسأل نفسك هل الأمر مؤلم وانت تقطع الصبية بهذه الفأس ..

في صباح الثاني من تشرين الأول / أكتوبر 1930 دخل الحراس إلى زنزانة جوردن ليقتادوه إلى المشنقة , وبحسب ما رواه السجانون المكلفون بإعدامه , فأن جوردن كان يرتجف بشدة عندما قيدوه , واخذ يبكي كالأطفال وسئل الحراس قائلا : "هل الأمر مؤلم ؟ " .. فأجابوه ساخرين بأن أحدا ممن أعدموهم سابقا لم يشتكي من الخدمة ! ..

هل الأمر مؤلم ؟!! .. ألم تسأل نفسك هذا السؤال وأنت تعذب وتغتصب أولئك الصبية الصغار .. وأنت تقطع بفأسك تلك الأجساد الرقيقة ؟ ..

وضعوا القيد في يده وهموا بإخراجه من الزنزانة , فطلب أن يغطوا رأسه حتى لا يرى المشنقة وبالكاد كانت قدماه تحملانه , فاضطروا لجره وصولا إلى حجرة الإعدام , خلال ذلك كان يصرخ ويتوسل قائلا : "رجاء لا تدعوني أمشي بسرعة ! " .. أخيرا حين وقفوا أمام المشنقة كان جوردن قد أنهار تماما , فحملوه عبر السلم وصولا إلى أعلى منصة الشنق وهو ينتحب ويولول مع كل خطوة ودرجة يرتقونها , وعلى هذه الحال أوقفوه ووضعوا الحبل في عنقه , وكان آخر ما قاله قبل أن يهوي إلى سقر : " قولوا صلاة ! .. رجاءا .. رددوا صلاة من اجلي " .

جوردن ستيوارت نورثكوت كان في الرابعة والعشرين من العمر ساعة إعدامه .

الصبي آرثر الذي ادعى بأنه والتر ..

بالنسبة للأم السافلة , سارة لويز , فقد حصلت على عفو وخرجت من السجن عام 1940 , وانتقلت إلى جهنم مباشرة عام 1944 . أما سانفورد كلاك فلم توجه له أي تهمة , تم إيداعه في مدرسة للفتيان , وسرعان ما أثبت بأنه من طينة طيبة مختلفة تماما عن تلك الطينة القذرة التي عجن بها خاله وجدته . كان متفوقا في دروسه , وعاش مواطنا صالحا ورجلا ناجحا وأبا طيبا حتى وافته المنية عام 1991 عن 78 عاما .

بالنسبة للصبي الذي أدعى بأنه والتر فأسمه الحقيقي هو آرثر ج هاتشينز , ماتت أمه حين كان في التاسعة من عمره فتزوج والده مجددا , وكانت زوجة أبيه قاسية , ففر من منزله في ولاية إلينوي , وكان يحلم بالذهاب إلى لوس انجلوس لرؤية ممثله المفضل توم ميكس , وقد سمع أثناء فراره رجلا في مطعم يتحدث عن الصبي المفقود والتر , وشاهد صورة والتر في الجريدة فرأى بأنهما متشابهان , فأغتنم الفرصة وذهب إلى الشرطة زاعما بأنه والتر , وقد رأينا كيف أخذته السيدة كولينز إلى منزلها حتى انكشف أمره فتمت إعادته إلى والده , ولاحقا في حياته عمل في وظائف شتى ومات باكرا عام 1954 عن 38 سنة تاركا ورائه زوجة وطفلة .

جوردن مع المحققين في المزرعة ..

مزرعة الدواجن تم إغلاقها وقام أهالي وينفيل في عام 1930 بتغيير أسم بلدتهم إلى ماري لوما لتجنب السمعة السيئة التي جلبتها جرائم جوردن للبلدة الصغيرة المسالمة .

السيدة كولينز كسبت دعوى قضائية ضد النقيب جونز – المتقاعد آنذاك - حيث أمرته المحكمة بدفع غرامة مالية قدرها 10800 دولار , لكن السيدة كولينز لم تقبض سنتا واحدا , إذ تعمد إشهار إفلاسه حتى لا يدفع . وكما شاهدنا في الفيلم , فالسيدة كولينز ظلت تأمل في أن يكون أبنها حيا حتى آخر لحظة في حياتها , وقد ماتت هي وحيدة في مكان ما من أمريكا في ستينيات القرن المنصرم . أما زوجها فقد مات في السجن عام 1934 .

انتهت القصة .. أسدل الستار .. وها أنا أرفع أصابعي عن أزرار الحروف التي شحبت من كثرة الطرق .. لكن لسبب ما لا أعلمه .. ما زالت السيدة كولينز تشغل بالي .. أقول لنفسي .. ماذا لو لم تعطي أبنها تلك السنتات العشرة في ذلك المساء .. ربما لما ذهب للسينما ولبات في سريره الدافئ الوثير .. ماذا لو لم يأتي نورثكوت إلى الولايات المتحدة .. ربما لعاش ومات في كندا من دون أن نسمع عنه .. ماذا لو لم يتلقى ستراجنسكي ذلك الاتصال عن إحراق وثائق الشرطة .. ربما لما كتب السيناريو ولما رأينا الفيلم .. ماذا لو لم أشغل تلفازي في ذلك المساء التموزي الحار .. ربما لما شاهدت الفيلم .. ولما كتبت عنه .. ولما قرأت أنت عزيزي القارئ هذا المقال .

هل هي الصدفة أم هو القدر الذي جمع كل تلك الأمور مع بعضها ليحيي ذكرى تلك القصة المنسية .. لينبهنا عزيزي القارئ إلى حقيقة أن هذه الدنيا مفعمة بالقذارة , أكثر بكثير مما نتصور , وبأن واجبنا تجاه أطفالنا ليس فقط أن نطعمهم ونكسوهم , لكن أن نحميهم أيضا ونحرسهم من شهوات ونزوات الآخرين , أن نعلمهم منذ نعومة أظافرهم أن لا يتحدثوا إلى الغرباء ويلوذوا بالفرار لو استوقفهم شخص ما لا يعرفونه في طريق المدرسة , أن لا يذهبوا مع من هو أكبر منهم سنا من أبناء الجيران والحي , وأن لا يتحدثوا إلى امرأة لا يعرفونها حتى لو كانت عجوز بملامح طيبة .. فلقد رأينا للتو ما يمكن لعجوز أن تفعله ! .

أطفالنا أمانة في أعناقنا .. فلنحرص على أن نصون تلك الأمانة .

المصادر :

- Changeling (2008) - imdb
- Changeling (film) - Wikipedia
- Wineville Chicken Coop Murders - Wikipedia
- The Wineville Chicken Coop Murders - crime library
- As many as 20 boys die at the hands of sadistic sex maniac
- Wineville Chicken Murders
- Gordon Stewart NORTHCOTT - murderpedia
- Walter Collins: The Changeling, Conclusion
- THE GHOSTS OF WINEVILLE
- The Boy Who Vanished--and His Impostor
- Last Steps and Last Words on Death Row
- Wineville Chicken Coop Murders - crime museum

تاريخ النشر 02 / 02 /2014

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق