الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

"عمر قتلني" الجريمة الغامضة التي حيرت فرنسا

بقلم : كريم صارة - الجزائر
للتواصل : sarahblog@live.fr

أشهر جريمة قتل عرفتها فرنسا و أكثرها غموضا

في الرابع عشر من شهر يونيو 1991 تلقت الشرطة الفرنسية في مدينة موجينس (Mougins) اتصالات عديدة من عائلة و أصدقاء السيدة جيزلين مارشال و الذين تنبهوا لاختفائها و عدم ردها على اتصالاتهم, الأمر الذي دفع بالدرك الفرنسي للذهاب لمنزل السيدة المختفية ليكتشفوا بعد البحث في فيلتها الفخمة جثتها مرمية في القبو و عبارة "عمر قتلني " مكتوبة بدمائها على الأبواب, لتكون تلك بداية أشهر جريمة قتل عرفتها فرنسا و أكثرها غموضا. انها القضية التي أثارت الرأي العام و أسالت الكثير من الحبر .. قضية عمر رداد.

فمن هو عمر رداد ؟ ..

عمر الرداد مهاجر مغربي .. وصورة العبارة المكتوبة بالدم على باب القبو

عمر رداد, مهاجر مغربي منحدر من الريف, دفع به البحث عن لقمة العيش الى العمل كبستاني عند سيدة ميسورة الحال, جيزلين مارشال, في فيلتها الفخمة في أعالي جبال الألب البحري, ليصرف على عائلته المكونة من زوجته,أطفاله و أمها, غير أنه لم يكن يدري أن عمله هذا سيكون السبب في الزج به خلف القضبان في قضية كانت كل الأدلة ترمي بسهامها نحوه و في محاكمة مازال الجميع يظن أنها كانت غير عادلة.

ملابسات القضية

الضحية جيزلين مارشال - 65 عاما -

بعد الإبلاغ عن اختفاء الضحية, تم اكتشاف جثة جيزلين مارشال من طرف الدرك الفرنسي في قبو فيلتها, و لكن لم يكن الولوج للقبو بالأمر الهين, فالبوابة الحديدية لهذا الأخير كانت مقفلة, غير أن الدرك بالطبع كان مدربا لفتح هذه البوابات, و هذا بالضبط ما شرع أعضاء دورية الدرك في فعله, و بعد مدة قاموا فعلا بفتح قفل البوابة ولكن صدمتهم كانت كبرى حين رفض الباب أن يتزحزح أكثر من 2 سم أو يفتح, ليستنتج بذلك الدركيون أن هناك ما يسد الباب من الداخل و يمنع فتحه و بقيت بذلك الوسيلة الوحيدة لفتحه هي دفعه بقوة.

بعدة مدة من الدفع تمكن أحد أفراد دورية الدرك التي وصلت إلى منزل جيزلين بالولوج إلى القبو ليصدم أولا بوجود سرير و أنبوب حديدي وضعا خصيصا لسد الباب و منع فتحه, و ثانيا, وهنا كانت صدمته الكبرى, بوجود جثة السيدة التي أبلغوا عن اختفائها غارقة في دمائها و على الأبواب القريبة من جثتها كتب بدمائها « OMAR M’A TUER » أي : عمر قتلني, و هذه هي الجملة التي دفعت بالشرطة الفرنسية مباشرة بالقبض على عمر رداد. بستاني القتيلة و الذي أدانته رسالة الضحية و أشارت أصابع الاتهام إليه في دليل واضح ضده, ليزج بعمر في السجن لمدة 8 سنين بعد محكمة عاصفة.

أنا أعلم أن الكثير منكم قد تساءل : "أين الغموض في هذا؟" بستاني قتل ربة عمله الغنية جدا, أخذ المال و ربما ممتلكات أخرى لينتشل نفسه من الفقر, و لكن الكبوة في خطته المثالية كانت رسالة القتيلة و التي لم تكن لا على بال و لا على حسبان و التي أدانته. قضية سهلة جدا أليس كذلك ؟؟

هذا ما ظنته الشرطة الفرنسية كذلك ..

صورة من موقع الجريمة .. جثة الضحية

لكن لابد و أن الكثير من القراء الذين يتقنون اللغة الفرنسية قد لاحظوا أن هنالك خطأ في جملة « OMAR M’A TUER » بحيث كتب الفعل دون تصريف و كان الأصح أن تكتب « Omar m’a tué » خطأ ربما يراه البعض تافها و لا يدل على شيء ولكن كل من عرف جيزيلين, السيدة الغنية من الطبقة المخملية في مدينة نيس و التي عرفت بثقافتها و غناها, تساءل كيف لها أن ترتكب خطأ كهذا حتى ولو كانت في آخر ثواني حياتها, كيف لا و هي من منطقة عرفت بمعقل اليمين المتطرف الذي يرى أن هوية الدولة الفرنسية تكمن في لغتها؟ هذا الخطأ الشهير كان أول ما أثار الريبة وجعل القضية تأخذ منحى آخر, على الأقل لفريق الدفاع.

فيما يخص الجملة الشهيرة, هناك ثلاثة نظريات حول هوية كاتبها.

تقول النظرية الأولى أن كاتبتها هي فعلا جيزلين مارشال, كما قررت الشرطة و فرقة التحقيق أن تصدق, المغدورة حسب هذه الرواية أبت أن ترحل دون أن تكشف هوية قاتلها و رفضت أن تترك علامة استفهام حول الجريمة, و لكن و لسخرية الأقدار ترك فعلا موتها أكبر علامة استفهام في تاريخ الشرطة الفرنسية, فالمشككون في هذه النظرية ركزوا أولا على الخطأ الإملائي الذي ما كانت جيزلين لترتكبه, و رأوا أنها نظرية غير مبنية على أساس, فإن كانت الضحية بقادرة على الوقوف و الكتابة على الأبواب بدمائها رسالة كهذه و هي تعاني من سكرة الموت, فلماذا لم تصرخ طلبا للنجدة؟ لماذا لم تحاول فتح الباب و الخروج؟ كيف تكتب أن عمر قتلها و هي مازلت في لحظة كتابة الجملة على قيد الحياة؟ و إن كان فعلا عمر هو من قتلها فلماذا اكتفى بسرقة فقط ما كان في حقيبة يدها و ترك المجوهرات وكل الأشياء الثمينة التي تملكها؟؟غريب أليس كذلك؟

 صورة القبو حيث وقعت الجريمة

أما أصحاب النظرية الثانية فيزعمون أن عمر رداد هو من كتب الرسالة التي أدان فيها نفسه بعد أن قتل جيزيلين و هرب, المتحمسون للنظرية يرون أن عمر رداد هو مجرم ذكي خطط بدهاء لقتل ربة عمله و كتب "عمر قتلني" على الأبواب كتمويه ظنا منه أن الشرطة الفرنسية ستكون أذكى من أن تصدق ذلك و ستظن أن هناك من يحاول توريطه, وبذلك سيبعد نفسه عن دائرة الشك. بغض النظر عن كونها نظرية غبية و قمة في السخف, تبقى أبعد النظريات عن التصديق لسبب واحد, عمر رداد هو شخص أمي لا يتقن من اللغة الفرنسية حرفا واحدا, الأمر الذي جعله عاجزا تماما عن الدفاع عن نفسه في محاكمته.

أما النظرية الثالثة , و هي الأشهر, فتقول أن المجرم الحقيقي هو من كتب الرسالة و سرق بضعة أوراق نقدية محاولا توريط البستاني الفقير, و التمويه عن هويته برمي التهمة على شخص أخر, رواية أقرب إلى التصديق خصوصا و إن اخذنا بعين الإعتبار الأمور التالي :

هل فعلا "عمر قتلني" مكتوبة بخط يد جيزلين؟

احد المحققين يلقي نظرة على العبارة المكتوبة بالدم على الباب

في التحقيق الأول سنة 1991 أي سنة ارتكاب الجريمة, كل تحليلات خط الكتابة أشارت أنه فعلا, خط الكتابة على الأبواب هو خط يد جيزلين مارشال, و لكن في كل مرة فريق الدفاع يستجوب المحللين تتضارب تصريحاتهم, ليؤكدوا أنه ليس تطابق 100% بل جزئي يبلغ في أقصاه 75% , أمر جعل فريق الدفاع يطلب الاستعانة بمحلل جديد لخط الرسالة الشهيرة, الأمر الذي جعل المحكمة تستعين بالسيدة بويسون دو بار و التي أكدت أنه من أصل عشرة حروف, 5 فقط تطابقوا مع خط السيدة مارشال.

الضحية كانت سيدة ثرية .. وإلى اليسار صورة منزلها

أما في التحقيق الثاني سنة 1999, بعد إعادة فتح القضية, تم اللجوء إلى وسائل متطورة لتحليل خط اليد و خبراء اكفاء في هذا الميدان للفصل فيما كان فعل خط الكتابة هو خط يد جيزلين مارشال أم لا, ليخرج الخبراء بنتيجة مفادها أن الخط الذي كتبت به الجملة التي أدانت عمر رداد ليس خط الضحية, لتعود المحكمة بتكليف محللين جدد لدراسة الكتابة من جديد ولكن حتى هؤلاء أكدوا أنه من المستحيل تأكيد أنه خط جيزلين مشككين في نتائج تحقيق 1991 الذي أدان عمر رداد و ألقى به في الحبس.

من سد باب القبو من الداخل؟؟

القضيب الذي استخدم لغلق الباب من الداخل

كما أشرت فوق عزيزي القارئ, وجدت الشرطة الفرنسية صعوبة كبرى في الولوج لداخل القبو و ذلك بسب وجود السرير و الأنبوب الفولاذي اللذان سدا الباب من الداخل, فمن وضعهما ؟؟ تبقى هذه أكبر حلقة مفقودة في قضية عمر رداد لأن القبو لا يحوي أي مخرج أخر إلا الباب الذي كان مسدودا, فإن كان القاتل هو من سده فكيف خرج؟؟ و إن كانت الضحية هي الفاعلة, فنحن هنا نتكلم عن امرأة خارقة, كتبت رسالة بدمها تدل على قاتلها ثم ذهبت للباب سدته بطريقة عجز حتى رجال الشرط عن فهمها ثم استلقت وسط دمائها لتموت في سلام.

لغز ساعة وفاة جيزيلين, و أين كان عمر وقتها؟؟

هناك لغز آخر أسال, و مازال يسيل, الحبر في هذه القضية ألا وهو: متى فارقت الضحية الحياة.... بالضبط.

صورة يد الضحية .. هل هي فعلا من كتبت العبارة على باب القبو ؟

حسب تقرير التشريح الأول, فارقت جيزلين مارشال الحياة في الـ 24 يونيو, بين الساعة الـعاشرة صباحا و الواحدة بعد منتصف النهار, هذا التقرير جعل فريق الدفاع عن عمر رداد يصرخون "هالليلويا" قد جاءنا الفرج!! لأن عمر يومها قد استقل القطار صباحا متجها نحو مدينة تولون أين احتفل بعيد الأضحى مع عائلة زوجته. غير أين المحكمة هي سفينة تحب أن تمشي عكس ما تشتهيه الرياح, رياح كان يحاول بها فريق الدفاع عبثا أن يغير و يبرؤوا عمر, غير أن القضاة زعموا أن يوم الوفاة كان الـ 23 و أنه كانت مجرد خطأ مطبعي من كاتب التقرير, عجيب, محاكمة كانت كل البلاد تترقبها يرتكب فيها خطأ كهذا؟ و في بلد مثل فرنسا !!

و لكن لا ينتهي هنا لغز مكان وجود عمر رداد وقت الجريمة, لأن هذا الأخير ظل يؤكد أنه يومها عمل عند السيدة فرانسين, صديقة جيزلين و جارتها, و التي أكدت هذا الأمر, ثم اتجه بعدها الى مخبز هو معتاد على الذهاب إليه, حيث وقف في الطابور لمدة طويلة قبل أن يحصل على ما يريد شراءه, بعد أن وصف عمر المخبز ذهب رجال الشرطة اليه ليكتشفوا أنه كان مغلقا ذلك اليوم, ليُدق بذلك المسمار الأخير في نعش عمر و يتأكد أنه المجرم.

الشرطة تقتاد المشتبه به عمر رداد .. بستاني منزل الضحية

غير أنه يا صديقي هناك معلومة كنت قد ذكرتها مسبقا و هي أن عمر رجل أمي, لا يقرأ و لا يكتب, لا يتكلم لا الفرنسية و لا حتى العربية فلغته الأم هي الأمازيغية, لذا طوال هذا التحقيق كان رجال الشرطة في حوار طرشان, حوار سقيم, مع إنسان لا يفهم 90% مما كان يقال له, فحين وصف عمر المخبز, كان ذلك بكلمات محدودة جدا لا يعرف غيرها, مما جعل رجال الشرطة يذهبون لأقرب مخبز من منزل فرانسين للتحقيق به, ولكن بعد عدة سنوات (بعدما وقع الفأس على الرأس) قامت إحدى الصحفيات و التي حققت في القضية باكتشاف مخبز أقرب من التي تم التحقيق مع العمال فيه, و بالفعل أكدت صاحبتها حين رأت صورته أن عمر كان زبون دائم لديها.

و في شهادته أكد عمر أنه عاد بعد ذهابه الى المخبز الى المنزل الذي كان يعتني بحديقته, الأمر الذي أكدته صاحبة المنزل و هي "أرليت" ابنة السيدة فرانسين و التي أشارت أن عمر عاد يومها أبكر مما كان متفقا عليه ليتدارك التأخير في العمل بحديقتها, و أكدت أنها لم تلاحظ أي سلوك غريب منه, بل كان طبيعي جدا و حتى ثيابه كانت نفسها ولم تلاحظ عليها أي بقعة دم. فلماذا تجاهلت المحكمة كل هذه المعطيات؟؟

عمر رداد اثناء محاكمته

أمر آخر ورط عمر رداد في قضيتنا هذه, هو حين أقر أنه كان يتردد على بيوت الدعارة و أنه كان يلعب القمار, الأمر الذي جعل التهمة تلتصق به أكثر فأكثر, خصوصا بعد أن أدلت خادمة جيزلين بشهادتها مؤكدة أن عمر طلب من ربة عملها أن تعطيه راتبه مقدما عدة مرات أو تعطيه سلفة عن الراتب ملمحة أنه من سرق النقود من حقيبة جيزلين, عمر من جهته اتهمها بالكذب و صرح أن جيزيلين كانت تشك أن الخادمة تسرق من أموالها, و تساءل فريق الدفاع عن أين كانت الخادمة فعلا يومها, لأنها صرحت أنها كانت في عطلة لتصرح بعد فتح القضية أن جيزيلين هي من اتصلت بها و أعطتها هذه العطلة, اتصال هاتفي لم تأتي على ذكره في أخذ أقوالها الأولي و الذي جعل فريق الدفاع يرى أنه يجب التحقيق معها أكثر.

كل هذا كان عبثا.

مازال يصر حتى يومنا هذا على انه بريء 

ففي الـ22 من فبراير 1994 تم الحكم على عمر رداد بالحبس لمدة 18 سنة, متجاهلين كل محاولاته بالانتحار و إضرابه المتكرر عن الطعام, حكم أثار الرأي العام الفرنسي ضد المحكمة و كل أفراد فرقة التحقيق في القضية, وبعد عدة محاولات من ملك المغرب و توسطه لدى رئيس فرنسا لتبادل المساجين, تم في الـ 4 من سبتمبر 1998 إطلاق سراح عمر رداد, و الذي بعد كل هذه السنوات في السجن خرج منه أخيرا وهو يتقن اللغة الفرنسية لتُفك بذلك عقدة لسانه وليبدأ بعدها رحلة طويلة في الدفاع عن نفسه و تبرئته من جريمة اصطفت كل الأدلة فيها لتورطه, رحلة ألف فيها كتابا قال فيه كل ما لم يقوا على قوله من قبل بسبب جهله للغة الفرنسية من جهة و أميته من جهة أخرى, كتاب حكى فيه تفاصيل محاكمة كان فيها مثل الشاهد اللي "ما شافش حاجة".....عفوا بل الأصح, متهم ما شفش حاجة.

ملاحظة

بعد اعادة فتح القضية في الـ 2000 بطلب من عمر, تم اكتشاف ثلاثة آثار حمض نووي ذكري على أداة الجريمة و في القبو, وبعد تحليلها تم التأكيد أنها كلها لا تتطابق مع حمض الـنووي الخاص بعمر...لتبقى قضية "عمر قتلني" مفتوحة.

مصادر :

- Affaire Omar Raddad : l’ADN retrouvé sur des scellés n’est pas celui du jardinier

- Omar Raddad

- Affaire Omar Raddad

- Who really killed Ghislaine Marchal?

تاريخ النشر : 2017-05-24

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر