تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

حمام الذهب بلاع الصبايا

بقلم : عبدالرزاق طواهرية - الجزائر

أشبه بمسرح نسائي يجتمع فيه الحديث و الكلام و المزاح و الفرح

تعرف تونس بحماماتها العتيقة المنتشرة بكثرة في جميع مدنها ، حيث أصبحت جزءا من تراثها الثقافي ، كيف لا ونساءها اعتدن الذهاب إليه باستمرار ، حتى الأعراس لا تخلو من جو الفرح و البهجة و الغناء داخل الحمام ، هو أشبه بمسرح نسائي يجتمع فيه الحديث و الكلام و المزاح و الفرح ، والأمر ذاته في باقي الدول المغاربية كالجزائر و المغرب .

و قد عرفت تونس العديد من الحمامات القديمة كحمام الرميمي و حمام الطابع الذي بدا العمل سنة 1221 للهجرة ، و هي فترة قديمة جدا ، وهذا القدم يضفي على الحمام رونقا جميلا مستوحى من سحر التراث القديم ، ما يذكرك عزيزي القارئ بقصص ألف ليلة و ليلة حين كانت تجتمع الجواري في الحمام فيعزفن على العود و يرقصن و يلقين الأشعار في جو بهيج لم يعرف سره سوى الجنس اللطيف . فالحمام بالنسبة للنساء ، ونحن هنا نتكلم عن الحمام العمومي أو حمام السوق ، لم يكن مكانا للاغتسال فقط ، بل هو مكان للجلوس وتبادل الأحاديث والأخبار ، عل العكس من الرجال الذين لا يرون في الحمام سوى مكانا للنظافة والراحة والاسترخاء تحت خرير المياه المتدفقة من العيون و بخار الماء الدافئ .

ومن دون الإطالة عليكم ، فاليوم أتيتكم بأسطورة رائعة جدا يلفها جو من الغموض والحيرة ، لأنها صادفت حالة اختفاء غريبة لم يعرف سببها إلى يومنا هذا ، فنسجت عن هذه الحادثة التي قيل أنها واقعية حكايات وأضيفت إليها أحداث ومزجت بها خرافات ، مما ضيع علينا أصل القصة ، لكنه في نفس الوقت زاد من روعتها وتشويقها وشهرتها ، إلى درجة أنها جسدت في فلم سينمائي - لا أنصحكم بمشاهدته كونه يحوي مشاهد مثيرة - .

مدينة سيدي محرز في تونس
يقع حمام الذهب أو حمام الرميمي بالمدينة العتيقة بجوار سيدي محرز ، ويعتبر من أقدم الحمامات في تونس ، سمي بـ "بلاع الصبايا" و تعني باللهجة المغاربية آكل الفتيات ، أو ملتهم الصبايا ، كونه شهد اختفاء فتاة شابة جميلة في ظروف غريبة .

الحكاية تعود لوقت بعيد لما أغرم شاب وسيم بابنة عمه فائقة الجمال فتتبعها بأعينه منذ صغرها و لم يغفل عنها ولا يوم ، كانت تشغل تفكيره ليل نهار ، و تبادله نفس الأحاسيس ، فنشأ بينهما حب و عشق و هيام تنقطع له الأنفاس ، وأصبحت حياة الشاب ومستقبله بيد الله ثم بيد عائلة الفتاة ، فإن رفضوا تزويجها له كان مستعدا للانتحار و إنهاء ذاته .
لكن الشاب كان ذا صيت حسن داخل المدينة ، و عرف بأخلاقه و شهامته ، كان فارس أحلام كل فتاة ومراهقة بذلك الزمان . فتشجع ذات يوم و تقدم لخطبة الفتاة ، و كان رد عائلتها بالإيجاب ، فالفتاة جميلة و علا قدر من النضج و أصبحت الآن محط أعين جميع الرجال ، فعليها بالزواج لتجنب الوقوع في الحرام ... كان هذا هو تفكير عائلتها . و تم الاتفاق أخيرا على يوم العرس و لمّ الشمل والأحباب .
حضرت الطبول و الخيل و انتصبت المواكب استقبالا للعروسين ، و أقيمت حفلات رقص و غناء منفصلة كل في جهة .. الرجال في قاعة و النساء في أخرى ، فالعفة كانت رمزا أساسيا من رموز ذلك الزمان .

استمتع الجميع بوقتهم وفرحوا .. هذا ما كان من أمر الحشود ، أما ما كان من أمر العروسين فقد طلب العريس طلبا غريبا ، حيث كان تعلقه الكبير بعروسه سببا في خسارته إياها إلى الأبد ، ذلك أنه جعلها تلبس بذلته في طريق ذهابها إلى الحمام حتى لا يتحرش بها الرجال .. إذ كان غيورا جدا .

وبالفعل انصاعت الفتاة المسكينة لطلب عريسها ، فقامت بتحضير الطاس و الصابون و عدة الحمام ثم توجهت صوب الحمام بحلة صبيانية . وعند دخولها الحمام و اتجاهها صوب المطهرة اختلت بنفسها قليلا و بدأت بتسريح شعرها الطويل الأسود الفاتن ، بقيت لوحدها لبعض الوقت إلى حين مجيء بقية الفتيات ، وكانت المفاجأة هو أن الفتيات حين وصلن لم يعثرن عليها ، اختفت تماما من المطهرة و من جميع أركان وحجرات الحمام كأنها تبخرت من دون أثر .

تم إخلاء المطهرة من النساء ثم أتى عريسها و بدأ يناديها ، الأمر الغريب هو أنها أجابته لكن من دون أن يتمكن من رؤيتها ، قالت بأنها محصورة داخل الجدار .. أبتلعها الحمام و نصب لها الجن كمين ، ثم أجهشت بالبكاء ، فأحضر العريس فأسا وراح يحفر ويحفر ... لكن من دون جدوى .. فصلابة حيطان الحمام كانت أقوى من فأسه ، وقيل بأنه كلما حفر أكثر كلما ابتعد الصوت وخفت .. إلى أن حلّ به اليأس فاستسلم للأمر الواقع وعاد أدراجه وهو يكاد يفقد صوابه لغرابة ما جرى .

أما الحمام فقد عاود نشاطه الاعتيادي ، لكن الغريب في الأمر أنه شهد ذات ليلة خروج شعر امرأة من بين الجدران و بشكل كثيف و كبير و سريع . كان أمرا مرعبا ، أدرك صاحب الحمام بأنه لو أخبر الناس عنه فسيفزعون ولن يأتوا للحمام مرة أخرى مما يتسبب بقطع رزقه ، فقرر عدم أخبار احد ، وأصبح يقص الشعر المتدفق بغزارة كل ليلة و يوقد به نار غرفة المياه الساخنة ... استمر بهذا لفترة من الزمان حتى اختفت الظاهرة ، ربما بموت الفتاة . وتحول حمام الذهب من حينها إلى رمز من رموز الثقافة التونسية وأسطورة تستحق القراءة ، فإن حللنا الأحداث نجد أن حقيقة الاختفاء واقعية ، لكن جهل الناس آنذاك و إيمانهم بالأساطير و الخرافات جعلهم يعطون الحكاية بعدا ما ورائيا ويربطوها بالجن و العالم الآخر . فقالوا بأن الجن الذي يسكن الحمام خطف الفتاة لشدة جمالها أو لأنها تنكرت بملابس الرجال .

أنا من وجهة نظري أن الفتاة قد تكون تعرضت للقتل لجمالها .. ربما على يد صديقات غيورات ، أو أختطفها شاب يحبها لم يرد لها الاقتران بغيره ، أو تكون قد هربت بإرادتها مع عشيق سري .. هذه كلها احتمالات غير مستبعدة .. و الله أعلم .

***

ملاحظة :استفدت من الموضوع من أخوال أمي الذين يقطنون في تونس نظرا إلى أن أبي جزائري و أمي تونسية .

تاريخ النشر : 2015-01-13

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق