تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

تراث و ذكريات مع المستحيلات

بقلم : بنت بحري - جمهورية مصر العربية

لغول عند العرب نوع من مردة الجن

أسعد لحظات طفولتي هي تلك اللحظات التي كنت أسند فيها رأسي علي صدر أمي الحبيبة لتروي لي حكاية قبل النوم ، لا أستمع لشيء إلا لصوتها العذب الذي تنخفض و ترتفع نبراته تبعا لأحداث القصة حتى يصبح خافتا هامسا ظنا منها أني غفوت ، و عندما تهم بالتسلل من جواري أمسك بملابسها طمعا في المزيد ، ومن منا لم يطمع؟ .

كانت تهددني رافعة أصبعها الذي لا أنساه قائلة : (نامي و إلا سيأتي أبو رجل مسلوخة و الغول ليأكلاكِ) كانت هذه العبارة كفيلة بأن تجعل عيناي تأبي النوم، تتركني أنا و الرعب و الهواجس ثالثنا ! يدور في عقلي الصغير العديد و العديد من التساؤلات الممزوجة بالآهات :

- ماذا لو حضر الغول و أنا ما زلت مستيقظة؟
‏- سأمثل دور النائمة.
‏- و لكنه سيعرف فهو ليس غبي.
‏- و كيف سيعرف؟
‏- عندما يبتل سريرك أيتها الخرقاء!
- أذن سأنام بسرعة و إلا سيأتي و يلتهمني دفعة واحدة و لن يترك مني إلا شريطة شعري الحمراء لأنها ستقف في حلقه و لن يستطيع بلعها (عقل عيال) يا ليتني أتحول لرابطة شعر عسي أن أنجو من هذا المصير البائس! .

سيأتي أبو رجل مسلوخة و الغول ليأكلاكِ ..

حينها لم يكن يدور بخلدي أن الكبار الذين لطالما نهونا عن الكذب هم أيضا يكذبون و لو كانت نيتهم حسنة! .‏

اكتشفت أن الغول الذي ما فتئ يجمد الدم بعروقي و يلصقني و يسكنني بسريري سكون الأموات ما هو إلا كائن من نسج خيال السابقين ، يأتي ذكره في قصص الرعب الشعبية لترهيب و إخافة الجبناء أمثالي!‏ .

و لكن أو ليست كل الأساطير بها نسبة ولو ضئيلة من الحقيقة؟ بني عليها القدماء و شيدوا صرحا حتى تحولت لخرافة من فرط التهويل و المبالغة فيها ! ‏.

و قديما أعتبر الغول من المستحيلات عند العرب، يقول الشاعر :

لما رأيت بني الزمان و ما بهم *** خل وفي للشدائد أصطفي
علمت أن المستحيلات ثلاثة *** الغول و العنقاء و الخل الوفي

و مقالنا اليوم سيتعرض لتلك المستحيلات.‏

الغول

نوع من مردة الجن ..

كائن أسطوري علي هيئة إنسان و لكن رجلاه أرجل حمار ، وأحمد الله أننا أرحنا أرجل الماعز هذه المرة فقد كنا نستعيرها و نزج بها لنلصقها بكل كائن مبهم أمامنا! . عينه مشقوقة بالطول تمتلئ بالغضب و الشرر كما يمتلئ فكاه بالأنياب المهولة القادرة علي تمزيق أجساد ضحاياه و تحويلها لأصابع كفتة سهلة البلع و الهضم.

و الغول عند العرب نوع من مردة الجن الذين يتربصون بالمسافرين في الصحاري و الفيافي ، تسخر منهم حتى يضلوا سبيلهم و في نهاية المطاف يستقرون داخل معدتهم الفولاذية.

و الأنثى من الغول هي السعلاه و هي كائن شيطاني يغطي جسدها بالشعر الكثيف و لكنها قادرة علي التحول إلي هيئة بنات حواء خاصة الجميلات منهن ، تسكن الأماكن المهجورة و يا لحظه العاثر من ترميه الأقدار في طريقها (أمه داعية عليه) ستغريه حتى تسلب إرادته ثم تضاجعه و قبل أن يفيق من نشوته سيتحول إلي لقمة سائغة في حلقها ! .

في بلدي الحبيب مصر تتشابه تلك الصفات مع كائن أنثوي كثيرا ما أتت الجدات علي ذكره في قصصهن و هو"النداهة" التي تجذب الرجال بصوتها الناعم الدافئ منادية إياهم بأسمائهم حتى تسحرهم فيسيروا إلى قدرين لا ثالث لهما .. إما الموت أو الجنون! .

السعلاة هي انثى الغول ..

وهناك فيلم مصري شهير يحمل ذات الاسم "النداهة" تقول أحدي أغنياته : (شئ من بعيد ناداني، و أول ما ناداني جرالي ما جرالي) .

و للفتك بالسعلاه طريقة واحدة فقط و هي طعن ظلها بشفرة حادة.

و الغول في بعض الثقافات الأفريقية يطلق على نوع من المتشيطنة يشبه الكائن الأسطوري "السيكلوب" هذا الكائن الذي أتى ذكره في ملحمة"الأوديسية" عندما وقع البطل"أوديسيون" هو و رجاله أسري لدي عملاق ذو عين واحدة ظاهرة في وسط جبهته أسمه "السيكلوب" معروف بنهمه الشديد لأكل لحوم البشر و لكن في النهاية استطاعوا الفرار من قبضته.

و هناك بعض كتب التراث تشير إلى أن الغول ما هو إلا حية عملاقة تعرف بالغول و هو نوع من الأفاعي مشهور الخليج.

و أترك لك عزيزي القارئ اختيار الغول الذي يرضي خيالك.

العنقاء (الفينكس)

طائر النار الأعظم ..

طائر النار الأعظم ، رمز الحياة و الموت، التجسيد الأمثل لعقيدة الخلود و البعث عند الفراعنة ، فالإنسان سيبعث بعد موته ليحيا حياة الخلود و ستصعد روحه إلي السماء ، فالموت عندهم لم يكن نهاية بل هو المدخل لحياة أبدية كما يحدث في أسطورة طائر العنقاء .

أما كلمة "الفينكس" فالبعض يقول أنها يونانية الأصل و البعض الأخر يقول أصلها كلمة "فينيق" فهذا الطائر كان رمزا للحضارة الفينيقية العظيمة في سوريا القديمة و رسم هيكله على سفنهم التي كانت تجوب البحار.

أما عند العرب فسمي"العنقاء" نظرا لطول عنقه و قد وصفه العالم العربي"داود الأنطاكي" بأنه : (يقارب حجم الجمل و أرفع منه عنقه طويل شديد البياض مطوق بصفرة).

خلط البعض بينه و بين طائر الرخ و هو طائر عملاق من فصيلة العقبان و قد ذكره ابن بطوطة في أحدي رحلاته قائلا : ( و لما كان اليوم الثالث و الأربعين ظهر لنا من بعد طلوع الفجر جبل في البحر بيننا و بينه عشرين ميلا و الريح تحملنا صوبه، فعجب البحارة و قالوا: لسنا بقرب البر و لا يعهد في البحر جبل، فلجأ الناس إلى الاستغفار و التضرع و سكنت الريح بعض سكون، ثم رأينا ذلك الجبل عند طلوع الشمس و قد أرتفع في الهواء و ظهر الضوء ، الذي تخيلناه جبلا ما هو إلا طائر الرخ) و لك عزيزي القارئ أن تتخيل حجم هذا الطائر الذي حجب ضوء الشمس من هذه المسافة! .

الرخ كما صوته الاساطير العربية ..

و هناك أسطورة العنقاء تلك الأسطورة التي تقول أن العنقاء طويل العمر يأتي كل خمسمائة عام ، في نهايتها وعندما يشعر بدنو أجله يتجه صوب معبد الشمس بمصر ، يلطم جناحيه ببعضهما و هما يحتويان علي حويصلات من مادة "الفسفور الأبيض" الذي يشتعل فور اتحاده مع الهواء ، بعدها يتحول الطائر إلى كرة نارية ملتهبة تأتي على ريشه و لحمه و عظامه و لا يتبقي من هذا الجسد سوي حفنة من الرماد ، تخرج منها دودة ما تلبث أن تتحول لشرنقة يخرج منها بعد أيام قليلة طائر عنقاء جديد يكاد يكون صورة طبق الأصل لسلفه ، يحلق راجعا إلى موطنه الأصلي لتبدأ دورة جديدة .

و للعنقاء قصة شهيرة مع سيدنا سليمان عندما دخل عليه في مجلسه قائلا : (أنا لا أؤمن بالقدر ، فالإنسان هو من يصنع قدره بنفسه و ليس الله) .

فرد عليه السلام : (إن صانع الأقدار هو الله و الإنسان ما عليه إلا الاختيار بين الخير و الشر) ، و تحداها أن تغير قدر فتاة فقيرة توشك أن تولد في شمال البلاد و ستتزوج من أحد أبناء ملوك الجنوب في مكان خارج البلاد! و رغم أن العنقاء سرق الفتاة بعد مولدها و وضعها في جزيرة نائية إلا أنه لم يستطع منع القدر ، عاقبه سليمان بالنفي في الجبال و بالمنع من الاختلاط بباقي الطيور، و يقال أنه منذ هذا الحين لم يشاهده أحد.

كان للعنقاء مكانة عظيمة في الزمن القديم تفوق مكانة التنين خاصة في الحضارة الصينية القديمة ، كانوا يتبركون بهذا الطائر فائق الجمال ، و قال عنه أحد كتابهم : (للعنقاء رأس ديك و عنق أفعى و فم عصفور و ظهر سلحفاة و ذيل سمك).
قد يكون العنقاء أسطورة أو حقيقة لا يهم ، المهم أن نأخذ العبرة من أسطورته وأن نبدأ من جديد كلما ظن البعض أننا انتهينا ، أن ننفض عنا غبار الرماد و نبدأ يوم جديد ننسي معه القديم، و هذا ما فعلته مدينة "غزة" الصامدة عندما اتخذت هذا الطائر شعارا لها فكلاهما ينهض من جديد وسط الرماد.

الخل الوفي

الخل الوفي .. هل له وجود ؟ ..

هل حقا الخل الوفي مستحيل الوجود مثله مثل الغول و العنقاء؟ ذلك الخل الذي يحبك و يصادقك دونما هدف ، يخاف عليك حتى من شطحات نفسه، شخص كأنه جزء منك، كأن قلبك قلبه و كأن عقلك عقله، جسدان يتشاركان و يتقاسمان روح واحدة، شخص ينتشلك من أحزانك قبل أن تغرق فيها ، شخص إذا أخطأت يقبل أعذارك و أذا بحت يصون أسرارك ، هل أصبح هذا الشخص ضرب من ضروب الخيال بعد أن تحولت غالبية العلاقات الإنسانية إلى علاقات مصالح تزول بزوال الهدف و الغاية ! أصبحت علاقات مادية محددة بالأرقام ، لها أسهم في بورصة الحياة، مثلها مثل بئر البترول الذي يتهافت عليه الجميع حتى تجف منابعه.

وصف ونستون شرشل الصداقة قائلا : ( هي البحث عن قطة سوداء في غرفة سوداء عن طريق رجل كفيف) .. كحلها و أظلمها جدا ونستون! .

علاقة الصداقة مثل البطيخة قد يسعدك حظك و تكون حمراء شهية الطعم و قد يعاندك حظك و يكون الخيار أشهي منها ! و لن تعرف نوع بطيختك إلا وقت الشدائد لأنها الوحيدة التي تكشف معدن صديقك و تسقط الأقنعة من على الوجوه.
و هناك مثل مصري يقول :( زي ما في شامبو ضد القشرة في صحاب ضد العشرة) .

ختاما

لو قدر لك عزيزي القارئ أن تختار المستحيل الرابع فماذا سيكون؟

عن نفسي سأختار وحدتنا كعرب ، و في هذا يقول نزار قباني : (خريطة الوطن العربي فضيحة، فحواجز و مخافر و كلاب، و العالم العربي إما نعجة مذبوحة أو حاكم قصاب، و العالم العربي يرهن سيفه فحكاية الشرف الرفيع سراب) .

أتمني أن يأتي ذلك اليوم الذي نفك فيه رهننا و نستلم سيفنا قبل أن يأكله الصدأ و يصبح هو و العدم سواء. ‏

المصادر :

- ويكيبيديا ومواقع انترنيت أخرى .

---------------------------------------------------------

تصميم الصورة الرئيسية : الحاج جاسر اون بيرسون : https://www.facebook.com/eg4x11

تاريخ النشر 08 / 04 /2015

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق