تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

لغز الغرفة الوردية

بقلم : بنت بحري - جمهورية مصر العربية

قصر البارون امبان في ضاحية مصر الجديدة ..

منذ بدء الخليقة و الإنسان في رحلة بحث محمومة عن السعادة ، يكد في طلبها و يبذل الرخيص و النفيس في سبيل تحقيقها، و يخطئ من يظن أن لذة السعادة الحقيقية في هذه الدنيا تكمن فيما نملكه أو نلبسه أو نسكنه ،وقصتنا اليوم خير دليل على ذلك ، بطلها هو البارون "ادوارد أمبان" و البارون لقب أرستقراطي يعني "المحارب " يمنح للذين قدموا خدمات جليلة لأوطانهم و قد ناله البارون عن جدارة واستحقاق فهو صاحب المشروعات العملاقة المنتشرة في أرجاء القارة الأوربية كلها .

البارون امبان ..

كان رجلا كثير الأسفار على الرغم من عاهة "العرج" التي أصابته منذ صغره، جاب العالم شرقه و غربه بدءا من مجاهل أفريقيا و غابات الأمازون و وصولا إلى أرض العجائب" الهند" و هناك سحر لبه بعظمة تلك البلاد و أسهب في وصف عاداتهم العجيبة الضاربة بجذورها في أعماق الماضي السحيق و أكثر ما و قف مشدوها أمامه عادة " الساتي ‏sati ‏ " و الساتي هي المرأة العفيفة التي تصاحب زوجها في رحلته الأبدية كما رافقته في رحلته الدنيوية ، ظنا منها أنها بذلك ستحرر روحها من البعث من جديد ، تتزين و تتعطر و كأنها ستزف مرة أخرى إلى هذا الزوج الميت ! ..

و على الرغم من اندهاشه من تلك العادة إلا أنه كان يعتز بالهنود كثيرا خاصة بعدما ألم به مرض خطير كاد يفتك بحياته لولا وقوفهم معه حتى نجا من محنته.‏

وعندما أراد البارون أن يشد الرحال إلى بلد نقش التاريخ أسمه بين أعظم الحضارات لم يجد إلا مصر المحروسة فقد كانت في هذا الوقت كأبهى عروس بعد افتتاح قناة السويس و اتجاه أنظار العالم كله إليها، منذ النظرة الأولى هام حبا في عشقها و قرر أن يستقر على أرضها حيا و ميتا ، بحث كثيرا عن المكان الذي سيبني فيه قصرا له و لعائلته و وجد ضالته في تلك الربوة العالية بالصحراء بجوار العاصمة ، نطلق عليها الآن"هليوبوليس" وهو أسم فرعوني يعني مدينة الشمس ، و عرفانا منه لجميل أهل الهند عليه قرر أن يشيد القصر على الطراز الهندي ، كان هذا القصر تحفة معمارية تسر الناظرين و تخطف أنفاس المارين ، تم بناؤه عام 1911 م و تزين بتماثيل رائعة لفتيات هنديات رشيقات يرتدين الساري و يرقصن ، و تماثيل عملاقة لفرسان يشهرون سيوفهم و تحت أقدامهم رؤوس مذعورة مقطوعة تبدو كما لو كانت حقيقية! و أمام عشقه لكل ما هو هندي جلب التحف النادرة من الهند عبارة عن تماثيل ذهبية و برونزية و علق على جدران القصر لوحات نادرة لمشاهير عصر النهضة ، و نقشت صور لكائنات أسطورية و خرافية تبث الرعب في قلوب مشاهديها .

القصر في طور البناء .. في الخلفية نشاهد غراند اوتيل الذي بني عام 1910 وكان من ارقى الفنادق على مستوى العالم ثم تحول لاحقا إلى قصر رئاسي ..

و مما يقال عن التحف التي أحتوتها جدران هذا القصر تلك الساعة الأثرية التي توضح أطوار القمر و درجات الحرارة و الوقت بالدقائق و الساعات و الشهور و السنين .

القصر وقد اكتمل بناءه ..

و كل هذا الذي ذكرناه يتلاشى أمام تلك الغرفة القابعة أسفل القصر و بالتحديد في البدروم و التي أطلق عليها "البارون" (الغرفة الوردية أو غرفة المرايا) فقد اكتست كل جدرانها بالمرايا ، كان البارون ينزل إلى قبو القصر ليجلس بالساعات في تلك الحجرة و حرص أشد الحرص ألا يقترب أحد منها لذلك حرّم على عائلته النزول إليها ، و كانت هذه الغرفة تتصل بسرداب طويل مع كنيسة "البازيليك" ، يصل طوله لأكثر من خمسة كيلومترات.‏

صورة قديمة جدا لمصر الجديدة .. الدائرة الحمراء تشير لقصر البارون .. الدائرة الصفراء تشير لقصر الامير ابراهيم حليم والدائرة البيضاء تشير لقصر السلطان حسين كامل اما الدائرة الزرقاء فتشير لكنيسة البازيليك .. طبعا لا اعلم ماذا تبقى من هذه القصور .. ربما سكنة القاهرة على دراية اكثر بمصيرها ..

عندما أكتمل بناء القصر أقام البارون احتفالا لم يقام على أرض مصر منذ زفاف "قطر الندي" ابنة "خمارويه" الزفاف الذي أفلس خزينة الدولة في ذلك الوقت ، دعا البارون علية القوم من كافة الجنسيات فقد كانت مصر في هذا الوقت و جهة للكثيرين من أبناء القارة الأوروبية ، و كان على رأس الحضور سلطان مصر في ذلك الوقت السلطان" حسين كامل" الذي ما أن وقعت عيناه على ذلك القصر حتى اشتعلت نيران الغيرة و الحسد و الحقد من البارون الذي يمتلك ما لا يمتلكه سلطان مصر و رجلها الأول ، و زادت النيران إشتعالا لا تستطيع مطافئ العالم قاطبة على إخمادها عندما صعد مع البارون إلي برج القصر الأعجوبة !الذي أقيم على قاعدة متحركة (رولمان بلي) تجعله يدور دورة كل ساعة، جلس السلطان في شرفة البرج شارد الفكر مشغول البال محاولا إيجاد وسيلة يقتنص بها هذا القصر من صاحبه ،خاصة أنه يجلس و يرى القاهرة كلها من مكانه ، أرسل للبارون من يراوده عن قصره لكنه رفض أن يتخلى عن تحفته الفريدة ( و من منا يستطيع أن يلومه؟ ) ، أضطر البارون أن يهجر مصر أمام غضب و حنق السلطان عليه، و لكنه عاد بعد وفاته ليستمتع بكل ركن من أركان قصره.

كان البارون عاشقا للفن الهندي .. لكن القصر لم يخلو ايضا من لمسة اروبية .. صورة اظنها لزوجة البارون وابنه في حديقة القصر ..

عاش البارون مع عائلته في هدوء و سكينة حتى ذلك اليوم الذي تعرفت فيه أبنته" آن" علي ابنة صديقه و تدعي"سيلفيا" و كانت من عبدة الشيطان فأهدت "آن" لوحة رسم عليها صليبا مقلوبا علقتها في حجرتها ، و منذ ذلك الحين لاحظ الجميع تغيرا واضحا على شخصية "آن" ، التي كانت تجتمع هي و "سليفيا" في غفلة من البارون أثناء سفره مع رفقاء الطائفة داخل السرداب الموجود أسفل القصر يستمعون للموسيقي الصاخبة و يرقصون بهستيرية ، يذبحون الحيوانات و الطيور و خاصة الخفافيش ، يدنسون الكتب الدينية و يقرؤونها معكوسة تمجيدا لشيطانهم ، يتعاطون المخدرات و لا يخلو الأمر من الممارسات الجنسية الشاذة و الجماعية .

القصر من الداخل .. يبدو بأنه مهمل منذ فترة طويلة ..

بعدها حدثت الكثير من جرائم القتل كان أولها حينما حشرت زوجة البارون في المصعد الذي ينقل الأشخاص من القبو إلى الأعلى بدون سبب معلوم! بعدها سقطت البارونة " هيلانة" أخت البارون من شرفة غرفتها و لقيت حتفها ، ثم قتلت ست خادمات على التوالي بحوادث متفرقة ، ختمت بموت رئيسة الخدم مدام " دي مورييه" التي حشرت هي الأخرى و فصل رأسها عن جسدها و لكن في المصعد الآخر الخاص بالطعام! حتى شقيق البارون وجد ميتا و ملقيا على وجه داخل السرداب .

يقال بأن القصر شهد العديد من الحوادث المأساوية ..

العجيب في الأمر أن "آن" بعد كل جريمة قتل كانت تقدم على الانتحار و يتم إنقاذها في اللحظات الأخيرة إلى أن نجحت مساعيها في محاولتها الأخيرة و هي في سن التاسعة عشر من عمرها!‏.

كان لـ "آن" أخت صغرى مصابة بشلل الأطفال منذ صغرها تدعي" مريام" ساءت حالتها عندما شاهدت حادثة مقتل والدتها و كان والدها البارون يسئ معاملتها و يقسو عليها فأصيبت بمرض نفسي مجهول لم يعرف الأطباء له علاجا ، كانت تجلس بالساعات تبكي و تصرخ و لا يتوقف كل هذا إلا بعد ذهابها للغرفة الوردية ضاربة بأوامر والدها عرض الحائط ، تعود بعدها و هي تردد : (صديقي الوفي داخل الغرفة كلمني و طمأنني) و بعد فترة قصيرة وجدت تلك المسكينة هي الأخرى ملقاة في بئر السلم و علامات الرعب بادية علي و جهها البريء! .

صور للقصر من الداخل .. خالي تماما لكنه يزخر بالنقوش والرسوم الرائعة ..

بعدها أصيب البارون بنوبات صرع ، كان يسقط فاقد الوعي مع اختلاجات عضلية شديدة في أطرافه و كثيرا ما كان يصاحب ذلك تبول لا إرادي مع زيادة في إفراز اللعاب ، سافر إلى "بلجيكا" للعلاج من تلك النوبات لكنه توفي سنة 1922 و أعيد جثمانه إلى مصر ليدفن فيها كما أوصي في و صيته .

قبر البارون في كنيسة البازيليك بمصر الجديدة والتي لا تبعد عن قصره كثيرا ..

منذ ذلك الحين و القصر مهجور حتى حدائقه الغناء التي جمع البارون أشجارها و نباتاتها النادرة من كافة دول العالم تحولت إلى خرائب تسكنها الحيوانات الضالة !‏ .

لا ادري ربما صورة قديمة .. لكن اظن يجب تدارك القصر من الاهمال وتحويله إلى متحف .. او قصر رعب لجذب السياح كما يفعلون في اوربا وامريكا .. اللهم إلا اذا كان القصر ملكية خاصة وصاحبه يمتنع عن ترميمه ..

انتشرت العديد من الشائعات حول القصر خاصة ممن يسكنون بجانبه عن وجود أشباح و عن سماع أصوات كانت أخرها عام 1982 حينما شاهد الكثير من شهود العيان تصاعد أدخنة من الغرفة الرئيسية بالقصر انتقلت بعد ذلك إلى غرفة البرج ، حيث كان البارون يفضل أن يجلس ، ثم تحول هذا الدخان إلى ألسنة لهب انتشرت في القصر كله و عندها أتصل بعض الأشخاص بالنجدة و لكن فجأة أنتهي كل شيء بدون تدخل أحد وسط دهشة و تعجب الحضور! .

عائلة امبان من اغنى العوائل في فرنسا .. إلى اليمين البارون جين امبان - بارون امبان الثاني - مع زوجته الامريكية وإلى اليسار بارون امبان الثالث - حفيد بارون امبان - ..

‏ يتردد أن هناك أشباح غاضبة داخل القصر منها شبح البارونة "هيلانة" التي أخذت يوم مقتلها تصرخ لينقذها البارون لكنه لم يفعل حتى أنه رفض أن يدفنها في كنيسة "البازيليك" حيث يدفن أفراد العائلة و قام بدفنها بمكان مجهول بالصحراء الغربية.

هل هناك اشباح في القصر ؟ .. الله اعلم ..

و منها أيضا شبح مصمم القصر "الكسندر مارسيل" الذي قتله البارون خوفا من أن يصمم قصر مثله لأحد ! .

كل تلك الأسباب فضلا عن الطقوس التي كانت تقوم بها الابنة الكبرى أصابت القصر باللعنة كما يقال.

كل تلك الحكايات دفعت مجموعة من الشباب لأقتحام القصر ليلا خاصة الغرفة الوردية و أخذوا يلطخون جدرانها بدماء القطط و الكلاب و يستمعون إلى موسيقي "البلاك ميتال" و هذه الحادثة معروفة إعلاميا بقضية "عبدة الشياطين" .

قصر امبان من المعالم التاريخية الجميلة والغامضة .. لا تنسى زيارته لو قدر لك ان تزور القاهرة ..

و من الجدير بالذكر أن هناك فيلم سينمائي مصري أمريكي فرنسي مشترك عن قصر البارون أنتاج عام 2014 و لكنه لم يعرض حتى الآن لأسباب مجهولة ! .

ختاما ..

‏ عن نفسي لا أومن بالأشباح و لا أطلب من أحد تصديق تلك الروايات أو عدم تصديقها الأمر برمته يرجع إليك عزيزي القارئ ، كل ما هدفت إليه من هذا الطرح أن ندرك جميعنا أن كوخا نبتسم فيه و نضحك من قلوبنا خيرا ألف مرة من قصر ننتحب و نبكي فيه على أوجاعنا ! وأن نعلم أن السعادة لا تشترى و إلا لكان أسعد الناس الملوك و لكن العجيب أننا أحيانا نجد السعادة برفقة صعلوك .

تاريخ النشر 19 / 05 /2015

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق