اساطير وخرافات

أبرز الخرافات حول علم النفس

بقلم : وليد الشهري – المملكة العربية السعودية
للتواصل : [email protected]

هناك معلومات انطبعت في الاذهان .. لكن هل هي حقائق؟
هناك معلومات انطبعت في الاذهان .. لكن هل هي حقائق؟

ليس من السهل التخلّي عمّا نعتبره من قبيل المسلّمات، خصوصًا وقد نشأ وترعرع في نفوسنا على مدى طويل، لكنّ الخبر السيء أنّ كثيرًا من تلك المسلّمات لا يمتّ إلى الصحّة بصلة، هذه هي الحقيقة التي يجب أن نتعامل معها بصرف النظر عن مدى إيماننا بما نؤمن به، أو تطاول أمد ذلك الإيمان، أو صعوبة التخلّص منه.. الخطأ لن يتحول إلى الصحة بمرور الوقت، أو بسبب ثقتنا المفرطة بصحّته، الخطأ سيظلّ خطأً تحت أي ظرف، فلو خضعت لعملية جراحية على يد طبيب فاشل، فإنّ إيمانك العميق بقدراته لن يجعل منه طبيبًا ناجحًا، وستمارس سنن الكون عملها دون أن تكترث قيد أنملة لما تعتقده بشأن أي شيء!

هل تعتقد أنّ فيتامين ج (vitamin c) يقي من الإصابة بنزلات البرد؟ هل تعتقد أنّ فرقعة مفاصل الجسم ستؤدّي إلى أضرار جسيمة على المدى المتوسط أو الطويل؟ هل تعتقد أنّ قراصنة الإنترنت (الهاكرز) يستطيعون اختراق أي جهاز إلكتروني من أي نوع خلال ثواني أو دقائق معدودة، وأنّ النجاح يكون حليفهم دائمًا؟ هل تعتقد أن القوّة التدميريّة للإعصار تزداد بزيادة حجمه بالضرورة؟ هل تعتقد أن “توماس أديسون” هو مخترع المصباح الكهربائي؟

إنّ ما ذكرناه آنفًا من نماذج لمعلومات أخذت طابع الحقائق في الأذهان، هي في الحقيقة مجرّد خرافات لا أساس لها من الصحّة، وإذا كنّا سنتسامح مع بعضها، فسوف نصفه بأنّه غير دقيق في أحسن الأحوال، وعمومًا فإنّ ما يعنينا في هذه المقالة هو ما يتعلّق بعلم النفس من خرافات اكتسبت مناعة الحقائق بمرور الوقت، وكذلك بما يغرقنا به الإعلام عبر الأفلام – مثلًا – من تصوّرات مكثّفة أسهمت في ترسيخ معلومات مغلوطة لدى المتلقّي، وفيما يلي نستعرض بعض أبرز تلك الخرافات.

الخرافة الأولى : معظم الناس لا يستخدمون سوى 10% من قدرات أدمغتهم

blank

بحسب كتاب “أشهر 50 خرافة في علم النفس”، فإنّ أقدم الآثار التي وجِدت كمنشأ لهذه الخرافة تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، حين ذكر عالم النفس الأمريكي “ويليام جيمس” في كتابٍ أصدره لغير المتخصّصين، شكّك فيه باستخدام الأشخاص العاديّين لأكثر من 10% من “قدراتهم الذهنيّة”، ثم نالت تلك الخرافة أقصى مدى لانتشارها مع كتاب “كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس” لـ “ديل كارنيجي”، إذ نقل الصحفي “لويل توماس” مقولة “ويليام جيمس” في مقدمة الكتاب، إلّا أنّه أوردها على نحو خاطئ، فُهِم منه أنّ “ويليام جيمس” يجزم بأنّ الإنسان لا يستخدم أكثر من 10% من قدرات المخ، في حين أنّ كلام الأخير قد جاء في معرض التشكيك دون جزم، ولم يتطرّق إلى قدرات المخ من الناحية العصبية البيولوجيّة، وإنّما كان حديثه عن القدرات الذهنيّة للأشخاص العاديّين في كتاب غير متخصّص كما أشرت سابقًا.

ناهيك عن أنّ أيٍّ من الدراسات والتجارب المختبريّة المتطوّرة التي أجريت على المخ، لا تدعم ذلك الزعم، بل على العكس من ذلك، فقد لوحظ نشاط وتظافر الأجزاء المختلفة من الدماغ في عمليّات المعالجة مهما كانت بسيطة، ولم يظهر وجود مناطق خاملة في الدماغ، إذ أنّ المناطق التي تتعرّض للخمول بسبب الإصابات البليغة في الرأس، تذبل بمرور الوقت، أو يتم استغلالها من قبل أجزاء الدماغ الأخرى، وعمومًا فإنّ وجود أي ضرر في أي منطقة من الدماغ، تتسبّب في مشاكل ملحوظة على مستوى الوظائف العقليّة من إدراك وتذكّر وغيرها.

إذن، فإنّ جميع أجزاء الدماغ تكون قيد العمل، ومن الجدير بالذكر أنّ الدماغ يستأثر بنسبة 20% من الأكسجين، على الرغم من كونه لا يشكّل أكثر من 3% من وزن الجسم، ولو كان يعمل بعُشر قدراته (10%)، لما كان في حاجة إلى تلك النسبة من الأكسجين.

الخرافة الثانية: عدد الخلايا العصبية ثابت ولا يمكن أن يزداد

أظهرت بعض الدراسات الحديثة تخلّق خلايا عصبيّة جديدة لدى البالغين في بعض مناطق الدماغ، خصوصًا في منطقة “الهيبوكامبوس” أو الحُصَين، التي تلعب دورًا رئيسًا في وظائف الذاكرة.

الخرافة الثالثة: الخوف من الموت لدى المسنّين أكثر منه لدى الشباب

blank

من النتائج المثيرة للدهشة في هذا الصدد، أنّ نسبة تقبّل كبار السن لفكرة الموت تكون أكبر، ومعدّلات الخوف من الموت لديهم تكون أقلّ من أولئك الأصغر سنًّا!

الخرافة الرابعة: التنويم المغناطيسي يساعد على استعادة الذكريات المفقودة

الاعتقاد الشائع بأنّ التنويم المغناطيسي يساعد على استعادة الذكريات المدفونة أو الباهتة بدقّة ووضوح هو اعتقاد غير صحيح، بل إنّه قد يتسبّب في تشويه غير متعمّد للذكريات نظرًا إلى ما قد يعتقده النائم مغناطيسيًّا بأنّه قد نجح في استعادة تفاصيل ذكرى غائبة، في حين أنّ ما حدث هو إكمال وهمي للصورة قام به الدماغ بتأثير من الإيحاءات الداخلية أو الخارجية، وهو ما يُعرف بـ الذاكرة الكاذبة (لمزيد من المعلومات حول الذاكرة الكاذبة، ارجع إلى مقالتي المعنونة بـ “الذاكرة.. حينما تكذب“).

الخرافة الخامسة: فقدان الذاكرة يعني نسيان جميع الأحداث الماضية

تكمن المشكلة الأساسية لدى من يعانون من فقدان الذاكرة، في أنّهم لا يستطيعون تكوين ذكريات جديدة “فقدان الذاكرة التقدّمي”، وليست في أنّهم يفقدون الذكريات الماضية “فقدان الذاكرة التراجعي”، ومع أنّ بعض من تعرّضوا لإصابات بليغة أدّت إلى أضرار في الذاكرة قد أصيبوا بفقدان الذاكرة التراجعي، إلّا أنّ معظم حالات فقدان الذاكرة تنتمي بدرجة أكبر إلى النوع الثاني “فقدان الذاكرة التقدّمي”.

الخرافة السادسة: النائم مغناطيسيًّا غائب عن الوعي

blank

لعلّ معظمنا ما زال متشبّثًا ببعض التصوّرات المغلوطة عن القدرات الخارقة للتنويم المغناطيسي، كأن تحوّل النائم مغناطيسيًّا إلى مجرّد دمية يمكن التحكّم بها وتوجيهها لتفعل أيّ شيء، ثم بمجرّد استيقاظه، فإنّه ينسى كلّ ما حدث أثناء خضوعه للتنويم.

الحقيقة أنّ النوم المغناطيسي ليس نومًا فعليًّا، فالنائم مغناطيسيًّا يكون واعيًا بكلّ شيء حوله، ويستطيع أن يتناقش مع منوِّمه بكل سهولة، بل إنّه يستطيع أن يخفي بعض المعلومات أو يكذب وهو على تلك الحال، وقد أظهرت الدراسات التي أجريت على أدمغة النائمين مغناطيسيًّا، أنّ نشاط الدماغ في تلك الحال يظلّ على نفس مستواه في حال اليقظة.

الخرافة السابعة: يتسم المرضى النفسيون بالعنف

blank

لن يكون من الغريب الاعتقاد باقتران السلوكيّات العنيفة بالمرضى النفسيّين، إذا علمنا أن 75% من الأفلام التي تستعرض شخصيّة مريض نفسي، تصوّره على أنّه عنيف أو مجرم، ولا أظنّ أنّ نسبة المؤمنين بهذه الخرافة على مستوى العالم العربي أقلّ من تلك التي لدى الشعب الأمريكي، إذ أظهرت دراسة أنّ 80% من الشعب الأمريكي يعتقد أنّ المريض النفسي يجنح إلى العنف!

حسنًا.. ماذا لو أخبرتك أنّه بحسب نتائج إحدى الدراسات، فإنّ 90% من المصابين بالأمراض النفسيّة الحادّة والخطيرة لا يرتكبون أيّة أعمال عدوانيّة أو عنيفة على الإطلاق، وأنّ المرض النفسي الخطير قد يكون سببًا فيما يتراوح بين 3 إلى 5% فقط من مجموع الجرائم.

في السياق نفسه، يذكر كتاب “أشهر 50 خرافة في علم النفس” ما نصّه: ” توضّح أغلب الدراسات أن الأفراد المصابين بالأوهام البارانويديّة (مثل اعتقاد المريض الزائف بأن وكالة المخابرات المركزيّة تتعقّبه) واضطرابات إدمان المواد المخدّرة، وليس غير هؤلاء من المرضى النفسيّين، معرّضون لزيادة احتمال الميل إلى العنف.

وفي حقيقة الأمر، في بعض الدراسات الحديثة لم تظهر على المرضى النفسيين من أصحاب الحالات شديدة الخطورة ممن لا يعانون اضطرابات إدمان المواد المخدرة أي احتمال ميل إلى العنف بدرجة أكبر من غيرهم من الأفراد. بالإضافة إلى ذلك، ليس هناك احتمال متزايد أن يميل المرضى النفسيون الذين يتناولون أدويتهم على نحو منتظم إلى العنف عند مقارنتهم بغيرهم من الناس. مع ذلك فهناك بعض الأدلة على أن المرضى الذين يعانون “هلاوس سمعيّة آمرة” – أي أصوات تأمر الشخص بارتكاب فعل ما كالقتل – تزيد احتمالات ميلهم للعنف.” انتهى النص.

في الختام..

لا يكاد يخلو باب من أبواب العلم من شوائب الخرافات، فشاركونا بذكر الخرافات المرتبطة بمجال تخصّصكم أو اهتمامكم، وما هي المعلومات الصحيحة التي ينبغي أن تحلّ مكانها.. دمتم بخير.

مصادر :

– كتاب: أشهر 50 خرافة في علم النفس/ سكوت ليلينفيلد وستيفن جاي لين وجون روشيو وباري بايرستاين
– 5 خرافات عن الأعاصير.. إليك حقيقتها – سي ان ان العربية
– قرن آمون – ويكيبيديا
– خُرافات نتداولها عن فيتامين ج – موقع مستشفيات دانه

تاريخ النشر : 2021-02-25

وليد الشهري

السعودية

مقالات ذات صلة

28 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى