أدب الرعب والعام

أحقاد لاتسقط بالتقادم – الجزء الثاني

بقلم : نَـيْسَان – ٍSYR

هل يمكن للإنسان أن يصل إلى مرحلة يعجز فيها عن الغفران لأقرب المقربين إليه ؟
هل يمكن للإنسان أن يصل إلى مرحلة يعجز فيها عن الغفران لأقرب المقربين إليه ؟

 
2004/12/1
 
جابر.
كل شيء على حاله في المنزل ، لقد حافظ عليه كما تركته أمي ، لم يحرك شيء من مكانه و لم يبدل أي أثاث ، الأطباق ، والأواني كلها في مكانها كما وضعتها ، توزيع الأثاث كما هو لم يتغير شيء ، التغيير الوحيد كان أن أمي لم تعد تقطن فيه ، حتى غرفة نومهما والستائر لا زالت على حالها ، هل كان يأمل بأن تعود إليه ؟.
سمعت اليوم من أبي أن هالة عادت للبلاد لكنه لا يعلم لأي شأن ، سألته أن قابلها ؟.
قال : بأنها لم تقم بزيارته أصلاً ولم تخبره ، و هي لا تعتبره أخيها و تبرأت منه ، هذا ما قالته له قبل مغادرتها ، و بأنه قد علم بالصدفة من صديق له موظف في المطار رأه صدفة وهنئه بسلامة أخته .

كنت متشوقة لردة فعل أمي بعد أن تعلم بعودة هالة إلى البلاد ، عدت لشقة أمي مسرعة لأخبرها لكن لم أجدها ، أتصلت بمكتبها و ردت فتاة تتدرب عند أمي وقالت : بأنها خرجت لأمر ما ولم تخبرها إلى أين ، تأخرت على غير عادتها ، انتظرتها على شرفة الشقة متحمسة للنبأ وأفكر بردة فعلها بعد تلقيها الخبر.

عم الظلام ولم تأتي ، بعد عدة دقائق رأيت سيارة سوداء وقفت أمام المبنى كانت فارهة جداً ،
والصدمة أن أمي نزلت منها ! كنت أحدق إليها هل هذه أمي أم شبيهة لها ؟ يا إلهي أنها أمي ! ولكن لمن هذه السيارة ؟ كنت أفكر بسرعة كالمعتاد ، هل هذا زوج المستقبل ؟ أنا مدمرة الأن ، جابر سيتمزق إلى نصفين ، زوجك لا زال يحتفظ بأشيائك يا ريما !.
دخلت أمي إلى الشقة ، سألتها مباشرة : سيارة من هذه يا أمي ؟.
قالت : أنها عميلة جديدة.
– يعني هي إمرأة ؟.
قالت : نعم ، إمرأة ! لما أنتِ مهتمة ، هكذا ماذا دهاك يا فتاة ؟.
– لا شيء ، فقط أسأل ، لأول مرة أرى هذه السيارة ، اعتقدت أنها لرجل ما لزوج مستقبل مثلاً.

قالت : توقفي عن الثرثرة ، لنأكل شيئاً ، أنا جائعة.
بعد الطعام أخبرتها بعودة هالة.
قالت : من أخبرك ؟.
– أبي.
قالت : أعلم ، لقد قابلتها ، أنها العميلة الجديدة.
– أمي حقاً !.
قالت : نعم ، كفي عن هذه النظرة البلهاء التي تعلو وجهك الأن.
– هل حدثتيها عن انفصالكِ ؟.
قالت : ولما أفعل ذلك ؟ تحدثنا في العمل فقط ستفتتح شركة وتريدني محامية لها ، هذا كل شيء .
– هل ستعملين معها ؟.
قالت : ولما لا ؟ هذا عملي و عليَّ أن أعمل مع أي أحد لأنفق علينا .
……………….
 
قلت في نفسي إنه لشيء غريب ، في السابق قالت هالة بأن أمي في نفس دائرة عائلتها ولن تتقبلها لأنها تنتمي إليهم !.
أنا متأكدة بأن أمي لم تتواصل معها طوال هذه المدة ، لو فعلت هذا لأخبرتني .
لقد علمت بطلاق أمي بطريقة ما ، وعلمت بأن أمي عادت لمهنتها و لديها مكتبها الخاص ، لكن كيف ؟ هل كانت تتبع أخبارها ، هذا يعني بأن هالة كانت تكذب حيال مشاعرها تجاه أمي  و لم تنساها قط ؟ ما الذي يدور في رأسها يا تُرى ؟ لم تخلوا البلاد من المحامين لتختار أمي ، أشعر بأنها تعلم بأدق التفاصيل عن أمي وعن تحركاتها ، علي أن أعرف الأن كيف توصلت إلى عنوان مكتبها ؟ وسيتضح كل شيء تلقائياً .
 
*********************
 
في صباح اليوم التالي
صحوت من النوم ولم أجد أمي على غير عادتها الساعة السادسة والنصف الأن ! كانت تذهب لمكتبها في حدود الثامنة والنصف واليوم خرجت مبكرة جداً ! أتصلت بمكتبها و ردت علي :
– صباح الخير يا أمي.
– صباح الخير يا حبيبتي.
– هل هناك شيء يا أمي ؟ لقد خرجتي مبكراً.
– لا ، كل شيء على ما يرام ، فقد نسيت بعض الأعمال وعلي أن أنجزها ، لدي مهام في المحكمة اليوم ، تناولي فطورك و أذهبي لجامعتك ، نلتقي عند موعد الغداء ، إلى اللقاء ….
خرجت من المنزل ، ولكن ليس للجامعة بل لمكتب أمي لمراقبتها ، لا أعلم كيف تجرأت على الوقوف خارج المبنى الذي يحوي مكتب أمي ! أردت أن أعرف ماذا يحدث ، شعرت بالخوف على أمي فقد تذكرت حنق هالة وحقدها وغضبها ، كنت خائفة من تواجد أمي معها ، ماذا لو انتقمت من أمي وأوقعتها في مأزق ما ، أردت حمايتها فقط ، راقبتها لعدة أيام ولم أرى هالة أبداً ، ولاحظت بأن أمي لم تكن تمكث في المكتب طويلاً ، طوال هذه المدة ، فقررت الدخول إلى المكتب بعد خروج أمي بدقائق ، إذ أنه تبقى المتدربة في المكتب لاستقبال الموكلين أو العمل على قضية ما.

دخلت إلى المكتب.
– مرحباً يا سمر.
– أهلا يا نَـيْسَان.
– كيف حالك اليوم ؟.
– بخير الحمد لله.
– أريد التحدث إلى أمي لأمر مهم.
– أنا أسفة يا عزيزتي ،  لقد خرجت منذ قليل.
– يا إلهي ! ألم تخبرك إلى أين ومتى ستعود ؟.
– لم تخبرني إلى أين،  ولا أعلم متى ستعود .
– هل يمكنني انتظارها في المكتب ؟.
– بالطبع ، هل ترغبين بشرب شيء ما ؟.
– لا ، شكراً لك .

دخلت إلى المكتب و نظرت من النافذة لعدة دقائق لأتأكد من عدم عودة أمي.
بعدها بدأت البحث بأدراج المكتب والخزانة أردت أن أجد أي ورقة تحمل أسم هالة ، حثت ولكن لا جدوى ، بدأت أدور حول نفسي في المكتب ونسيت بأنني لم أبحث فوق المكتب نفسه ! جلست على الكرسي و بدأت أفتش المصنفات وجدت مصنف أزرق اللون ، و يا للعجب ! أسم هالة أول شيء وقعت عيني عليه ، إنه عقد عمل ضخم ومبالغ فيه بأسم أمي ، تقوم بموجبه بالمهام القانونية لشركة هالة ، و لكن كان يحمل توقيع هالة فقط ولم توقع أمي عليه !.
لماذا يا تُرى ؟.
هل عرضت عليها العقد ولم توافق عليه بعد لشيء مريب فيه ؟.
هل أخفت عني شيئاً ؟.
صورت العقد وأخذت الصورة وأعدت كل شيء على ما كان عليه ، علي أن أتحرك بسرعة وتكون الخطوة الاستباقية لي.
 
****************************
بعد وجبة الغداء.
 
سألتني أمي :
– قالت لي سمر أنك أتيتي إلى المكتب في غيابي ؟.
– هذا صحيح يا أمي ، أردت منكِ بعض المال.
– لكنني وضعت لكِ المال على الطاولة كالمعتاد ؟.
– لقد فسدت طابعتي وأردت أن أخذها لأصلحها و مالي لا يكفي ، كنت مضطرة لطباعة بعض المحاضرات .
– هذا أمرٌ هام ، أنا أسفة يا عزيزتي كان يجب علي أن أضع لك مالاً أكثر للطوارئ.
– لا بأس يا أمي ، لقد حللت المشكلة ،  سيصلحه و سأدفع له غداً .
قلت في نفسي : بل المال سأخذه منك لأراقبك يا حبيبتي.
 
*******

الأن بمراقبة أمي سأصل إلى هالة ، أنا متأكدة من هذا ، عدم توقيع أمي للعقد ينبئ بحدوث شيء
بينهما وأنهما يلتقيان إما لمناقشة العقد أو الماضي ، لا أعتقد أن هالة قدمت هذا العقد الضخم
الذي يكفي لتوكيل عشرين محامياً لأنها أمهر محامية ! بل لأنها ريما .
 
بعد بضعة أيام من المراقبة ، كانت أمي تذهب للمحكمة حقاً وتبقى فيها ساعات طويلة ، لم يكن هناك شيئاً غير عادياً ، و لكن كان علي أن أستمر بمراقبتها بضعة أيام أخرى لأتأكد ، لا يُعقل أين ذهبت هالة ! وماذا حل بالعقد ، هل وقعته أم لا ؟.
و في يوم من الأيام خرجت أمي من المحكمة ، و لكن ليس لمكتبها أو للمنزل ، بل توجهت إلى أحد الفنادق الضخمة ، انتظرت في الخارج حوالي الساعتين ، عندما رأيت السيارة السوداء التي أوصلت أمي تلك الليلة اصطفت أمام مدخل الفندق
عرفت بأن أمي أتت لزيارة هالة ، بعد بضع دقائق خرجت أمي لوحدها و ركبت السيارة ، و لكن هالة لم تكن معها .
والأن يجب علي العودة إلى المنزل قبل أمي
، و للأسف لم أستطع أن أصل قبلها ، و كان علي الإجابة على 100 سؤال حول تأخري
 
*********
 
الأن الساعة ال2 فجراً ، يجب أن أنهي الأمر  ، قررت مواجهة هالة نفسها و لا أكترث لما سيحل بي من أمي عندما تخبرها هالة ، في اليوم التالي لحقت بأمي مجدداً عندما رأيتها دخلت إلى المحكمة ذهبت مسرعة إلى الفندق الذي تقيم فيه هالة .
ذهبت إلى الاستقبال وسألت عن نزيلة سيدة أعمال أسمها هالة البوشي ، سألتني الموظفة : عن علاقتي بها ولما أريد مقابلتها وطلبت بطاقتي الشخصية
؟ أخبرتها : بأني قريبتها نَـيْسَان البوشي و أريد مقابلتها لأمر هام ، طلبت مني الانتظار واتصلت بها ، بعد عدة ثوان قالت لي : ستأتي بعد قليل .
***

بعد ربع ساعة انتظار.
رأيتها على السلالم ، كانت تنزل بهدوء وتبدو كأنها ملكة خرجت من إحدى القصص الخيالية ، وأكتظ المكان بالناس كأن أحدهم أعلن النفير العام ، هل كل هؤلاء يعملون معها ؟ وقفت أمامي صامتة و لم تقل شيئاً ، ألقيت عليها السلام فلم ترد.
فقلت لها : توقفي عن عنجهيتك وغرورك ، هذا لن يمنعني من الحديث معك و لست خائفة منك و لا من جيشك هذا .
قالت : عن ماذا تريدين الحديث ؟.
قلت : أنتِ تعلمين جيداً ، لا يبدو لي أنك مغفلة.
قالت : تعجبني وقاحتك يا فتاة.
قلت : تعلمتها منك !.
ابتسمت ابتسامة لا روح فيها ثم قالت : إن كان حديثك مطولاً لنصعد إلى قاعة الاجتماعات ، أشرت لها بالإيجاب.
مشت أمامي ولحقت بها والجميع ينظر إلينا مذهولين .
جلست هالة على كرسي ضخم و ترأست الطاولة
ثم قالت : أجلسي وتحدثي ، وقفت بجانبها و وضعت صورة العقد على الطاولة و سألتها : ما هذا ؟.
قالت : عقد عمل.
قلت لها : هل تجدينه طبيعياً ؟.
قالت : نعم ، إنه طبيعي.
قلت لها : لا ، ليس طبيعياً ، دعينا لا نبدأ مشوارنا بالكذب ، أنا أفهمك جيداً ، عقدك هذا لسببين ، إما لتوقعين أمي بمأزق أو  تظنين بأننا بحاجة أموالك ، إن ظننتي هذا فأحتفظي بمالك لنفسك ، كرامتنا لا تُقدر بثمن ، وإن كان للإيقاع بأمي فلن أرحمك .
 
قالت : هل تعلم أمك بأنك هنا يا صغيرتي ؟.
قلت لها : و لتعلم ، أنا لم أعد صغيرة ، أنا شابة الأن و لا تغيري الموضوع ، إن لم تجيبيني أعدك بأني لن أتركك وشأنك .
 
قالت : أمك رفضت أن توقع العقد بسبب المبلغ والمدة وكلامك هذا مجرد خيال و لا قيمة له ، أنا أردت مكتب محاماة أثق به وكانت أمك من وقع عليها الاختيار ، ولكنها رفضت تقاضي أي أجر وتقوم بكل شيء مجاني .
قلت لها : هل تظنينني بلهاء لأصدقك ، أنتِ خارج البلاد كيف عرفتي بشأن أمي و عودتها للعمل وكيف وصلتي إليها ؟
هذا إن افترضنا بأن نيتك طيبة و لا نية سيئة هنا ؟.
 
قالت : أنا أعلم بانفصال والديكِ وأعلم ماذا حدث بعد سفري ، أنا أتتبع أخبارها منذ سفري الأول و لم أنساها ، أنا أحبها ، ولكن والدك كان العائق الأكبر ، أنا لست سعيدة بانفصالها ولم أتوقع أن تتخذ هذه الخطوة و شعرت بالذنب من أجلها فقط ، وعندما ناقشتها بالأمر أخبرتني بأنه لا علاقة لي بالانفصال بل كان لأسبابها هي ولم أسألها عنها  ، وأما العقد الذي ترينه مبالغ فيه هو ليس كذلك ، أن قرأتيه جيداً تجدين بأنه عقد يمتد لخمسة عشر عاماً ، هذا يعني المبلغ الذي وُضِع فيه طبيعياً ، و إن شغلك كونه لخمسة عشر عاماً فأنا أردت ضمان النزاهة واحترام القانون في شركتي دائماً ، عندما قابلتها أول مرة بعد عودتي بدت مصدومة وكانت جافة معي و صارمة جداً ، أعتقد بأنها تغيرت كثيراً .
قلت لها : تغيرت هي أم أنتِ غيرتيها ؟ لقد تعبت وعانت كثيراً بسببك وأنتِ عدتِ كأنك لم تفعلي شيئاً !.
 
قالت : يا نَـيْسَان ، أنا لست متضايقة لأنها تغيرت بل سعيدة من أجلها ، أصبحت إمرأة قوية جداً و قراراتها نابعة من عقلها وليس قلبها ، أمك عاطفية جداً ، وأنتِ كنت هناك عندما أصرت على أن تعرف الحقيقة ، ظننت نفسي قوية ولن أتأثر بها ، و لكن عندما رأيتها للمرة الأولى تشظى قلبي وضعفت أمامها ، قلت : أنتِ قلتي بأنك تحبيها لكنك تخليتي عنها لسنوات و أعرضتي عنها عندما عدتِ و لا تجدين نفسك مذنبة مع كل هذا ، هل تسمين هذا حباً ؟.

قالت : لقد أخبرتك أنه بسبب والدك كان عائق أمامي ، ربما كان سيضايق ريما أن تواصلت معها دونه ، و ربما هي تتأثر و تحزن ، وحدث هذا أمامك عندما أخبرتها بالحقيقة ، كنت أرى انعكاس وجهها على المياه ، قمت بتجاهلها لكي تكمل حياتها بشكل طبيعي  و تتوقف عن ملاحقتي و سؤالي ، لينتهي الأمر بالنسبة لها عن قناعة ، لطالما شعرت بأني أمها و هي طفلتي كانت معلقة بي كما يتعلق الطفل بثوب أمه ، وأنا كنت حائرة أردت دفعها عني لتطير وحدها ، لكني كنت أراقب كل نفساً تستنشقه وكل نفسه تخرجه ،  كنت قلقة عليها من جابر
لا أثق به أبداً وكنت أقلق عليها من نفسها أيضاً .
 
قلت لها : ماهي نسبة كرهك لجابر ؟.
قالت : فوق كل تصوراتك.
قلت لها : ماذا لو أكتشفتي بأنه قد ظُلم كما ظلمتي أنتِ ؟.
قالت : مستحيل ، لم يُظلم بل هو ظالم كما جدك.
قلت لها : افترضي بأنه كان عاجزاً عن مساعدتك كما عجزتي أنتِ عن مساعدة نفسك ، كما عجزت جدتي عن ذلك ، هل ستشعرين بالندم ؟.
 
قالت : لا أحب الافتراضات ، ولكن جابر وإن عجز عن الأفعال كان قادراً على الكلام على أقل تقدير.
قلت لها : هل تدركين بأنكِ تتحدثين إلى أبنته ؟.
 
قالت : نعم ، و لكن أنتِ أبنة ريما أيضاً ، بل أنتِ لا تشبهين والدك في شيء ، تتحدثين مثل أمك وتقفين مثلها وتشبهينها في الشكل أيضاً ، أنتِ لم تأخذي من والدك شيء ، عندما رأيتك ظننتك ريما لولا ملابسك ، أحببت جرأتك وشجاعتك وخوفك على أمك ، و أطمئني ، لا يمكن أن أؤذي ريما أبداً ،  لطالما شعرت بالحنين إليها كما أحن إلى أمي .
قلت لها : قبل أن أغادر أريد أن أسألك سؤالاً أخيراً و أرجو أن تجيبي عليه ؟.
قالت : أسألي ، كلي أذان صاغية.

قلت لها : في الماضي قلت بأنك غفرتي لزوجك بعد كل ما فعل بك و وضعتي له الأعذار ، لما لا تفعلين الأمر ذاته مع جابر ؟.
قالت : ذاك زوجي وهذا كان أخي من لحمي و دمي  لا يتشابهان ، الأذى من القريب أشد ألماً ومرارة من الغريب ، و بالمناسبة جابر لم يشعرني يوماً بأنه أخي ، هو يعلم حجم فعلته جيداً .
 
قلت لها : أبي أخطأ في أمرين ، الأول لم يحاول ثني جدي و لم يحاول مساعدتك و خسرك ، والثاني كذب على أمي حولك وأنهار زواجه ،  ولكن هل أخطائه هذه تستحق الحكم عليه باللاوجود ؟  لقد وضعتيه و جدي في نفس كفة الميزان ، ألا تعتقدين بأنه عقابه كان أكبر من ذنبه بكثير ؟.

قالت لي : لا ، بل هو يستحق ، فكري بالأمر و ستجدينه يستحق كل شيء حدث له ، المذنب إن لم يحاول الدفاع عن نفسه ، لا توجد قوة في العالم قادرة على الدفاع عنه ، فكيف إن كان مذنب و وقح في نفس الوقت ، لا يندم ، لا يعتذر لا يبرر ، لن يتعاطف معه أحد حينها .
قلت لها : قلتِ عن نفسك في السابق جسد بروح شيطان ، ولكني لا أجدك هكذا ، من يسامح لا يمكن أن يكون كما وصفتي نفسك ، أتمنى لكِ الخير ، ولكن أرجوكِ لا تحطمي قلب ريما مرة أخرى ، إن حدث هذا لن أتركك وشأنك ولن أرحمك أبداً .
 
قالت لي : ربما لا تحبينها أكثر مني ، ولكني معجبة بدفاعك عن أمك وأبيكِ ، وأنا أرجو أن تكفي عن التهديد يا صغيرتي ، لن يحدث شيء
سيئ لأمك ولن أسمح بهذا ، ثقي تماماً ، أعتني بها جيداً ، و بالمناسبة لقد تفاجأت بزيارتك وبحديثك هذا ، ظننتك صغيرة ولا تدركين ما حدث ، ولكن الأن أنتِ الصندوق الأسود لهذه العائلة ، بوركتِ ، و لا تتوقفي عن زيارتي أن شئتِ ، وداعاً أيتها الجريئة ، و لن أخبر أمك حول زيارتك هذه .
 
قلت لها : أنا سأخبرها ، لا تشغلي بالك ، و داعاً أيتها الأميرة المعذبة .
 
***************
 
تفاجأت بهالة ، لقد رافقتني إلى باب الفندق و قبلت جبيني ! من هذه المرأة يا إلهي ، غاضبة و هادئة  ، حاقدة ومتسامحة ، مغرورة و متواضعة ، كل شيء أجتمع فيها أنٍ معاً !.
 
والأن علي أخبر أمي بفعلتي هذه وأقر بذنبي وأعتذر لها ، لا أعلم ما ستفعل بي ، لقد وضعت نفسي في مأزق علي الخروج منه بأقل الأضرار ، ولكن قبل هذا سأذهب إلى أبي علي عن أنهي ما بدأته ، عليه أن يجيب على أسئلتي كما فعلت هالة و كما فعلت أمي ، هذه المرة الأجوبة ملحة أنا أحاول إنقاذه فقط و لن يحدث هذا إلا أن أراد ذلك .
 
***

عدت إلى شقة أمي تناولنا الغداء وأخبرتها أنني سأخرج لأمر هام وعند عودتي علي إخبارها بشيء حدث اليوم .
ذهبت إلى منزل والدي ، كان قد تناول غدائه ونام
، انتظرته أن يستيقظ ، أعددت له القهوة التي يحبها وأيقظته :
أبي : أهلا يا حبيبتي.
أنا : كيف حالك يا أبي ؟.
أبي : أنا بخير ، الحمد لله.
أنا : أريدك أن تتنشط قليلاً ، أريد التحدث معك بأمر هام .
أبي : حسناً ، انتظري قليلاً ، سأغتسل وأعود لك
بعد عشرين دقيقة عاد ، قمت بتسخين القهوة من جديد و جلسنا ، قلت له : يا أبي قد مضى وقت طويل وأنت تلتزم الصمت ، أنا أبنتك الوحيدة هل يمكنني أن أطرح عليك سؤالاً ؟.
أبي : بالطبع يمكنك ذلك ، أسألي ما شئتِ.
أنا : لما فعلت كل ذلك ، لما ألتزمت الصمت تجاه كل هذه الأحداث ، متى ستدافع عن نفسك ، هل أنت برئ أم مذنب ؟.
 
سكت قليلاً ثم قال : لكنه ليس سؤالاً واحداً ، لقد أكثرتي علي يا أبنتي !.
.
أنا : ولكن كلها عن أمر واحد حدث واحد إعصار واحد .
 
أبي : لأني لا أستطيع الدفاع عن نفسي ، أنا مذنب ولا أملك أي شيء لأدافع به عن نفسي ، علي أن أتحمل كل شيء
 
أنا : لا يمكن هذا يا أبي ، لا أصدق بأنك كنت موافقاً على زواج هالة ولا أصدق بأنك أخفيت الحقيقة عن أمي دون سبب !.
 
أبي : لن يتغير شيء ولو افترضنا أن كلامك فيه شيء من الصواب ، الحياة لطالما كانت قاسية و لابأس بالمزيد ، لم يعد هناك شيء أقاتل لأجله
، ليحدث ما يحدث من يكترث لي ؟.
 
أنا : أرجوك يا أبي ، أنت لم تجب على سؤالي ، أرجوك لما لم تدافع عن نفسك ؟.
 
أبي : أنا مذنب ، أنا كنت أخاف من جدك كثيراً ، كان قاسياً معي ، لم أجرؤ على الوقوف في وجهه ، عندما زوج هالة كنت جباناً و لا زلت ، و كنت أنانياً ، خشيت أن يضربني ويطردني من المنزل ، كنت أريد النجاة ، وأنا لم أنسى يوماً ما حدث وأنا أستحق ما حدث لي ، لم يظلموني أبداً ، عمتك هالة لم تكذب بشأني وأنا أستحق تبرأها مني ، أنا شخص لا يُعتمد عليه ولست قادراً على حمايتها كما يجب علي أن أفعل ، و كذلك أمي لم أكن أستحقها أيضاً ، لقد كان يضربها باستمرار ولم أدفعه عنها يوماً ، و مذنب مع أمك ، لقد كذبت عليها لكي لا تعرف حقيقتي ، أردتها أن تبقى لأني أعرفها ستتركني ، كنت أتشبث بها بحبل الكذب و سقطت في النهاية ، هل أجبت على سؤالك ؟.
.
أنا : هل جدي كان قاسياً إلى هذه الدرجة ، لدرجة كنت تخشاه وأنت شاباً ؟.
أبي : جدك كان يحب هالة إذ أنه لم يضربها يوماً وكان يدللها بكل شيء ، المال ، الهدايا ، الملابس ، الطعام ، والمدرسة ، كل شيء ، ولم يعطف علي يوماً ، كان يضربني باستمرار عندما كنت طفلاً دون ذنب وأخرجني من المدرسة ، كان يضربني أمام الناس و يسبني بألفاظ قاسية ، كان يسجنني لأيام في قبو متجره و يربطني إلى شجرة في البرد القارس لعدة ساعات ، كنت أشعر بأنه أنجبني لينتقم مني ، كانت أمي تدافع عني ويضربها هي أيضاً ،

كان يقول : عليه أن يجعل مني رجلاً ، لكني لم أصبح كذلك ، وعندما كبرت لم يكف عن ذلك ، كنت أعمل لديه بأجرة بخسة لا تكفي لشراء قطعة ملابس ، أما زواج هالة لم أعلم به إلا يوم حدوثه ، فهو لا يخبرني بأي شيء يفعله ، وأنا كنت الجبان في حين أنه يجب علي أن أدافع عن أختي وأمي ، و بعد كل هذه السنوات أنا أخجل من نفسي و بنفسي وبكل شيء يتعلق بي ، هل أجبت على سؤالك ؟.

أنا : نعم يا أبي ، لقد فعلت.
أبي : أريد منكِ شيء أخيراً وأتمنى أن لا تخذليني.
 
أنا : تفضل يا أبي ، أطلب ما تشاء.
أبي : عاهديني وأقسمي بالله بأنك لن تخبري أمك أو عمتك أو أي أحد بحديثي هذا أبداً ، عندما أموت أفعلي ما تشائي ، أما وأنا حي لا.
. أنا : لماذا يا أبي ؟.
 
أبي : أنا أجبتك من أجلك فقط ، وأنا أخجل من نفسي لا تحرجيني ، دعيني أعيش ما تبقى لي وأنا أدعي بأنني لم أفعل شيئاً .
 
أنا : لك ذلك يا أبي ، لن يعلم أحد بشيء ، أعاهدك بالله وبأسمائه بأني لن أخبر أحداً ، فقط سؤال أخير ، هل ندم جدي يوماً على تزويج هالة ؟.
 
أبي : نعم ، لقد كان يبكي كالأطفال ، قلت لك كان يحبها ومتعلق بها جداً ، و لكن لا أعلم لما فعل هذا ، كان يجمع المال ليدفعه لزوجها  ويعيدها إليه ، لكنه لم يفلح فقد خسرت تجارته وأفلس مرة أخرى ، كان يتوسل لزوجها ليكلمها وكانت ترفض ، وحاولت معه ولم أفلح ، وعند وفاته أخر شيء قاله هالة .
أنا : لما لم تخبر هالة ؟.
 
أبي : و ما الجدوى من ذلك ؟ هي تكرهنا ولن تصدق ، ما الفائدة ؟ ستظن بأني أدافع عنه وعن نفسي ، لا يا أبنتي ، قد حدث الأمر وهذا الكلام على كل حال لن يبرئنا ، نبقى مخطئين ، جدك تخلى عن أبنته لمصلحته وأنا تخليت عن أختي وأمي وكنت جباناً .
أنا : هل أذيتك يا أبي ؟.
 
أبي : لا يا حبيبتي ، ولكن أرجوا بأن لا أكون قد هدمت صورتي أمامك.
أنا : لا ، لم تفعل ، أنت أبي الذي أحترمه وأحبه ، حديثك لن يغير شيئاً ، وأرجوك كف عن التحدث عن نفسك بطريقة سيئة ، كلنا نخطئ و نصيب و لا يعلم ما في القلوب إلا الله .
علي أن أعود الأن لشقة أمي ، لا أريدها أن تقلق علي ، أعتني بنفسك يا أبي
 
****************

قبّلته وخرجت ،  كنت أخطط لجمع حديث هالة وأبي معاً وطرحه على أمي  و لكن تغيرت الخطة ، سأحدثها عن هالة فقط وعلي أن أحفظ عهدي بالله لأبي .
 
****************

عدت إلى الشقة وأخبرت أمي بكل شيء ، ظننتها ستغضب وتثور لكن ردة فعلها كانت عادية جداً ، وأتضح بأنها تعرف بأني كنت أراقبها وتقبلت الأمر لأني كنت خائفة عليها ، وبخصوص هالة تبين بأنها تعرف كل شيء ، و الصدمة بأنها قالت لي : بأن هالة عادت لأن زوجها توفي منذ عدة أشهر وهي عادت للاستقرار هنا وتريد بدأ أعمال جديدة وحياة جديدة و لم تعد لتنتقم من أحد كما كنت أظن أنا ، خيالي كارثي .

*********

ومضت الأيام و بقي كل شيء على حاله ، توطدت علاقة ريما بهالة من جديد وعادت علاقتهما قوية كما كانت ، و بدأت أمي تعمل لصالح شركتها ولكن بدوام جزئي و مجاني
، كانت ترفض أخذ أي مال من هالة و هذا كان أكثر شيء يسعدني .
كنت ألاحظ أن هالة تحبني و فرق كبير بين لقائي الأول بها والأن ، لقد تغيرت تجاهي كلياً ،  أصبحت تزورنا في الشقة بين الحين والأخر .
هالة لا تزال تبغض أبيها بغضاً مرعباً ونال أبي ما ناله جدي ، لم نكن نجرؤ على ذكر أسمه أمامها .
و لكن لا زالت هالة تدّعي بأنها جسد بروح شيطان ، ولكنني لم أشعر بهذا يوماً بل كانت طيبة ولكن لم تستطع نزع أحقادها .
أصطحبتني معها في إحدى المرات إلى قبر جدتي و كانت تبكي بحرقة و تعانق قبرها وكأنها توفيت اليوم ، إلى أي درجة أحترق قلبها ! إلى أي درجة كان جرحها عميقاً !.
 
****************
 
 
أما أبي بقي على حاله ينتظر عودة ريما التي لا أظن بأنها ستعود !.
القطيعة مستمرة و ستبقى إلى ما لا نهاية ، لا أمل في الصلح.
وددت لو أخبرهم بما أخبرني به ، ربما هالة كانت ستسامحه هو على الأقل و ليس جدي.
وأمي أيضاً ربما كانت ستفعل ، لكنه للأسف أختار عقاب نفسه بإصرار.
 
**********
 
هل يمكن للإنسان أن يصل إلى مرحلة يعجز فيها عن الغفران لأقرب المقربين إليه ؟ وإنسان أخر يتكتم ويرفض الدفاع عن نفسه ليعذبها ويؤنبها ويلومها يومياً ظناً منه أنها تستحق ويجب أن يعاقبها .
عندما أفكر فيهم ، هالة ، ريما ، جابر ، أجدهم شركاء تقاسموا الخراب .
 
النهاية ………

تاريخ النشر : 2020-10-13

مقالات ذات صلة

21 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى