أدب الرعب والعام

أصوات

بقلم : فتاة الصحراء – الربع الخالي

أصوات
قررت أن أضع نهاية لشقائي و عذابي

عدت إلى منزلي مثقلاً بالهموم و الديون و الخجل و الألم , لأجد أم جمال في الصالة تنتظرني بتلك الابتسامة الخجولة اللطيفة و تلك النظرات العطوفة الحنونة و بذلك الشوق الواضح , أحسست بالفرح و السرور و نسيت جميع معاناتي لثوانٍ معدودة ما كادت أن تبدأ حتى انتهت عندما سألتني :

ماذا سنتعشى ؟ لماذا لم تحضر حفاضنات عزيز؟ و دواء عزة ؟ و إن كنت رأيت أخاها الذي يبحث عني لأمر طارئ ؟ و و و و , تجاهلتها و دخلت غرفة النوم دون أن أنبس ببنت شفة, استلقيت على ظهري مقابلاً سقف الغرفة, تسللت الدموع على خدي و بدأت الأفكار تدق أبواب عقلي في ازدحامٍ مؤلم , عادت الأصوات مجدداً :

الصوت العالي (صوت العقل) : يا أبا جمال مالك و هذه الدنيا ؟ ماذا بقي لك فيها ؟ انهي حياتك فيها و أبحث عن الراحة و السكينة الأبدية ..
الديون تلاحقك بعد أن كنت من أكبر تجار المدينة, أصبحت تسكن سرداب أحد العمائر المجاورة للمقابر المهجورة في غرفة واحدة و صالة .. و أنت الذي سكنت قصراً من ثلاثِ و عشرين غرفة سابقاً , ابنك الأكبر جمال هرب من البيت بعد أن أدمن المخدرات , ابنتك ذات الخمسة عشرة ربيعاً عزة تصارع ذاك المرض اللعين الذي تعجز حتى عن شراء دواء مسكِّن لتهدئة نوبات ألمها ..

أهلك تبرؤوا منك بعد اتهامك بالاختلاس , و أصدقاؤك أنفضوا من حولك و تنكروا لك بعد إعلان إفلاسك و نسوا كل الخير الذي أغرقتهم فيه, و لا تنسى الأشخاص الذين يطالبونك بديات و تعويضات ضخمة لأفراد عائلاتهم الذين سقطت عليهم عمارتك التي بُنيت بالمواد المغشوشة , و بالطبع لا تنسى حقيقة أنك أصبحت عاجزاً عن توفير وجبات الطعام اليومية لهذه العائلة الصغيرة التي لم تعد …

( يقاطعه صوت خافت من بعيد)

الصوت الخافت ( صوت مجهول) : لا تنجرف وراء هذه الأفكار السلبية يا أبا جمال , كن عبداً حامداً و صابراً فقد كانت الدنيا بأمر ربها مُسخَّرة لك من قبل هذه الأزمات المارقة , و ستعود لك بالصبر و الحمد و الشكر لله , هوِّن الأمر عليك فهناك من هو أسوأ حالاً منك و ما بعد العسر إلا يسر ..

الصوت العالي (صوت العقل) يضحك باستهزاء : و هل هناك من هو أسوأ حال منك ؟ كل مصائب الدنيا تواعدت أن تلتقي بعضها فوق رأسك .. يا أبا جمال إنك قد أُرهقت حد الألم من هذه الدنيا و هي أيضاً تعبت منك فقد أصبحت صفراً زائداً في معادلتها و أصبحت حياتك عبئاً على الحياة ..

تحرر … تحرر … من هذا الألم و اتبعني لهذا الطريق الأبيض الذي لا أفكار متنازعة فيها و لا ديون و لا هموم و لا مشاكل و لا ….

( يقاطعه ذلك الصوت الخافت مجدداً بعد أن أصبح أبعد و أهون ) :

– الصوت الخافت ( صوت مجهول) : لا يا أبا جمال مازالت الحياة تحمل الكثير لتقدمه لك, كما أنت تملك الكثير لتقدمه لها …

الصوت العالي (صوت العقل) : نعم مازالت الحياة تحمل لك بعض باقات من الخيانة و الألم و الندم و الحزن و الهم و التعب و الخزي و العار , و أنت مازلت تحمل لها الكثير من الغباء و السذاجة التي ستوصلك لهذه النهاية عدة مرات أخر , لك الخيار في أن تتبع درب الخلاص المليء بالراحة و النقاء أو درب الأعباء و البقاء في دنيا الشقاء .. و لتعلم أن انتحارك هو انتقامك الوحيد لجميع من قاموا بإيذائك …

– الصوت الخافت ( صوت مجهول) : لا تغرينك فكرة أن موتك هو انتقامك الأقسى يا أبا جمال , فأنت هنا تنتقم من نفسك فتخسر آخرتك كما ستخسر دنياك , عش حياتك .. أصلح اعوجاجها بحمدٍ و صبر و سييسرك الأمر , فربما تربح دنياك مجدداً و تنال جزاء صبرك الجنة …

الصوت العالي (صوت العقل) : أضحكتني بأفكارك المناقضة للواقع … هل تعتقد أن هذا الكم من المشاكل و الصعاب سيحل بالأمل و التفاؤل ؟؟

الصوت الخافت ( صوت مجهول) : ( و قد أصبح بالكاد يسمع ) لا لا تصدق هذا الـ……

صرخت بأعلى صوتي : أصمتا .. أصمتا لم أعد أريد سماعكما … فقد اتخذت قراري .

خرجت من غرفتي بعينين دامعتين , قبلت طفلَي و حضنتهما حتى ارتوى صدري من دفئهما و دَّعتُ أم جمال و قبلت جبينها بدون أن أرد على أي تساؤل منها , أقفلت الباب خلفي لآخر مرة و أنا أتلمس بهدوءٍ و بطءٍ مقبض الباب المهترئ , و ما إن خرجت من السرداب حتى شدَّني منظر تلك العمارة المهجورة المكونة من خمسة طوابق في بداية الشارع , ذهبت إليها , دفعت بابها بهدوء و دخلت , بدأتُ بالصعود للأعلى و عند كل دور ينتابني الخوف و أكاد أعود راكضاً لزوجتي و طفلاي,, حتى يظهر ذلك الصوت مجدداً :

الصوت العالي (صوت العقل) : ها ! ماذا ؟ هل سنتراجع الآن و قد بلغنا من الأمر ما بلغنا ؟ هل سنعود للديون و الهموم و الخزي والعـ……

قاطعته بشدة حسناً .. حسناً , اصمت .

أكملت مشواري و أنا في صراع داخلي حتى وصلت للدور الخامس ,,, نعم هذه هي النهاية لشقائي و عذابي , و البداية الجديدة لحياة نظيفة … مسحت دموعي المنهمرة .. حسناً باقي خطوة … يا سلام !! إنها طريق بيضاء سالكة إلى أين تؤدي يا ترى ؟ و خطيت تلك الخطوة اليتيمة .

ما هذا ؟ إنني أهوي في ظلمة موحشة لا نهاية لها ! إنها مليئة بالنيران و الأجساد المتفحمة الصارخة ,, يا إلهي إن جلدي يحترق , ما هذا الألم ؟! ما هذه الرائحة الكريهة ؟ ما هذه الحرارة التي تسري في جسدي ؟ ما هذا الـ… (صوت ضحكٍ يقطع تساؤلاته )

الصوت العالي (صوت العقل) : هل أعجبتك البداية الجديدة ؟؟
أبو جمال : أنت صوت عقلي و قد خنتني لماذا ؟
الصوت العالي : لا يا عزيزي أنا لست صوت عقلك , أنت قتلت صوت عقلك بتجاهلك له حتى لم تعد تعرفه و أصبح مجهولاً بالنسبة لك , و سميتني بإسمه .
أبو جمال : من أنت ؟و لماذا جئت إلي ؟ ماذا فعلت بك ؟
الصوت العالي : سؤالك سخيف يا أبا جمال , من أنا ؟ أنا الشيطان
لماذا جئت إليك ؟ يأسك و قنوطك من رحمة ربك هو من جذبني إليك , فقد رأيت فيك فريسة سهلة , تسهل علينا عملنا كشياطين بإرسالكم إلى النار خالدين مخلدين فيها ..
أما ماذا فعلت بي ؟ لا شيء شخصي يا صديقي , مجرد عمل , و قد أتمته على أكمل وجه .. وداعاً الآن هناك يائس أخر ينتظرني ..

الموت هو بداية محتومة خالدة , و نافذة تفُتح لنا إلى عالم عظيم , و لكلٍ منا وقته الذي لا مفر منه و عمله الذي سيحدد كيف تكون بدايته , فلا تستعجلوا و تفتحوا مداخل لأبليس و جنوده و اعملوا لآخرتكم .

تاريخ النشر : 2017-03-2

فتاة الصحراء

السعودية

مقالات ذات صلة

16 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى