تجارب ومواقف غريبة

أم ناصر كانت تعلم

بقلم : فهد الخبر – السعودية

شاهدت حلم بأن كل المباني حولها تسقط و عمارتهم سوف تسقط أيضاً و كل الزجاج يتكسر
شاهدت حلم بأن كل المباني حولها تسقط و عمارتهم سوف تسقط أيضاً و كل الزجاج يتكسر

 
في العام 1996 م و في وسط أجواء الصيف كان الجميع في المدينة منشغل في الاختبارات النهائية ، وقتها لم يتبقى سواء اختبار واحد على أخي لينتهي و نستطيع السفر و بدأ أجازتنا الصيفية .
 
ذهبنا لزيارة خالتي في مجمع سكني يُطلق عليه ( أبراج الخبر ) و هو مجمع سكني ضخم جداً في مدينتي ينقسم لجزئيين ، الأول تستطيع أن تشتري شقة فيه و الأخر مخصص للقوات الجوية الأمريكية .
 
عند زيارتنا لها عصر ذلك اليوم و قبل دخولنا إلى العمارة لفت انتباهنا جارة خالتي التي نعرفها جيداً و هي تسحب حقائبها و تركض بصحبة أبنها إلى سيارة زوجها ، و كانت على عجل و بطريقة تشد الانتباه ، نظرت اليها والدتي و قالت : أم ناصر ، ما الذي حدث ؟ فالتفت اليها الجارة ، و لا زلت أذكر حجم عينيها و كأنها سوف تخرج من رأسها ، و قالت لأمي كلام بلهجة مغربية لم أفهم منها شيء ، سألت والدتي ، و أخبرتني بأنها تقول : لا تدخلي إلى العمارة و غادروا المكان و إلا سوف تموتون جميعاً .
 
صعدنا إلى شقة خالتي التي كان يبدو عليها الذعر ، و قبل أن نخبرها ما الذي حدث مع جارتها سبقتنا و قالت : جارتي أم ناصر قدمت إلي قبل نصف ساعة و طرقت الباب بشكل قوي و هستيري ، و عندما فتحت لها الباب كانت تقول : أخرجي أنتِ و عائلتك من هنا و إلا سوف تموتون جميعاً ، فالجميع سوف يحترق و يموت الليلة ، و أكملت خالتي : رأيتها تطرق باب جارتي الأخرى و أخبرتها نفس الكلام قبل أن تصعد لشقتها مرة أخرى .
 
لم نستطيع طيلة اليوم أن نخبئ رعبنا أو حتى لا نسرح قليلاً نستذكر خوفها و كيف كانت تصرخ . لكن هونت علينا ابنة خالتي و ذكرتنا بأنها دائماً ما يبدو عليها الريبة و تحب عمل أشياء غريبة و تؤمن دائماً بقراءة الفنجان و تصر أن تقرأ كل الفناجين و دائماً ما كانت تأتي و تقول لخالتي : فلانة سوف تتزوج قريباً أو فلان سوف يمرض و يصدق قولها بعد فترة ، مع أنها أمرأة طيبة و تحب أن تلعب معي و دائماً تجعلني أقول مصطلحات بلهجتها المغربية و تضحك لأني لا استطيع نطقها ، إلا أنها كانت غريبة نوعاً ما و تخاف من العين بشدة و دائماً تعلم ما لا نعلمه ، حتى أنها قد تخاصمت مع احدى الجارات لأنها أخبرتها أن طبخها جميل بدون أن تقول ما شاء الله و خافت من العين .
 
في تلك الليلة قررنا أن ننام في منزل خالتي أنا و أمي و أختي لنجعل أخي يذاكر بهدوء في المنزل ، و عند الساعة السابعة مساءً كنا نجلس في الشرفة أنا و أبن خالتي نلعب ، و أخبرته بأني أريد الدخول لأن الجو حار ، و ما هي إلا ثواني بعد دخولي لغرفة المعيشة حتى سمعت صوت انفجار ضخم جداً و هزة أرضية قوية أسقطت باب الشرفة الزجاجي على أبن خالتي التي كان يجلس فيها .
 
كانت ثواني طويلة سقطت فيها على الأرض و رأيت أمي تسحبني و تسحب أبن خالتي الذي اختلط وجهه بالدماء من أثار الزجاج ، كنت أسمع القليل من الصريخ بسبب الطنين العالي في أذني ، حملنا بعضنا و خرجنا بسرعة لأشاهد كل من في العمارة يركضون من مخرج الطوارئ .
 
نزلنا إلى الشارع و كانت النيران مشتعلة ، انفجار ضخم جداً قرب القاعدة العسكرية ، الناس يصرخون و يركضون بكل اتجاه ، النساء يحملن أطفالهن و يركضن لأبعد مكان قد يصلن اليه . كنت استرق النظرات إلى أبن خالتي و أشاهده ملطخ بالدماء ، و لصغر تفكيري وقتها كنت أحسب بأن هذا هو الموت و أن ابن خالتي ميت الأن ، فاطلقت صرخاتي و بكائي عليه و ليس على الوضع الذي حولنا ، تقدم زوج خالتي و دفعنا جميعاً نحو سيارته و انطلق بنا وسط الناس الذين يركضون و منظر النيران و الأدخنة و اتجهنا إلى منزلنا البعيد عن المكان ، و في أثناء الطريق قالت أختي بصوت منخفض سمعناه جميعنا : أم ناصر كانت تعلم .
 
بعد عدة أسابيع تعافى أبن خالتي و عادوا لمنزلهم ، و عند زيارتنا لهم لنطمئن عليه ، أخبرتنا خالتي بشيء صعقنا جميعاً به ، أخبرتنا : في يوم الانفجار تعرضت أم ناصر و عائلتها لحادث سيارة و قد أدى لدخول زجاج في احدى عيني أبنها ، و بأنها قد عادت للعمارة قبل عده أيام لتجمع كل شيء في شقتها في يوم واحد و تغادر للأبد .

فصعدت خالتي لها بالقهوة و تهون عليها و بأن كل هذا قضى وقدر و أن من فعلها سوف ينال جزأه بالدنيا و الأخرة ، لكن أم ناصر أخبرتها في ظهر ذلك اليوم و عندما كانت تأخذ غفوة ما بعد صلاة الظهر شاهدت حلم بأن كل المباني حولها تسقط و عمارتهم سوف تسقط أيضاً و كل الزجاج يتكسر و ظلت طيلة الحلم تسحب أبنها من أسفل الزجاج لكنها لم تستطيع ، و في كل مرة تسحب أبنها كان الزجاج يسقط عليه أكثر و استيقظت و هي تشعر بالخوف.
 
تلك الحادثة حصلت قبل 25 سنة و ما زلت أتذكر كل الأحداث و كأنها حدثت بالأمس و لم أستطيع حتى هذا اليوم أن أخرج منظر أم ناصر من رأسي و هي تصرخ بنا .

تاريخ النشر : 2021-02-27

مقالات ذات صلة

15 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى