أدب الرعب والعام

إنه ينتظرك هناك في الحقل

بقلم : ابن الجبال – سوريا
للتواصل : [email protected]

أنه المخلوق الذي قتل علي والابتسامة الصفراء تلمع على وجهه
أنه المخلوق الذي قتل علي والابتسامة الصفراء تلمع على وجهه

 
إنه الليل بكامل هدوئه وصفائه ونسماته الباردة.
ها نحن نسمع صوت نقيق الضفادع العالي وصوت خرير المياه القادم من الجدول القريب من الحقل.
نعم ، حقل التفاح الذي نسمع هدير الرياح تجري بين أغصان شجراته كأنه اختار الحقل كمجرى له يطيب اللعب له بين أطرافه .
 
ونرى أيضاً رجلاً في العقد الثالث من العمر ، أسمر الوجه ، طويل القامة ، بجانبه بعض القطع من الجمر كادت أن تنطفئ وفوقها أبريق الشاي نسمع صوته وهو يصفر بهدوء ، وكأنه يصنع مع باقي تلك الأصوات مقطوعة موسيقية هادئة الانغام.
و ها هو الرجل يحمل الأبريق ويصب الشاي في كأس صغيرة تكاد تختفي داخل راحة يده .
 
يجلس على كرسيه المصنوع من القش ويشف من كأس الشاي و يكرر عملية الشرب تلك بشكل متكرر وعيناه تكاد لا تتوقف عن الدوران والبحث حوله كالرادار والكشاف ، إنه حذر على ما يبدو !.
وكيف لا وحقله قد أصبح مرتعاً للصوص والأطفال الأشقياء ، فهم يكسرون الأغصان بالثمار المحملة بها ويهربون إلى قريتهم المجاورة.
 
إنها ليست الخسارة الكبيرة بالنسبة لهذا الفلاح البائس ، فالسرقة لا تكون بكميات أكبر من ما يشبع مجموعة من الأطفال من التفاح ، لكن كسر الأغصان يُعتبر الخسارة الحقيقية للفلاح و للشجرة ، لذلك نراه الأن يجول بعينيه في الحقل و ما حوله والهواء يداعب ثوبه الطويل الذي يرتديه والذي يشبه العباءة البيضاء الكبيرة .
 
دعونا منه ، فهو على هذه الحالة منذ زمان يكاد لا يتحرك أو يبارح ذلك الكرسي حتى تظنه تمثال لولا حركة عينيه وكوب الشاي الذي يفرغ ويمتلئ عدة مرات في الليلة الواحدة ، دعونا منه و لنذهب إلى الطريق الواصل بين القرية والحقل هناك ، حيث أشجار السرو والزيتون تغطي جوانب الطريق المظلم الطويل الذي يكاد يكون مستقيماً من قلة الانحناءات ، نسمع صوت طفلين يأتيان من القرية ويسيران بخطى مبعثرة على الطريق ، يركضان تارة ويتوقفان تارة ، يتعاركان ، يتقافزان ، ذكرت انهما طفلان أليس كذلك ؟ حسناً ، لنرهف السمع لما يقولانه ولننصت بهدوء لكي لا يشعران بنا:
 
– علي : أشعر أنك فتاة بجسد ولد ! ما بالك خائف يا رمزي فالطريق سالكة والحقل قريب ؟ و نحن نكرر أفعال أولاد القرية الذين يملؤون بطونهم تفاح كل يوم .
– رمزي : فلتغلق فمك الكبير يا علي فأنا ذو تفكير حذر فحسب ، فماذا لو امسكنا أحدهم هناك وسلمنا لحارس القرية الهيثم ؟ سنصبح ونمسي على ضرب أبوينا ، و سنأكل العصي عوضاً عن التفاح يا غبي.
– علي : إذا بقيت هكذا تترقب بحذر فستصبح كالهيثم تحرس القرية دون مبرر ودون شكر أو جزاء ، فهو يقوم بهذه المهمة دون أن يطلب منه ذلك ، حتى أن أهل القرية طلبوا منه الراحة في المنزل ، فلا شيء يحدث الجلل في قريتنا الصامتة ، لكنه لا يرهف السمع لأحد ، حتى أنه كاد أن يتلقى الضرب المبرح عندما حاول أن يمنع أبا عماد من الذهاب إلى أرضه المجاورة للقرية ليلاً ، ولكن أبا عماد قد تركه يصيح لوحده وكأنه يتكلم بلا صوت ! فلا تخف من ذلك الأحمق الخرف ، و لنفكر كيف سنحمل أكبر كمية من التفاح معنا .
 
– رمزي وبلهجة الخائف والمتردد : وماذا لو….!.
-علي وبلهجة شقية : لو ماذا ؟ هل أنت خائف يا رمزي ؟.
– رمزي : لا ، لا لم نعد أطفال لنخاف يا علي ، لكن أقصد أن الحقل قريب من الغابة والحيوانات المفترسة ستكون تتجول في المكان ، فلنعدل عن الفكرة يا علي ولنرجع ونلعب في فناء مدرسة القرية.
-علي : كان الله في عوني هذه الليلة  ، اذا أحببت المجيء فلحقني أيها الجبان و إن كنت خائف فذهب و ألعب مع بنات القرية في فناء المدرسة ، ولا تنسى أن تلبس فستاناً وردياً قبل أن تذهب اليهن .
– رمزي و بلهجة المتحدي : خسئت ! فلنركض للحقل ومن يصل متأخراً سيكون زوج الأرملة أم سعود المستقبلي ( امرأة عجوز تزوجت ثلاث مرات وكان أزواجها يموتون بعد مدة من الزواج ، والروايات في القرية تقول أن أبنها الوحيد قد هرب منها خوفاً من الموت أيضاً ) قالها وأخذ يركض بأقصى سرعة لديه مخلفاً ورائه أتربة وبعض الحصى .
 
-علي وهو يستعد للحاق به والتخلص من لقب عريس أم سعود : كم أنت جبان ! تدعي الشجاعة أليس كذلك ؟ سأريك الليلة يا مدعي الشجاعة ، و ركض خلفه .
وها نحن نسمع صوت وقع أقدامهما يبتعد عن أذاننا شيئاً فشيئاً ، كم جميلة هي الطفولة وحمقاء أفكارها ، فلنسرع الخطأ و راءهما ولنرى من أستحق الزفاف على العروس أم سعود ؟.
 
 
إنه الليل مرة أخرى و إنه الطريق الذي تركنا رمزي وعلي يتسابقان عليه ، ونحن الأن هنا لنكمل قصتنا هذه.
يبدو أننا وصلنا قبلهما إلى الحقل ، فنحن القراء لدينا قدرات خارقة في القصص و الروايات نذهب أينما نشاء وننتقل للفصل الذي نريد وننهي القصة أينما نريد ، المهم سأكف عن الثرثرة الأن لأنه يبدو أن أحد الأطفال قد وصل و صوت وقع قدميه قد وصل أسماعنا ، إنه رمزي ويبدو من الابتسامة التي تشرق على محياه ، أنه سعيد بأنه تخلص من لقب زوج أم سعود الخرفة ، فلنختبئ ولنشاهد الأحداث بصمت.
 
رمزي و هو يلهث من التعب وقد بدء يبطئ من سرعته : يبدو أن علي سيكون سعيداً بحياته الزوجية مع أم سعود ، أتمنى أن يحطم الرقم القياسي بين أزواجها ويعيش أطول فترة منهم ، لكن تُرى أين وصل ذلك البطيء ؟.
 
قالها و أخذ يلتفت إلى الطريق الذي قدم منه للتو وهو يمسحه بعينيه ، لكن يبدو من خلال أمارات وجهه أنه لم يجد أحداً.
 
أين أنت يا علي ؟ قالها رمزي بصوت مرتفع وعلامات الخوف تظهر على وجهه الطفولي ، وبينما كانت فكرت عودته إلى القرية تتقافز في رأسه ، سمع صوتا يأتي من أنحاء الشجر ، فأعاد سؤاله السابق لكن بغير صيغة وبصوت أقوى :علي ، هل هذا أنت يا علي ؟ سأعود إلى القرية إن لم تخرج حالاً و أقسم بذلك !.
 
لم يسمع جواباً من أحد والضجيج زاد أكثر وكانت الحركة هذه بمثابة الجواب لرمزي بأن عليه أن يعود إلى القرية فوراً ، فعاد خطوات  سريعة إلى الخلف والتفت إلى الخلف عازماً على الركض إلى القرية بأقصى سرعة تمكنه قدماه منها ، لكنه ارتطم بشيء و وقع أرضاً واستلقى على التراب  كالذي أرتطم بحائط صلب لا يتزحزح ، رفع رأسه ببطء و أراد النظر إلى هذا الجدار الذي ظهر فجأة أمامه في وسط هذا الحقل الواسع ! وليته لم ينظر.
 
لم يتبين ملامح الشيء الذي أمامه ، لكنه يشبه الأنسان ، لكن أطول و بشكل غير طبيعي بالنسبة لأنسان ، هناك تفصيل قد جعل رمزي يفزع واقفاً وهو أن عينيه كانت غير موجودة وكانت المحاجر فارغة تماماً !.
 
قرأت مرة في أحد المقالات القريبة للعلمية أن الادرينالين عندما يتدفق في الجسم تزيد قدرة حواس الأنسان وقوته عدة أضعاف تحت تأثير هذا الهرمون الخارق ، لكن ما نراه الأن أن علي قد تشبع بهذا الهرمون حتى أنه قد قفز بقوة وركض إلى الخلف مخلفاً تراباً قوياً و بدأ يركض بالاتجاه المعاكس لهذا الشيء ، وأظن أنه لا يفكر بالوجهة بل بالنجاة بحياته الفتية !.
 
ركض بقوة بتجاه النهر وعندما  أقترب من الوصول إلى النهر قفز أمامه شيء  بحجمه وصرخ هذا الشيء صرخة مخيفة !.
انزلقت قدم رمزي وسقط أرضاً وتدحرج عدة مرات و همد أخيراً !.
ها هو ذلك الشيء يلتفت الينا ، أختبئوا لكي لا يرانا ، أنه علي أخذ يضحك ويقهقه بصوت مرتفع واقترب من جسد رمزي الملقى على الأرض وهو يقول :
 
ليتني أحضرت أحدهم ليكون شاهداً ويحكي معي ما شاهدته من أمارات رعب قد ظهرت على وجهك المسكين يا رمزي ، أتمنى أن لا تكون قد بللت سروالك ، فعندها سيغشى علي من الضحك و أقسم أنني  سأخبر الجميع بأنك عدت طفلاً صغير يبلل نفسه من جديد !.
 
كان رمزي لا يتحرك أبداً فقد أُغمي عليه من هول ما حدث معه ، فالمسكين مجرد طفل وقساوة تلك المشاهد قد أغابته عن وعيه الطفولي !.
 
مرت ربع ساعة ونحن نرى علي يقوم بمحاولة أيقاظ رمزي بشتى الطرق لكن بدون جدوى ، حتى أنه فقد الأمل وظنه ميتاً ، وقف بسرعة والدموع ترقرق في عينيه وهم بالركض إلى الخلف ولكنه ارتطم بشيء قاسي كالجدار و وقع أرضاً بقوة !.
 
تمنى علي أن تكون هذه المشاهد كابوساً ومع قوة هذا الاصطدام سيقع وسيستيقظ منه وهو في بيته الأمن ، لكن لم يكن له ما أراد ، شاهد وجه ذلك الشيء أمامه و أنقض الشيء عليه دون رحمة ، لن أريكم هذا المشهد الذي حصل تالياً ، فنحن مهما كنا هواة قراءة روايات الرعب والفزع فنحن بشريون في النهاية وهناك مشاهد تجعل دمائنا تتجمد فزعاً  ، فلنعد النظر وسنرى أن رمزي بدأ بالاستيقاظ شيئاً فشيئاً وفتح عينيه قليلاً ليجد المشهد الأكثر رعباً يظهر أمام عينيه .
 
عندما فتح رمزي عينيه شاهد وجهاً لن يستطيع نسيانه أبداً ! شاهد وجه الوحش مباشرة أمام وجهه ، كانت صفاته غريبة ومخيفة جداً ! كانت محاجر عينيه فارغة والفم مشقوق ذو أنياب طويلة والدماء تقطر منها على وجهه مباشرة ، و الشعر طويل جداً ولونه قرمزي غامق يعطي وجهه الأبيض الشاحب الذي يشبه جلد الأموات انطباع الجثة التي ماتت حديثاً ! وبدأ يقترب أكثر ، لكن لحظة ! يبدو هذا المخلوق مألوفاً لنا ، إنه ذلك الرجل الذي كان جالساً على كرسي من قش ويشرب الشاي ، ذلك الذي ظنناه مالك الحقل وهو يقوم بحراسة الحقل ، تأخرنا بمعرفة  أن مالك الحقل ليس أنسياً ! المهم لنعد للأحداث قبل أن تسبقنا ، فدماغي بدء يتضخم.
 
ربما لا أحتاج أن أذكر خصائص الأدرينالين مجدداً فذلك سيجعل قصتي مملة ، لذلك عودوا عدة سطور وستعرفون تلك الخصائص ، وستعرفون أن نسبة ذلك الهرمون قد أزداد عند رمزي حتى كاد أن يخرج من أذنيه ، فلقد وثب واقفاً كالمجنون بعد رؤية ذلك المشهد و وجد ما جعل شعر رأسه يقف وسيجعل القشعريرة تجري في جسدنا ، لقد وقع نظره عند وقوفه على لحاء الشجرة المقابلة له فوجد علي جالساً مسنداً ظهره على لحاء الشجرة وعينيه مفتوحتان وشاخصتان بتجاهه وكأنه كان هناك يكمل اللوحة المرعبة التي تظهر أمامنا و أمام رمزي الأن ! والشيء الأكثر رعباً أن أحشائه كانت خارجة من بطنه والدماء تملئ جثته و المكان حوله !.
 
كان المشهد السابق كراية الانطلاق في سباقات الرالي وسباقات السيارات بالنسبة لرمزي ، فقد أطلق قدماه للريح وأصبحت القرية هدفه الوحيد الذي يحلم الوصول اليه.
 
فعند ابتعاده عن ذلك المخلوق المخيف سمع صوته الذي لا يقل رعباً عن هيئته ، حيث قال له بصوت عميق مزعج قد سمعه رمزي بكل حواسه : ستعود يا رمزي وسيكون مصيرك كمصير صديقك هذا  وستصبح من هذا اليوم أحلامك كوابيس تشدك إلى هنا ، ستعود وستنال عقابك فأنت لست الأول ولن تكون الأخير !.
 
ظل صوت المخلوق المخيف يتردد في رأس رمزي كالصدى المتكرر وترك قدماه تركضان ذاتيا نحو القرية فكأنهما موكلتان بتخليصه من هذا المكان ، وكلما كان يقترب من القرية كان شعوره بالأمان يزيد حتى وصل أخيراً !.
 
يبدو أن ذاكرتي تصبح ضعيفة لدرجة أنني نسيت الأحداث التي حدثت مع رمزي في الحقل ، لكنني سأتذكر مع الوقت دائماً ما يحصل هذا !.
 
لكن يبدو أن رمزي لم ينسى ولن ينسى ، و ذلك باد من أمارات الفزع الظاهرة على وجهه ! وكأنني أراه الأن يستعيد تلك اللحظات بأدق تفاصيلها في عقله الباطن ، والدموع تغطي وجهه البريء ، مسكين ! فليس سهلاً أن تمر بك كل تلك الأحداث في ليلة واحدة ، أدرك أن شعوره الأن كالذي صدمه قطار سريع بكل حمولته  لكنه لم يمت بل شعر بالألم ولا يزال ! بدأت أتذكر ما حدث الأن ، و بدأت مشاعر الشفقة تشتعل داخلي تجاه هذا المسكين لأننا الأن نراه بعد أن وصل إلى القرية وترك الحقل خلفه قد جلس في خيال أحد المنازل القريبة من المدرسة وبدء ينظر إلى قدميه التي أدماها الركض حافياً ! لكنه لم يشعر بهما كيف حصل ذلك ؟ لا أظن أنه بصدد التفكير بذلك ، فصحيح أن عيناه متجهة إلى قدميه  وهما شاخصتان ، لكن عقله في مكان أخر الأن ، يفكر بأهله وبالذي سيقوله لهم حول تأخره وحول قدميه المصابتين ، و تارة يفكر بأهل علي المسكين ، ماذا سيكون موقفهم لو عرفوا ما حدث لولدهم ؟ أمه ستموت حرقة حتماً ، فهي مريضة وجزعها قد تآكل بفضل مرضها الذي لم يتركها يوما منذ سنوات ، سيكون الخبر كالقشة التي قصمت ظهر البعير.
 
مسكين رمزي فالأفكار بدأت تتخبط داخل رأسه حتى أننا نرى الدموع تنهمر من عينيه ببطء وحرقة ، رفع رأسه ونظر للمدرسة وقال في نفسه الحزينة : ليتنا بقينا نلعب هناك ، ولم نذهب إلى ذلك الحقل الملعون ، كان الفجر قد بدء يلوح ، وبدأت الشمس تطلق أولى خيوطها في السماء الحبرية اللون ، جميلة تلك النجوم التي بدأت تختفي ، لكنها بطريقة ما جعلت رمزي يتذكر صديقه علي ، ويتذكر أنه رحل بلا عودة .
 
ها هو قد وضع رأسه بين ركبه ونسي أين هو ، ولم يشعر ببعض الأقدام التي اقتربت منه ،و أمسك أحدهم كتفه بقوة و رفعه عالياً ، نظر رمزي بنظرات خائفة للذي أمسك كتفه بذلك العنف ، كان والده ، وهو ينظر اليه بأسى وغضب وكان والد علي يقف على مقربة  من والده وعيناه تتحدث عن الخوف الذي شهدوه في هذه الليلة ، وكان الهيثم حارس القرية يقف في الخلف ، لكن لحظة ! لماذا هو مرتبك وخائف لتلك الدرجة حتى أنه كان يرتجف بشكل ملحوظ للمدقق في حركاته .
 
سأل والد رمزي أبنه : أين كنتما ، أيه الشقيان ؟ لقد كادت قلوبنا أن تنفطر خوفاً ، هي تكلم.
وقبل أن يفكر رمزي بالجواب نظر إلى الهيثم حيث كان يومئ له بالسكوت ، وعندما أعاد نظره لوالده دون جواب ، قال له الوالد وقد بدا الحنو يتسلل إلى صوته:
 
أين كنتما ، أخبراني يا بني ؟ فنظر والد علي لرمزي وقال له بلهجة المترجي : أرجوك اخبرني يا رمزي ، أين أبني علي و أين ذهبتما ؟ أخبرني سريعاً أرجوك ؟ فأمه تنتظرني وأنا ممسكاً بيده وداخل به إلى المنزل .
 
انهى والد علي جملته تلك ، وبدأت دموعه تنهال بحرقة ، لم يستطع رمزي التكلم و أثر الصمت ، و بل تظاهر بأنه لم يعد يستطيع التحدث حتى يرتاح قليلاً من الإجابات لبعض الوقت ، فالاهم عنده أن ينام و ينسى قليلاً ، فأخذه والده للمنزل و وعد والد علي بأخباره بالحقيقة حال تحدث ولده وتعهد بالمساعدة فذلك الوعد ربما يخفف حزن والد علي الذي رحل وهو يتكلم مع نفسه ويقول : أجارنا الله من القادم !.
 
نام رمزي في فراشه الدافئ ، نام كأنه قد أفتقد النوم ولم يره منذ زمن ، نام وسط تساؤلات أمه وأخوته عن ليلته التي قضاها بالخارج ، لكن سكنت الأجواء بحركة حازمة من الأب حتى نكاد نسمع للإبرة صوت في غرفة رمزي القروية ، الأم واقفة في الباب تنظر ولدها المتعب وهي تلعن نفسها أنها لم تنتبه له أكثر ، والأب جالس في الخارج يدخن لفافة التبغ بأنفاس متسارعة ، كأنه يخرج التفكير من رأسه ، كذلك الدخان الذي يخرج من شفتيه.
 
فلنقترب ولننظر لوجه رمزي النائم أنه بريء حقاً و الدنيا لم تحترم براءته ، ما أقساها عندما تقسى ! أنظروا معي لقد بدا يرتجف ويتمتم ببعض الكلمات الغير مفهومة ، إنه في كابوس الأن ! فلندخل إلى عقله لنرى ما يواجهه في ذلك العالم.
 
رأى  رمزي نفسه واقف في وسط بستان الحقل وهو لوحده ، بدء ينادي بخوف ما الذي أعادني إلى هنا ، ماذا حصل ؟.
 
علي  …. أين أنت ؟ علي….أ تسمعني ؟ وبينما هو يصرخ نظر ناحية النهر و وجد علي واقف قرب الضفة ينظر له وهو يبتسم ابتسامه مخيفة وهو يحمل أحشائه بيديه ، قال رمزي  وعلامات الخوف تظهر على وجهه وخطواته تتأخر إلى الخلف : علي ، هل لا زلت حياً ! لماذا لا تجيب ؟.
 
بدأ علي بالتقدم نحو رمزي ببطء والدماء تقطر خلفه وقال بصوت مخيف ليس بصوته:
 
لماذا تركتني يا رمزي ؟ فنحن لم نحصل على التفاح بعد ، تعال إلي ، تعال يا صديقي أريد أن أريك ماذا يوجد بالنهر .
 
عندما أنهى علي جملته خرج شيء ضخم من الماء  وقفز بجانب علي ! أنه المخلوق الذي قتل علي والابتسامة الصفراء تلمع على وجهه و بدأ الاثنان يقتربان من رمزي وهما يقولان سوياً :
 
تعال الينا…تعال الينا….تعال الينا…تعال يا رمزي.
 
تراجع رمزي إلى الخلف بخطوات متثاقلة كأن قدماه مثبتتان بالأرض و وجد صعوبة في تحريكما ، وبينما هو يتراجع أرتطم بشيء في الخلف ! فنظر بخوف و ببطء شديد إلى الخلف فوجد الهيثم يكرر له حركة السكوت التي قام بها بارتباك خلف والده سابقاً.
 
استيقظ رمزي أخيراً والبلل يغطي وسادته وجبينه ، حقاً أنه كابوس مخيف ، لكن ما سر حركة الهيثم تلك ، بدأ التفكير يغزو تفكير رمزي ثانية ، فقال في قرارة نفسه : سوف أسأل الهيثم ومتأكد أن الحل لهذا اللغز يكمن عنده .
 
قالها رمزي و وقف متجه لمنزل الهيثم و الأفكار تكاد تخرج من أذنيه الصغيرتين.
وصل رمزي في فترة الظهيرة إلى منزل الهيثم المتهالك من الخارج ، والذي تحيط به أرض جوفاء قاحلة ، لا عجب في شكل منزل هذا المختل فهو يقضي أغلب وقته في الخارج لوحده يلحق الناس بعيونه المرتبكة شديدة الحمرة من قلة النوم ، وبينما هم رمزي بدق باب المنزل الخشبي ، فتح الهيثم الباب بطريقة فاجأت رمزي وجعلته يعود إلى الخلف عدة خطوات والفزع يقفز من عينيه !.
 
قال الهيثم بلغة الية :
 
لقد تأخرت ، كنت انتظرك ، قال تلك الجملة ودخل إلى الداخل وصوت قدميه وهي تخطو إلى داخل المنزل تدعو رمزي إلى الدخول بسرعة ، فدخل رمزي إلى الداخل وعيناه تتفحص المنزل حوله ، أنه ليس بهذا السوء ، ليس هناك ما يجعله مختلف عن باقي بيوت القرية ، لكن ما جعل الاختلاف ظاهراً هو أحذية ممزقة قد وُضعت في صدر البيت كالتحفة الغالية والثمينة ! فتح رمزي فمه مستعداً لبدأ وابل الأسئلة يريد أن يمطر الهيثم بها ، لكن الهيثم قال فجاءة بلهجته الاليه :
 
قبل أن تسأل سأعطيك كامل الأجوبة ، أجلس واستمع :
 
قبل عشرين سنة كنا أطفالاً صغاراً مثلكم ، لكننا كنا أكثر شقاوة ، و في أحد الأيام اتفقنا أنا و سعود أبن الأرملة أم سعود أن نذهب ليلاً إلى حقل التفاح للعب وسرقة بعض التفاح ، لا زلت أذكر نظراته المتحمسة للأمر كأننا سنسطو على بنك في تلك الليلة.
 
في هذه اللحظة جلس الهيثم على كرسي قديم الطراز و أخرج لفافة تبغ و وضعها بفمه بتلقائية وكأنه يلفت أنتباه رمزي بتلك الحركة العفوية وها هو أشعلها و أكمل قائلاً:
 
انطلقنا مساءاً ونحن عازمون على إحضار أكبر كمية من التفاح لأصدقائنا الذين لم يصدقوا ذهابنا ، حيث أن الناس كان يتحدثون ويتهامسون في مجالسهم ليلاً ، أن ذلك الحقل قد مات ملاكه منذ زمن والجن هي من تحرثه وتعتني به وتحميه ، وكان مطمعنا أن نتفاخر أمام أهل القرية بمغامرتنا هذه أكثر من أكل التفاح .
 
وصلنا الحقل وبدأنا جمع التفاح بسرعة  وتفرقنا في وسط الحقل حتى نجمع أكبر عدد من التفاح .
 
انتهيت من الجمع حتى أنني لم أقدر على المشي من كمية التفاح في ثوبي وفي جيوبي الفضفاضة ، و أتجهت باتجاه سعود لأرى إذا أنتهى أو لا ، لكنني لم أجده ! نظرت خلفي وحولي لكن لا أثر ! وقبل أن أصرخ  باسمه سمعت صوت قريباً من النهر ، فتوجهت هناك بسرعة و بعض الارتياح قد بدء يدخل قلبي ، و هممت أن أتحدث لكن ! وجدت سعود مستلقي ينظر لي والدماء تخرج من فمه وهناك مخلوق عجيب يلتهم أحشائه !.
كان لا يزال حياً ولكنه لا يستطيع التحدث !.
أصبحت القرية ملاذي الوحيد و ركضت بأقصى سرعة اليها وهذا المشهد المريع لا يفارق عقلي حتى اليوم ، صمت الهيثم وهو ينظر إلى الأرض وكأنه يعيد تذكر تلك المشاهد .
 
كان رمزي ينصت بانتباه ، و قال عندما وجد الهيثم منغمساً في تفكير:
 
لكن لماذا لم يبحثوا عن جثة سعود بعد الحادثة ولم يبحثوا عن المخلوق  الفاعل .
 
رد الهيثم بصوت منخفض :
لأنني لم أخبر أحداً ما حدث ! لأنني لم أجد شيء أقوله لأمه ، فلن يصدقني أحد وسيظنون أنني جننت  ، لكنني ذهبت في اليوم الثاني إلى الحقل صباحاً و وجدتهما هناك ، قالها وهو ينظر إلى ذلك الحذائين و أردف قائلاً :
 
ومن ذلك اليوم أن احرس القرية لأنذر أهلها إذا هاجم ذلك المخلوق القرية بغتة ، وعليك أن تساعدني في ذلك منذ اليوم ، لأن المخلوق لن يتوقف حتى يمسكنا مجدداً ، فعلينا الحذر.
 
وقف رمزي و أتخذ طريق الخروج وقبل أن يدخل ممر الخروج قال دون أن يلتفت :
 
في أي ساعة تخرج ليلاً ، و أين نلتقي ؟.
رد الهيثم بصوت مهيب:
 
عند انتشار الظلام ، وعن المكان لا أعلم ، سأراك في أي مكان في القرية أو حولها لكن ! ما عدا ذلك الحقل ، لأنه ينتظرنا هناك في ذلك الحقل !.
 
 
النهاية ……
 

تاريخ النشر : 2020-05-25

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

15 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
15
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك