منوعات

اضطرابات الأكل: حينما يتحول الطعام إلى نقمة

بقلم : اياد العطار
للتواصل : [email protected]

هناك اضطرابات قد تكون انت مصاب بها من حيث لا تعلم
هناك اضطرابات قد تكون انت مصاب بها من حيث لا تعلم

قبل فترة زارنا أحد أقاربنا لعيادة والدي المريض ، ومعلوم إن كبار السن إذا ما جمعهم مجلس فأن احاديثهم غالبا ما تدور حول الماضي وذكرياته ، وكان قريبنا هذا سليل عائلة ، كانت يوما ما ، ذات ثراء فاحش ونفوذ ، فتطرق الحديث لسيرة تلك العائلة ، وقال والدي متذكرا بأن جدتي كانت تصحبه في صغره لزيارتهم ، وكيف أنه كان يتشوق لتلك الزيارات لأنها كانت أشبه برحلة إلى عالم آخر حيث المنزل الفسيح ذو الحديقة الغناء في أحد أرقى أحياء المدينة ، والموائد العامرة بما لذ وطاب ، وكان والدي مشدوها أيضا بجمال جدة وعمات قريبي هذا – وكلهن الآن في ذمة الله – ، لأنهن كن كنجمات السينما ملاحة واناقة ، لكنه يتذكر أيضا بأنهن كن شديدات النهم للطعام ، خصوصا الحلويات والمعجنات والشكولاته ، ومع ذلك كن رشيقات ، وهو أمر طالما أثار استغرابه.

 فضحك قريبي قائلا بأن وراء ذلك سر لا يعرفه أحد سواه.

أي سر؟ .. تسائل والدي ، ففي ذلك الزمان ، أي اربعينيات القرن المنصرم ، لم تكن هناك عمليات شد جلد ولا شفط دهون ، فكيف كن يحافظن على رشاقتهن مع كثرة الأكل.

قال قريبي مبتسما : كن يتقيئن الطعام بعد التهامه .. ببساطة يضعن اصبعهن في فمهن فيستفرغن ما في بطونهن قبل أن يتم هضمه. وقد دأبن على تلك العادة الغريبة.

كلام قريبي هذا صدمني حقا ، لا أقول بأني لم أسمع يوما عن التقيؤ الذاتي ، أو أني لم أمارسه بنفسي في مواقف استلزمت فعل ذلك ، لكن أن يتحول الأمر إلى عادة وسلوك دائم فهو أمر لم أسمع عنه اطلاقا ولا تخيلت حدوثه ..

حديث قريبي هذا لم يفارق عقلي ، وحالما غادرنا هرعت إلى النت أبحث عن عادة أو سلوك التقيؤ الذاتي بعد الأكل ، لأكتشف سريعا بأنه أمر شائع واضطراب سلوكي معروف بأسم النهام العصبي (Bulimia nervosa) والذي يتميز بقيام المصاب بتناول كميات كبيرة من الطعام في وقت قصير ثم التخلص من الطعام غالبا عن طريق التقيؤ الذاتي بوضع اصبعه في فمه.

هذا الاضطراب شائع لدى النساء أكثر من الرجال ، وعادة ما يكون منتشرا داخل العائلات ، بمعنى إذا كانت الأم تمارس هذا السلوك فهناك احتمال قوي أن يسري ذلك إلى بناتها. وأسباب هذا الاضطراب مختلفة ، قد يرتبط بعوامل بيولوجية ، كالهرمونات مثلا ، أو نفسية كالكآبة والقلق وازدراء الذات، أو اجتماعية ، خصوصا لدى الفتيات اليافعات اللاتي يحرصن بشدة على الرشاقة وتفادي الوزن الزائد.

وللأسف يظن البعض أن التقيؤ هو أداة سحرية للمحافظة على الوزن وبنفس الوقت تناول ما تشتهي النفس من اطايب الطعام ، لكن ذلك غير صحيح وخطأ فادح ، لأن هذه العادة لها عواقب وخيمة على الصحة ، فمثلا جدة قريبي التي ذكرتها سابقا أصيبت لاحقا بسرطان المريء وتوفيت بسببه ، ومن المعلوم أن سلوك التقيؤ الذاتي المتكرر تؤدي إلى الاصابة بسرطان المريء واضطرابات مختلفة في الجهاز الهضمي مثل ارتجاع الحمض المعدي وتآكل الأسنان والشعور بالامتلاء السريع وتأخر المعدة في تفريغ الطعام وظهور طبقة سميكة من الجلد على الأصبع المستعمل بالتقيؤ – بسبب حمض المعدة – وغير ذلك من الأعراض والأمراض والمشاكل الصحية مما يطول ذكره.

قرائتي عن متلازمة النهم العصابي فادتني من حيث لا أدري إلى الأطلاع على المزيد من الاضطرابات المتعلقة بالأكل ، بعضها لم أسمع عنها قط ، والمفاجأة أن بعضها كان موجودا عندي يوما ما ، مثل اجترار الطعام من المعدة ، أو متلازمة الاجترار (Rumination syndrome) ، ففي طفولتي ، ولسبب ما ، كنت استطيع أن اجتر بعض انواع الطعام والشراب من معدتي فأعيد مضغه قبل أن ابتلعه مجددا ، طبعا هذه المتلازمة تختلف عن القيء ، لأن الطعام المجتر لم يهضم بعد ولم يتغير طعمه بفعل احماض المعدة ، وتحدث الحالة بعد فترة قصيرة من تناول الطعام ، ولها أسباب عديدة يطول شرحها، كما أن لها عواقب صحية لو أستمرت لفترة طويلة.

ومن الأضطرابات الأخرى التي كانت موجودة عندي هي متلازمة تجنب أو تقييد تناول الطعام (Avoidant/restrictive food intake disorder) ، وهي موجودة لدى شريحة واسعة من الناس ، خصوصا المراهقين والشباب ، وتتمثل في تفادي تناول معظم أنواع الأطعمة ، ورفض تجربة الجديدة منها ، بسبب الشكل أو اللون أو التجانس أو الرائحة. جدير بالذكر أن هذه المتلازمة مختلفة عن سلوك الأكل الانتقائي الموجودة خصوصا عند الأطفال والمراهقين ، حيث يميلون إلى أطعمة معينة ويرفضون تناول أخرى ، فنحن نتكلم هنا عن حالة متطرفة بحيث أن المصاب يكاد يرفض تناول معظم أنواع الأطعمة ، ولو حصل واجبرته أو حملته على تناول طعام لا يعجبه فقد يتقيأ. أنا شخصيا كنت أرفض تناول أي طعام فيه معجون طماطم أو اللون الأحمر!. وغالبا ما تختفي هذه المتلازمة أو تخف حدتها عند الكبر ، كما حدث معي ، لكن البعض الآخر قد تستمر عنده لمراحل أخرى من حياته وتسبب له مشاكل واضطرابات عديدة ، وهنا ينبغي التدخل العلاجي.

أحد أنواع اضطرابات الأكل الشائعة الأخرى هي فقدان الشهية العصابي (Anorexia nervosa) والذي غالبا ما يصيب الفتيات ، ويتمثل في تحاشي تناول الطعام وتجويع الذات بشدة ، والسبب الأكثر شيوعا وراء هذه المتلازمة هو الخوف من اكتساب وزن أضافي والرغبة بالمحافظة على قوام رشيق ، وبالتدريج يتحول الأمر إلى نوع من الوسواس القهري بحيث أن المصاب دائما ما يشعر بأن لديه وزن أضافي رغم نحافته. وهذه المتلازمة إذا لم تعالج بشكل صحيح يمكن أن تؤدي إلى عواقب وخيمة ومزمنة ، مثل اضطرابات الهضم ، العقم ، هشاشة العظام ، مشاكل في القلب .. وفي الحالات الشديدة قد تؤدي إلى الموت.

هناك حالة أخرى من اضطرابات الأكل المرتبطة بالوسواس القهري تدعى (Orthorexia nervosa) يكون فيها المصاب حريصا جدا على تناول أنواع معينة من الأطعمة الصحية ، أو التي يعتقد أنها مفيدة للصحة ، ويتجنب معظم أنواع الطعام الأخرى إلى حد الهوس والأضطراب.

أما أغرب أنواع اضطرابات الأكل فهو ما يعرف بأسم فساد الشهوة (Pica) ويتمثل بالرغبة في أكل ما لا يؤكل ، كالتراب والطين والشعر والورق والبلاستك ، وأشياء صلبة وحادة كالمعادن والزجاج والحجارة .. وأمور أخرى لا أود ذكرها لأنها مقززة . طبعا لكي يصنف الشخص كمصاب بهذه المتلازمة يجب أن يتناول هذه الأشياء أكثر من مرة ويكون لديه ميل مستمر نحوها ، ولا يكون تناوله لها مرتبط بأمور عقائدية أو علاجية. وهذه المتلازمة شائعة بين الأطفال والمعاقين عقليا والنساء الحوامل ، واحيانا تكون عواقبها وخيمة ، كما في حالة أكل الأشياء الحادة التي قد تسبب جروح ونزيف داخلي.

ختاما اسألك عزيزي القارئ هل تعاني ، أو سبق أن عانيت ، أو تعرف شخصا عانى ، من بعض هذه الاضطرابات .. وهل أنت شخص يحب الطعام ويأكل كل ما يوضع أمامه أم لديك شروطك الخاصة في ما يدخل معدتك؟

المصادر :

Bulimia nervosa – Wikipedia
Eating disorder – Wikipedia
Anorexia nervosa
متلازمة الاجترار
What is pica?

تاريخ النشر : 2020-04-16

مقالات ذات صلة

52 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى