ألغاز علمية

في ميزان العلم .. التطور الدارويني حقيقة أم خيال؟

بقلم : بدر عبدالله الصاعدي

بسم الله الرحمن الرحيم .. لم يكن موضوع التطور من المواضيع التي أهتم بها إلى أن قدر لي يوما أن أقرأ كتاب (صندوق داروين الأسود) للعالم الأمريكي د. مايكل بيهي وهو عالم كيمياء حيوية وأستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة ليهاي في بنسلفانيا وزميل بارز في مركز العلوم والثقافة، وتعجبت كثيرا من الحجة التي أوردها في كتابه والتي يبطل بها التطور إن لم نقل سحق بها التطور، ثم بعد ذلك قمت بقراءة العديد من الكتب لأكتشف أن ما نعرفه منذ زمن طويل عن التطور واعتقاد أكثرنا أنه نظرية مسلم بها في الغرب ليس صحيحا، أو اعتقاد بعضنا أن النظرية اكتسبت تأثيرها بسبب قوة أدلتها، وأن العلم يشق طريقه بأبجدياته وأخلاقياته، وإن وجد شيء غير مقبول فهو راجع لخطأ ما وهفوة من عالم فكل ذلك ليس صحيحا، ولعل ذلك راجع إلى أن العالم العربي بالنسبة للعلوم الحديثة مجرد مستهلك معرفي لما ينتجه الغرب، و وأن ما يدور في فضاء العالم العربي هو مجرد صدى لما يبثه الغرب كونهم أصحاب الاختصاص والسبق في العلوم الحديثة، وليس لنا يد في نقده علمياً، لذا كان مفروض علينا القبول فقط. إضافة إلى أثر هيمنة النموذج الغالب والتي تؤدي إلى قبول المغلوب لرأي الغالب بشكل مجرد، والغرب يدرك هذه العلاقة المعرفية بينه وبين العالم العربي ويظهر ذلك في بعض أساليب الترويج للأفكار في بعض المواد المرئية والمقروءة.
ولكن الواقع أن العالم الغربي -لا سيما في الوسط العملي – ليس كلهم يؤمن بالتطور وليس جميعهم متفقون، كحال مايكل بيهي مثلاً وليس تدينا منه فمايكل رفض التطور بعد قراءته لكتاب (التطور نظرية في أزمة) لمايكل دنتون أستاذ علوم الوراثة والكيمياء الحيوية، وكتاب دنتون هذا قديم صدر عام 1985م ثم عاد دنتون حديثا فألف كتابة الحالي (التطور نظرية “مازالت” في أزمة) وكحال ستيفن ماير صاحب كتاب (شك داروين) وغيرهم.

لماذا ظلت الداروينية موجودة؟

blank
كتاب صندوق دارون الاسود .. رابط التحميل مع المصادر في الاسفل

طبيعة النظريات أنها تسقط وتحل محلها نظريات أخرى أو تتحول إلى حقائق وجودية مسلمة عند تكامل الأدلة وتظافرها والتحقق منها، مثل دوران الأرض حول الشمس مثلا، ولا حرج في وضع فرضية ممكنة علمياً ثم البحث عن أدلتها لكن العجب ألا يراد لها السقوط عند العجز عن إثباتها، ولا يراد لها أن تذهب إلى أرشيف النظريات القديمة لتحل محلها نظرية جديدة أو حقيقة علمية. ولكن يزول العجب إذا عرفت أن المخلوقات لن تخرج عن كونها متطورة أو مخلوقة بمعنى أن الملاحدة الذين يتبنونها إما أن يثبتوها فيصبح لديهم دليل على إلحادهم أو يتشبثوا بها كنظرية مجردة، ولا خيار أخر وأما فكرة التطور الموجه فعلى إشكالاته في الجانب الشرعي والعلمي، وكثرة تناقضاته كونه مذهب تلفيقي يحاول إرضاء الطرفين، إلا أنه داخل في القسم الثاني وهذا لا يسعد الملاحدة، ولماذا الملاحدة؟ يجيب التطوري داعية الإلحاد الأشهر رتشارد ديكنز: “داروين جعل الأمر ممكننا في أن تكون ملحدا متكاملا فكريا”!.

التطور الصغير والتطور الكبير

هناك من يقسم التطور إلى تطور كبير وتطور صغير فالتطور الكبير هو التطور الدارويني المراد به تكون الأنواع المختلفة من المخلوقات ونشوء بعضها من بعض وأما التطور الصغير فهو يكون داخل النوع الواحد وينتج عنه تحسين المحاصيل وسلالات حيوانات المزرعة وإنتاج اللقاحات وهو وأن سمي تطور فهو لا يتنج عنه مخلوقات جديدة ولا تتخلق جينات جديدة ويكون محدود داخل النوع الواحد فالتفاح عند محاولة تحسينه لا ينتج عنب مثلا فضلا أن ينتج حيوان فهو محدود بإطار النوع، وللأسف يغالط بعض المتعصبين للداروينية ويستدلون بما يتم رصده في المختبرات عن التطور الصغير للاستدلال به على التطور الكبير أو الدراويني وهذا التدليس والإيهام للمطالع راجع لأسباب فلسفية لذا نجد منصفيهم لا يرون أن هناك علاقة بين التطور الصغير والتطور الكبير ويصرحون بذلك، ولعل التطور الصغير مما عزز الخيال لدى داروين عند ملاحظته أنواع من الطيور ولئن كان له عذر في هذه الجزئية إلا أنه بعد تقدم العلوم واكتشاف الشفرات الوراثية والجينات وتبين عدم تغيرها عند إنتاج السلالات وأنها لا تخرج عن النوع الواحد ولا يمكن أن تنتج نوعاً جديداً لم يعد هناك عذر لأحد.

خيال العقل وعقبات الواقع

blank
بحسب دارون فان البشر والقرود يعودون لاصل مشترك واحد

فكرة تطور الكائنات ليست عسيرة على الخيال المجرد ولننظر في بعض السياقات التاريخية فأرسطو وضع السلسلة العظمى للكائنات والتي قسم فيها الكائنات إلى عدة مراتب وهي التراب ثم النبات ثم الحيوان ثم الإنسان ثم تم تقسيم التراب إلى مراتب من الأدنى إلى الأشرف وكذلك قسم النبات والحيوان، وجعل أشرف التراب مما يلي أدنى النبات وأشرف النبات مما يلي أدنى الحيوان وأشرف الحيوان مما يلي الإنسان، دون القول بأنها ناتجة عن بعضها بل كان يُعتقد ثباتها وعدم تطورها، انتهت هذه الفكرة بعدما جاءت فكرة تقسم الكائنات على هيئة شجرة ذات أصول وفروع لا سميا مع اكتشاف الحيوانات المنقرضة وتدخل الخيال ليبتكر فكرة التطور لا عن دليل كما سيأتي فطبيعة الفرضيات العلمية أنها توضع ثم يبحث عن الأدلة كما هو معروف ، وحتى يتضح أن الخيال قادر على نسج التطور فإنا نجد في بعض كتابات أحد علماء المسلمين وهو يصف التطور ثم ينفيه هو كأنه رداً على فكره متداولة لدى طائفة ما، فيقول الرازي في تفسيره عند قول الله تعالى : (( وَمِنْ ءَایَـٰتِهِۦ أَن خَلَقَكُم مِّن تُرَاب ثُمَّ إِذَاۤ أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ )) قوله ﴿إذا﴾ وهي للمفاجأة، يقال خرجت فإذا أسد بالباب، وهو إشارة إلى أن الله تعالى خلقه من تراب بكن فكان، لا أنه صار معدناً ثم نباتاً ثم حيواناً ثم انساناً. وهذا إشارة إلى مسألة حُكمية، وهي أن الله تعالى يخلق اولاً إنساناً فينبهه أنه يحيى حيواناً ونامياً وغير ذلك، لا أنه خلق أولاً حيواناً ثم يجعله إنساناً، فخلق الأنواع هو المراد الأول، ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى، فالله تعالى جعل المرتبة الأخيرة في الشيء البعيد عنها غاية من غير انتقال من مرتبة إلى مرتبة من المراتب التي ذكرناها ( وعلى كل حال فعندما نقول تطور كائن حي ذو خصائص معينه إلى كائن حي مختلف، فهذه الصورة متصورة في الخيال الذهني فقط، ومما يسوغها في التصور أنها مفسرة لسؤال تنوع المخلوقات الموجودة و المنقرضة فهذا يسهّل على العقل قبول النظرية لا سيما في الحالة المعرفية البسيطة للمجتمع في زمن دراوين قبل تقدم العلوم والاكتشافات، فالعقل قد يتصور إمكان وجود شيء معين بناء على عدم تصور وجود مانع فيحكم بالإمكان ويقبل الفكرة ، مع أن ذلك الشي قد يكون ممتنع في الواقع، وهذه الحالة تعرف بـ (الإمكان الذهني) ويقابله (الإمكان الخارجي)، لذلك عند والوقوف على واقع التحول داخل الكائن الحي على افتراضه فالأمر مفزع وغير مقبول، وذلك لأنه يلزم قبل تحول الكائن الحي أن تتحول خلاياه وقبل تحول خلاياه أن تتحول أعضاء الخلية الداخلية بل يتكلم المختصون عن مكونات أدق وأعقد شديدة التباين في الوظيفة والحجم والتركيب ، فإذا كبرنا الخلية الواحدة لتصبح بحجم مدينة فرضاً واستطعنا أن نشاهد مكوناتها المعقدة كما نشاهد مباني المدينة سنجد تباين ضخم واختلاف كبير بين الجسيمات داخل الخلية من حيث الحجم الشكل والمكونات والبنية والوظيفة ، فالقول أن هذا الجسيم تحول إلى جسيم أخر فهذا غير مقبول عند أهل التخصص ويرونه قفزه هائلة وكأنك تقول تطور مبنى إلى معدة ثقيلة أو إلى طائرة ، وذلك لشدة الاختلاف، وإن وجد تقارب في الوظيفة فيكون كتحول دراجة إلى سيارة أو تحول قارب إلى باخرة، ومن يريد شرح وإثبات التطور من خلال هذا الطريق فيلزمه أن يشرح كيف تطورت أجزاء الجسيمات داخل الخلية ولنطبق هذا على دراجة وسيارة بافتراض أن كل منهما جسيم دقيق داخل خلية محكمة فمن أين تكون البداية و الخطوة الأولى دون أن نستخدم الخيال؟ هذا طبعا مع وجوب مراعات استمرار عمل كل منهما وأداء وظيفته بشكل سليم حتى لا يموت الكائن الحي ومع مراعاة عدم القفز فلا نقول تطور أحد الأنظمة البسيطة إلى نظام معقد فلا نقول تطورت الدواسة إلى مكينة مثلا، مع أن عبارات الداروينيين هنا عند وصف التطور تكون بنحو (تطورت، تحول، من الممكن، قد نتج عنها، يعتقد) وهذه ألفاظ خيالية وقفزات كبيرة كما نبه عليها مايكل بيهي. هذا مع اعتبار أن كل جسيم مرتبط بالأخر ويؤديان وظيفة واحدة في كثير من الأحيان وتكون مجموع وظائف الجسيمات داخل الخلية تؤدي نتيجة واحدة مما يعني استحالة إزالة عضو من هذه المجموعة ولو أزيل لم تعمل الخلية، بل وجود تغير مرضي طفيف في جسيم واحد داخل الخلية يؤدي إلى اختلال وظيفة الخلية بالكامل فيمرض الكائن الحي وقد يموت.
والخلاصة أنه من ناحية الخيال يمكن تصور تحول جسيم إلى جسيم آخر بسهولة أو حتى عضو في الحيوان إلى عضو أخر لكن من حيث الواقع المادي وتحول ذلك خطوه بخطوة دون أي تجاوز فإن ذلك مستحيل

يقول د. مايكل بيهي (حتى نشعر بالقوة الكاملة للاستنتاج بأن النظام معقد بشكل غير قابل للاختزال وأنه بالتالي ليس له أي أسلاف وظيفية فعلينا أن نميز بين سلف مادي وسلف تخيلي. فالمصيدة المذكورة أعلاه (يقصد مصيدة الفأر الكلاسيكية) ليست النظام الوحيد القادر على تجميد الفأر بمكانه -استعملت عائلتي مصيدة الغراء -فعلى الأقل يمكن لأي كان أن يستعمل حتى مصيدة الصندوق المثبت بالعصاء أو إطلاق رصاصة على الفأر بكل بساطة. فكل هذا لا يعتبر سلفا ماديا لمصيدة الفئران النمطية لأن هذه الأدوات غير قادرة على التحول إلى مصيدة ذات (قاعدة ومطرقة ونابض ولاقط وقضيب ماسك) خطوة فخطوة بأسلوب الداروينية.

لتوضيح الفكرة لنأخذ بعين الاعتبار هذا التسلسل: لوح تزلج، ولعبة عربة، دراجة هوائية، ودراجة نارية، وسيارة، وطائرة، وطائرة نفاثة، ومكوك فضائي يبدو وكأنه توالي طبيعي. أولاً لأنه عبارة عن لائحة من الوسائل التي تصلُح للتنقل، وثانياً لأن هذه الوسائل متسلسلة وفق ترتيب التعقيد فمن الممكن أن تكون من الناحية التخيلية متصلة ومتداخلة فيما بينها في متسلسلة واحدة؛ ولكن فل نقل: هل من الممكن أن تكون الدراجة الهوائية سلفاً فزيائيا وربما داروينيا للدراجة النارية؟ لا، إنها سلف تخيلي وحسب.)) ولعلك تقول أين داروين والناس في زمنه عن موضوع الخلية؟ الجواب أنه بالإضافة إلى الحالة المعرفية البسيطة لا سيما في علم الأحياء فإن الخلية نفسها لم تكون معروفة وكانت تعتبر أشبه بكيس هلامي حتى عند داروين ومن هنا قال داروين في كتابه : (إذا كان من الممكن إثبات وجود أي عضو معقد لا يرجح أنه قد تشكل عن طريق العديد من التعديلات المتعاقبة والطفيفة، فسوف تنهار نظريتي تماما) وقد كان هذا الاختبار الذي وضعه داروين أساس فكرة كتاب : (صندوق داروين الأسود).

عقبات من نوع آخر

blank
لعقود طويلة ظلت احفورة مخلوق اركيوبتركس من اقوى ادلة التطوريين على تطور السحلية الى طائر فيما يعتقد المنتقدون انها احفورة مزيفة أو انه مخلوق قائم بحد ذاته

والحديث السابق هو على المستوى البيولوجي المادي البحت، ففي التصور الدارويني تكون المخلوقات عبارة عن مادة بيولوجية محكومة بقوانين مادية صارمة ولا تخرج عن إطار المادة ومن هنا تأتي الإشكالات الأخرى المتعلقة بالعلوم الفطرية الضرورية، والجانب الغريزي، والجانب الأخلاقي، وموضوعية الخير والشر، والشعور بالغائية، والإرادة الحرة، والوعي، والعقل والمعقولات. فهذه وغيرها مكونات رئيسية أساسية في قيام حياة المخلوقات، وهي خارج الإطار المادي الذي هو ميدان الداروينية وتعتبر تلك المكونات عقبات شديدة عند التطوريين فهناك أسئلة لم يجيبوا عنها وهي:

1-الوعي كالفرق بين النائم والمستيقظ مثلا
2-وسؤال الأخلاق من حيث الوجود السابق قبل المخلوقات ومن حيث معيار الخير والشر وأنه مطلق وليس نسبي يعود لتقدير للناس وحدهم بعد وجودهم
3-وسؤال العقل والمعقولات من أين أتت؟ وليس المراد الدماغ طبعاً. وما سواها مما أجابوا عنه فهي أجوبة ضعيفة تفتقر للدليل وغير مقبولة ، أو تعليلات يحاولون ربطها بالمادة البيولوجية والجينات دون حقائق عليمة واقعية يمكن قبولها في الوسط العلمي المخلص ، فمثلا في سؤال الإرادة الحرة (مثلا عندما ترفع كأس ماء لتشرب) ففي ظل الداروينية لا نجد جواب لسؤال الإرادة الحرة – حيث إن الداروينية تنظر للمخلوقات كمادة عمياء تشكلت بالصدفة ولا زالت تتطور دون تدخل – وعندما أجاب أحدهم وقال إن داخلنا شبكة مكونة من بلايين الأعصاب المتداخلة جعلت رفع الكأس يكون في هذا التوقيت كان جواباً خيالياً و غير مقبول ، وعلى هذا الجواب نكون مجبورين على أفعالنا ويكون المجرم القاتل بريء. وهناك أجوبة أخرى لكنها فلسفية لا يمكن إثباتها.

لمحة تاريخية يسيرة

سبق ريتشارد داروين قليل من الكتاب الذي أشاروا للتطور في مؤلفاتهم أو تكلموا عنه دون أن يقدموا حجج أو يطيلوا في البحث، كما سبقه بعضهم في جمع الأحافير والعناية بها، ثم جاء داروين وألف كتابه على مدى سنين طويلة وصدر في ظروف سياسية ودينية قاسية رافقها الكثير من سفك الدماء، وفي وسط حالة ثقافية بسيطة تفتقر لكثير من المعارف والعلوم المتعلقة بعلم الأحياء، مما جعل من الكتاب وفكرته سلاح ضد سيطرة الكنسية وقد تبناه مجموعة من الملاحدة وتولوا ترويجه و الدعوة إليه ولم يقدموا أدلة على النظرية ولكنها ناسبت ميولهم وهدفهم، كما أن داروين نفسه لم يقدم أدلة كافية باعترافه هو، بل وضع اشتراطات لقبول نظريته، و أحد هذه الاشتراطات هو الذي بنى عليه مايكل بيهي كتابة صندوق داروين الأسود كما سبق، والاشتراط الآخر وجود أحافير انتقالية كافية تمثل حلقات بينية وسيطة في سلسة التطور، وهي ما أثبتت الأيام عدم وجودها بل صارت الأحافير دليل بطلان التطور لإثباتها العكس بعد أن نشطت عمليات التنقيب وكثرت كما سيأتي. كما أن داروين نفسه شكك في أكثر من موضع في كتابه وتخوف من نتاج نظريته على الأفكار وهو ما وقع فعلا فالرسوم البيانية لانتشار فكرة التطور عبر العقود الماضية والرسوم البيانية لانتشار للانحلال الجنسي، وحمل القاصرات، وانتشارالمخدرات، وتدني النتائج لدى الطلاب، سارت في وتيرة مرتفعة معاً وهذا يرجع إلى اعتقاد أن الإنسان لا يعدو كونه مادة بيولوجية لا قيمة حقيقية لها وليست محاسبة على أفعالها، بل إن كوارث أخرى مثل جرائم هتلر وستالين عزاها بعض الكتاب إلى أسباب ومنها اعتناقهم عقيدة التطور بمنظوره البقاء للأقوى أو الأصلح.

ماذا خبأت الأيام للنظرية

blank
نشر داروين نظريته عام 1859 ومنذ ذلك الحين اصبحت اكثر نظرية في العصر الحديث اثارة للجدل

التطور في صورته العامة: زعموا أن الكائنات الحية جميعها تطورت من خلية ظهرت فجأة وتكون منها السمك ومن السمك تكون البرمائيات ومنها تكونت الزواحف ومن الزواحف تكون الطيور ومن الطيور تكونت الثدييات ثم تكون الإنسان.
ودليلهم على ذلك هو الأحافير وساعد على ذلك الزمن والصدفة والعشوائية وقانون البقاء.
لكن دليل الأحافير لم يكتمل فلم يتمكن داروين من الاستقراء التام للأحافير إلا أن الأيام في نظره كفيلة بسد هذه الثغرة ثم مات داروين ومرت العقود تليها العقود وإلى اليوم وعمليات الحفر والتنقيب تزداد والمتاحف تمتلئ بالأحافير غير الانتقالية، وملخص النتائج:

1-عدم وجود أحافير تثبت التطور.
2-اكتشاف أن الحيوانات ظهرت فجأة فيما يعرف بالانفجار الكامبري[1] وهو دليل ضد التطور، يقول داروين: (إذا كانت الأنواع الكثيرة والتي تنتمي لنفس الأجناس أو الفصائل، قد دبت فيها الحياة فجأة، فستمثل هذه ضربة قاتلة لنظرية انحدار الأنواع بالتحول البطيء).

وقد يجادل البعض بأن حيوانات العصر الكامبري معروفة زمن داروين نقول نعم وقد كان داروين يعلم بأن ذلك لا يتطابق مع الصورة التدريجية التي افترضها إلا أنه في نظرة مجرد مشكلة نقص في السجل الأحفوري فقط ، وكان يعتبره لغز سيتم حله، ولكن مع مرور الأيام و بتزايد التنقيب ومع تطور آلات البحث تأكد تماما مسألة الانفجار الكامبري، وزالت الشكوك و التخمينات والاعتراضات، فمثلا من يقول أن اسلاف العصر الكامبري لم يتم حفظها لأنها رخويات أو دقيقة جداً فقد أثبتت الكشوف حفظ الرخويات والكائنات الدقيقة حتى بلغت إلى اكتشاف أحافير بعض أنواع الخلايا والبكتريا والطحالب وحيدة الخلية باستخدام أنواع من الأشعة التي تساعد على ذلك وهي أقدم من كائنات العصر الكامبري ومع ذلك لم تدمر، ومما يناسب ذكره هنا أن العصور قبل الكامبري مثل العصر الإدياكاري لم يتفق علماء الأحافير على تصنيف الأحافير المكتشفة فيه وأختلفوا في تصنيفها أختلاف كبير ، وبكل بساطة فإن ذلك يعني أنها ليست سلف لحيوانات لعصر الكامبري. وكما تقول مجلة Nature عن الكائنات الإدياكارية: ( إن كانت حيوانية فلن تشبه أي مخلوق آخر أو ستكون قليلة الشبه به سواء كان أحفورا أم موجودا)
بل إن العصر الإدياكاري يمثل انفجار أصغر كما يقول علماء الأحافير ما يعني عدم وجود كائنات وسيطة أو انتقالية، وقد دفع عجز السجل الأحفوري عن إثبات الداروينية ومعضلة العصر الكامبري جمهرة من علماء البيلوجيا التطورية لمحاولة إثبات شجرة داروين من خلال الدارسات المكثفة – وعلى مدى عقود طويلة- في (الشكل الظاهري للكائن، والتشريح، والدراسات الجزئية، والتكاثر الجنسي ) وذلك تحت مصطلحات عليمة متعددة فخرجت أوراق بحثية كثيرة جدا تحمل نتائج متعارضة متناقضة كما أفرزت معضلة العصر الكامبري نظرية تسمى التوزان المتقطع ولكنها فشلت في نهاية المطاف هي الأخرى.

3- ومن نتائج التنقيب المستمر اكتشاف أن الحيوانات مازالت كما هي القط هو القط والسمكة هي السمكة والأسد هو الأسد وهو دليل ضد التطور كما جاء في الدراسة المكثفة التي أجرتها جمعية الجيولوجيين في لندن وشارك فيها عشرون عالماً واستعرضت الدراسة سجل الأحافير موزع على 2500 مجموعة وجاء في التقرير – باختصار-: (إن كل شكل أساسي من أي نوع من النباتات والحيوانات أظهر أن لديه تاريخ خاص به منفصل .. كلها مميزة بشكلها منذ لحظة وجودها المشابه لشكلها الحالي) مما يعني أن سجل الكائنات إذا وضعت في رسم بياني فإنها تأخذ شكل خطوط عامودية بدلا من شجرة داروين المفترضة كما وضح ذلك ستيفن ماير في كتابه شك داروين.

4- اليأس من البحث ، وإليك بعض الأقوال:

يقول رتشارد دوكنز في كتابة الإلحادي (صانع الساعات الأعمى) و دوكنز هذا من أشهر مناصري التطور في هذا العصر ومن أشهر دعاة الإلحاد (تظهر الكائنات في سجل الأحافير بلا تاريخ تطوري وكأنها زرعت بالأمس، وهذا يسعد الخلقيين).

ويقول غاريث نيلسون خبير الأحافير بالمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي (فكرة الذهاب للسجل الأحفوري من أجل الحصول على استنتاج تجريبي لعلاقه السلف بالخلف بين الأنواع والاجناس والعائلات أو كل ما كان أو ما يمكن أن يكون ما هو إلا وهم خبيث).

وجاء في مجلة ساينس دايجست مايلي: (الحقيقة الجديرة بالملاحظة أننا لو جمعنا كل الأدلة المادية على تطور الإنسان لوسعها جميعها تابوت واحد. القرود الحديثة على سبيل المثال تبدو وكأنها ظهرت من لا شيء وكأنهم لا ماضي لهم إذ لا يوجد أي دليل أحفوري لماضيهم، والأصل الحقيقي للإنسان الحديث – المنتصب العاري، صانع الأدوات، ذو الأدمغة الكبيرة – إذا كنا صادقين مع أنفسنا، لغز يضاف لسابقة).

محاولة إنقاذ فاشلة

blank
قطعة جمجمة انسان اورس (القطعة الصغيرة على الجمجمة – الجمجمة مجرد ديكور)

ومن أجل الخروج من هذا المأزق وسد هذه الثغرة تم اختراع الدليل من قبل بعض العلماء مثل كذبة إنسان جاوا وكذبة إنسان بلتداون وكذلك كذبة إنسان نبراسكا وكذبة إنسان أورس وهي كذبات أفتضح أمرها [2] وتبين أنها مزورة ومركبة من عظام إنسان وقرد وبعضها مركب من جمجمة حمار صغير كما في إنسان أورس وبعضها لم يعثر إلا على سن فقط واخترعوا منه قصة إنسان كامل تخيلوه ونحتوه ونحتوا عائلته وأولاده وصوروهم ثم تبين أنه مجرد سن خنزير بري! وقد بنيت عليها أبحاث وألفت فيها الكتب قبل أن تكتشف الكذبات، بل إن إنسان بلتداون ركبه أحد العلماء من جمجمة إنسان وقرد وأستخدم مواد كميائية تجعله يبدو كالأحافير وعرض في المتاحف على مدى 40 سنة وأعدت حوله أكثر من 500 رسالة دكتوراه !! إلى أن تم اكتشاف التزوير، تقول مجلة ريدر دايجست: (لقد ثبت بالدليل القاطع أن كل جزء من أحفورة إنسان بيلتدوان قد تم تزويره).
ولا يقتصر الخداع على الأحافير فهناك أنواع من توظيف العلم من قبل علماء الطبيعة في إقصاء الحقائق المخالفة للداروينية وقد ناقش هذا النوع من الخداع د. جوناثان ويلز في كتابه (أيقونات التطور) فسرد مجموعة من أدلة التطور المتداولة حتى بين المختصين والتي يراد من خلالها إثبات التطور كرسومات الأجنة لهيجل أو الطائر الأحفوري وغيرها، ثم قال في المقدمة: (نعرض في الفصول القادمة أيقونات التطور على الأدلة العلمية المنظورة، وسنكشف الكم الكبير من الخطأ الذي نعلمه لطلابنا حول التطور .. إن كانت هذه هي أفضل الأدلة التي نملكها لإثبات التطور الدارويني وثبت لنا أن كلها خطأ أو مزورة؟ فما هو الوصف الصحيح للنظرية؟ أهي علم أم خرافة؟)

ولك أن تسأل ما الذي يدفعهم للكذب والتزوير إلا انعدام الدليل العلمي الصالح والتشبث بالتطور كعقيدة وعدم اعتبارها مجرد نظرية، وربما لا نتعجب بعد هذا أن يلجأ التطوريون إلى رفع قضية في المحاكم ضد نظرية التصميم الذكي التي تعني الخلق وذلك لشعورهم بالخطر، وهي تلك القضية الشهيرة التي تعرف بمحاكمة دوفر Dover Panda Trial وقد كسبها التطوريون حيث أصدرت المحكمة الفيدرالية حكما باعتبار نظرية التصميم مبدأ ديني وليس علمي!! حيث جاء في حيثيات الحكم: “أن تدريس التصميم الذكي يعد خرقاً للدستور الذي يفصل الدين عن الدولة”، أيضا ًقد تم توثيق شهادات علماء من المجتمع العلمي بقمع الأكاديميين المقتنعين بأدلة التصميم الذكي وتم عرض ذلك في الفلم الوثائقي: (مطرودون غير مسموح بالذكاء).

الصدفة

وهي أحد دعائم نظرية التطور بعد دليل الأحافير، والحديث حولها ذو شجون وإذا أردنا التقديم لها فإن المقال يطول فنأمل من القارئ الكريم القراءة حول الثوابت الكونية والضبط الدقيق للكون، حيث إن أي اختلال دقيق يؤدي إلى اختلاف الكون، فالكون ضبط منذ اللحظة الأولى للانفجار الكبير [3] بدقة متناهية ليكون صالح لاستقبال الكائن الحي، كما نأمل من القارئ الكريم المطالعة حول ما يتعلق بالخلية فالحديث عنها لا تستوعبه المقالات فقد بلغت من التعقيد والإعجاز والضبط ما يفوق التصور بحيث أن أبسط وصف يقرب شيء من حقيقتها أن تشبه بمدينة كمافعل مايكل بيهي في كتابه المذكور حيث شبهها بمدينة كبيرة تحتوي على شوارع ومباني ومراكز ووسائل نقل ومركز معلومات وترجمة ونظام مراسلة ومزارع إنتاج وعمال ورافعات وبوابات وأسوار وجنود، فكل ما يشبه هذا موجود حقيقة في الخلية وهو ما دفع الملاحدة بالاعتراف أنها صممت من قبل واعي ذو علم ولكن يهربون من الاعتراف بالخالق لينسبوا صنعها إلى كائنات فضائية كما فعل رتشارد دوكنز!

كما أنه من المهم قبل الحديث عن الصدفة التي عامل الزمن مكون مهم فيها أن نستحضر أن عمر الكون كما يقول الفلكيون والفزيائيون 13.77 مليار سنة.

والكائنات الحية وجدت في الزمن الأخير أي بعد تكون الأرض وبعد صلاح سطح الأرض للحياة، مع ملاحظة أن الانفجار الكامبري –الذي خرج خلاله أصناف الحيوانات – يمثل نحو (0،11%) من عمر الأرض، كما يمثل ما نسبته دقيقة واحدة في يوم من أربع وعشرين ساعة عند مقارنته مع عمر الحياة على سطح الأرض المقدر بـ 3.8 مليار سنة، وهي نسبة ضئيلة جدا من تاريخ الحياة.

بعد هذا لننظر في الصدفة كيف تعمل وذلك بضرب الأمثلة المبنية على نظرية الاحتمال الرياضية[4]:

مثال الدراهم العشرة: الذي ضربه العالم الأمريكي كريسي موريسون، حيث ذكر أنا لو أخذنا دراهم عشرة، وكتبنا على كل واحد منها رقما خاصا متسلسلا، ووضعناها في صندوق، ثم خُلطت خلطا جيدا، وطلبنا من أحد إخراجها مرتبة، فإن احتمال ظهور الرقم (1) يكون بنسبة 10:1 ، وأما احتمال ظهور الرقمين(2،1) مرتبة، فهو بنسبة100:1 ، أي (10×10= 100)، احتمال ظهور الرقمين(3،2،1) بالتتابع ، فهو بنسبة1000:1 ، أي (10×10×10= 1000)، واحتمال ظهور الأرقام كلها مرتبة من واحد إلى عشرة يكون بنسبة 10:10أس10 أي : واحد أمامه عشرة أصفار : 10000000000، ولو أجرينا السحب ليلا ونهارا بحيث نسحب ورقة كل خمس ثواني لاحتجنا إلى ألف وخمسمائة سنة لكي يكون هناك احتمال واحد لسحب هذه الأرقام العشرة بتسلسلها الصحيح!!.

مثال البروتين: قام عالم الفيزياء السويسري تشارلز أوجين بحساب العوامل البيئية والحيوية التي يمكن من خلالها تكون بروتين واحد بالصدفة (البروتين أساس بناء الخلية ويتركب من سلسلة أحماض من نوع خاص بطريقة رياضية)، فوجد أن ذلك يتطلب نسبة 10:1أس160 ، أي بنسبة واحد إلى رقم عشرة مضروب في نفسه مائة وستين مرة، وهو رقم لا يمكن النطق به أو التعبير عنه، وهو عند علماء الرياضيات يساوي صفر؛ لأن أعلى نسبة للاحتمال عندهم 10:1أس150، وأكتشف أن كمية المادة التي تلزم لحدوث هذا التفاعل بالصدفة أكثر مما يتسع له كل هذا الكون بملايين المرات، وأكتشف أيضا أن تكوين هذا الجزئي على سطح الأرض بالمصادفة يتطلب بلايين لا تحصى من السنوات، قدّرها بأنها عشرة مضروبة في نفسها 243 مرة من السنين، وهذا شيء لا يمكن تصوره.

مثال القردة: قام به الدكتور شرويدر بحساب الاحتمالات التي يمكن من خلالها كتابة قصيدة سوناتا لشكسبير عن طريق ضرب القردة على مفاتيح الكتابة بطريقة عشوائية (بعد أن وضع مجموعة قردة مع لوحة مفاتيح)، وأحصى عدد حروف القصيدة، فإذا هي 488 حرف، وعدد أزرار لوحة المفاتيح فإذا هي 26 زر، فالاحتمال إذن يساوي واحد مقسوم على 26 مضروبا في نفسها 488 مرة، والنتيجة: 26أس488، وهو ما يعادل: 10أس690 ، أي واحد بعده ستمائة وتسعين صفر!! وهذا عدد كبير جدا، فقد أحصى العلماء عدد الجسيمات في الكون – الإلكترونات والبروتونات – فوجدوها: 10أس80، أي واحد بعده ثمانون صفرا، ومعنى هذا أنه ليس هناك جسيمات تكفي لإجراء المحاولات لكتابة قصيدة سوناتا بالصدفة فقط، فكيف بحدوث العالم وتكون الكون والمخلوقات فإن حدوثها بالصدفة ممتنع؛ لأن المدة التي تحتاجها تفوق عمر العالم وحجمه بملايين المرات.

الانتقاء الطبيعي عن طريق الطفرات العشوائية والبقاء للأصلح

blank
شجرة التطور الداروينية .. بحسبها فأن جميع المخلوقات تعود لاصل واحد تطورت عنه نتيجة الطفرات والانتقاء الطبيعي

هذا القانون الذي أفترضه داروين يحتاج كي يعمل -على افتراض صحته – إلى المجموعات الكثيرة من الكائنات الحية فهذا ميدانه، وينعدم بانعدامها طبعاً، لذا من البديهي أن هذا القانون لا وجود له قبل وجود الكائنات، لذلك هو لا يجيب عن كيفية بدأ الحياة على كوب الأرض، فكيف جاءت أول خلية بما تحتويه من معلومات مشفرة وغير مشفرة وتعقيدات رياضية هائلة؟ لا جواب للداروينية أبداً، وكذلك كيف حصل الانفجار المعلوماتي في العصر الكامبري؟ لا جواب لدى الداروينية.
ففي العصور التي سبقت العصر الكامبري عاشت الكائنات البسيطة ووحيدة الخلية بكثرة وفجأة ظهرت كائنات معقدة جداً ذات خلايا متعددة تحمل معلومات هائلة تتضمن كل ما يخص الكائن الحي من حيث شكله وبنيته وتخطيطه ونظام عمله وبدون هذه المعلومات المشفرة داخل الشريط الوراثي والمعبر عنها بالمعلومات الجينية وكذلك المعلومات فوق الجينية [5] لن يوجد الكائن الحي فمن أين أتت هذه المعلومات؟ لا جواب لدى الداروينية رغم أنه من البداهة أن المعلومة مصدرها الوعي والإدراك وليس الطفرات العشوائية والانتقاء.

وفكرة الطفرات العشوائية والبقاء للأصلح بحسب الفكر الدارويني يحتاج إلى زمن طويل جداً ليعمل والإشكال أن عمر الكائنات على سطح الأرض 3.8 مليار سنة بحسب تقدير العلماء، وقد عمل د.مايكل بيهي وغيره على حساب الزمن الذي يستغرقه هذا القانون لينتج طفرتين متناسقتين لتولد جينات وبروتينات فوجد أنها تحتاج إلى زمن أطول من عمر الكائنات على الأرض كما في كتابه (حافة التطور) ولدحض قوله قام أنصار الداروينية بإعادة الحساب فتقلصت المدة إلى 216 مليون سنة لإنتاج طفرتين متناسقتين فقط وفي كلا الحالين ثبتت عدم معقولية هذه الفكرة.

لما سبق تضاءلت فكرة آلية الطفرات العشوائية والانتقاء الطبيعي وتم استبدالها من قبل بعض أنصار التطور بنظريات أخرى إلا أنها فشلت – في تقديم جواب لا سميا عن حالة الظهور المفاجئ للكائنات في الانفجار الكامبري – وقد قام د. ستيفن ماير في كتابه شك داروين بتوثيق تفاصيل تلك النظريات وفشلها علمياً.

وبعد هذا فلسنا بحاجة للتفصيل أكثر في موضوع العشوائية ولكن يكفي أن نعلم أن معنى الطفرات والعشوائية هو وجود بلايين الكائنات الحية المشوهة وغير المشوهة بينما الواقع أن الحيوانات موجودة بأجناس وأعداد محصورة سواء في الأحافير أو في الطبيعة، هذا إذا تغافلنا عن أن الكائن المشوه لا يعيش ولا ينجب عادة، ويعترف العالم التطوري “دوبجانكي” (معظم الطفرات سواء في المختبرات أو في الطبيعة نتج عنها تراجع في القدرة على البقاء أو أمراض وراثية أو تشوهات، وتغيرات كهذه لا تصلح كي تكون أساساً للتطور). أيضا التأمل في الطبيعة والنظر في التكامل والإتقان والحكمة والجمال والتناسب والنظام الذي يسود الكون مناقض لفكرة العشوائية و كفيل بصرف النظر عن هذا المكون من مكونات الداروينية ويضاف لذلك أن البشر يتميزون عن المملكة الحيوانية باختلاف هائل فيما بينهم في الصورة والشكل واللون والبصمة ونبرة الصوت وحتى في الذوق والاختيار وهذه وغيرها أمور معدة مسبقاً للعيش الجماعي وبناء العلاقات وضبطها وهذا لا يتوافق مع رؤية الداروينية التي تقول إن الصدفة والعشوائية تقود مصير الكائنات الحية! ماذا لو كنا متشابهين جداً في كل شيء وليس لدينا بصمات؟.

البقاء للأصلح

وهذا المكون أيضا لا يحتاج للوقوف معه كثيرا حيث يرده مبدأ التكافل الموجود في الطبيعة كما يرده أن القول بالبقاء للأصلح هو أيضا عند الداروينية على مستوى الأعضاء وهذا يعني أنه يوجد في جسم الكائن الحي مخلفات من الأعضاء غير الصالحة والتي في طريقها للاضمحلال وتسمى الأعضاء الأثرية ويرون أنها عديمة الفائدة، والحمد لله أن العلماء لم يستجيبوا لهم وواصلوا دراستها حتى تبين فائدة كثير منها ومازال العلم يكتشف المزيد من وظائفها، ومن المعروف أن عدم العلم بوظيفة العضو لا يعني أنه لا وظيفة له، والمقصود أن التطوريين يرون أن الأعضاء الأثرية عديمة الفائدة ولا يمكن أن تفسر إلا في ضل التطور وبحسب رؤيتهم يزول العضو الغير مفيد تدريجيا ويبقى العضو المفيد على مبدأهم البقاء للأصلح، والحق أن العلمية معكوسة أيضا فهم يعتقدون أن الأعضاء كانت بسيطة التركيب ثم أصبحت معقدة وهذا القول يلزم منه أن الأعضاء كي تؤدي وظيفتها لابد أن تنتظر تكامل بعضها تطورياً لتعمل أي أن هناك عضو مكتمل لا يعمل لكنه بقي إلى أن جاء التطور بعضو أخر بالصدفة ليبدأان العمل معاً ويؤديان وضيفة واحدة كالإبصار الذي يحتاج لعدسة وقرينة وشبكية. ألخ مثلا!!

صندوق داروين الأسود

blank
خلية بشرية .. هل يمكن ان تتحول من شكل الى اخر

بداية الفكرة التي استند إليها هذا الكتاب هي أن الحياة – في مفهوم التطور – نشأت بسيطة ومازالت تتطور إلى أجهزة حيوية معقدة فهذا يعني – على فرض صحة النظرية – أن أي جهاز حيوي لابد له من سلف ابسط منه ثم هذا السلف له سلف ابسط منه إلى نصل إلى نقطة البداية، فبالتالي إذا وقفنا على جهاز لا سلف له بحيث يكون مركب بطريقة لا يمكن اختزالها ولا يعمل إلا بنفس مكوناته الحالية صار هذا محبط لفكرة التسلسل السابق ولذا قال داروين (إذا كان من الممكن إثبات وجود أي عضو معقد لا يرجح أنه قد تشكل عن طريق العديد من التعديلات المتعاقبة والطفيفة، فسوف تنهار نظريتي تماما) فحجة مايكل بيهي تتلخص في (التعقيد الغير قابل للاختزال) بمعنى أن أي آلة مركبة من عدة مكونات لتعمل دفعة واحدة بنفس التوقيت لتؤدي وظيفة ما، فهذا يعني أنه لا يمكن إزالة قطعة منها ولن تعمل إلا بحالتها الكاملة، مثلا العين مركبة من مجموعة أجزاء (قرنية، حدقه، عدسة، شبكية، موصلات عصبية. الخ) تعمل دفعة واحدة لتؤدي وظيفة الإبصار ولو أزلنا أي مكون فستتعطل عن العمل، ثم جعل بيهي مصيدة الفئران الكلاسيكية مثاله المركزي فهي عبارة عن (قاعدة ومطرقة ونابض ولاقط وقضيب ماسك) لتؤدي وظيفتها ومعنى ذلك استحالة أن تكون هذه الآلة متطور من سلف سابق فإما أن توجد دفعة واحدة أو لا، حيث لا يمكن اختزال مكوناتها بأي حال.

وظرب أمثلة حيوية لذلك – بعد أن مهد لها وقدم بمقدمات طويلة- منها:

الخلية: حيث قام بشرح مكوناتها الدقيقة مطولا ثم بين عدم إمكانية استغناء مكون عن الآخر بحال، وماذا يحدث في جسم الكائن الحي لو أختلت وظيفة واحدة من وظائفها، ووصل لنتيجة مفادها أن الخلية صممت كما هي لتؤدي وظيفتها.

الخنفساء المدفعية: وهي خنساء تقذف ماء مغلي لتحرق مهاجميها، ثم شرح آلية عملها العجيبة، واحتواءها على مواد كيمائية في حجرات منفصلة يتم خلطها في لحظة ما بطريقة ما ثم وضح بطريقة علمية كيف أنه لا يمكن إلغاء أي مكون من مكونات آلية عملها وبالتالي عدم وجود سلف لها وأنها صنعت هكذا.

تجلط الدم (شلال التخثر): وقد أطال في شرحه وهو شبيه بمعادلة رياضية هندسية يعتمد كثيرا على الحركة والسرعة والبطء والمسار والتوقيت المناسب بطريقة هندسية مذهلة وبالغة التعقيد جداً بحيث لو أختل أي مكون سواء من الجزئيات أو من المعادلة (الحركة والسرعة والبطء والمسار والتوقيت المناسب) لأنهار نظام التخثر ولنزف الكائن الحي حتى الموت أو لتجلط الدم في عروقه وبالتالي استحالة وجود سلف لهذا النظام ولتقريب الصورة شبهها في بداية البحث بآلة (روب جولدبيرج).

الهدب السباح ذو السوط: وهو كائن بكتيري وسباح ماهر لديه نظام سباحة معقد وبسيط (محرك وذراع تجديف وروابط توجيه) وهي قطع محدده تعمل دفعة واحدة لذا لا يمكن اختزال مكون من مكوناته ولو أزلنا أي مكون لأنهار النظام كاملا، وتساءل كيف ظهر الهدب؟ ما هو سلفه؟ ثم ذكر محاولات الداروينية لتفسير ذلك وعدم جدوى تلك الأجوبة علمياً وأنها تعتمد على الخيال فقط.

وبعد ذكره لهذه النماذج وغيرها بدأ في ذكر الاعتراضات الوارد على حجته (التصميم الغير قابل للاختزال) من بعض العلماء والجهات العلمية وبدأ في الرد عليها وخلاصتها أن كل تلك الاعتراضات اعتمدت على الفلسفة والخيال والأسلوب اللغوي والبحث في التعريفات دون ذكر دليل علمي يمكن محاكمته إلى العلم الذي تقدم بشكل كبير جداً لاسيما في مجال الأحياء و الكيمياء الحيوية يقول بيهي بعد تلك الأجوبة والردود: (إن كل العلوم تبدأ من التخمين أما الداروينية بالذات فتنتهي بشكل متكرر عنده)
ويقول: (.. في مراجعة الكتاب عند صدوره في 1997م صرح جيمس شابيرو عالم الميكروبيولوجيا من جامعة شيكاغو : (لا يوجد أية تفسيرات داروينية مفصلة لتطور أي نظام خلوي أو كيميائي حيوي أساسي ما. يوجد فقط أنواع من التخمينات تقودها الرغبة) ولم يتغير أي شيء بعد عشر سنوات، سمها إن شئت تخمينات مرغوبة، أو سمها سيناريوهات مقبولة، كلا التعبيرين يجمع بينهما قاسم الافتقار إلى أجوبة حقيقية)

وفي نهاية هذا المقال آمل أن لا يفهم منه أني معادي لنظرية التطور كنظرية علمية بل أختلف معها في مبدأ ديني يتمثل في خلق آدم عليه السلام وأيضا عدم قبول العشوائية و الصدفة كون ذلك ينافي الإتقان والإحكام والإرادة الإلهية والقيومية والتدبير لشأن الخلق، وأختلف معها في مبدأ علمي يتمثل في الافتقار للدليل السليم ومواجهتها عقبات شديدة كالانفجار الكامبري والمعاني الفطرية ..ألخ وغيرها مما سبق ذكره، كما أختلف مع توظيفها لدعم الإلحاد كنظرية من وجهة نظر الإلحاد مضادة ومناقضة للخلقية مما أخرجها من كونها فرضية علمية إلى عقيدة يذب عنها وطقوس تقام لها دور عبادة[6] كما يفعل الملاحدة حيث يجتمعون في كنائس خاصة تسمى (كنائس الملاحدة) ويقرؤون في كتاب داروين!! فهذه تجاوزات وجناية على العلم وتمسك بالوهم، فلما لا تترك للعلم الطبيعي التجريبي ليسير بها إما إلى إثبات أو إلى نفي كبقية النظريات؟.

الخاتمة:

كتب داروين في إحدى رسائله لصديقه تشارلز لايل، يقول: ” ..غالباً ما تجتاحني رعشة باردة تجعلني أتساءل!!..هل كرست نفسي لوهم؟!..”

الهوامش:

1-الانفجار الكامبري: يعني الظهور السريع للأحياء في الحقبة الجيولوجية الكامبرية.

2-قد يكون هناك جدل حول هذه بعض هذه النماذج مثل رجل أورس هل هو كذبة متعمدة أو خطأ في الاستنتاج، وفي كلا الحالين لا يدعم الدليل الأحفوري بشيء.

3- الانفجار الكبير: ويسمى الانفجار العظيم يعني أن الكون نشأ من انفجار تكونت منه المجرات والأرض و هو نظرية تم وضعها ثم تظافرت الأدلة على تقريرها وما زالت تزيد ولم تصل لحد القطع التام إلا أنها ألغت الجدل السابق حول قدم العالم وأصبح المؤمن وغير المؤمن مقر بحدوث الكون إلا أن المؤمن يعتقد بأن الانفجار الكبير لا يمثل كل الوجود فهناك الجنة والنار والعرش مثلاً، والجدير بالذكر أنه عندما ثبت الانفجار الكبير كره ذلك كثير من العلماء الملاحدة حتى من الذين ساهموا في إثباته فحاولوا تدارك الأمر و الالتفاف على الأدلة فلم يفلحوا وقد فصل تلك المحاولات مايكل بيهي في كتابه والعجيري في شموع النهار وللوقوف على فهم أدلة الانفجار يمكن الرجوع لكتاب الفيزياء ووجود الخالق لـ د. جعفر شيخ إدريس .

4-الاحتمال الرياضي: علم يدرس الظواهر العشوائية وفق قواعد حسابية معينة.

5-المعلومات فوق الجينية هي: هي معلومات توثر في توجيه بعض من الوظائف الحيوية وتخطيط الكائن الحي ولا توجد ضمن الشريط الوراثي ويدل عليها استمرار نمو العضو مدة يسيرة بعد نزع الحمض النووي من الخلية كم يدل عليها أنه عند استنساخ الشريط الوراثي في عملية انقسام الخلية تحصل أخطاء مطبعية في الشريط الوراثي فتتحرك آليات لتستبدل الجينات بجينات أخرى أو تصحح مكانها وعمل هذه الآليات موجه بعلم وليس عشوائي ولا تعتمد في خطط التصحيح على المعلومات التي تقوم هي أصلا بتصحيحها وغير ذلك من الأدلة.

6-كنائس الإلحاد: دور عبادة للملاحدة تقام بهدف محاولة الإشباع الروحي وليس التقرب فهم يقرون أن للتدين إيجابيات.

المصادر :

1- صندوق داروين الأسود، د. مايكل بيهي
2- خرافة التطور، روبرت جيمس غالي
3- أيقونات التطور علم أم خرافة، د. جوناثان ويلز
4- شك داروين د. ستيفن ماير مترجم إصدار مركز براهين
5- الله يتجلى في عصر العلم لنخبة علماء أمريكيين ذوي تخصصات مختلفة
6- التطور نظرة تاريخية وعلمية، محمد الهبيلي
7- معبد داروين، خالد الشايع
8- (40) خطأ في نظرية التطور، د. هيثم طلعت
9- محاضرة الداروينية عرض ونقد للعجيري
10- شموع النهار للعجري
11- محاضرة أدلة وجود الله للعجيري
12- التطور الموجه بين العلم والدين د. هشام عزمي
13- الفلم الوثائقي معضلة داروين
14- الفلم الوثائقي مطرودون غير مسموح بالذكاء

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر
55 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
55
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x