أدب الرعب والعام

التعويذة – الجزء الثاني

بقلم : أبو عدي – اليمن

أن الدم الذي كان على النقطة الصفراء تلاشى من فوقها ، وتلاشى معه اللون الأحمر من التعويذة
أن الدم الذي كان على النقطة الصفراء تلاشى من فوقها ، وتلاشى معه اللون الأحمر من التعويذة

 
(13)
 
وصلتُ إلى منزلنا بعد أن رافقت آمنة إلى بيتهم ، وعندما قمت بفتح الباب رأيت محمد واقفاً أمامي ، سألته : إلى أين ستذهب يا أخي ؟.
لم أقم بإكمال سؤالي حتى اتسعت عيناه بصورة مرعبة قائلاً بصوت مرتفع و خبيث كالفحيح : أنا لست محمد ، واختفى بسرعة بعد ذلك.
هوى قلبي إلى معدتي ، بل إلى أرجلي ، و تسمرت مكاني من الخوف ، لأحس بعد ذلك بسائل دافئ يبلل سروالي.

استعذت بالله و قرأت ما أحفظه من أدعية وسور ، وصعدتُ إلى غرفتي و أنا في قمة الرعب أتلفت و رائي في كل لحظة حتى دخلتها وأغلقت الباب ورائي.
– هل كان ذلك جنياً ؟ و ما الذي يريده مني ؟.
ظللت أتسأل هكذا وأنا أداري فضيحتي التي قمت بها ، و بعد أن قمت بإخراج بعض السجائر من جيب بنطالي المبلل كالأطفال ، رأيت الورقة التي أخذتها من القبو بداخل ه، وقد كنت نسيت أمرها تماماً.
أخذة الورقة و قمت بفتحها ، لأجد فيها كتابة غريبة وطلاسم ، ونجمة سداسية في منتصفها نقطة صفراء.

لم أفهم شيئاً من ذلك سوى أن هذه الورقة اللعينة هي السبب في تبلل بنطالي ، وعلى الفور قمت بحرقها و رميها من نافذة الغرفة ، وخلدتُ بعدها إلى النوم.
وبينما أنا نائم شعرت ببرد شديد ينخر عظامي ، و نهضت لأجد نفسي مرمياً في مكان مقفر كالصحراء.
حاولت أن أقرص نفسي لكي أعرف هل أنا أحلم أم لا ؟ ولكنني كنت مشلولاً تماماً عن الحركة.

– ما هذا الذي يحدث معي؟ و ما الذي جاء بي إلى هنا ؟.
 
حاولت الصراخ و لم أستطع أيضا ً، أيةُ بلوة هذه التي وقعت فيها ؟.
فجأة و بينما أنا على هذه الحالة أكاد أموت رعباً وبرداً ، ظهر من العدم و أمام وجهي مباشرة قط أسود له عينان تقطران دماً و هو ينظر لي بنظرات خبيثة ،و أنا غير قادر على إظهار أي ردة فعل ، حتى أنني لم أستطع إغماض عينيّ لكي لا أراه.
 
“ضع دماء عذراء بين النقطة الصفراء ، يُعطيكَ أمير النور مفاتيح الأزمنة والدهور، لترى التاريخ بما حواه ، وما أخفاه عنكم الرواه “.
 
كانت تلك هي الكلمات التي قالها لي القط قبل أن أفقد وعيي ، أو بالأصح قبل أن يجعلني أفقد وعيي.
 
(14)
 
في الصباح استيقظت من النوم بصعوبة وأنا أشعر بآلام شديدة في جسدي – وكأنني كنت أُضربُ طوال الليل ولستُ نائماً – لأتفاجأ برؤية الورقة و هي سليمة لم يصبها أي شيء !.
 
– ما هذا ؟ لقد قمت بإحراقها الليلة الماضية ؟.
– هذه الورقة تُخفي سراً لعيناً.
خرجتُ من غرفتي بعد أن وضعت الورقة في جيبي ، و قمت بتناول الفطور مع أمي و أخي محمد و الذي سألني : ما بك ؟ تبدو مرهقا بشدة ، هل أنت مريض ؟.
أنا : لا ، أنا بخير ، ولكنني لم أستطع النوم إلا متأخراً.
محمد : حسناً ، هل أنت مستعد للعمل في الورشة ؟.
أنا : نعم ، و سأعمل بجد لأساعدك يا أخي.
محمد : أحسنت يا علي ، هيا بنا إذاً ، أتمنى ألا يضايقنا عمي اليوم .
أمي : أما زال هذا اللئيم يضايقك ؟ ما الذي يريده الأن ؟.
 
محمد : يريد إخراجي من الورشة بحجة أنه سيبيعهاظو
أمي : وكيف يبيعها وهي ورشتك ؟.
محمد : و لكن الأرض ملكه !.
أمي : أنا لا أصدق أبداً أن أباكم قد قام ببيع نصيبه من هذا الوغد ، بل إنني أعتقد أنه .. تتوقف أمي عن الكلام ، لأسألها: أنه ماذا يا أمي ؟.
تنهض أمي متنهدةً وهي تقول: لا شيء ، هيا أذهبا إلى عملكم و لا تسمحا لعمكما بأن يطردكما من ورشتكما .

نظرتُ بشك إلى محمد ، والذي هز كتفيه بلا مبالاة ، و ذهبنا بعد ذلك إلى الورشة.
كنتُ أعمل وأنا مشغول بالتفكير في تلك التعويذة
: ما الذي يقصده ذلك القط الأسود بكلامه ؟ هل بإمكاني رؤية الأحداث التي وقعت في الماضي بواسطة تلك التعويذة ؟.
هذا رائع حقاً ، ولكن كيف يمكنها فعل ذلك؟.
 
لا يهم ، سأنفذ ما قاله لي القط – والذي هو جني طبعاٍ – فور أن أرجع إلى البيت.
 
(15)
 
” هل جُننت ؟ بالتأكيد طلبك مرفوض”.
هكذا صاحت آمنة بي بعد أن طلبت منها قليلاً من دمها ، و وضحت لها سبب ذلك.
أنا : أرجوك يا آمنة ، لا يوجد من يلبي طلبي الغريب هذا إلا أنتِ.
آمنة: و ماذا إن حصل لي مكروه بسبب ذلك ؟.
أنا : وما دخلكِ أنتِ لكي يحدث لك أي مكروه؟ التعويذة بيدي وأنا من سيقوم بهذه التجربة.
 
آمنة: ما الذي فعلته في حياتي لكي يبتليني ربي بك، حسنا أيها المجنون أنا موافقة، ولكن هل ستأخذ كمية كبيرة من دمي؟.
 
أجيبها وقد سُررت بموافقتها بغض النظر عن الكلام الذي قالته : لا أحتاج إلا بضع قطرات صغيرة  فوق النقطة الصفراء.
 
قامت آمنة بتغطية تلك النقطة بدمها بعد أن جرحت إصبع يدها جرحاً بسيطاً ، و ما إن أتممت ذلك حتى تحولت التعويذة إلى اللون الأحمر .
أنا : ما هذا ، هل هذا كل شيء ؟.
آمنة : أنظر إلى تلك الكتابة التي ظهرت أسفل الورقة !.
أخذت التعويذة و قرأت هذه الكلمات.
“ضعها تحت رأسك عند المنام ، لترى ما شئته من الأيام”.
 
(16)
 
ظلام دامس يحيط بي ، وأنا أهوي دون توقف نحو الأسفل في هُوةٍ يبدو أنه لا نهاية لها ،
 
كانت تلك حالتي بعد أن وضعت التعويذة تحت وسادتي ونمت.
صرخت بأعلى صوتي : هل سأظل هكذا ؟.
ظللتُ أهوي دون توقف ، وبعد لحظات سمعت صوت ذلك الشيطان الذي رأيته من قبل على هيئة قط ، وأنا مستمر في السقوط نحو الأسفل.
“لا تعجل يابن آدم ، نحن على العهد ، سنهبك ما أردت ، ولكن كلما أعطيناك هبةً من الهبات ستحل عليك لعنة من اللعنات “.
 
فجأة توقفت عن السقوط وأصبحت واقفاً في الفراغ ، وانقشع الظلام ليحل بدلاً عنه صور متحركة أحاطت بي من كل جانب ، وعدت للسقوط مرة و توقفت بسرعة.
 
أرى أخي محمد عندما قام بصفعي ، أهوي إلى الأسفل مجدداً و أتوقف ، أرى نفسي  والأستاذ يقوم بضربي داخل الفصل ، أهوي مرة أخرى وأتوقف
 
، أشعر بالخزي والخجل وأنا أرى نفسي  أحمل صورةً لآمنة وأقبلها باكياً داخل غرفتي.
أهوي مرة أخرى لأصرخ : إلى متى سأظل هكذا ؟.
 فجأة يظهر وجه بشع من العدم و يصرخ في وجهي مباشرة: إلى أن تختار.
بعد ذلك  استيقظت من نومي فزعاً و أنا أتصبب عرقاً من كل شعرة.
 
(17)
 
“لقد نجحت التعويذة ، أيتها اللعينة”.
 
قلت هكذا لآمنة التي اندهشت من شتمي لها ، ولم أكن أنا أقل دهشة منها ، وأنا أفكر كيف جرى هذا الكلام على لساني ؟.
 
آمنة: لماذا تشتمني أيها الغبي ؟.
 
أنا: صدقيني لا أعرف كيف قلت ذلك أيتها الأفعى النمامة ؟.
 
تصرخ آمنة بغضب : هل جُننت يا علي ؟ أقسم أنني سأهشم رأسك بالحجارة إذا شتمتني مرة أخرى.
 
لم أتكلم هذه المرة، وجلست أفكر في سبب ما أنا فيه !.
“كلما أعطيناك هبة من الهبات ، ستحل عليك لعنة من اللعنات”.
هكذا إذاً ، لقد فهمت.
 
خاطبت آمنة  وأنا أحاول عدم شتمها دون فائدة: أعذريني يا تافهه ، لقد أصابتني هذه التعويذة بلعنة، و ذلك مقابل كل مرة أستخدمها ، هل فهمتي يا بقرة ؟.
 
أغمضت عيني وأنا أستعد لوابل من الحجارة التي سترميني بها ، ولكنها لم تفعل شيئاً من ذلك ، و قالت: أه صحيح ، لقد تذكرت.
 
أنا مستغرباً : ماذا تذكرتي يا معتوهه ؟.
آمنة: هاه ، لا شيء ، تذكرت تعويذتك اللعينة.
أنا: إنها لعينة فعلاً و أنتِ ألعن منها.
آمنة: أسكت قبل أن أفقد أعصابي،  هيا أغرب عن وجهي و أبحث عن حل لهذه اللعنة التي حلت بك.
هززت رأسي لها بمعنى أن معها حق ، فيجب أن أجد حلاً.
توجهت مسرعاً إلى البيت وأنا أدعو أن لا يراني محمد و يطلب مني الذهاب للورشة معه ، ولكن حصل عكس كل ما دعوت به.
فقد راني محمد في الطريق و سألني : أين كنت ؟ لقد تأخرنا عن فتح الورشة ، لم أجبه ومشيت أمامه مسرعاً إلى الورشة.
 
في المساء عدت إلى المنزل بعد يوم من العمل تشاجرت فيه مع عدة أشخاص ، وأسرعت إلى غرفتي و فتحت التعويذة لأبحث فيها عن حل لهذه اللعنة.
 
لم أتوصل إلى شيء ، وعندما يئست قررت أن أستخدم التعويذة مرة أخرى ، فربما تحل عليّ لعنة أخف من هذه.
 
(18)
 
لم أسقط كثيراً هذه المرة ، فقد قمت باختيار الزمن الذي أريد رؤيته بسرعة ، فلطالما تمنيت رؤية كيف كان أبي الذي توفي وأنا في المهد ، وها أنا الأن لن أراه فقط ، بل سأعرف شخصيته و حياته بالتفصيل.
 
كنت أسير كالروح في ذلك الزمن وأتنقل كيفما أريد.
 
لقد تغيرت القرية كثيراً عن ما هي عليه اليوم ، ذهبت مسرعاً نحو بيتنا.
 
– يا إلهي ، أنا لا أصدق هذا !.
 
لم أتمالك نفسي من البكاء وأنا أرى أبي وهو يحتضنني فرحاً بعد أن ولدت بلحظات ، لقد كان شخصية مهيبة و محبوبة فعلاً.
 
خرج أبي بعد ذلك من المنزل وأنا أتبعه حتى وصل إلى بيت عمي عبد الله و دخل إليه وأنا ورائه ، وما لبث أن تشاجر مع عمي.
 
أبي : ما الذي تريده مني يا عبد الله ؟.
 
عمي: أريد حقي يا صالح ، أنا لا أعترف بالوصية التي تدعي أن أبي أعطاك إياها.
 
صالح: ألن تكف عن حسدك و طمعك هذا ؟ لقد قسمتُ تركة أبي بالعدل فيما بيننا نحن وأخواتك.

عبد الله: أي عدل تتحدث عنه ؟ و قد أوصى بالورشة لك وحدك ، ثم أنه لا وصية لوارث.
 
صالح: أبي لم يوصِ في تركته كلها ، وأنما أوصى بالورشة لي فقط لأنني أنا من قمت بتشييدها من مالي الخاص الذي اكتسبته بعرق جبيني.
 
عبدالله : هذا كلام فارغ ، و أعدك أنني سأخذها رغماً عنك.
 
صالح: أفعل ما بدا لك فلن تأخذ شبراً واحدا منها ، وقد جئت إلى هنا كي أحذرك من مغبة ذلك.
 
قام أبي بالانصراف بعد ذلك ، ولكن عمي تَبِعه وهو ممسك بهراوة غليظة ، وقبل أن يخرج أبي من البيت قام بضربه غدراً من الخلف على رأسه حتى سقط مغشياً عليه ، وبعدها قام بخنقه حتى مات  ، في تلك الأثناء كدتُ أموت قهرًا وغيظاً ، وأنا غير مصدق لما أراه.
 
أخذ عمي جثة أبي إلى سيارته دون أن يراه أحد، وانطلق بها إلى الطريق العام ، و بعد أن خلى الطريق من السيارات ، قفز من سيارته وتركها تهوي من إحدى المنعطفات نحو الوادي وأبي بداخلها.
 
نهضت من النوم في منتصف الليل وأنا أرتجف رعباً وغيظاً ، لا بد أن يعلم الجميع بما فعله عمي بأبي.
ولكن كيف سأثبت لهم ذلك ؟ .
 
لا يهم ، حتى لو لم يصدقوني فسأقوم أنا بقتل عمي و أخذ بثأر أبي.
 
ذهبت مسرعا إلى غرفة محمد و قمت بطرق بابها كالمجنون ، ليخرج محمد و يسألني بفزع : ما بك ؟ لما تطرق الباب هكذا في هذه الساعه ؟.
 
أنا : لقد عرفت سراً خطيراً.
لم أكمل كلامي حتى انفجرت ضاحكاً بهستيرية.
 
 – يا إلهي ، إنها اللعنة الجديدة !.
 
نظر إلي محمد باستغراب و قد ضحك بسبب ضحكي و قال : ما الذي جرى لك أيها الأبلة ؟ ما السر الذي عرفته ؟.
 
أنا: أبي مات مقتولاً على يد عمي ، ثم ضحكت ، لقد قام بخنقه بعد أن أفقده الوعي ، ضحكت ،  ثم وضعه في سيارته و جعلها تسقط في الوادي ، ثم ضحكت.
وظللتُ أضحك حتى آلمتني بطني و أحسست أنها تكاد تنفجر.
محمد: لقد جُن هذا الولد حتماً .
زوجة أخي: لا بد و أنه يتعاطى المخدرات.
غضب محمد بسبب كثرة ضحكي وأمرني بالانصراف من أمامه قبل أن يصب غضبه عليّ ، ثم دخل غرفته و أغلق الباب في وجهي.
 
عدت إلى غرفتي لأجد طريقة للتخلص من هذه اللعنة الغبية ، سوف أموت بالتأكيد إن استمريت بالضحك هكذا ، تكاد بطني تتمزق من الألم ، ماذا أفعل ؟.
لن ينفع الحرق مع هذه التعويذة بالتأكيد كما في المرة السابقة ، إذاً كيف أوقف تأثيرها ؟.
ظللتُ أفكر طويلا ، و فجأة … نعم ! الدماء هي من أعطى القوة لهذه التعويذة.
 
على الفور قمت بجلب دلو مملوء بالماء و وضعت التعويذة في داخله.
لم يحدث للورقة أو لطلاسمها أي شيء ، إلا أن الدم الذي كان على النقطة الصفراء تلاشى من فوقها ، وتلاشى معه اللون الأحمر من التعويذة وعادت إلى لونها الطبيعي.
 
لقد نجحت أخيراً ، وأوقفت هذه التعويذة ولعانتها.
 
(19)
 
“هل خرفت أم سكرت ؟”.
قالها محمد بغضب بعد أن حدثته بما ارتكبه عمي ، و أزداد غضباً عندما أخبرته كيف عرفت ذلك.
 
أنا : مهما أقسمتُ لك فلن تصدقني ، ولكن لتعلم أن هذه هي الحقيقة ، أبونا مات مقتولاً على يد عمنا.
محمد : لنفترض أن هرائك هذا صحيح ، كيف سنثبت ذلك أمام الناس ؟.
أنا: لا يهمني أن أثبت شيئاً لأي أحد ، سأنتقم من عمي وأثأر لأبي ، ولن أبالي بأي شيء يحدث بعد ذلك.
 
يصرخ بي محمد قائلاً : إياك أن تفعل شيئاً دون علمي ، أنا سأعرف كيف أتصرف.
أنا:  هل هذا يعني أنك صدقتني؟.
محمد : لم أصدق تعويذتك المزعومة ، ولكن تذكرت  كلام أمي.
“أنا لا أصدق أن أباكم قد باع نصيبه من ذلك الوغد ، بل أعتقد أنه…”.
لقد كانت تخفي شيئاً ما، و يبدو أنه تشك بعمي  أيضاً.
أنا: هذا شيء أكيد و ليس شكاً ، يجب أن نثأر لأبينا و نأخذ حقنا المنهوب منا.
 
محمد: ماذا تقصد ؟.
أنا : لقد رأيت عمي أيضاً وهو  بتزوير أوراق تثبت أن أبي قام ببيع حصته ، وجاء بشاهدي زور، أحدهما سالم عاقل القرية والآخر لم أعرفه.
 
محمد : لا أعرف هل أصدقك أم أكذبك ، و لكن لعلي سأستفيد من هذه المعلومات لكشف الحقيقة وعندها سأتصرف ، هيا اذهب إلى النوم الأن وإياك أن تفعل شيئاً دون إذني.
 
(20)
 
استيقظت بصعوبة من النوم ، فلم أنم براحة هكذا منذ عدة ليال.
 
يا إلهي ! الساعة الأن تشير إلى الثالثة عصراً، هل نمتُ كل هذا الوقت ؟.
 
خرجت من البيت بسرعة متجها إلى الورشة ، يجب أن أعلم ما الذي قام به محمد ، وأثناء ذلك لقيت آمنة و هي جالسة على قارعة الطريق ، وما إن رأتني حتى أسرعت نحوي قائلة : إلى أين ستذهب ؟.
 
أنا : إلى الورشة ، عند أخي محمد.
آمنة: أخوك محمد في بيتنا ، هو و منصور.
أنا : وما الذي يفعلانه عندكم؟.
آمنة : لقد أخذا يتحدثان مع أبي في المجلس.
أنا : و ما الذي يدور بينهم ؟.
آمنة : لا أعرف ، فقد طلب مني أبي أن أخرج من عندهم.
أنا : هل ستصدقينني يا آمنة إذا قلت لكِ أن أباكِ قد قتل أبي؟ “.
 
لم تبد آمنة أي ردة فعل عندما سألتها هذا السؤال ، تعجبت من ذلك واقتربت منها و هي لا زالت صامتة و سألتها : ما بكِ يا آمنة ؟ أنا أحدثك ألم تسمعيني ؟.
 
آمنة: لا شيء ، وإنما أنا حزينة بسبب مشاكل أبي معكم.
أنا : وما رأيكِ فيما قلت ؟.
و قبل أن تجيبني سمعنا ضجة وصراخا يأتي من بيت عمي.
انطلقت بسرعة أنا وآمنة حتى وصلنا إلى البيت ، و قد احتشد أناس كثيرون من القرية وهم يجرون أخي محمد ، و كان عاقل القرية ناصر يصيح قائلاً : أقبضوا على هذا المجرم ، لقد قام بقتل عمه.
 
يصيح منصور قائلاً : لا تستعجلوا ، انتظروا حتى أشرح لكم الأمر ، لقد دخلت إلى البيت فور أن أخبرتني زوجة عبدالله بأنه يتعارك مع محمد و طلبت مني التدخل … ولكن أحداً لم يستمع إليه ، و هجموا كلهم على محمد ، و بعد شد وجذب ومشادات كلامية تم القبض عليه و نقله إلى مركز شرطة قريب من قريتنا ، و من ثم  إلى النيابة العامة في المدينة ، و هناك تقرر حبسه 15 يوماً على ذمة التحقيق ، وأثناء ذلك سمح لي رئيس القسم بالتحدث معه لفترة وجيزة.
 
أنا : لا تقلق يا أخي ، سأجد طريقة أثبت فيها أن عمي قام بقتل أبي ، وأنك لم تقم إلا بأخذ الثأر، وهكذا … يقاطعني محمد قائلاً : ولكنني لم أقم بقتله متعمداً ، لقد كنت أدافع عن نفسي عندما حاول هو قتلي !.
 
أنا : كيف حدث ذلك ؟.
محمد: ليس هناك وقت لأشرح لك الأن ، أذهب إلى  منصور فقد دخل إلى الغرفة عندما بدأت أتعارك مع عمي و هو سيخبرك بكل شيء.
أنا : عظيم ، إذاً لا داعي للقلق يا أخي فشهادة منصور في صالحنا ، وستنفي عنك التهمة.
 
صاح العسكري  معلناً انتهاء وقت المحادثة ، وقام بأخذ محمد  إلى السجن ، أما أنا فقد عدت بسرعة إلى القرية ، وتوجهت إلى بيت منصور ، و ما إن رآني حتى بادرني مطمئناً : لا تقلق على أخيك ، لقد طلبت مني عمتك التدخل للفض  بينهما و رأيته وهو  يدافع عن نفسه ولم يقتله متعمداً أبداً و سأشهد بذلك.
أنا : بارك الله فيك يا منصور، لن ننسى لك هذا الموقف أبداً.
 
منصور : أي موقف يا رجل ؟ هذا ما يُفترض علي أن أفعله ، هل تريديني أن أكتم شهادة ستنقذ نفساً من الموت ؟ أذهب الأن و طمئن والدتك ، وعندما يحين وقت المحاكمة سنذهب سوياً إن شاء الله.
 
بعد ذلك ذهبت إلى البيت، و طمئنت أمي و زوجة أخي ، و في الصباح انطلقت إلى المدينة وأقمت عند فؤاد ، و كنا نزور محمد في كل يوم إلى أن حان وقت المحاكمة.
 
(21)
 
” لقد تبين بعد تشريح جثة المجني عليه بأنه مات نتيجة لكسر في رقبته ، بعد أن تعرض لضربة قوية فيها ، قام بها المتهم الماثل أمامكم وذلك بشهادة أكثر من واحد وعلى رأسهم عاقل القرية الشيخ ناصر، و لذلك فإنني أطلب من عدالتكم الحكم عليه بالإعدام قصاصاً لما اقترفه من جرم”.
 
كان ذلك هو كلام المدعي العام أمام قاضي المحكمة ، و الذي قام بإعطاء الإذن للمحامي الذي قمنا بتوكيل ليبدأ في المرافعة و الدفاع عن المتهم
 
وبعد إن انتهى من ذلك ، و بيّن  بأن محمد لم يقم بقتل عمي عمداً ، وإنما كان في وضعية الدفاع عن النفس، وأن الذين شهدوا ضده لم يكونوا في البيت أصلاً حين وقعت الحادثة ، طلب من القاضي الاستماع لشهادة منصور الرجل الوحيد الذي كان موجود حينها.
 
طلب القاضي من منصور أن يقول شهادته بعد أن أقسم على المصحف أن لا يقول إلا الحق.
“لولا شهادة منصور لثبتت التهمة على أخيك” .
قالها فؤاد لي هامساً.
بدأ القاضي يسأل منصور :
 
– هل كنت حاضراً وقت حدوث الجريمة ؟.
منصور: لا ، لم أكن هناك.
 
نزل جواب منصور كالصاعقة علينا أنا وفؤاد و المحامي ، بينما كان ناصر ينظر نحوي مبتسماً ، لم أتمالك نفسي فوقفت و صحت بمنصور: عليك اللعنة  أيها الجبان الخسيس.
 
القاضي : ما هذا ؟ هل تظن نفسك في سوق ؟ أجلس قبل أن أزج بك في السجن.
يتوجه القاضي بالسؤال إلى منصور قائلاً : هل أنت متأكد من كلامك هذا ؟.
منصور : نعم يا سيدي ، فأنا لا أعلم شيئاً عن الذي حدث.
يهمس لي فؤاد قائلاً : لا بد و أن ناصر هذا قد قام بتهديده أو رشوته.
أنا : و ما العمل الأن ؟.
فؤاد : لا أدري.
و بعد عدة دقائق حاول فيها المحامي إيجاد أي مخرج لمحمد دون فائدة ، قام القاضي بإصدار حكم الإعدام بحق أخي محمد ، و أنا أكاد أموت غيظاً و قهراً.
 
إلى هذه الدرجة وصل الانحطاط والخبث في الناس ؟ أي ظلم هذا ؟.
 
أقسم أنني سأنتقم منكم واحداً تلو الآخر.
و في تلك الأثناء و قبل أن تُرفع الجلسة بلحظات ، دخلت آمنة إلى قاعة المحكمة و هي تصرخ لاهثة: أنتظر يا سيادة القاضي أرجوك.
 
نظرت إليها بكل دهشة و هي تقول للقاضي  أنا ابنة المجني عليه في هذه القضية ، ولدي دليل قاطع على براءة أبن عمي ، و على إدانة أبي أيضاً بقتل عمي.
القاضي : و أين هو هذا الدليل ؟.
 
أخرَجَت آمنة الهاتف المحمول الذي أهديته إياها من حقيبتها و ناولته للقاضي ، قائلة : يوجد مقطع فيديو وحيد في هذا الهاتف و هو الدليل الذي معي ، أرجوك أن تقوم بمشاهدته.
 
(22)
 
الفيديو
 
يظهر محمد وهو جالس إلى جانب عمه عبدالله  داخل المجلس ، وهما يتشاجران بصوت واضح.
 
عبد الله: هذه أرضي وأنا حر فيها وسأقوم ببيعها.
محمد: لتعلم أن أوراقك التي زورتها بمساعدة ناصر و استوليت بها على حقنا ليس لها قيمة عندي بمقدار ذرة.
عبد الله: ليس المهم أن تكون ذات قيمة عندك ، المهم أنني أستطيع أن أطردك بها إلى الشارع.
محمد: أنا لم آتي إلى هنا من أجل الورشة .
عبد الله: من أجل ماذا أتيت اذاً ؟.
محمد: من أجل الثأر.
 
تتسع عينا عبد الله رعباً ، ولكنه يتمالك نفسه و يقول : عن أي ثأر تتحدث ؟.
 
محمد : ثأر أبي الذي قتلته أيها الجبان.
 
صمت عبدالله قليلاً ، ثم قال بلهجة منكسرة: اسمعني يا بني ، لا داعي لأن نفتح الماضي ، قتلي لأبيك كان خطئاً كبيراً ، وأنا الأن سألحقك به…… و فجأة قام بسحب الجنبيه (الخنجر) و هوى به نحو قلب محمد ، ولكن محمد أمسك بيده في اللحظة المناسبة.
 
بعدها بلحظات دخلت زوجة عبدالله لترى محمد يقبض على يد عمه الممسكة بالخنجر و  يحاول دفعها بكل قوة  وهو شبه ممد على المجلس وقد اعتلاه عبدالله ،  ثم تخرج بسرعة وهي تصرخ مستنجدةً بأعلى صوتها ،
 
بعد ذلك دخل منصور إلى المجلس و محمد ما زال على وضعيته تلك ، و بعد لحظات من دخوله قام محمد بركل عمه في بطنه  بعد أن كاد الخنجر أن  يخترق قلبه ، و أتبعها بركلة في رقبته دون أن يشعر  حتى كسرها ، ليقف مذهولاً بعد ذلك ، و ما هي إلا دقائق حتى جاء ناصر و رجاله.
 
(23)
 
قام القاضي بتأجيل القضية بعد مشاهدة الفيديو إلى جلسة أخرى ، و في تلك الجلسة تمت تبرئة محمد من القتل العمد وإدانته بالقتل الخطأ ، و حُكم عليه بدفع الدية إلى أولياء المقتول ، و أيضاً تم حبس منصور و الشيخ ناصر لشهادتهم زوراً في القضية.
 
(24)
 
“بعد مرور شهر”
 
ذهبتُ إلى حيث كنا نلتقي دائماً وأنا واثق أنها هناك ترعى رغم ما مرت به من ظروف ، لم يخب ظني ، لقد كانت جالسة فوق إحدى الصخور ممسكةً بعصاها كالعادة.
هذه المرة تملكتني رهبة منها ومن لقائها ، و لا أعلم سبب ذلك ؟.
هل لأنني السبب فيما حصل لأبيها ؟ أم بسبب موقفها البطولي الذي أنقذ حياة أخي ؟.
لا أعرف ، و لكن ما يهمني هو شيء واحد ، هل ما زالت تحبني ؟.
 
تقدمتُ نحوها وأنا أُقدمُ رجلاً و أؤخر أخرى ، حتى التفتت نحوي و نظرت إلي بعينيها و ابتسمت.
 لم و لن أرى أجمل وأسحر من هذه العيون أبداً ، لقد زادها الحزن قبولاً و جمالاً.
اقتربت منها و جلست إلى جوارها ، و بعد صمت جميل قالت : هل تعلم فيما أفكر يا علي ؟.
أنا : و فيما تفكرين ؟.
 
آمنة : أفكر في صفعة أخيك محمد لك.
أنا : ما بالها ؟.
آمنة: لولا تلك الصفعة  لما تم القضاء على عصابة تجارة الأعضاء تلك ، ولما عرفتم بما فعله أبي.
أنا : معك حق ، و كأن تلك الصفعة كانت بأمر من الله لكي تُكشف كل الحقائق.
يخيّم الصمت مرة أخرى قبل أن أقطعه قائلاً : هناك أمر يحيرني منذ مدة .
آمنة: و ما هو ؟.
أنا : كيف قمتِ بتصوير ذلك الفيديو ؟.

آمنة : لقد عرفتُ أن أبي قام بقتل عمي ، و جلستُ أفكر في طريقة أثبت بها ذلك ، وعندما جاء محمد إلى بيتنا كنت حينها  ألعب بهاتفي في المجلس عند أبي ، و بعد أن دخل محمد علينا  طلب أبي مني الخروج ، ولكن قبل أن يطلب مني ذلك ،  قمت بتثبيت الهاتف فوق إحدى الطاولات المقابلة لمكان جلوسهم ، بعد أن تركته في وضع تسجيل الفيديو وتأكدت من أن الصورة ستكون واضحه ، ثم خرجت بعد ذلك.
 
أنا : لا أعرف هل أمدح ذكائكِ وسرعة تفكيرك ، أم أمدح موقفكِ النبيل هذا ؟ ولكن لحظة ! هل كنتِ تعرفين من قبل أن عمي قام بقتل أبي ؟.
 
آمنة: لا أيها الذكي ، فأنا لم أعرف ذلك إلا حين عرفته أنت.
أنا: ماذا تقصدين ؟.
آمنة : لقد كنت أرى كل شيء مثلك حينما تقوم باستخدام التعويذة.
أنا : حقاً ؟ ولكن ما دخلكِ أنتِ؟.
 
آمنة: لا أعرف ، ربما كان ذلك بسبب الدم الذي أخذته مني ، و وضعته على التعويذة ، لقد كنتُ أنام فجأة و أرافقك في رحلتك إلى الماضي ، إن ذلك رائع حقاً.
أنا: الأن فهمت و…لحظة ! هل هذا يعني أنكِ قمتي برؤيتي وأنا أبكي عند صورتكِ؟.
تضحك آمنة بقوة ، أنا و قد أسود وجهي خزياً وخجلاً : ما الذي يضحككِ ، هل رأيتِ ذلك؟.

آمنة : نعم أيها الأبله ، وشعرت بالسعادة لذلك، ولكن هذا لا يمنع أن شكلك كان مخزياً للغاية ، ثم تنفجر ضاحكة مرة أخرى.
أنهض وأنا أقول غاضباً : أقسم أنني سأقتل أغنامكِ هذه كلها إذا لم تتوقفي عن الضحك أيتها المجنونة .

آمنة وهي تحاول ألا تضحك : حسناً سأسكت، ولكن أخبرني ماذا ستفعل الأن بالتعويذة ؟.
أنا: لا شيء ، سأخفيها في مكان لا يصل إليه أحد.
آمنة : ألن تستخدمها مرة أخرى؟.
أنا : لا يوجد داعٍ لرؤية ما قد مضى من القرون ، فلربما كان بقاء بعض أحداثها في طي الكتمان أفضل لنا.

تنهض آمنة وتقف بجانبي لأمسك يديها لأول مرة و أواصل حديثي قائلاً : من الأن لا شأن لنا بما مضى ، سننظر في مستقبلنا فقط ، لن تفيدنا رؤية أيام من قد خلوا في شيء.
(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون).
 
النهاية …….

تاريخ النشر : 2020-11-17

أبو عدي

اليمن

مقالات ذات صلة

37 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى