أدب الرعب والعام

الجزء الأول – أتتركني للذاريات ؟

بقلم : إسرائيل السفياني – اليمن

منذ أن أبصرتك وأنا أتذوق النجوم وأشعر بأن نهر يجري في صدري وأن خلاياي تتجدد بسرعة لا مثيل لها
منذ أن أبصرتك وأنا أتذوق النجوم وأشعر بأن نهر يجري في صدري وأن خلاياي تتجدد بسرعة لا مثيل لها

 
أنا غادة ، طالبة في المستوى الثالث علم نفس ، علمتني الحياة أن لا شيء يدوم وأن الثابت في هذه الحياة هو شيء واحد فقط هو التغير .

– كيف حالك يا غادة ؟.
– بخير يا بثينة ، وأنت كيف حالك ؟.
– على ما يرام ، هذا عام جديد في الكلية و أشعر بأنه سيكون حافلاً ومتخماً بالمواد الدراسية ، يا للسخف ! من هذا الغبي الذي يدخل قسم العلوم النفسانية ؟ أنه يذكرني بذلك النوع من العناكب التي تتغذى على بعضها ، ونحن كذلك بالضبط ندخل هذا القسم فيصبح نصفنا الأول مستشاري علم نفس والنصف الآخر مرضى نفسيين يستشيرون النصف الأول !.
 
– (قهقهة عالية ) أضحكني كلامك يا بثينة ، حقاً أن مقاربتك للأمور فريدة من نوعها .
– شكرا لك يا غادة ، لكنها الحقيقة ، من ذلك الفتى هناك ؟.
– من تقصدين ؟.
– ذا العينين الخضراوتين والشعر الأسود الداكن !
– آه ، أنه فاتن ولكنها المرة الأولى التي أراه بها هنا ، من يكون ؟.
– لا أدري يا غادة وكل ما أعرفه أنني لا أستطيع أن أزيح ناظري عنه ، بدأت أحب قسم علم النفس !.

” في قاعة الدراسة “.
– طلاب وطالبات علم النفس الأفاضل ، أسمحوا لي أن أقدم لكم زميلكم الجديد ” أحمد ” أنه طالب علم نفس من جامعة الناصر ، تم نقله إلى جامعتنا نظراً لمستواه العالي في الدراسة وليحظى بمستوى تعليمي يناسب قدراته في أرقى جامعة في البلاد وهي جامعتنا الموقرة وفي أعرق أقسامها ” قسم علم النفس ” .
تدوي الصفقات في أرجاء القاعة بعد كلمة الأستاذ .
– غادة ، هذا الفاتن عبقري أيضاً ! ماذا لديك بعد يا أحمد.

– حقاً يا بثينة أنه مذهل.
تمر أيام الدراسة ويذيع صيت الطالب الجديد ، أستطاع اكتساح قسم علم النفس خلال أسابيع قليلة وبعبقرية فذة لا مثيل لها ، شاب خجول وهادئ ولكنه عند المناقشات العلمية مع أساتذته مذهل بحق.

– يا طلاب أريد أن أتوجه إليكم بسؤال ، لماذا يتجه كثير من الأطفال الصغار إلى أحضان أمهاتهم عند الشعور بالتهديد أكثر من أحضان الآباء ؟ أحمد لتبدأ أولاً .
– كلنا نعرف عن عقدة أوديب يا دكتور ، والتي سجلها عالم النفس الأبرز سيجموند فرويد والتي تتلخص بأن دور الأم الكبير في تنشئة ورعاية الطفل منذ الولادة ومروراً بمرحلة إرضاعه وكذا الاعتناء به ساعات طوال أكثر من الأب المنشغل دوماً تسبب للطفل عقدة أوديب وتجعله يتعلق بها ، لكن إذا ما أردت وجهة نظري الخاصة والمتواضعة فأنا أعتقد أن للأمر متصل بحقيقة واحدة وهي أن في العقل اللا واعي للطفل أن الأم التي تمتص الحليب من ثديها تهبك جزء من حياتها ومستعدة للتضحية بالجزء الآخر عندما يداهمك الخطر ، في عقلنا اللا واعي جميعاً هناك دافع يجعلنا نلجأ إلى أمهاتنا أكثر من آبائنا لأنهن أكثر استعداداً للتضحية ويزداد الدافع هذا عندما نكبر أيضاً فنحن نشاهد كيف تخرج الحياة من جسد الأم المتشظي ألماً ودماً عند الولادة وكيف أننا امتصصنا الحياة مرتان ، الأولى عندما كان في بطون أمهاتنا عبر الحبل السري والأخرى عند الرضاعة من أثدائهن ، أنه أمر يكبر معنا .

– أحمد ، أنت طالب موهوب حقاً ويعجبني فيك نظرتك الفلسفية أيضاً ، أهنئك ، هل من طالب آخر ؟ لا .. حسناً أظن ما أوجزه زميلكم أحمد كاف .

– أنه عبقري فعلاً يا بثينة .
– ماذا ؟ لم أسمع ما قاله حقاً ، كنت مشغولة بعيناه شبيهتا المحيط .

“بعد انتهاء المحاضرة .. في ساحة الكلية “.

– عفواً ، أنتِ غادة صحيح ؟.
– أنا .. أنا .. أنا غادة نعم ، وأنت أحمد ، صحيح ؟.
– أنا لا أعرف نفسي ولكن أسمي أحمد ، نعم !.
– “قهقهة ” ، ومن لا يعرف أحمد الطالب الجديد ومتقد الذكاء ؟.
– سأعتبرها مجاملة ، في الحقيقة سمعت بعض آرائك في القاعة ، لديك آراء ملفتة للنظر .
– حقاً ؟ كل ما أعرفه أنها لا شيء أمام ما تقوله .
– نعم إنها آراء مثيرة للإعجاب ، أعتبر ما قلتيه مجاملة أخرى !.

“صوت قادم من بعيد “.

– غادة ، المحاضرة الثانية بدأت ، هيا لندخل القاعة !.
– قادمة يا بثينة ، لندخل القاعة يا أحمد
” في القاعة “.
– علم النفس مر بمراحل تم استغلاله فيها لمصالح سياسية وهو لطخة سوداء في تأريخ هذا العلم ، من أمثله ذلك ما كتبه عالم النفس الأمريكي الشهير روبرت هندين أحد تلامذة فرويد في نيويورك تايمز الصادرة في 17 يناير سنة 1971 م واصفاً الشباب الأمريكي الثائر ضد سياسة الرئيس نيكسون فيقول : (أن هؤلاء الشباب الراديكاليين يعانون من إهمال أسرهم لهم التي أصابتهم بخيبة الأمل في تحقيق ما تحتاج إليه شخصياتهم والتي تمعن في تجاهلهم كأشخاص وأفراد مستقلة من البشر ) وكما تلاحظون يا طلاب . . . .

( صوت بثينة قاطعاً حديث الأستاذ وهي تكلم غادة ).
 
– غادة ، بماذا تكلم معك احمد ، يقتلني الفضول لأعرف ، يا إلهي ذاك الشاب الفاتن تحدث معك دون غيرك من فتيات الدفعة ! هل تعرفين إنك الآن محط حسد وغيرة كثير من معجباته ، لست منهن طبعاً فأنا أتنازل عنه لك يا صديقتي لكني دعيني أتمتع بمنظر هذه العيون قليلاً .

– (قهقهة خفيفة ) تضحكني تعليقاتك يا بثينة حقاً إنها فريدة ، لم نتحدث بشيء مهم بدا وكما لو أنه تعارف فقط.

“الساعة العاشرة ليلاً “.

يُضيء هاتف غادة برسالة على تطبيق واتساب ، كانت من رقم غير محفوظ كجهة اتصال .
(المحادثة ).
– سلام.
– أهلاً ، من ؟.
– آسف لإزعاجك بهذا الوقت يا غادة ، أنا أحمد ، زميلك في الكلية.
– أهلاً أحمد ، ليس هناك أي إزعاج ، أيمكن أن أسال كيف حصلت على رقمي ؟.
– أخذته من الأستاذ جمال ، قلت له أني أريد أن أسألك عن شيء.
– هكذا إذاً ، تفضل يا أحمد ماذا تريد أن تسأل ؟.
-غادة ، هل أنت مرتبطة ؟.
(تشعر بالذهول من تسارع الأحداث )
مستغرقة دقيقتين لترد أجابت :
– معذرة يا أحمد ، هل يمكن أن أعرف لما هذا السؤال ، ولكن سأجيبك .. لا ، لست مرتبطة.
– لا أدري يا غادة فقط أحببت أن أعرف ، في الحقيقة أريد أن أكون صداقات في الكلية وأنت على رأس القائمة .

-همممم ، هل تريد أن تجعلني أصدق أن أحمد محبوب قسم علم النفس يواجه صعوبة في تكوين صداقات ؟.
– ليس الأمر بهذه الطريقة ، أنا لا أصادق إلا من أرتاح لهم .
– اعتبرنا أصدقاء منذ هذه اللحظة يا أحمد ، تشرفني صداقة شخص مثلك .
– شكراً لك يا غادة ، ليلتك طيبة .
– وأنت أيضاً ، أحلام سعيدة .
–  وبمناسبة ذكر الأحلام ، يقولون أن الأحلام مراكب الزمن ، هل تؤمنين بهذا ؟.
– مراكب الزمن ؟ ماذا يعني هذا أساساً ؟.
– الأحلام تأخذنا إما للماضي أو للمستقبل ، عند تأويلها نجد أنها أحداث وقعت أو أحداث لم تقع بعد ، هكذا يقولون .
– ربما ، كلام عميق .

” اليوم الثاني في الكلية “.

– غادة ، أحمد لم يرفع ناظره عنك منذ بدأ المحاضرة !.
ماذا ؟ بثينة هذا يعني أن ناظراك أيضاً عليه إيتها الشريرة .
– (ضحة بثينة ترتفع ) لا ، ليس كذلك يا عصافير الحب ، لكن أحذرا أنتما في قسم علم النفس وليس من السهل إخفاء المشاعر هنا ، إن غرفة كاملة من الألعاب النارية تتفجر بينكما عندما تنظران لبعض ولست أنا الوحيدة يا صديقتي من تلاحظ هذا !.
تمر الأيام وتتوطد العلاقة يوماً بعد يوم ، محادثات لساعات طوال على الهاتف و وجبات غداء معاً بعد يوم دراسي شاق في الكلية ، بدا أحمد كما لو أنه شخص تعرفه غادة منذ وقت طويل جداً ، وخلف غموضه وهدوءه هناك شاب شغوف وحالم ، شعرت غادة أن القدر أرسل لها شريك حياة مثالي بكل شيء .

“محادثة ليلية على واتساب :

– غادة ، أريد أن أعترف لك بشيء .
(نبضات قلبها تتسارع ) ترد غادة :
– ماذا يا أحمد ؟.
-أريد الارتباط بك .
– ماذا ؟ أني أحمر خجلاً الآن ، لن أسامحك اذا كنت تمزح معي.
– لا أمزح ، أنا أكن لك مشاعر جمة .
– ماذا ؟ أتجد صعوبة في قول أحبك ؟.
– حسناً ، لا أحبذ وصف ما اشعر به تجاهك بالحب فقط ، أنتِ شيء أفتقده منذ زمن طويل ربما الأزل ، جزء من روح تائهة تقصمت جسد غض لعشريني متحذلق يدعى أحمد .
– يا لك من فيلسوف ماكر ! أنا احبك أيضاً يا أحمد ، وسأكون أسعد إنسان معك .

“عيد ميلاد غادة “.

– عيد ميلاد سعيد يا فاتنة .
– ماذا ؟ تحاول جعلي أحمر خجلاً يا متملق !.
– حسناً ، لا أحتاج لذلك فوجنتاك مشربتان بحمرة خفيفة أساساً ، هل تكثرين من الفراولة ؟.
– (قهقهة عالية ) لماذا يحيط بي أشخاص ذوي تعليقات فريدة حقاً مثلك أنت وبثينة ؟.
– ربما لأننا نكون كذلك بجانبك فقط ، أحضرت لك هدية .
– هدية ؟ لماذا أتعبت نفسك .
تفتح غادة الهدية فإذا هي ساعة فضية جميلة مع بطاقة معايدة مكتوب عليها بقلم أحمر :
أردت أن أكتب عنك لكن القلم عزف عن الكتابة مراراً وتكراراً واحمرت الأحرف خجلا عن وصفك وصرخ الياء بقوة : أنا آخر الحروف يا هذا وأستطيع أن أؤكد لك أن لا حرف يفيها حقها ! أنتي يا فاتنة أشد وقعا على العقل من الخمر وعلى الآذان من نغم الموسيقى وعلى العين من شعاع البدر في منتصف الشهر .

” أنتي سيمفونية عذبة غفل عنها بيتهوفن ولوحة جميلة لم يدركها دافنيشي وبيكاسو وقصيدة بليغة لم تضمها دفتي كتاب لشكسبير ، يا فاتنة أنتي . . أنا لا أجيد الحديث عن تقاسيم الجسد ولكنك على صورة قويمة تتجلى فيها عظمة الأله ، غارق في عيناك كسفينة التايتانك تتقاذفني أمواجك يمنة ويسرة وبشوق لا يرحم ولهفة لا تعرف الرأفة.
أود أن أبوح لك بسر ، منذ أن أبصرتك وأنا أتذوق النجوم وأشعر بأن نهر يجري في صدري وأن خلاياي تتجدد بسرعة لا مثيل لها ، فاتنتي الجميلة بالله حدثيني من أين أتيتي ؟ هل تزحلقتي على قوس قزح آتية من أرض السكر والحلوى التي قرأنا عنها في حكايات الأطفال ؟

يا فاتنة أنتي تعيدين صياغة التأريخ وتعريف النساء ، تعيدين ترتيب كل شيء في رأسي وتخطين بأناملك سطورا جديدة في حكايتي ، أنا لا أعرف شيئا سوى أنني حبيس في تفاصيلك ومصاب بالإدمان الشديد عليك ، بدونك أنا مصاب بالاضطراب وبالعمى والاكتئاب ، من فضلك يا ذات الأحرف الأربعة .. أرفقي بي “

نظرت غادة وقلبها يخفق بشدة وعيناها تدمعان إلى أحمد الذي ابتسم قائلاً :
-عنيت كل حرف يا فاتنتي !

-لا اعرف ماذا أقول ، اشعر برغبة في البكاء !
– ماذا ؟ البكاء ! حسناً أنا لا أعتقد أن علم النفس يشمل النساء ، حقاً لا أحد يستطيع فهمكن !
-(ضحكة غادة ) لماذا كتبت أنتي بالياء وأنت متطرف نحوياً بدلاً عن أنت بكسر التاء ؟.
– كرهت أن أكسرك يا عزيزتي حتى في اللغة .
-هممم ، سرقتها من قصة عباس العقاد مع صديقته !.
– حقاً ! لا أدري ، لكن أؤكد لك أنني لم أسمع بهذا قبلاً !.

” في قاعة الكلية “.

– يعتبر علم النفس نزعة التملك لدى الإنسان نزعة فطرية ناتجة عن (الأنا ) العليا لدى كل فرد منا ، ما رأيكم بالأمر ؟ نعم ، تفضل هادي .
– أعتقد يا أستاذ أن الأمر ليس بالضرورة أن يكون نزعة فطرية ، كثير من الناس يحمل صفة الإيثار منذ الصغر ولا يحب تملك شيء لنفسه ، ماذا ندعو هذا ؟ شذوذ عن قاعدة فرويد والتحليل النفسي ونكران للأنا ؟.
– جميل يا هادي ، وجهة نظر ممتازة ، لنرى ماذا في جعبة فرويد الجديد ، ما رأيك يا أحمد؟.
-عذراً يا دكتور ، أنا لست أحمد ، أنا صديقه آدم ، أحمد لم يحضر اليوم فهو يشعر بالتعب .
(ضحكة مدوية في القاعة ).
– (قهقهة عالية من الأستاذ ) حسناً يا أحمد لن أجادلك في هذا لديك فلسفتك الخاصة التي لن نفهمها ، حسنا كما تريد .. ما رأيك يا آدم ؟ (ضحكة صغيرة ).

– ليست فلسفة يا دكتور ، أنا فعلاً آدم وأنا لست طالباً في قسم علم النفس ، لا أدرس في أي مكان أساساً ، نعيش أنا وأحمد في غرفة واحدة وأنا أهتم بكل شيء من تنظيف الغرفة إلى إعداد الطعام وغسل الملابس .
( ضحكة مدوية أخرى في القاعة ووجوه يعلوها الاستغراب )

– أحمد هذا يكفي ( الأستاذ محدثاً إياه ونظرة الانزعاج بادية على وجهه ) .
(طالب يصرخ من آخر القاعة ) :
– يا للهول ، أحمد يقيم علاقة مثلية مع نفسه !.
( الطلاب يضحكون مجدداً ).
– أخرج أنت مطرود ( الأستاذ موجهاً كلامه للطالب الذي شتم أحمد ) ، حسناً يا طلاب انتهت المحاضرة اليوم سريعاً .. أراكم الأسبوع القادم.

شعرت غادة بالصدمة مما حصل اليوم ، بحثت عن أحمد لتستفسر منه ما حدث لكنه أختفى مسرعاً من الكلية.
رجعت إلى البيت واتصلت به ، كان الهاتف يرن ولكنه لم يجب ، أرسلت 7 رسالات نصية متنوعة بين الشعور بالدهشة والغضب لهذا التجاهل لاتصالاتها المتكررة ، لم يرد أحمد بشيء.

يُتبع …….

تاريخ النشر : 2020-04-21

مقالات ذات صلة

10 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى