تجارب من واقع الحياة

الحواسيب البشرية

بقلم : ضحى ممدوح – مصر

نحن في نظر الجميع أسرة مثالية و لكننا نعيش بدون مشاعر
نحن في نظر الجميع أسرة مثالية و لكننا نعيش بدون مشاعر

كيف ستكون ردة فعل حاسوبك لو كتبت عليه جملة سعيدة مثل ” لقد نجحت بتقدير ممتاز ” ؟ ، هل تراه سيتحرك أم سيبتسم ؟ أم هل سيبالغ في الأمر و يحتضنك ؟.

إذاً ماذا لو أخبرت أسرتك الصغيرة بنفس الجملة ؟ ، كيف ستكون ردة فعلهم ؟ ، هل ستحتضنك أمك و يبارك لك والدك ؟ هل سيلتف إخوتك حولك صائحين بسعادة ؟ ، أم هل سيبدون نفس ردة فعل الحاسوب – باعتبار أن صمت الحاسوب هو ردة فعل – ؟.

أؤمن أن أجمل ما يميز الأسرة هو مشاعرها الدافئة  و اهتمام أفرادها ببعضهم ، والفرح لفرح أحد أفرادها و الحزن لحزنه .
 
لكن ماذا لو تغير مفهوم الأسرة ؟ ماذا لو أصبحت الأم أماً فقط لأنها هي التي أنجبت الأطفال ،  و أصبح الأب هو الأب فقط لأنه هو والد الأطفال ؟ ، وأصبح الإخوة إخوة لأنهم يتشاركون نفس الأب والأم فقط ؟ ماذا لو تخلت الأسرة عن مشاعرها أو أخفتها وأصبحت تدعى في المجتمع فقط أسرة لأنها تتكون من أفراد ؟.
 
سأحكي لكم عن أفراد أسرتي الصغيرة .
 
لطالما كانت أسرتنا تختلف عن بقية الأسر ، فعلاقتنا ببعضنا غامضة ، لا أحد يظهر حبه للآخر ، لا أحد يكلم الآخر إلا بسخرية من أفكاره ، هوايتنا انتقاد الآخرين والتحدث بشأن أخطائهم ، ندعي المثالية و نحن أبعد ما نكون عنها .
 
منذ مدة توقفنا عن التأثر بشيء ، لا نفرح لأحد و لا نحزن على أحد ، لا نتحمس لشيء ولا ننتظر شيئاً ، لا نحب أحداً و لا نريد أن يحبنا أحد ، نريد أن ننغلق على أنفسنا و لا حتى نكلم بعضنا .
 
أمي تمضي وقتها في غرفتها مغلقة الباب ، تتابع اليوتيوب و فلانة و زوجها و فلانة و أختها ، أو نائمة ، و إن خرجت فلانتقاد ما نفعل ، والغضب من كل شيء ، وإن تحدثت معها تبدي لي ضيقها من سماعي ، و لا تحب حتى أن أسألها على شيء ، لكنها تحب الاستماع إلى فلانة على اليوتيوب ساعة و ربع تشتري من السوق ، و لا تتضجر من ذلك .
 
أبي إما منشغل بالعمل أو جالس يجهز للعمل أو يتحدث مع زملائه في العمل ، و إن جلس معنا لا يتحدث إلا قليلاً بوجه غامض لا نعرف منه هل هو سعيد أم حزين ، راض أم غير راض .
 
أمي تظن بنا السوء دائماً و تشك فينا ، وتنقل كل هذا لأبي الذي يصدقها و لا يسألنا أو يسمع منا ، فقط يصدق ما تقول ، و يتضايق منا فجأة دونما سبب معروف ، فقط لأن أمي قالت له شيئاً .
 
إخوتي الشباب صاروا أيضاً بلا حماس ، ليس لديهم طموح لشيء ، أراهم يسيرون كآلات مبرمجة تتبع الخط الذي رسم لها ، لا يفرحون ولا يحزنون ، و يرون المزاح و المرح من السفاهة ، و أن الإنسان يجب أن يعيش جاداً ، و رغم ذلك دائماً يضحكون و يمزحون .
 
أشعر أن شخصيتهم أصبحت متناقضة ، أرى أنهم يضيعون وسط هذه الأسرة الغريبة ، التي أشبه ما تكون بحواسيب بشرية ، لا عواطف لا أفكار لا ردود فعل ، وأنا مجرد فرد ليس بيدي شيء ، لو تحدثت ستوجه لي تهمة التمرد والاعتراض على حال الأسرة.
 
نحن في نظر الجميع أسرة مثالية ، يتمنى الجميع أن يكون مثلنا ، لكننا نزداد تفككاً مع مرور الزمن ، نعيش معاً بأجسادنا فقط ، لكن قلب كل شخص متعلق بشيء آخر ، نحن لم نكن هكذا قبل ما يقارب خمس سنوات ، لم نكن طبيعيين أيضاً ، لكننا لم نكن بهذا الغموض .
 
أعرف أنه ليس هناك حل ، فتغيير أسرة بأكملها ليس أمراً سهلاً ، لكنني أصبحت عاجزة عن التعايش وسط هذا الغموض ، أريد أن أعبر عن مشاعري و أفكاري و أجد من يتقبلها ، لكنني لم أعد أجد لذلك سبيلاً .
 

تاريخ النشر : 2021-04-20

مقالات ذات صلة

18 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى