أدب الرعب والعام

الخيانة

بقلم : نور الفارسي – تونس

انهارت أعصابي و بقيت أصرخ .. بقيت مصدوما لأسبوع

ترعرعت في بلدٍ الفقير فيها يُظلم ، و الضعيف فيها يموت ، و كان حظي أن ولدت ضمن عائلة فقيرة و لهذا كان حلمي أن أعلوا إلى فوق و ألمّع اسم عائلتي و أشرّف أبي و أمي ، و أقوم بتعويض تعبهم علي ، لكن هذا الحلم كان في بلدي مجرد سراب .

كنت خريج كلية التجارة ، و كنت دائماً ما أحصل على نتائج هائلة ، لكن الدراسة لم تنفعني بشيء خصوصاً في هذا البلد الظالم ، لم أعرف منذ صغري إلا العناء و الشقاء و الحزن و الحرمان ، لم يكن همي إلا الدراسة و العمل لتغيير حالة عائلتي إلى الأحسن … قدمت الملف الخاص بي إلى العديد من الشركات ، لكن دون جدوى فاسمي ليس من مقام هذه الشركات ، حتى تلك البنت التي أحببتها تخلت عني عندما انغلقت في وجهي جميع الأبواب و تزوجت زميلي القديم في الدراسة الذي كانت عائلته ذات شأن كبير في المنطقة .

لم يبقً أمامي الا حلٌ واحدٌ ، و هو الاشتغال في البناء ، لم أكن أخجل من هذا العمل بل كنت فخوراً به ، فالعمل شرف لكني كنت أطمح لعمل أفضل لأنني لم أدرس كل هذا الوقت و لم أتعب لأحصل على عمل في مجال البناء ، كنت كل يوم في نهاية النهار أرجع المنزل خائباً منهكاً من العمل للنوم ، كنت كل ليلة أموت و أحيا من شدة حزني على هذا الحظ ، فأنا أريد العيش عيشة أفضل مثل باقي الخلق ، أريد أن أتمتع بحياتي و أنسى الحزن و الهم و التعب ، لم تكن تريحني إلا دموعي التي لا نهاية لها ، فحتى حبيبتي التي كانت تواسيني كل ليلة قد أصبحت متزوجة و تخلت عني و قتلت شرارة الحب التي كانت بيننا .

و في أحد الأيام و عندما كنت عائداً الى المنزل مرهقاً من العمل ماشياً على قدمي قرابة السبعة كم لأوفر أجرة التاكسي أو الحافلة ، سمعت صوت أمي تبكي و تصرخ في الشارع ، فرميت أغراضي أرضاً و ذهبت ناحية منزلي مسرعاً ، فوجدت أخي الصغير ملقً على الأرض غائباً عن الوعي و الناس حوله فقمنا بأخذه إلى الطبيب .
– قبل كل شيء الكلام الذي سوف أقوله لكم ليس عليكم إلا أن تتقبلوه و عليكم أيضا ألا تفقدوا الأمل في حالة ابنكم الصحية ، فالكثير من الصغار أو الكبار في مثل حالته الآن ينعمون بصحة جيدة بعد علاج طويل .
– أرجوك يا دكتور قل لنا مما يعاني أخي الصغير .. أرجوك إنه الوحيد الذي يدخل علينا البهجة في شبه حياتنا الكئيبة .
– للأسف أن ابنكم يعاني من علة خطيرة بقلبه ، و لكن مازال هنالك أمل في نجاته .
– أه اللعنة على حظنا المنحوس اللعنة عليه ، لماذا يا الله ما الذي عصيناك فيه لتعاقبنا هكذا ؟ أستغفر الله..أستغفر الله.. ما الحل يا دكتور ؟
– إن الحل الوحيد هو إجراء عملية لقلبه و لكنها للأسف عملية تتطلب الكثير من النقود
– كم لدينا من الوقت لإنقاذه ؟
– خمسة شهور تقريباً …
– حسنا شكرا لك يا دكتور .

ما العمل الأن ؟ هل أبيع مسكننا و نعيش تحت رحمة الناس أو في الشارع ؟ هل أقوم ببيع أعضائي لأحصل على النقود ؟ هل أقوم بالسرقة ؟ ماذا أفعل …فرجها يا رب …
استلقيت فوق فراشي مهموماً أحاول إيجاد حل ، لكني لم أجد و لن يقوم بمساعدتنا أحد ، قلبي يتقطع عندما أرى حالة أمي الحزينة على ابنها و أبي المسكين الذي لا يريد أن يأكل أو يشرب ، و أخي الصغير مريض و الذي لم يفتح عينيه للحياة بعد .
لم أذق طعم النوم .. و الصباح بقيت أنتظره كأنه دهر ، خرجت للشارع لأشم القليل من الهواء النقي لتصفية ذهني ففوجئت بفرق التدخل الخاصة بالشرطة تدخل حيّنا و تلقي بالقبض على العديد من الشبان ، و عندما استفسرت عن الأمر وجدت أنهم كانوا يخططون للهجرة الغير الشرعية لتحسين أوضاعهم …

لم أستطع نسيان هذه الحادثة ، حاولت تغيير مسار أفكاري بالتفكير بأحداث سعيدة حصلت لي من الماضي لكن للأسف فأنا لم أعرف السعادة منذ ولادتي ، فقد فتحت عيني على الظلم و القهر ، لذا لم يبقَ لي إلا حلاً واحداً و هو الهجرة الغير الشرعية ، فربما تنفتح في وجهي أبواب الجنة .. لكن كيف ؟

أخذت هاتفي مسرعاً و اتصلت بصديقي المقرب سامي ..
– مساء الخير كيف حالك يا أخي ؟ إنني آسف جداً لأنني أتصل بك في هذا الوقت .
– عيب عليك هذا الحديث يا أخي و أنا الذي أرجو منك أن تسامحني لأنك لم ترَ وجهي منذ أن مرض أخاك الصغير .
– لا تلم نفسك ، فأنت تعرف معزتك عندي ، المهم أتستطيع أن تأتي إلى مقهى الحي بعد أن تنهي عملك .
– حسناً لك ذلك يا أخي … إلى اللقاء .
– في أمان الله .

و في صباح يوم الغد بدأت بتجميع أغراضي ثم قضيت النهار مع عائلتي لتوديعهم ، فربما أموت في الطريق أو ربما لا ينجو أخي ، لقد كان هذا اليوم يمر بسرعة البرق ، قضيت معهم اليوم دون أن أقول لهم ما الذي قررت فعله أو ما الذي يجول في خاطري ، لكني أحسست بأن أمي تعرف ما أنا قادم على فعله ، لن أنسى هذا اليوم مدى حياتي .
قصدت المقهى في نفس اليوم للتحدث مع صديقي في موضوع الهجرة ، انتظرته قليلاً حتى أتى ، و بعد عناق حار قلت له :
– لقد استدعيتك إلى هنا يا صديقي و بعد تفكير طويل لتساعدني في موضوع مهم ، فبما أنك يا صديقي لا يغيب عن عينيك شيء في هذا الحي و تعرف كل ما يقع هنا أريدك أن تدلني على شخص ليساعدني على السفر بطريقة غير شرعية .
– هل جننت ؟ أنت تعرف ما الذي سوف يحصل لك في نهاية المطاف… أنا أسف لن أستطيع أن أساعدك هذه المرة .
– أرجوك إن هذا هو الحل الوحيد لإنقاذ أخي من الموت ، علي أن أحصل على النقود بالطريقة الصحيحة أو الخاطئة ، أرجوك لم يبقَ أمامي أي حل .
– حسناً لن يستطيع أن يساعدك إلا شخصاً واحداً في هذا المجال .
– حسناً من هو ؟
– الشيخ ذو الندبة … العم صالح .
– ماذا تقول يا هذا هل العم صالح ينظم هذه السفرات الغير قانونية .
– نعم أنا أيضاً استغربت مثلك عندما سمعت…
– حسناً شكراً لك .

ذهبت مسرعاً إلى العم صالح و معي العديد من الأحلام التي لم أستطع تحقيقها هنا ، كان العم صالح جزار الحي و هو رجل صعب المراس ، لكنه طيب في نفس الوقت ، يحتوي وجهه على ندبة تحت عينه اليمنى حصل عليها بسبب العمل ، لقد كنت أتوقع منه كل شيء إلا تنظيم الأمور الغير قانونية ، لم يكن لدي النقود الكافية للسفر لكن بعد حديث طويل قرر العم صالح أن يأخذني في رحلته هذه الليلة فجراً و ستكون الرحلة براً لا بحراً .
قبل ركوبي الشاحنة فكرت لمرات عديدة بأن لا أترك عائلتي و أجد حلاً أخر ، لكني كنت عازماً من داخلي على تحقيق أحلامي و إنقاذ أخي …

مرت خمس ساعات و مازالت هناك دقائق معدودة و نغادر البلاد ، كنت أحلم بالنقود و بالعيش الهنيء ، و بإدخال السعادة في قلوب عائلتي ، فجأة سمعت صوت الرصاص و صوت صفرات سيارات الشرطة تحاصر الشاحنة و تهددنا بالاقتحام إن لم نستسلم ، و في تلك اللحظات أحسست أن أحلامي تختفي واحدة تلو الأخرى ، لم يكن هناك أي حل أمامي إلا الهروب و إكمال طريقي مشياً ، فنظرت لوجوه من معي في الشاحنة و التقطت أنفاسي الأخيرة قبل أن أخرج ثم ركلت الباب برجلي و إذ بي أرى قرابة الخمسين ضابطاً أمامم الشاحنة كلهم مسلحين ، فانطلقت أجري بسرعة فائقة إلى أن عالجني أحدهم برصاصة في رجلي فسقطت أرضاً ، كان الطقس ساخناً و لم يكن يوجد أي شيء في المكان إلا التراب ، حاولت الوقوف مجدداً لكني لم أستطع ، فكل قواي قد خارت .. لم أستطع حتى الوقوف على رجلي ، نزلت دموعي قليلاً ثم أغمي علي ، هذا ما كنت أتذكره في ذلك اليوم .

أفقت في مساء اليوم التالي على صوت حذاء الممرضة في المشفى كان رأسي يؤلمني بشدة ، كنت أصيح من شدة الألم ، أما الممرضة فقد حقنتني بعدة إبر لم أعرف ما نوعها ، لم أستطع أن أسألها بسبب نظرتها لي المليئة بالخوف و الرعب ، و عندما أردت الوقوف وجدت أن يديَّ مكبلتين من قبل الشرطة ، بقيت على هذا الحال لمدة أسبوع الى أن شفيت و جاء يوم الحكم علي عند القاضي ، و كان ذلك اليوم هو يوم ذهاب أحلامي بدون رجعة و فقدان الأمل في انقاذ أخي ، فقد حكم علي بخمسة سنوات ، و قد كانت تهمتي متمثلة في مقاومة رجال الشرطة و التهجم عليهم مع محاولة الهجرة الغير شرعية .

دخلت السجن لأول مرة في حياتي و قد ذقت في تلك المدة طعم العذاب ، سواءً من قبل الحراس أو من قبل السجناء ، كنت أحياناً أقضي العديد من الليالي في زنزانة منفردة شديدة البرودة لا يوجد بها شيء إلا الماء الموجود على الأرض ، كان الزمن يمر و صحة أخي تتلاشى ، لقد اشتقت لعائلتي .. لم أكن أستطيع رؤيتهم حتى في الزيارة بسبب تكاليف الذهاب و الرجوع إلى السجن إلا مرات قليلة .
و ذات يوم بينما أنا أتحدث مع بعض السجناء على ما سنفعله فور خروجنا من السجن ، إذ بالحارس ينادي على إسمي معلناً أنه جاءتني زيارة ، فرحت كثيراً لكني تذكرت أن أهلي لا يستطيعون القدوم هذا الشهر ، و عندما ذهبت صدمت عندما رأيت الشخص الذي أتى لزيارتي ، نعم إنه الحقير زميلي الذي غدر بي و تزوج الفتاة التي كنت دائماً ما أتحدث له عليها .
– لماذا تنظر إلي هكذا ؟ أأنت سعيد برؤيتي مكبلاً في السجن ؟
– نعم أنا سعيد جداً .
– حسبي الله و نعم الوكيل ، أيها الحارس انتهت الزيارة .
– انتظر .. ألا تريد أن تعرف كيف دخلت إلى السجن ؟
– هل لك يد في هذا أيضاً ؟ ألا تستحي من نفسك ؟ إن أخي يصارع الموت في الخارج و أنا كنت أمله الوحيد ، أليس لديك رحمة في قلبك و كيف ستهرب من عقاب الله ؟
– لو كنت أستطيع فعل المزيد لفعلت ، أنت نقطة سوداء في حياتي ، أتريد أن تعرف لماذا ؟ لأنني أمقتك و أحقد عليك منذ أيام الدراسة ، فقد كنت دائما متقدماً علي بخطوة لأنك الطالب المتميز و أنا الطالب الفاشل ، أتعرف معنى أن تنام مع زوجتك و تشاطرها الفراش كل ليلة و أنت تعرف أنها مغرمة بشخص آخر و تزوجتك لسبب واحد و هو النقود ؟ لو كنت أستطيع سلب روحك لسلبتها .
– أنت شخصّ مريض ، لن أسامحك إلى يوم مماتي ، لعن الله الأصدقاء الذين مثلك ، كيف فعلت بي هذا .. كيف استطعت ؟
– لقد وشى بك الصديق الذي اعتبرته أخاك و باعك بأرخص الأثمان أيها الغبي .

بقيت مصدوماً لأسبوعٍ كامل بعدما قابلت عديم الرحمة ، حتى أتي خبر وفاة أخي ، لم أشعر بشيء في البداية حتى انهارت أعصابي و بقيت أصرخ و أضرب من يأتي أمامي ، حتى الحراس لم يستطيعوا السيطرة علي إلى أن أحضروا ممرض السجن ليحقنني بحقنة تسبب الشلل في كامل مناطق جسمي إلا العينان ، فقد بقيت أذرف الدموع دون صوت و في نفس الأثناء كانت تقام مراسم دفن أخي ، لقد تمنيت أن أكون موجوداً أو حتى أن أودعه قبل أن يرحل .
كل زملائي في السجن كانوا ينتظرون الخروج لينعموا بحياتهم خارج السجن إلا أنا كنت أنتظر خروجي للثأر .

انقضت مدة حكمي و كان قلبي مليء بالغل و الكراهية ، لقد غيرني السجن كثيراً و غير من طباعي ، فقد تعلمت بداخله الكثير من الأشياء التي لم أتعلمها بالخارج .
لقد تغير البيت كثيراً بعد موت أخي الصغير ، لم يعد كالعادة ، فبالرغم من فرحة أبي و أمي بخروجي من السجن كان دائماً يوجد شيءٌ ناقصٌ ، ذلك الشيء الذي ذهب لمكان بعيد دون رجعة ، لم أذق طعم النوم في الليلة الأولى حتى و أنا موجود في بيتنا و في وسط عائلتي و فوق فراشي الذي اشتقت إليه ، فلقد بقيت أبحث عن طريقة للانتقام ، فقلبي الذي كان لا يحتوي على نقطة حقد انقلب إلى قلب مليء بالكراهية و النقمة …

خرجت صباحاً للحي للبحث عن ذلك الصديق الخائن لقتله لكني لم أجده ، و عندما سألت عنه قالوا لي بأنه اختفى قبل شهر من الحي و لا يعرف له أحد عنوان ، فقررت تغيير وجهتي إلى الأماكن الراقية ربما أجد ذلك اللعين الذي تسبب في إفساد حياتي ، و فجأة بينما أنا أتجول في تلك الأماكن مذهول بتلك السيارات و بتلك البنايات و الملابس الغالية اذ بي أرى طفلاً صغيراً يبكي و يصيح ، فاقتربت منه لمعرفة سبب بكائه ، فتبين أنه ضائع و لا يعرف طريق العودة للمنزل ، و بالرغم من نقمتي على الأغنياء إلا أن حال هذا الطفل أوجعني ، لقد تبين لي أنه مازال يوجد بي جانب مشرق !!
و في تلك الأثناء فاجأني شرطي بإمساكي من يدي و صفعي على وجهي !! أحقا هيئة الفقراء هي نفس هيئة الخاطفين و المجرمين ؟ لماذا لا يستطيع المجتمع تقبلنا ؟ لقد تأكدت حينها أنني سوف أعود للسجن حتى لو كنت بريئاً لكن هذه المرة حصل العكس ، حصل ما لم يكن في حسباني ، فقد أتت الملاك التي سوف تخلصني من كل مشاكلي .
– ماذا يحدث أيها الشرطي؟
– لقد وجدت هذا الحقير بصدد خطف هذا الطفل الصغير .
– لا يا أمي فهذا الرجل لم يفعل شيئاً فهو كان يريد مساعدتي .
– حسناً يا حبيبي هل أنت بخير ؟ إذهب و انتظرني في السيارة .. ثم التفتت للشرطي و أكملت : هل وظفتك الدولة لتحكم على الناس من مظهرهم ؟ هل وظفتك الدولة لتضرب من حولك من الناس ؟ لقد كان هذا الرجل يريد أن يساعد ابني الضائع ليس إلا .
– أنا أسف يا سيدتي لقد خلت أنه يريد خطفه عندما وجدت الطفل يبكي .. أنا حقا آسف
– حسناً .. أرجو أنك تعلمت شيئاً مما حدث اليوم .

كانت هذه المرأة شديدة الجمال و الرقة و الأنوثة و الشجاعة و القوة في نفس الوقت ، لقد وقفت مذهولاً من شدة وسامتها و نسيت كل همومي و أحزاني .
– شكراً لك يا سيدي ، أرجو منك أن تقبل مني هذه النقود جزاء مساعدتك لطفلي
– لقد حسبت أنك مختلفة عنهم ، لكن تبين لي أنه لا يوجد بينكم أي اختلاف إلا في المظهر ، شكراً لك على كرمك فأنا مستور و الحمد الله .
ظهر عليها الخجل من فعلتها ، و وقفت في مكانها دون حراك و علامات الدهشة على وجهها ، ثم أكملت طريقي موجوعاً مما حدث فاذ بها تتعقبني بالسيارة قائلة :
– ألا تريد أن نصبح أصدقاءً على الأقل ؟ خذ رقم هاتفي فربما تحتاج مني خدمة يوماً ما فأنا الآن مدينة لك .
– حسنا شكراً .. لو احتجتك يوما ما سوف أتصل بك .

بقيت تلك المرأة أسبوعاً كاملاً في ذهني ، و لم أستطع إخراجها منه ، أظن بأنني معجب بها ، لكن بالرغم من هذا كله فأنا لم أستطع نسيان ما حدث معي في الماضي و مازلت أسعى وراء الثأر …
– مرحباً .
– مرحباً .. من المتحدث ؟
– أنا ذلك الرجل .. حادثة الشرطي .. عندما ضاع صغيرك
– لقد كنت واثقة أنك سوف تتصل بي يوماً ما … فيما أخدمك ؟
– و لمَ أنت واثقة هكذا ؟
– لا أعرف …
– حسناً … هل لديك عمل لي ؟
– بالطبع ، فمكانك موجود دائماً و متى ما أردت ، و غدا أول يوما لك في العمل إن استطعت .
– ما هذه السرعة ؟ ألا تريدين هويتي و أشياء من هذا القبيل ؟
– تعال إلى منزلي غداً و سوف نتحدث ، إن هذا لا يهم فالقليل من يمتلك شهامتك في هذه الأيام ، سوف أرسل لك عنوان منزلي في رسالة على الهاتف .
– حسناً .. طابت ليلتك .

لم أنم الليل و أنا أنتظر طلوع الصباح لا للعمل بل لرؤيتها ، و في يوم الغد و بينما أنا في الطريق لمنزلها بدأت بالتحدث إلى نفسي قائلاً … ماذا تفعل يا رجل ؟ ما الذي تفكر به ؟ إن المرأة متزوجة و لديها طفل صغير ، ما الذي يحدث معك أهكذا رباك أهلك ؟
قررت الرجوع للمنزل محاولاً التحرر من سهام الحب الخاطئة التي أصابتني ، فحتى المستويات الاجتماعية بيننا مختلفة ، لكن على الأقل قلبي مزال قادراً على الحب !
رجعت للمنزل خائب الأمل ، لم أستطع حتى الأكل لاعناً كالعادة حظي الخائب ، و بينما أنا أهيء فراشي للنوم إذ بهاتفي يرن … نعم إنها هي ، لم أرد في المرة الأولى لكني استسلمت لصوتها في المرة الثانية ..
– أتتهرب مني ؟
– لا أقسم لك أنني لا أتهرب منك ، و من يستطيع التهرب من ملاك مثلك ؟! أنا أسف أظن أنني تجاوزت حدودي …
صمتت لوهلة ثم قلت ضاحكة :
– عادي شكراً لك …لماذا لم تأتِ اليوم ؟
– لم أستطع المجيء اليوم ، لأنني انشغلت ببعض الأمور أنا آسف
– حسناً … أتصدق أننا لا نعرف أسامي بعضنا إلى الآن !! ما هو اسمك ؟
– نور و أنتِ ؟
– أسمهان .
– إن اسمك جميل يا سيدتي .
– شكراً لك ، لكن ما كل هذه المجملات هذه الليلة .
– لم تري شيئاً … آه أسف مرة أخرى .
– أرجوك توقف فأنت تتأسف كثيراً … هل ستأتي غداً في نفس الوقت أم لا ؟ فأنا أحتاجك في عمل مهم .
– حسناً سآتي .
– اتفقنا .. طابت ليلتك يا نور .

أفقت في الصباح و السعادة تغمر قلبي ، فمنذ وقت طويل لم أحس بهذا الإحساس، لبست بدلة رسمية للعمل و أخذت رضى أمي ، ثم ذهبت للمنزل .. و عندما فتح الباب وجدتها أمامي ببهاء طلتها و حسن مظهرها و زرقة عينيها القاتلة و رائحتها التي كالمسك
– لقد عرفت أنك ستأتي هذه المرة ، إن البدلة جميلة عليك .
كانت وظيفتي تتمثل في سائق لهم ، و كان علي أن أنقل كل أغراضي لمنزلها فلم يكن عملي يقتصر إلا على قيادة سيارتها ، بل على حمايتهم من داخل المنزل أيضا .
كان المنزل واسعاً جداً و يحتوي على مسبح و على غرفة للرياضة ، و كل ما يتخيله المرء يوجد بهذا المنزل بل القصر ، و في تلك الأثناء وجدت صورة رجل وسيم معلقة في الحائط فسألتها فوراً :
– من هذا الشخص يا سيدتي ؟
– إنه زوجي رحمه الله .
– أنا أسف ، لم أكن أعرف .
– لا عليك .

مرت الأيام الأولى و أنا أبحث عن طريقة جديدة للانتقام و لم يكن أمامي إلا الزواج بها و استغلال تلك النقود التي لا نهاية لها للانتقام ، لكني بغض النظر عن رغبتي بالانتقام أحببتها ، و قد تركت هذا الحب يأخذ طريقه عندما علمت بأمر زوجها ، و هي أصلاً لن تقبل بي فهي تعتبرني خادماً لها ليس إلا … ما هذا الحظ أنا الآن بين حب مستحيل و حب للثأر !!

و في إحدى الليالي الباردة ، كانت الأمطار تهطل بشدة و الرياح تكاد تقتلع نوافذ المنزل محكمة الإغلاق ، لم أسمع للكلب صوتاً فقلقت كثيراً و قررت الخروج لفتح التلفاز و السهر قليلاً … و فجأة سمعت صوت وشوشة في المنزل و عند التفاتي عالجني شخصٌ ملثمٌ بضربة على رأسي اسقتطني أرضاً ، ثم رأيته يتحرك ناحية مكتب أسمهان ، و أما الأخر فاتجه إلى غرفة نومها و بدأت بسماع صراخها فاسترجعت قواي و ذهبت مسرعاً الى غرفة الطعام وأخذت سكيناً للدفاع عنها ، و عند وصولي إليهم وجدته فوقها يقوم بخنقها فطعنته في خاصرته و أبعدته عنها ، و بدأت هي بالبكاء فهدأت من روعها و ذهبت للشخص الأخر و بعد صراعٍ طويل معه اسقطته أرضا و بدأت بضربه على وجهه حتى أغمي عليه ثم أبعدته و أغمضت عيني من شدة التعب و عندما فتحتهما وجدت طفلها يبكي فوقي فقد ظن بأنني ميت فأخذته و ذهبنا للاطمئنان على أمه و سألتها :
– ألديك فكرة من هو الفاعل ؟
– نعم .. إنه حتماً أخ المرحوم ، يجب علي أن أتصل بالشرطة و بالمشفى فوراً فيوجد رجل مصاب بالمنزل و شخص مغمى عليه يجب الاتصال بهم قبل أن يستفيق …
و عندما نطقت بكلمة شرطة أصابني الرعب من أن يتحققوا من هويتي و يعرفوا أنني كنت مسجوناً ، عندها سوف تخالني مجرماً و لن تأمني على ابنها و تضيع كل آمالي .

و حصل ما حصل و أتت الشرطة ثم أخذت إفادتي و هويتي لكني لم أعرف إن كانت علمت بأمري أم لا ، فقد مرت الأيام و لم تقل لي شيئاً ، و كأنما لم يحدث شيء .
و في يوم حار طلبت مني أن أوصلهم للشاطئ بعد إلحاح كبير من ابنها و عندما وصلنا بقيت في السيارة لمراقبتهم ، أما الطفل فبدأ بالسباحة و هي جلست على الشاطئ تنظر له و نادت علي للجلوس معها ، و بدأنا نتبادل أطراف الحديث و في النهاية تجرأت و سألتها ؟
– ما السبب الذي يجعل شقيق زوجك رحمه الله يقوم بهذا ؟
– حسنا تريد أن تعرف ؟ إن شقيقه شخص طماع و ليس له ذرة حنان نحو ابن أخيه ، فلقد طال نزاعنا في المحاكم بسبب ما تركه لنا زوجي من ميراث ، فهو الآن بعد أن تملكه اليأس يريد قتلي أنا و ابني للحصول على كل شيء و للأسف لم أستطع ايقافه .
– لا شك أنه شخص مريض ، للأسف فان الحياة ليست عادلة فأنا الأن طامع في العدالة الالهية لعل الله يفتح لي الطريق .
– و ما خطبك أنت ؟
قررت أن أقص عليها حكايتي دون أنسى أي شيء و عيناي مليئة بالدموع ، فجأة بدأت بمسح دموعي و هي تقول :
– لا عليك فان كلاً منا يعاني من مشكلة ما .
تسارعت دقات قلبي في تلك اللحظة و أحسست أن حبي لها انتشر في كل قطعة من جسمي فقلت لها :
– أحبك .
فأحمر وجهها الجميل خجلاً و لم تنطق بكلمة ، ثم رمت برأسها على كتفي ، أحسست في تلك الأثناء بسعادة لا توصف … لكن دائماً الفرحة لا تكمل ، فبينما نحن عائدين للمنزل في الطريق وجدت سيارة سوداء رباعية الدفع تقوم بتتبعنا منذ أن خرجنا من الشاطئ ، فزدت من سرعة السيارة للهرب منهم لكن للأسف قاموا باللحاق بنا و هددوني بالسلاح لايقاف السيارة فوراً ، و لحسن حظي كانت هناك سيارة شرطة تمر بجانبنا فرأت ما حدث فقاموا بالهرب مسرعين ، عدنا للمنزل خائفين و اتصلنا بشركة في مجال الحراسة لتزويدنا بخمسة حراس لتأمين المنزل منهم ، و بعد يومين و في المساء تحديداً طلبت مني التحدث حول موضوعٍ مهم ..

– أنا خائفة جداً على حياتي و حياة ابني ، و أعرف أنني أعرض حياتك للخطر بسبب هذا العمل ، لهذا فقد فكرت كثيراً و قررت التحدث معك في هذا الموضوع المهم … أنا أعرف أنك عانيت في حياتك كثيراً و أعرف أنك انسان متعلم و مثقف و ذكي و تستطيع إدارة أعمال الشركة التي تركها لي زوجي ، فأنا لا أفقه شيئاً فيها ، و بما أنني لن أجد رجلاً شهماً مثلك و موثوق فيه ، فأنا أطلب منك أن تقف على رأس هذه الأعمال ، و بما أنني أيضاً ارتحت لك خاصة بعد أن اعترفت لي بحبك و أنا حقا أبادلك نفس الشعور و أحس بالأمان و الارتياح عندما أكون بجانبك ، و قد بدأت هذه المشاعر و تطورت منذ أول يوم رأيتك فيه بالرغم من أنني قررت أن أتفرغ لرعاية طفلي بعد موت زوجي ، و أنت أيضا الوحيد الذي تستطيع الوقوف في وجه أخيه و إيقافه و حمايتنا لذا فأنا أريد منك أن ….
كانت تتلعثم في الكلام بينما كانت تتحدث لي و كان الخجل باديا عليها فقلت لها :
– هل تريدين الزواج مني ؟
– نعم هذا ما قصدته …
– هل ستوافق عائلتك ؟ هل سوف تقبل بشخص مثلي ؟ و فارق العمر الذي بيننا و هل سوف تقبلين بالعيش مع شخص طموحه الوحيد هو الانتقام ممن أفسد حياته ؟
– رحم الله أبي و أمي فمن بعدهم و من بعد زوجي لا أحد له سلطة علي … و الحب ليس له سن فأنا أحببتك بالرغم من فارق السن القليل بيننا ، أما الأنتقام فأنا لا ألومك عليه و سوف أنتظرك حتى تقوم بما تريد و تأخذ بثأرك و ترتاح ، أما إذا كنت تريد التهرب من امرأة مثلي حياتها مليئة بالمشاكل باختلاق هذه الأسئلة فأنا لا ألومك على هذا .
– طبعاً لا .. فأنا حقاً أريدك بشدة و أريد أن أكمل حياتي معك حتى مماتي ، و لا أريد شيئاً من هذه الحياة إلا رؤية وجهك الجميل كل صباح .. لكن من هو أخوه ؟
صدمت بعد أن أجابتني بهذه الاجابة التي زعزعت أذناي من هول الصدمة ، إنه نفس الشخص … نفس الشخص الذي أذاني و أذاها و تسبب في مقتل أخي و تسبب أيضا في حصول كل شيء خاطئ في حياتي .

جاء يوم مراسم الزواج الموعود ، و قد حضر العديد من الضيوف و من بينهم ذلك الحقير ، فلقد جلس مع أبي و أمي معرفاً نفسه بأنه صديقي و قريب أسمهان من بعيد ، لكن زوجته لم تأتِ معه فهو لا يطيق نظراتها لي ، بقي ينظر لي نظرة خبث و شر نابعة من داخله حتى انتهت الحفلة ، و بينما نحن نغادر سمعت صوته يصيح قائلاً :
– مبروك يا صديقي العزيز لقد فرحت لك كثيراً
ثم اقترب مني و رمى يده على كتفي هامساً :
– أعرف أنك إنسان ذكي و سوف تنسى كل ما حدث بيننا سابقاً ، فأنت الآن تعتبر قريبي .. زوج أم ابن أخي و صديقي القديم ، زوجتك أيضا سوف تفعل مثلك .
فقلت له و البسمة تجتاح وجهي :
– نعم نعم … سوف تثبت لك الأيام مدى ذكائي .
فتغيرت ملامح وجهه و قام بالمغادرة دون ينطق بحرف واحد .

مرت الأيام بسرعة و ازدادت الشركة نجاحاً و شهرة ، أما أنا فقد أصبحت شخصية عامة و أصبحت صوري و صور زوجتي في كل المجلات و الصحف ، و عدو عائلتنا لم يستطع فعل أي شيء فلقد كانت كل أخباره لدي ، لقد زادت غيرته مني و أصبح شخصاً فاشلاً معاقراً للخمرة ، و بعد أن أصبحت من أغنى الأغنياء و أصبحت لدي قوة لا يستطيع أحد التصدي لها ، حان وقت الانتقام منه ، و العين بالعين و السن بالسن و البادي أظلم ، ففي وضعي هذا الانتقام منه سهل .. أريده أن يذوق طعم الظلم و الذل أريده أن يندم على ما فعله بي ، فربما يرتاح أخي في قبره بعد الأخذ بثأره .

بقيت أياما عديدة و أنا أبحث عن طريقة للانتقام حتى وجدتها ، نعم سوف يسجن مدى الحياة إن حدث ما خططت له ، كانت الخطة تتمثل في الايقاع به من خلال ضعفه تجاه النساء ، و الخلافات التي بينه و بين زوجته التي تركتني في السابق بسبب المال سوف تساعدني في خطتي .
في إحد الليالي و بينما هو يثمل في بعض الحانات ، اقتربت منه إحدى النساء التابعة لي للإيقاع به و أخذه لمنزلها ، و بسبب ضعفه تجاه الجنس الأخر ذهب معها و ابتلع الطعم ، أما أنا فبقيت أراقبه من بعيد في سيارتي و قد وضعت في المنزل الذي سوف يذهبون اليه جهاز تنصت لأعرف ماذا يحصل بالداخل ، و قد أوصيت المرأة التابعة لي بأن تعطيه بعض المخدرات التي تذهب بالعقل تجعله ينسى اسمه ، و تجعله يغضب لأتفه الأسباب بالمختصر تجعله مجنوناً … و بعد ساعة بالصبط قمت بالاتصال بزوجته من رقم مجهول لأدلها على عنوان المنزل ، و فعلاً حدث ما كنت أخطط له ، فبعد ربع ساعة أتت زوجته مسرعة ، و فور دخولها المنزل بدأت أسمع صوت صراخ و شتائم ، ثم فجأة لم أسمع أي صوت !! سكت الجميع لثواني معدودة حتى بدأت المرأة التابعة لي بالصراخ و البكاء تترجاه …
– أنت الشاهدة الوحيدة أنا أسف سوف أقوم بقتلك ..

لم أحرك ساكناً عندما قام بقتل المرأة الأخرى ، لا أعرف لماذا ؟! هل لم يعد بقلبي القليل من الرحمة فهي قد كانت من أتباعي… بعد خمس دقائق دخلت المنزل فوجدته ينظر إلى الجثث مصدوماً ، و فور رؤيته لي بدأ بالبكاء كالنساء يترجاني أن أخرجه من هذه الورطة حتى أنه قام بتقبيل رجلي فقلت له :
– أرأيت ما حدث معك الأن ؟ من سوف يخرجك من هذه الورطة الآن ؟ لحسن حظك أنني هنا ، لن أتركك هكذا .. سوف أساعدك من أجل الأيام الخوالي انتظرني هنا .
نزلت من المنزل و ركبت سيارتي ثم قمت بالاتصال بالشرطة للتبليغ عن الجريمة التي حدثت من نفس رقم الهاتف الذي اتصلت به بزوجته …

بعد عدة أسابيع تصدر خبر إعدامه كل الجرائد و نشرات الأخبار ، كان الخبر كالصدمة على الجميع ، أما أنا فلم أترك أي دليل ورائي حتى الشهود الذين يسكنون بجانب منزل الجريمة كانوا تابعين لي ، صديقي الذي خانني و باعني بعد أن سمع بالخبر جاءني مسرعاً جاثياً أمامي على ركبتيه ، و باكياً بكاء الأطفال ، طالباً المغفرة .. و قد كان انكساره هكذا و طلبه الرحمة مني يكفيني …

لقد انتظرت هذه اللحظات منذ وقت طويل ، لكن هل ارتحت ؟ لا .. فبالرغم من أنني كنت ناقماً و حاقداً على حبيبتي السابقة إلا أن شكلها و هي جثة هامدة قد أوجعني ، فلقد أحببتها كثيراً في السابق ، أما المرأة التي تعمل لدي فكانت موجودة معي كل يوم أنام فيه ، و في كل كابوس أحلم به … حتى علاقتي مع زوجتي قد تغيرت فبعد أن أخذت بالثأر تغير طبعي كثيراً .
لقد تعلمت شيئاً بعد فوات الأوان ، لقد اكتشفت هذا الشيء بعد أن خسرت انسانيتي و قلبي النقي ، لقد تعلمت أن الانتقام و الأخذ بالثأر ليس للأسف وسيلة للارتياح ، أما النقود فهي أحياناً وسيلة للدمار و منبع للشر في حياتنا .

تاريخ النشر : 2016-09-09

مقالات ذات صلة

34 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى