أدب الرعب والعام

السطح

بقلم : مصطفي جمال – مصر
للتواصل : https://www.facebook.com/profile.php?id=100012779294789

هو يحيطني من كل اتجاه وفي ذات الوقت لا أراه
هو يحيطني من كل اتجاه وفي ذات الوقت لا أراه

مبنى عشوائي يبدو للوهلة الأولى غير مكتمل، هو مبنا عادي شبه مهجور لا يميزه عما حوله أي شيء سوى ارتفاعه، فهو الأشد ارتفاعا عما حوله ولا شيء يفوقه أو يجاريه.
‏يتوسط حيا سكنيا مكتظا بمثل تلك المباني معدومة الطلاء والروح، وربما يشذ عنها بعض الوحدات ذات الطلاء القبيح التي تحاول أن تبدو عبثا جميلة.

سطح هذا البرج هو عالمي، ملكي وحدي، لا يصعد إليه سواي ولا تجاورني فيه سوى السماء، من هناك أرى كل شيء وأعرف كل شيء. لم أجُبَر يوما على النظر فوقي إلى تلك السماوات السحيقة البديعة، لم أجد لها حاجة فكل شيء تحتي، دائما نظراتي للأسفل لتلك الهاوية البائسة؛ ولا أبأس منها سواي ولكن ما الإشكال وأنا من أرى بؤسهم وحدي ولا أحد منهم يرى بؤسي.

لربما أسوأ أوقاتي كانت حين أُجبر على الهبوط، كنت أشعر أنني..أنني مكشوف للجميع.
لكن سرعان ما يختفي ذلك الشعور حينما أسمو من جديد، حينها فقط يطمئن قلبي وأشعر بذلك الدفء العتيق.

يتوسط سطحي غرفة ضيقة نتنة أضيق من السطح فلا تأوي سوى سريرا وطاولة مكدس فوقها كل شيء، هي مرقدي في المساء.

في إحدى الليالي الدافئة أحسست به.. بأن هناك من يشاركني السطح.
يمكنني أن اشعر بهالته قريبة مني، أن أسمع أنفاسه المتعبة قربي، لكن مهما بحثت حولي لا أجد شيئا، هو يحيطني من كل اتجاه وفي ذات الوقت لا أراه.

ما إن أنظر إلى حيث أشعر به ينتابني شعور بأنه في الاتجاه المعاكس، شعور مفاجىء لحظي، أعلم أنه على السطح يود أن يسرق مني ذلك المجد أن يسلب مني الشيء الوحيد الذي أملكه وأعزه، تلك المسافة ذات الأضلاع الأربع المخصصة لي وحدي.

قررت أن اتخذ زاوية الغرفة ملجئا حيث يمكنني كشفها بالكامل، وألقيت بكل ما قد يعيق رؤيتي إلى الهاوية، منتهيا بي الأمر جالسا القرفصاء كرضيع تخلت عنه أمه في غرفة فارغة تماما.

أمكنني رؤية كل شيء، حينها فقط أمكن أن تطمئن نفسي وتدرك أنها مجرد أوهام، فإن كان شبحا لأظهر نفسه وإن كان رجلا لرأيته، هو ليس هنا أود أن أؤمن أنه ليس هنا لكن في كوامن نفسي أدرك أنه موجود هنا والآن وبقربي، أقرب من قرب يدي مني يراني الآن ولا أراه رغم أن كل شيء أمامي ولا يوجد خلفي سوى الجدار الملتصق بظهري..لا أود إقناع نفسي بهذا… الاقتناع بوجوده مخيف…مجرد الفكرة تفزعني وتصيب عقلي الناضج بالهلع، لم أجلس في تلك الزاوية لأنني أرغب في أن أراه بل أود أن اعلم أنه ليس بموجود وكلي كانت ثقة في أنني لن أرى شيئا أملا بأن يريحني هذا الوضع ولو قليلا.

ذلك الشيء أكان رجلا شبحا أم وهما جعلني عاشقا للهاوية، هبوطي إليها كان ملاذي الوحيد منه، لكن التخلي عن القمة له كان ينغص علي يومي فلا يعتريني سوى الحقد اتجاهه والقلق من عودتي إلى المأوى، كما أن الإحساس بكوني مكشوفا مازال يلاحقني متسامرا مع صحبتي أو هائما وحدي.

نظرات الناس إلي صارت مؤخرا تزداد أكثر وأكثر، مهما تجنبتها فهي تصر على ملاحقتي أينما ذهبت، لا فرق اليوم بين الهاوية والقمة كلاهما مسرحان والضوء في كلتا الحالتين مسلط علي وعلي انا وحدي في مسرحية انا بطلها الوحيد.

الجميع يراقب، الجميع ينظر، انعكاسي صار على كل مقلات العيون المقززة التي لا تكف عن النظر، لا تفعل شيئا سوى النظر حتى لو لم يرغب صاحبها في ذلك إنها تجبره على رؤية كل شيء في كل زمان ومكان، بل وتختزن كل شيء حتى ترى دائما فلا تمل أو تشبع.

إن كنت في كل الحالات مراقب فأنا أُفضل أن أكون في قمتي وحدي -او هكذا مازلت أقنع نفسي-

مرت خمس ليال وأنا في زاويتي، لم أنم قط لم أتحرك قط لم أجفن قط، لم يعد للجوع أو للعطش معنى أكاد لا أشعر بهما، ولا النوم اليوم بقادر على جذبي، مادامت في غرفتي عيون غير عيوني فلا معنى لأي شيء، ولعلي أتعجب من كوني استطيع النظر بذلك الصفاء في ذهني دون ألم أو وهن بل أتعجب لكوني ما أزال حيا.

تركت عيني تقومان بما تشتهيان المراقبة بهدوء تام، لكن رغم كل ذلك لم أر شيئا ومازال هذا النفس الثقيل قربي، شهيق شديد يعقبه زفير بطيء هادىء طويل، شهيق شديد يعقبه زفير طويل، شهيق وزفير، عملية بطيئة هادئة منتظمة مستمرة لا تتوقف ولن تتوقف.
ليست من يميني أو شمالي، ليست من خلفي أو أمامي، فبالوراء جدار والأمام مكشوف، ليست خارج الغرفة فهي قربي تماما حتى أنني أكاد أشعر بالأنفاس تمر من فوق… من فوقي!!
رفعت رأسي ببطء شديد منتظرا المفاجأة التي لا أود أن أراها وكلي أمل أن لا أرى شيئا لكنني أعلم وكلي ثقة أنني سأفعل.

النهاية …

تاريخ النشر : 2021-08-17

مقالات ذات صلة

29 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى