الفيلسوف

الشك المطلق.. هل أنت متأكد مما تعرف؟!

بقلم : وليد الشهري – المملكة العربية السعودية
للتواصل : [email protected]

من شأن الشك إثارة انتباه العقل نحو خيارات جديدة
من شأن الشك إثارة انتباه العقل نحو خيارات جديدة

لا نجانب الصواب حين نقول أنّ الشكّ كان بمنزلة الشقيق التوأم للفلسفة طوال مشوارها المتمادي في القدم، والذي يضرب بجذوره في أعماق التاريخ بما يتجاوز الألفي عام على الأقل، فمن شأن الشك إثارة انتباه العقل نحو خيارات أو احتمالات جديدة، وطرح الجديد والمزيد من التساؤلات، ومحاولة البحث عن الإجابات المناسبة لها، وكذلك فهو مدعاة إلى مساءلة الطبائع والعادات، ومراجعة المسلّمات والقناعات والمعتقدات القائمة مسبقًا، واختبار مدى قدرتها على الصمود أمام رياح النقد العاتية!

فلم يكن ليُعدَم سقراط لولا مجاهرته بما يعكس التشكيك الصارخ في صحّة النظم والمسلّمات القائمة في مجتمعه آنذاك، وما كان لنظريّة الكهف التي جاء بها تلميذه أفلاطون أن تتبلور لولا تشكيكه في فكرة كمال العالم، فأتى بمفهوم “عالم المُثُل” الذي يحوي الصور المثلى لكل ما هو موجود في عالمنا المُعاش، وقد وصل الفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارت” إلى مبدأ “الكوجيتو” (أنا أفكّر، إذن أنا موجود) من خلال رحلة شكّيّة انتهت بالإقرار بوجوده طالما أنّه يفكّر، وإن كانت هناك أطروحات تشير إلى تطفّل “ديكارت” على مجهودات “أبي حامد الغزّالي” وتجاهل الإشارة إلى ذلك، بل نسبها إلى نفسه، وعمومًا ليس هذا مجال الحديث عن الأمر.

blank
لم يكن ليُعدَم سقراط لولا مجاهرته بما يعكس التشكيك

يُعزى إلى “ديكارت” الفضل في التأسيس للشك المنهجي، وهو اتخاذ الشك سبيلًا معرفيًّا للوصول إلى الحقيقة، وما يعنينا في هذه المقالة هو نوع مختلف من الشك المفرط الذي يُثار من أجل الشك ذاته لا لشيء آخر، وذلك من منطلق إنكار وجود حقيقة موضوعيّة أصلًا، أو إمكانيّة تحقق أيّ معرفة يقينيّة، وكل ما هنالك مجرّد نسبيّة أو وهم لا غير (افحص العبارة الأخيرة بعين المنطق)، وهو ما يُدعى بالشك المُطلَق أو الشك المذهبي، وقد اشتدّت جذوته مع تحويل وجهة التساؤل الفلسفي من الحديث عن الطبيعة والوجود والسبب والنتيجة والصحيح والخاطئ والجميل والقبيح، إلى الحديث عن المعرفة ذاتها، وإمكانيّة حصولها، وماهيّتها، وكيفيّتها، ومصدرها، وحدودها، وارتباطها بالحقيقة واليقين، إلى غير ذلك. وإن كانت إرهاصات الشك المطلق تعود إلى حقبة السفسطائيين، حين صرّح فيلسوفهم “بروتاغوراس” بأن: “الإنسان هو مقياس كل شيء”. وفيما يلي نتناول بعض التساؤلات الشكّوكيّة المذهبيّة التي طُرحت وكانت محور نقاشات طويلة ومحتدمة.

تفاوت الانطباعات الحسّيّة:

والمقصود بالانطباع الحسّي هو المعرفة التي تتحقّق لدى الإنسان من خلال حواسّه، فأنت تعرف أنّك تشاهد شجرة خضراء، أو تستمع إلى صوت باب يُوصَد بقوّة، أو تشتمّ رائحة طعامك المفضّل أثناء إعداده، ولكن..

هل تستطيع أن تتيقّن من أنّ انطباعاتك الحسّيّة مطابقة لانطباعات الآخرين؟! بمعنى: لو أنّك كنت بصحبة أحد أصدقائك أثناء مشاهدتك للشجرة المذكورة أعلاه، ثم سألته عن لون الشجرة التي تشاهدانها معًا، فبالطبع سوف يجيبك بأنّها خضراء؟! ولو أنّه بادر بطرح السؤال نفسه إليك، لكانت إجابتك مطابقة لإجابته، والسؤال: كيف تتيقّن من أنّ تعريف اللون الأخضر بالنسبة إلى صديقك، هو نفسه التعريف الذي تدركه أنت؟! ما يدريك لعلّ تعريف اللون الأخضر بالنسبة إليه هو تعريف اللون الأزرق بالنسبة إليك، لكنّك لن تتمكّن من التحقّق من ذلك، ولو كرّرت السؤال عينه مئة مرّة وبمئة صيغة، فسوف تكون إجابته هي أنّ الشجرة خضراء، وقِس على ذلك مع سائر الحواسّ الأخرى!
ولو أنّك أردت التحقّق من مفهوم اللون الأخضر بالنسبة إلى صديقك من خلال تعريفه، فكيف ستقوم بذلك؟! كيف ستعرّف اللون الأخضر بعيدًا عن المفهوم العلمي الذي يتناول الأطوال الموجيّة للألوان، فهذا المفهوم يمكن للأعمى أن يستوعبه ويشرحه دون أن يعرف المظهر الحسّي للون الأخضر؟!
الحقيقة أنّنا لو سلّمنا بعدم إمكانيّة تحقّق وجود موضوعي للحقائق، فلن يكون هناك علم من أيّ نوع، وستنهار جميع النظريّات والحقائق العلميّة، ويصبح العالم أقرب إلى الفوضى والعبث من الدقّة والنظام التي يعمل وفقها الكون بأسره، ومن جملة ما سوف ينهار هو علم الطب، فبناءً على ما سلّمنا به – جدلًا -، لن يستطيع الطب – مثلًا – أن يميّز بين ما هو طبيعي وما هو غير طبيعي في تعرّف العين البشريّة على الألوان.

blank
كيف ستعرّف اللون بعيدًا عن المفهوم العلمي

ومن نافلة القول أنّ الطب قد توصّل إلى طريقة التشخيص الصحيح لعمى الألوان، وأنّ أساس الإصابة يقوم على عدم التمييز بين الألوان الأساسيّة الثلاثة: الأخضر والأحمر والأزرق، وكذلك الألوان الناتجة عن المزج بينها، والسبب يعود – باختصار – إلى وجود مشكلة في كل أو بعض أنواع الخلايا المخروطيّة الثلاثة الموجودة في شبكيّة العين، والتي يختصّ كل نوع منها باستقبال أحد الألوان الأساسية المذكورة، ولو لم يكن للحقائق وجود موضوعي مستقلّ عن الإدراك البشري، لما كان هناك معنى لإجماع العلماء على استخدام طريقة معيّنة في التشخيص أو العلاج، ولو ذهبنا إلى أبعد من ذلك، فلن يكون لتلك المفردات “الألوان والإجماع والتشخيص والعلاج” أيّ معنى أو قيمة، والسبب أنّها تقوم على افتراض تطابق الانطباعات الحسيّة والأسباب والأعراض والحلول لدى الجميع، فلا يمكن للهيئات المخوّلة لترخيص الأدوية أن تسمح لمنتجي “الباراسيتامول” – مثلًا – بتوزيعه في الأسواق وإتاحته للجميع كمسكّن للآلام، في ظلّ غياب الحقيقة الموضوعية للألم!

الدماغ في وعاء:

الدماغ في وعاء هي فكرة فلسفيّة استلهمها الشكوكيّون من “ديكارت”، وطوّروها بطريقة تخدم أغراضهم، وهي كالتالي:

تصوّر لو أنّ عالِمًا شرّيرًا فائق الذكاء، قام بتخديرك على حين غرّة منك، ثم أجرى لك عمليّة جراحيّة استأصل فيها دماغك، ثم وضعه في وعاء مخصّص يحافظ على بقائه حيًّا من خلال إمداده بالتغذية اللازمة، ثم قام بتوصيل دماغك القابع في الوعاء بجهاز حاسوبي ذي قدرات عالية جدًّا من خلال الأسلاك أو الكابلات، بحيث يستطيع ذلك الجهاز الحاسوبي محاكاة العالم الحقيقي وإيهام دماغك بأنّك تعيش الواقع تمامًا كما كنت قبل تخديرك، وذلك من خلال إرسال المعلومات المطلوبة إلى دماغك في صورة نبضات كهربائيّة، فتشعر وكأنّك تعيش حياةً حقيقيّة مكتملة الأركان، على الرغم من أنّك مجرّد دماغ في وعاء يعيش واقعًا افتراضيًّا، ولكنك لا تدرك ذلك، كما يحدث حين تعجز عن التفريق بين الواقع والحلم حتى تستيقظ من نومك!

blank
كيف ستعرف ما إذا كنت مجرّد دماغ في وعاء

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف ستعرف ما إذا كنت مجرّد دماغ في وعاء أو لا؟!

دعا الشكوكيّون إلى عدم تكبّد عناء محاولة الإجابة عن هذا السؤال، نظرًا لاستحالة معرفة ذلك، إلّا أنّ الفيلسوف الأمريكي “هيلاري بوتنام” تقدّم بإجابة وجيهة على الرغم من بداهتها، ومفادها أنّه سيقول ببساطة العبارة التالية: “أنا دماغ في وعاء”!

فإمّا أن تكون تلك العبارة صائبة، وإمّا أن تكون خاطئة، فإذا كانت صائبة فقد سقط زعم الشكوكيّين باستحالة معرفة ما إذا كان عبارة عن دماغ في وعاء، وإذا كانت خاطئة فلا وجود إذن لقصّة الدماغ في الوعاء، وما يعيشه هو حياة حقيقيّة!

في الختام..

فإنّ الشك سمة عقليّة معرفيّة فارقة كحال الفضول، والسؤال هو ابن الشك، كما أنّ الجواب هو ابن الفضول، وبين هذا وذاك يستكمل الإنسان مسيرته الفكريّة الطويلة بحثًا عن الحقيقة واليقين.. دمتم بخير.

المصادر :

عمى الألوان
دماغ في وعاء – ويكيبيديا
– كتاب: ماذا يعني هذا كلّه؟ / توماس نيجل.

تاريخ النشر : 2021-01-11

وليد الشهري

السعودية

مقالات ذات صلة

53 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى