تجارب ومواقف غريبة

الغلام الساخر

بقلم : ابن اليمن – اليمن

ذلك الغلام ينظر إلي بتلك النظرة و بتلك الابتسامة الساخرة
ذلك الغلام ينظر إلي بتلك النظرة و بتلك الابتسامة الساخرة

 
في مطلع يوليو حزيران 2015 م توجهت من قريتي الوادعة على متن مركبتي ذات الطراز القديم نحو سوق المدينة المكتظ بالمتسوقين ، ذهبت في عصرية صيفية هادئة ، كان الجو معتدلاً يميل إلى الحرارة أحياناً مع هبّات نسيماً حالمة تتهادى رويداً رويداً من الجهة الجنوبية ، انسللت بين الجموع واختلط بتلك الجحافل البشرية المهولة ، فلا تكاد تمر من بين الجموع إلا بصعوبة بالغة ، فأخذت اخترق الصفوف متغلغلاً ناحية ذيل السوق لحاجةً لي يقبع محل بيعها في تلك الناحية من السوق ، فأخذت أمشي بحذر شديد بين تلك الحشود الأدمية خصوصاً و أن اليوم هو الخميس لذلك تكثر الزحمة و الحشد عادةً في مثل هذه الليلة لأخذ مقتنيات الجمعة و حاجياتها ، فلما أدلفت من أول السوق و حين توسطت الجمع الجارف أخذت أتلفت يمنةً و يسرةً حذراً أن أصطدم بأحد ما أو خوفاً أن تدهسني مركبة أو دراجة ،

فقد كان السوق يعج بالمركبات و الدراجات النارية التي أخذت تتعالى أبواقها لكي تزيح ذلك السد السميك من المتسوقين الذين أضحوا سيولاً متضاربة ، سيلاً من الشرق و أخر يرتطم به من الغرب و من الجنوب ، سيلاً يقابله أخر من الشمال ، حالة تماوج وتضارب كبيرة ، و في غمرة ذلك الزخم البشري ومن بين الصفوف المتزاحمة ، وعلى بعد عشر أقداماً مني ظهر غلاماً مسحلان الشعر ، أخضر العينين ، دائري الوجه ، يرتدي قميصاً كأنه منسوج من خيوط الفجر الناصعة ، فأخذ ينظر نحوي بابتسامه ساخرة ، فلما اقتربت منه انغمس بين الصفوف وتلاشى ولم أدري أين هو ، واصلت مسيري والذهول قد أخذ مني كل مأخذ من حال هذا الغلام ، لما يسخر مني ؟ خصوصاً أنني لا أعرفه و ليس بيني وبينه أي قرابة و لا صحبة ، بل لم أره من قبل ،

غير أنني أخذت أتجاهله فقلت لعلهُ صبياً مشاكس أراد أن يلهو ، فأخذت أقطع طريقي نحو ذيل السوق غير أن بلوغ أخر السوق صعب المنال في مثل هذا الزحام الهادر ، الزحام يشتد و أبواق الدراجات تتعالى ، وما أن توسط ثلث السوق و فجأة دون سابق إنذار اذا بالغلام مرة أخرى يظهر من بين الحشد الذي بدا يزداد و لكن هذه المرة بدأ يضحك و نظر إلي بنظرة مملؤة بالسخرية والاستهزاء ، فلم أطق صبراً هذه المرة فحاولت أن أثني الجموع لألقن ذلك الصبي درساً في الأدب ، غير أنني لم أستطع ثني تلك الصفوف التي بالكاد استطعت السير ببطء بينها فكيف بالركض ؟ ثم قلت لعل في وجهي شيئاً من قذارة أو شيئاً يثير الضحك حقاً،

فاقتربت من احدى السيارات المركونة على جانب السوق فنظرت في مرآتها إلى وجهي فلم أرى شيئاً يدعو للضحك و السخرية ، كل شيء كان مرتب ، فانتابتني نوبة استغراب غير عادية ، ثم توقفت في وسط الجموع والشمس تنثر خصلاتها الشقراء على أسطح المحلات التجارية والليل بدأ يحث السير نحو الوجود ، توقفت محتاراً مستغرباً من حال هذا الغلام ، ما الذي يسخر منه و لما يضحك مني ، لماذا ؟.

حقيقةً انتابني الخوف والذعر أيضاً و أخذت أتسأل ، تُرى من يكون هذا الغلام و لما يظهر لي فجأة من بين الجموع و يضحك ؟ ثم أفقت من تساؤلاتي تلك و هرعت مسرعاً قدر الإمكان حتى بلغت ذيل السوق والأصيل يداعب بأنامله الذهبية جبين البحر الساكن ، فأخذت حاجتي تلك و قفلت عائداً فإذا جموع المتسوقين قد خفت كثيراً أكثر من النصف بكثير ، بحيث أصبحت أطراف السوق شبه خالية و لا يوجد زحام بتاتاً ، و عندما توسطت ذلك السوق وعلى بعد نحو ثلاثين متراً إلى الشمال من موقعي كان يقف ذلك الغلام مستنداً إلى جدار أحد المحلات تشق ثغره ابتسامه أكثر سخريه و أستهزأ من ذي قبل ، فلم أتمالك نفسي هذه المرة بل انطلقت ناحيته بكل ما أوتيت من قوة ،

والعجيب أنه لم يتحرك بل أخذ يضحك و ينثني ضاحكاً أكثر و أكثر كلما اقترب منه ، و كأنه يقول لي : مسكين لن تستطيع أن تبلغني و أن ركضك هذا سيذهب سدىً ، و عندما كنت على بعد خمسة عشر متراً من حدود الجدار الذي يستند عليه انعطف إلى خلف الفلة الكبيرة التي تربض خلفها العشرات من الفلل الكبيرة والشوارع و الأزقة الغائرة التي يصعب في لججها المعتمة الحصول على شيء ، و تحت نوبة الغضب الجهنمي الذي احتواني توغلت قليلاً إلى تلك الشوارع و الأزقة التي تحيطها فللاً سامقة تعالت كناطحات سحاباً بُنيت بحبكة و هندسة معمارية فائقة الحسن والجمال والقوة والسمو ، و لكنني لم أعثر على أحد ، لا يوجد أثر لذلك الغلام اللعين ،

فلو أنني لا أحمل حاجيات مهمة و أغراض يجب توصيلها إلى المنزل في وقتاً قياسي إلا بقيت أبحث عنه إلى أخر الليل ، بل لو كان بيدي سلاحاً في تلك الساعة لأرديته صريعاً و لو في قلب ذلك السوق وبين تلك الحشود دون أن يرف لي جفناً أو تهتز لي فريصة ، فقد أثار حفيظتي و أخذ يزعزع ثقتي في تركيبتي الخلقية ، رغم أنني أنساناً لا تجد عيوباً في خلقتي بحيث أنها تثير كل هذا الكم الهائل من الضحك و السخرية ،

أخذت أرمي سهام لعناتي السوداء نحو تلك الناحية التي فر اليها الغلام و أتوعده بعقاب شديد اذا ما صدفته يوماً ما ، ثم عدت أدراجي نحو شمال السوق و الليل قد القى ردائه و دثر بعباءته وجوه الشوارع الشاحبة ، فتوليت ماشياً حتى استقليت مركبتي المركونة في مطلع السوق ، ثم توجهت على عجلة نحو المنزل القابع على بعد 12 كيلو متر من موقع سوق المدينة لتنتهي ليلة حملت لي في طياتها الغرائب والعجائب ، فظللت تلك الليلة أفكر و أفكر وأخذ الأمر من جميع جوانبه ، تُرى من هذا الغلام و لماذا يهزأ بي ؟ لماذا و لماذا ؟.

أمراً ولغزاً لم أجد له تفسيراً منطقي و لم ينتهي الأمر إلى هنا ، ففي احدى المرات توفي شخصاً في تلك المدينة و تحركت صوب المدينة لأشهد الجنازة و أملاً في نيل الأجر حالي كحال بقية الناس ، توجهناً في حدود الرابعة عصراً عبر طريق أسفلتي ممتد يشق بطن قريتنا أتياً من الشمال ثم منحدراً نحو الجنوب حتى بلوغ المدينة ، وصلنا إلى هناك في حدود الرابعة والثلث تقريباً ، فركنت المركبة هناك في صف طويل من المركبات التي توشي حافة الشارع الذي يجاور المقبرة ، فلم يأتي بالجنازة بعد ، لذلك اختلطنا بين الحشود المنتظرة وصول الجنازة أنا و من معي ننتظر وصول الجنازة ،

و فجأة يطل الغلام برأسه من أقصى الجموع التي تلينا في الجانب الشرقي على بعد ثلاثين متراً تقريباً تشق ثغره ابتسامة كتلك التي رأيتها منه في السوق قبل أيام ، فانتفضت و أخذت تسري قشعريرة في جسمي و حاولت أن أقفل راجعاً إلى القرية في الحال ، و لكنني بقدر ما طالني الهلع تملكني الغضب ذاته ، بل كان غضبي أعنف و أقوى من خوفي و هلعي ، لكن المقام ليس بمقام شجار وغير لائق أن أقوم بفعل يخالف وضع الموقف الحزين ، فقد كان الناس في وجوم و سكون رهيب كما هي العادة في مثل هذه الأوضاع الجنائزية الكئيبة ، لذلك لم أرد افتعال مشكلة و تبديد السكون المخيم على الجميع من حولي ،

تمالكت نفسي بقوة و كظمت غيضي ثم كسرت عنه نظرتي الحارقة ثم بعد برهه اذا بجلبه و اذا بالناس تتهامس ” لقد وصلت الجنازة ” فهب الجميع قائم متوجهين صوب البوابة التي تفضي إلى ساحة الصلاة ، فنظرت بين الصفوف المتحركة و لكنني لم أره ، حمدت الله و تمالكت نفسي و توجهت مع الناس نحو البوابة و التي اكتظت بالقادمين ، فأخذ الناس يتدافعون للدخول – نوعاً ما – فقد كان الجمع كثيراً ، فتملصت من بين الصفوف حتى دخلت من ضمن مجموعة ، لأن الداخلين كانوا يدلفوا إلى الداخل جماعات جماعات حتى يتمكنوا من الدخول بسهولة – نسبياً – فكان موقعي في الصف الأول وخلفنا اصطفت عدة صفوف ما يقارب الخمسة صفوف تقريباً ، و قبيل رفع الإمام يديه بالتكبير و يشرع في الصلاة نظرت إلى الخلف حالي كحال من ينظر ترتيب الصفوف واكتمالها ، و هل هناك أحد لم يصل بعد ؟

فإذا بالغلام في الصف الأخير فاغراً فاه بتلك الابتسامة الساخرة و عينيه الجاحظتين الخضراوين كأنها فيروزات بالغة الخضرة تنزلق في أنسان عيني تماماً ، لويت عنقي عن المشهد سريعاً طاوياً في أعماقي مشاعر متضاربة وغرقت مع الإمام في الصلاة و فكري يسبح في بحراً لجّي من الأسئلة والحيرة و الغضب والخوف ، أصبحت كوكتيل من المشاعر المتضاربة فما شعرت إلا والإمام قد أنهى الصلاة ، ثم تحركت أتلفت يمنةً و يسرةً مترقباً و متحسساً من أي جهة تطالني طعنة خنجر أو طلقة مسدس ، أموج حائراً خائفاً و هائجاً غاضباً في ذات الوقت أتصبب عرقاً تتناثر حباته الثخينة من على جبيني هاويةً نحو نحري الذي تغلي فيه نار الغضب والانتقام ، تلفت حتى كادت تلتوي عنقي من كثر التفاتي ، ذهبت هنا و هناك بين جموع الناس أبحث عن هذه اللعنة ، عن هذا الغلام اللعين ،

و أقسم لو وجدته لأنهيت حياته في طرفة عين مهما كلفني ذلك ، فأخذت الحشود تتبدد حتى صار المكان خاوي و لم يبقى إلا أنا أصول و أجول في تلك النواحي متحججاً بأنني أضعت شيئاً ثمين حين يسألني أحدهم عن سبب سعاري هذا و بحثي الدؤوب ؟ فلما لم أجد أحداً و لم أعثر على أحد ، اعتليت مركبتي و قفلت راجعاً إلى القرية مذهولاً حائراً لا استطيع أن أعطي هذا الأمر تفسيراً و لم أفاتح أحداً بالأمر ، خصوصاً أنني حين أخبرت بعض أهل القرية سابقاً استهجنوا كلامي و أنكروه ضاربين أدلتي و قسمي عرض الحائط ، ثم عزفت و قررت عدم الذهاب إلى المدينة تحت أي ظرف ، خشيت أن أقترف جريمة أنا في غنى عنها ، لذلك بقيت في القرية لا أبارحها ،

و في احدى الليالي المقمرة من كانون الثاني في مطلع هذا العام الجديد ، كنت أجلس على بعد مئتين متراً من كوخي المبني من القش مفترشاً رمالاً ناعمة تنثرها نسائم الليل فتسري مصدرتاً لحناً موسيقياً شجي و جدجد الليل يصر على طول جنبات الوادي الذي يقع على حدود كيلو متراً واحد من حيث اقضي ليلتي هذه ، كل شيء كان في غاية الوداعة والجمال ، و القمر ينّصف وجه السماء ، و النجوم تزين حواشيه كأنها درراً ضخمة تطرز فستان غانية أغريقية تمول اللحان أبولو و عشتاروت على ضفة أحد الأودية الميثولوجية السحيقة ،

أخذت امتطي صهوة خيالي فسرى بي خيالي يطوي مروجاً خصبة من الجمال والحسن حتى أتى صوت تلك المقهقه من ناحية الوادي فقطع حبال تفكيري و أقلقني ، فنهضت على عكاز الوجل و الاستغراب أتوكى على عصاة الحيرة ،  فإذا بهالة نورانية تشق ثغر الوادي المحاذي ، متجهة نحوي في سرعة مهولة ، فلم تمهلني حتى لكي أمارس مشاعر الخوف والتحقق من ماهية هذا الشيء ، فبسرعة الضوء مثلت تلك الهالة أمامي لا يفصلني عنها سوى بضعة أقدام ، جحضت عيناي و تسمرت في مكاني ، ماذا ؟ أنت هنا ! لا، لا أصدق ، مستحيل.

لم أدري ما أفعل ، ماذا أصنع ؟.

نعم كان هو ، ذلك الغلام ، ينظر إلي بتلك النظرة و بتلك الابتسامة الساخرة و بدون شعور و تحت نوبة مشاعر متناقضة و ثبت ناحيته و صفعت بيدي بكل ما أملك من قوة نحو وجهه ، فمست يدي طرف خده فخنس قافلاً نحو الوادي لا ادري أكان يطير أم يسير ، لأنني كنت أتبعه ركضاً و أنا أرميه بعشرات الأحجار ، و لم أفق من فورة غضبي تلك إلا و أنا في منتصف الوادي حيث الجنادل الضخمة جاثية على ضفافه ، و الأشجار الكثيفة تجن أضخم المركبات لو اختفت خلفها ، و الصمت كان سيد الموقف ، إلا من صرير الجداجد الذي يزيد هدوء الليل رعباً على رعب ،

عدت أمشي و أتوقف أتنصت هل هناك أحد ، هل سيظهر هذا اللعين مرة أخرى ؟ في يدي أحمل أحجاراً ذات رؤوس مدببة أملاً في أن يظهر هذا المسخ لأغرسهن في رأسه بلا رحمة ، و لكن دون جدوى ، فالليل بدأ يسري و يسري والصمت يزداد أكثر ، في حين سرى البدر خلف غيوم فأحمه كثيفة احتضنته في أكنافها حاملة إياه نحو الأفول إلى ما خلف الجبال ، أما أنا فبعد أن يئست من ظهور ذلك المسخ اللعين ، فقفلت عائداً نحو كوخي تحملني مشاعر و أحاسيس و أفكار في غاية التناقض ، فهويت على سريري ك جذع شجرة ميتة ضربته ريحاً عاصف و غرقت في نوم طويل مصحوب بكوابيس وأحلام مزعجة لم أتحرر منها إلا في حدود العاشرة من ضحى اليوم التالي ، بعد ليلة صاخبة مفعمة بالحيرة والقلق الشديد .

 
تُرى ما ماهية هذا الغلام ؟ و لما يسخر منّي ، ثم اذا اقتربت منه ولىّ هارباً ، أهو جني ؟
ولكنني حين صفعت خده كان ملمسها كملمس أي خد بشري ، أقسم كأنني ضربت خد أحد أصدقائي ، خد بشري ذات جلد أدمي.
 
فما هو و لما يتصرف هكذا ، و هل هناك من هدف خلف تصرفاته هذه ، علماً أنني لم أره منذ شهرين تحديداً ، غير أنني لم أزل لم أبارح قريتي احتياطاً من أن أصادفه فارتكب الجريمة التي لن أرعوي عن ارتكابها حالما أشاهده ، أيضاً لم يعد يظهر لي في القرية في الآونة الأخيرة.
 
للعلم  أعتقد أن الناس لا تراه حين أراه أنا ، لأنني أنظر في وجوههم حين أراه فأرى أنهم في حال سكون و وداعة ، ربما يحسبونه طفلاً مشاكس لا أهميه لما يفعل لذلك لا يعيروه أي اهتمام ، غير أنني سألت البعض فأخبروني أنهم لم يروا شيء و وصموني بالهذيان ، غير أنهم لم يفشوا هذا السر ، و أنا بدوري لم أخبر أحد بعدهم.

تاريخ النشر : 2021-02-08

مقالات ذات صلة

25 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى