أدب الرعب والعام

الفتى الغريب

بقلم : ابن اليمن – اليمن

بعد الحال الفقير طبعاً سيصبح أغنى إنسان وطأت أقدامه كوكب الأرض
بعد الحال الفقير طبعاً سيصبح أغنى إنسان وطأت أقدامه كوكب الأرض

 
في احدى أمسيات صيف عام2017 م وتحديداً في مساء ليلة الخميس ال20 من شهر8 ، كانت ليلة في غاية الظلمة الليل مسودة الذوائب و كأنه راهب متلفع في عباءة حالكة والسكون يلف ما حولي ، و أنا مستلقاً في عشتي المتهالكة وكانت الريح تولج إلى تلك الخيمة من جميع الجوانب فهي عشه متهالكة قد عفى عنها الزمن و أكلتها الأيام والليالي حتى بلت وانتهت ،  فكما هي عادتي في كل ليلة أعمل جاهداً لأشحن هاتفي منذ الصباح حتى بعد المغرب لكي يحفظ لي أكبر كم من الطاقة من أجل أقضي عليه زلفاً من ليلي الطويل و أروح عن نفسي و ضيقي من خلال تطبيق الوتس اب من خلال القروبات وبعض جهات الاتصال الخاصة وأيضاً يمتد بي الأمر للتصفح و القراءة في بعض المواقع المفيدة لكي اكتسب معلومة جديدة أو أقرأ موضوعاً مفيد ،

فأخذني السهاد تلك الليلة وتأخر بي الوقت في التصفح والقراءة والتجوال في مواقع الشبكة العنكبوتية ثم أخذ يداعب جفوني النعاس ويطرقها الوسن طرقاً خفيفاً حالم فتستجيب الأجفان له تارة وتاره استطيع مجابهة ذلك النعاس الذي بدأ يضغط شيئاً فشياً و أتحد معاً النعاس التثاؤب الذي أخذ يفتح ويغلق فاهي مرات ومرات حتى استسلمت و رفعت الراية البيضاء و أخذ الوسن يتسلل ويتعمق في أعماق عيوني حتى كاد الجوال يسقط من يدي ، ولكن كانت لا تزال في عيوني بعض مقاومه تكفي لكي أغلق بيانات الجوال ومن ثم أسافر في رحلة النوم المكتظة بالأحلام والكوابيس ، فنظرت إلى الساعة في أعلى شاشة الجوال فإذا هي ال1 بعد منتصف الليل ، ثم قمت بسحب شريط الشاشة لأغلق البيانات واستريح و أريح عيني من هذا السهر المتأخر ،

ولكن فجأة وقبل أن أضغط بأصبعي على زر إقفال البيانات أهتز الهاتف باتصال من رقم غريب فترددت كثيراً في الرد خصوصاً و أن اتصالاً في مثل هذه الأوقات المتأخرة يثير الشك والرعب ، فمن يا تُرى يمكن أن يتصل في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل ؟ ولكن استجمعت نفسي وسحبت زر الموافقة وقبل أن انبس ببنت شفه بادر هذا المتصل الغريب سريعاً هو بالكلام و يقول : انته فلان ، أنت فلان بكلمات ، مشحونة بالخوف والرعب ، و عندما قلت له نعم ، أمطرني بسيلاً من رسائل الاستنجاد والاستغاثة و أخذ يقول لي : ادركني فقد نفذ علي ، المخزون الاحتياطي من البترول في وسط الوادي الذي يحاذي وادي القطار الموحش و أنا خائف جداً من هذا الليل ولا أحد عندي فادركني ، وأخذ صوته المرعوب يحرك مشاعر الشفقة والرحمة في داخلي وكان صوته صوت فتى لا يزيد عمره عن 16ربيعاً ، فطردت الرعب الذي يجيش في نفسي ثم أخذت نفساً عميقاً وتلفت من حولي فاذا الوجود غارق في نوماً عميق والصمت يلف الأرجاء ،

ثم تسللت من مهجعي صوب الجنوب حتى نفذت وجاوزت الحي والبيوت حتى وصلت قريب من الوادي الذي أتاني الاتصال منه ثم وقفت أسمع وأتنصت و أنظر في جميع الجهات ، و عندما اقتربت من حدود الطريق الذي حدده لي حين اتصل وأجهتني رائحة في غاية الطيب حتى كدت أسكر و أجثي مخموراً من عبق وشذا تلك الرائحة الزكية ، ثم تقدمت أكثر و عندما انتصفت في وسط طريق السيارات وكنت أتشمم و أتتبع مصدر الرائحة بكل جنون و فجأة انقطعت تلك الرائحة وذهب ذلك العطر المسكر الجميل فتمثلت بقول عمرو بن كلثوم لما صبنت عنه الكأس أم عمرو. فقال ، صبنت الكأس عنا أم عمرواً وكان الكأس مجراها اليمينا.

ثم شحت بنظري إلى كل الأماكن والجهات والليل كأنهُ غراب كبير جثي فوق الأرض و يد الصمت تخنق كل حجراً وشجراً وطيراً و وحشاً وكأن الوجود حولي يحبس أنفاسه خوفاً و رعباً من حدوث شيئاً مريب ، فلم أجرؤ على رفع صوتي و مناداه ذلك المستنجد الغريب ، فقفلت عائداً صوب الديار ، ولكن قبل أن اتجه شمالاً راجعاً على اثري اذا به يناديني بصوتاً خافت من على هامة احدى أشجار السمر الشاهقة ،

فاقتربت من تلك الشجرة بحذر شديد حتى وصلت قدماي على مقربة من تلك الشجرة وكانت شجرة سمره كبيرة على جانب الطريق الذي يأتي من طريق الرحبة ويتجه شرقاً نحو طريق متعرجة تلتحم في أعلاها بالإسفلت الذي يذهب إلى منطقة معبر ، وعلى اليمين من تلك الشجرة كانت مركونة دراجة نارية بجانبها جالون أصفر ، فطلبت منه النزول وبعد الإلحاح نزل وكان متلحف في ثوب كأن جوف هذا الليل البهيم قد نسجه خصيصاً له ، نزل وهو في حالة من الرعب و أخذ يتحاشى قربي ويبتعد ويتزحزح للخلف قائلاً : أنا خائف ، فطمأنته وهدأته ، ولما اطمئن سألته : ما الذي أتى بك في هذه الساعة المتأخرة من الليل وحدك ، و ما القصة و كيف وصلت إلى هنا ؟.

ثم أخبرني بقوله : أتيت من جانب الرحبة مع مجموعه من الأصدقاء لا أعرفهم صادفتهم في أول الطريق القادم من الرحبة (1 )
وهم أتراب في سناً واحدة و أنا مثلهم كلنا في حدود ال16، لهذا اطمأنت لهم و أخذنا الكلام والاحاديث الطريفة حتى تأخر بنا الوقت وعطشنا ثم وردنا ماء القطار ولما خرجنا من عند ذلك الماء فجأة اختفوا ! فتلبسٌني هلع و رعب غير عادي فتوجهت إلى دراجتي فشغلتها واتجهت صوب الطريق المؤدي إلى حيث أسكن في معبر ، ولكن خذلني البترول ونفذ بعد أقل من دقيقتين من انطلاقي من عند عين ما القطّار(2) فرماني كما ترى وحدي في خضم و زخم هذا الليل البهيم ، فأخذت جوالي وبحثت في جهات اتصالي ، فاتصلت على جميع الجهات فلم يرد علي أحد إلا أنت ، فكل الأرقام ما بين مشغول وخارج نطاق التغطية ، فقلت : أحمد الله أنك وجدتني فأنت في مأمن الأن ، فأخبرته أن نذهب إلى الطريق العام ألا وهو الإسفلت لعل أحداً يمر من أصحاب الدراجات النارية أو السيارات لنأخذ منه بترول حتى نسري من وحشة هذا الليل الحالك والصمت الرهيب ،

ولكن الخط انقطع تماماً و انتظرنا ما يقارب الساعة لعل أحداً تأخر به العمل يظهر أو أتياً من أحد المدن البعيدة ، ولكن لم يمر أحد البته ، صمتاً و ليل رهيباً لا ترى يدك اذا أخرجتها ، ظلمات بعضها فوق بعض فما الحل ؟ فبعدما استيئسنا وأصابنا الكلل والملل من ظهور أي عابر سبيل أو ساري ليل ، قلت لهذا الفتى : هيا أرافقك إلى قرب بيتك لكي ننفذ بك من هذا الوحشة والليل المعتم ، فاتجهنا سوياً إلى معبر (3) وكانت غارقة في جوف الليل الحالك وكأن الإضاءة فيها رؤوس سجائر لاصيه في عتمة هذا الليل البهيم ، 

وعندما وصلنا إلى المنحدر الذي يفضي بك إلى السلبة التي تطلع إلى أول المنطقة وعلى يسار الإسفلت هناك مجموعه من النخيل الكثيفة ، توقف و دس في كيسي ورقة صغيره وقال لي : إن فيها سراً لم اكشفه لأحد غيرك ، ولكن لا تقرأ ما في هذه الورقة إلا بعد بزوغ فجر الغد ، و فجأة وعندما نظرت إلى كيسي لأتفقد الورقة أنطلق بسرعة البرق إلى عمق غابة النخيل تلك ولم أسمع أو أرى له حس من بعدها ، فذهلت وكدت أسقط أرضاً من هول الرعب الذي اجتاحني لأنني عرفت أن هذا ليس إنسان و إنما هو جني ، فتوجهت من الجانب الأخر للمنطقة حتى دخلت باب بيتي وارتميت في غرفتي منهك و مرعوب معاً ، وسريعاً غرقت وذهبت في نوماً عميق ولم أفق إلا والساعة في حدود ال10 صباحاً ، وسريعاً وضعت يدي في جيبي وأخرجت تلك الورقة بعيداً عن الأعين و الأهل ، فيا تُرى ماذا كان في هذه الورقة ؟.
 
مضمون الورقة ( شكراً لك يا صديقي على تجشمك عناء السير تحت جنح ذلك الليل الغيهب وذلك نجده منك ومساعدة وتلبية لذلك الاتصال الغريب ، ولو كان غيرك لما أجاب ولا استجاب لنجدة هذا المتصل كائناً من كان ، ولكن كنت أنت رجل شهم وصاحب نجده وما كان اتصالي بك لنجده أو أنني خائف وكل ما قلت لك به وأخبرتك عنه كذباً مختلق لكي أعطيك سبباً وعذراً مقبول ،

إنما اتصالي بك لأكشف لك عن سر لا أجد أحداً هو أهلاً له غيرك ، وقد سطرته لك في هذي الورقة من قبل وهو أن عين وادي القطار تتحول إلى ابريز (ذهب خالص) عند الساعة الواحد ليلاً ولكن لا يمكن لأحد من الناس رؤية ذلك الذهب إلا شخصاً واحداً فقط وهو من كان في سني ، أي في حدود ال16تماماً وشرطاً أن يكون يتحلى بقدر عالي من الوسامة والطهارة (العِفّه)

ويكون وحده يورد عين ذلك الماء عند الواحدة ليلاً لا يرافقه أي أنسان أو حيوان البته ويكون متسربلاً بثياباً حالكة السواد كما رأيت الشخص الذي أنقذته يرتدي ، ولعلمك أن ما في ذلك الجالون الذي رأيته معي هو ماءً ذهبي وليس ماءً عادي ! فلم أدري ما أقول فأخفيت الورقة في مكاناً بعيد حتى لا ينفذ اليها أحد الصغار فيكتشف الكنز الذي هو خاصتي ، فبقيت محتفظاً بتلك الورقة في ذلك المكان حتى أتيت أحد المرات لكي أراها فوجدت أن الأرضة قد أكلتها ومسحت معالمها ، ولكنني لا زلت أحفظ ما فيها ، وخشية أن يذهب غيري بالكنز لأنني لا تنطبق علي الأوصاف والشروط المذكورة في تلك الورقة

فأنا قد أوشكت على بلوغ الثلاثين وليس بي وسامة ولا جمال ، لذلك لم أخبر أحد عن هذا السر لفترة طويلة ، غير أنني اليوم أكشفه للجميع ومن لديه المواصفات المذكورة ، هنيئاً له الملياردير بعد الحال الفقير طبعاً سيصبح أغنى إنسان وطأت أقدامه كوكب الأرض ، ولكن أرجو ممن لديه الأوصاف والجراءة اذا قدم على الذهاب في ذلك الوقت المتأخر و وجد أمامه ذهباً خالص أن يشاطرني نصف ما يأخذ لأنني أنا من كشفت له مكان هذا السر العجيب ، أما بالنسبة لمن لا يصدق هذا الكلام فأقول له ، ولست أنا من أقول بل كثيراً من العلماء والخبراء يقولون أن الجن لا يكذبون اذا حدثوك بشيء ليس من علم الغيب وخصوصاً الأطفال منهم ، فهم على قدراً كبير من الثقة والمصداقية.

 
انتهت عندي قصة الأخبار وبدأت عندك قصة التجربة ، بالتوفيق ولكن لي النصف.

تاريخ النشر : 2020-06-02

مقالات ذات صلة

14 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى