أدب الرعب والعام

القبر وحارس الكنوز

بقلم : أحمد محمود شرقاوي – مصر
للتواصل : [email protected]

كانت رأسها مفزعة بأعينها الدموية و وجهها الفاحم الغاضب
كانت رأسها مفزعة بأعينها الدموية و وجهها الفاحم الغاضب

 
دائماً ما كانت تراودني قصة قارون كفتاة بارعة في الغواية والسحر ، قارون الذي كان يملك من الخزائن ما جعل رجاله لا يقدرون على حمل مفاتيح تلك الخزائن.
كيف أصل إلى ما وصل إليه هذا القارون ؟ ما كل هذا الغنى الفاحش ؟.

حتماً إنه الذهب ، إنه ذلك المعدن النفيس الذي يتساقط من روعته الجبابرة  و تخون من أجله النساء  ويتنازع من أجله الرجال و تُراق الدماء أسفل بريقه.
وهذا كان حلمي منذ أن قرأت قصة قارون حينما كنت طفلاً صغيراً ، أن أجد ما وجده قارون ، حتى لو بقيت عشرون عاماً أبحث عن ما يحول التراب إلى ذهباً.

وكانت الطريقة المثلى هي البحث عن الكنوز والأثار في باطن الأرض ، تعرفت وأنا في العشرين من عمري على رجل يدّعي أنه روحاني ، ثم عملت معه لمدة عامين كي أتعلم منه كل ما يخص تلك المهنة ، كان الناس يطلبونا في منازلهم لنذهب نحن ونقوم بالكشف عن غرف البيت حتى نعرف هل هناك أثار أسفل هذا المنزل أم لا ؟

الأمر كله كان يتلخص في الشعور ، الشعور بالأشياء الثمينة والقديمة ، وقد كان الرجل نصاباً محترفاً وهذا ما علمته لاحقاً بعد عامين قضيتهم معه ولم نصل إلى أية كنوز ، كان يوهم أصحاب المنزل أن هناك كنز أسفل البيت وكان يحصل منهم على المال ويدلهم على أخرين للحفر ومن ثم نرحل نحن تماماً بعدها ، كان المال لا يوفر لنا سوى مجرد حياة طبيعية كسائر الناس ، تركته بعد أن رأيت أن حلمي سيتبخر كما الماء ، وبعد أسبوع واحد علمت من أصدقاء أنه قد أخرج أول كنز له بحق ، وكم كانت صدمتي قوية هزت كياني كله وجعلتني ألعن الحظ ألف الف مرة ! ثم تعرفت على آخر وبقيت معه عشر سنوات كاملة نسافر من هنا لهناك  و من قرى الصعيد إلى الأرياف ثم إلى الصحاري ولكن ما من مجيب ، الكنوز تغلق أبوابها في وجهي كما أغلق باب التوبة في وجه إبليس عليه من الله ما يستحق.

تركت الرجل بعدها وسقطت في حالة من اليأس والقنوط جعلتني أموت كمداً كل لحظة ، وهنا سمعت عن وجود الشيخ المغربي أبي إسحاق ، كان رجلاً سمعت عنه في كل مكان وأي مكان كنت أذهب إليه  كانوا يقولون أنه يعرف بمكان الكنز وهو في بلد آخر ، وما علمته من صديق سراً أنه قد جاء لبلدنا ليخرج لبعض كبار عائلة المشارقة كنزاً ثميناً بحق.

ومن ذا الذي يقدر على ثمن جلب الشيخ أبي إسحاق سوى المشارقة ؟ إنهم يملكون من المال ما يجعلهم ملوكاً لو كان الزمان غير الزمان ، وأقسمت ألا أضيع تلك الفرصة أبداً ، تربصت لثلاثة أيام أمام منازل المشارقة مترقباً ظهور الشيخ المغربي ، وفي اليوم الرابع ظهر و رأيته مع كبير العائلة وهم يتحدثون همساً أمام المنزل ثم يدلفون إلى منزل مجاوراً ، أقسمت أن أراقبهم ولو بقيت حياتي كلها هنا ، فقط أريد أن أتعرف على الشيخ أو أعمل معه يوماً ، وهذا ما عزمت على فعله حقاً ، أفقت من هواجسي حينما سمعت صوت مكبر الصوت على أحد المساجد ينادي بوفاة أحدهم ، توقفت هواجسي واشتدت حاسة السمع ، علمت أن من ماتت هي امرأة مسنة من عائلة المشارقة.

لا أعرف أهي مجرد صدفة أم قدراً جميلاً جعلني أقف بعد ساعتين أمام منازل المشارقة كواحد من مئات المشيعين للجثمان.

وارتفع التابوت على الأعناق وسار الناس من خلفه أسفين  يدّعون الحزن على امرأة قد بلغت من الكِبر عتياً ، و رأيته وتعرفت عليه ، كان رجلاً ضخماً تبدو عليه أثار النعمة بلحيته المهندمة ناصعة البياض ونظرات عينيه الثاقبة ، كان يسير بجوار كبير العائلة لتشييع الجثمان ، ظللت أراقبه وأتحاشى الزحام لأبقى على مقربة منه ، كنت أعاني لأبقيه تحت عيناي ولكنها كانت فرصة ذهبية لا تتكرر بحق ، و من وسط أفكاري وأحلامي فزعت حينما التفت للخلف ونظر إليّ نظرة عميقة جعلتني أتعثر وأسقط لولا أن أسندني من كان بجواري ، واختفى الشيخ في لحظات وسط الزحام وشعرت بالغضب والحزن معاً ، تلفت كالمجنون يمنة ويسرة لعلي ألمحه من جديد ولكني لم أجده.
 
وصلنا إلى القبر وتم الدفن في هدوء و رهبة ثم انتشر الناس بعدها في كافة أنحاء المقابر ليدعو لذويهم من المقبورين ، وبقيت أنا أراقب في صمت وهدوء ، ولم يبقى أمام القبر سوى كبير العائلة والشيخ المغربي ، نعم لقد ظهر بعد أن تبدد الزحام الشديد ، كانت المقابر عبارة عن غرف مبنية فوق سطح الأرض تتراص في صفوف وتكون فيما بينها حارات ، اختبأت أنا خلف أحد الحارات و أرهفت السمع لعلي أسمع حديث الشيخ وكبير العائلة.

اقتربت في هدوء من خلف أحد المقابر وتواريت في شق ضيق بداخل مقبرة أخرى وسمعت ما كان يُقال بعناء شديد.

” لا نريد أن يحدث مثل هذا ثانية يا شيخ “.
” وهل كنت تظن أنها مقبرة ويحرسها مجرد رصد صغير ؟ “.
” لا أقصد يا شيخ “.
” اصمت ولا تتحدث فأنت لا تعرف شيئاً عما بأسفل تلك القرية “.
” وما الحل يا شيخ ؟ “.
” سأتعامل ولا تقلق ، ثم أنها كانت مجرد مسنة وقد ماتت بسبب هزة أرضية تافهة ولم تمت بسبب حارس الكنوز “.

ولم أسمع شيئاً ثانية بعد أن ساروا مبتعدين ، رأيتهم يسيرون في حارة ضيقة فركضت بدون صوت ناحية الحارة الموازية لهم ، كنت أسمع أصوات خطواتهم فأسير موازياً لهم و أن يفصل بيني وبينهم صف من المقابر المتلاصقة.

كانت المقابر قد هدأت تماماً وقد رحل أغلب الناس لذا كان الصوت واضحاً هذه المرة.

” ما بالأسفل هو كنز المُلك ، الكنز الذي يجعلك سيداً مُطاعاً وهو من أخطر الكنوز التي يجب الحذر منها ومن الحصول عليها ، وسأخبرك شيئاً ، أتعرف أن الكنز يسير كما البشر ؟ “.
سمعت صوت كبير العائلة يقول بذهول :
” ماذا ؟ “.
ليجيبه الشيخ.
” الكنز لا يتوقف في مكان بل هو يسير مثلنا لأن الحارس لن يسمح لأحدهم بالوصول حتى إلى مكانه الصحيح فما بالك بالحصول عليه “.
” وكيف سنحصل نحن عليه يا شيخ ؟ “.
” لقد قمت بتثبيت جزء يسير من الكنز حينما كان يمر أسف منزلك وهو الجزء البسيط الذي قد لا يلاحظه الحارس من الأساس “.
” ماتت أمي لأجل جزء بسيط يا شيخ ! “.
” هذا الجزء البسيط لا يساوي مال الدنيا كله يا رجل “.

ثم صمتوا تماماً ، تعجبت من أمرهم وتسلقت المقبرة بحرص شديد وطالعتهم من فوقها فرأيت الشيخ ينظر إلى أحد القبور في تركيز شديد.
تسأل كبير العائلة :
” ما الأمر يا شيخ ؟ “.
” الكنز يوجد الأن أسفل تلك المقبرة ، لا ، ليس الكنز بل هو أصل الكنز “.
” هل نحفر هنا ؟ “.
” أخرس يا غبي فالحارس ينام أسفل تلك المقبرة الأن فوق كنزه “.
” وهل سيتحرك من جديد يا شيخ ؟ “.
” لا ، سيغفو طويلاً هذه المرة وهذا سيجعلنا نحصل على الجزء الذي يتواجد أسفل منزلك بكل سهولة ، هيا بنا نرحل “.

وتركوا المكان سريعاً لأظهر أنا في الصورة وأقف أمام القبر المشار عليه وعلى محياي ابتسامة كبيرة.
سوف أقوم بالحفر بداخل تلك المقبرة ولو كانت حياتي هي الثمن.
” لم يدرك المسكين أن الثمن سيكون أغلى من حياته كلها “.

وهرب الشيطان من عقلي لعدم احتماله تلك الأفكار التي راحت تفور كالحمم الملتهبة ، و بدأت تتضح معالم الخطة الجهنمية وتحليل العقبات وإيجاد كافة الحلول لها.

– القبر يمتلكه أشخاص أخرين.
-لا يمكنني استكمال الأمر وحيداً.
وهرعت إلى الرجل الذي بقيت معه عشر سنوات لنبحث عن الكنوز والأثار في باطن الأرض ، واستقبلني بفتور وبرود شديد ، و بدأت أنا في شرح كل ما يتعلق بالأمر مركزاً على الكلمات التي تشعل غريزة الطمع بداخله.
” إنه كنز المُلك والغنى الفاحش ، هذا ما أكده الشيخ أبي إسحاق “.
” سوف نكون من أغنى أغنياء العالم “.
و رأيت نظرة الجشع تقطر من عيناه كما الدمع ، ولكن تلك الدمعة اختفت سريعا ليتساءل.
” ولماذا لا يحصل الشيخ المغربي على الكنز لنفسه إن كان حقاً ما تقول ؟ “.
وأصابني التوتر لسؤاله ولكني تماسكت سريعاً لأجيبه بثقة.

” لقد تفرق الكنز وهو سيحصل على ما علق منه بأسفل بيوت المشارقة أولاً ، لذا لا ينبغي أن تضيع تلك الفرصة من أيدينا أبداً “.
بالطبع لم أخبره عن قصة حارس الكنز وما قيل عنه حتى لا يفزع ويقرر عدم مساعدتي.
ثم تسأل من جديد.

” ولكن كما قلت فالكنز ليس بقبر من قبور معارفنا”
” لا تقلق فأنا أعرف ما سأفعله في هذا الشأن ولكن استعد لنبدأ العمل غداً بعد منتصف الليل واستدعي اثنين من الحفارين “.

وخرجت من عند الرجل سريعاً لأذهب إلى منزل الشيخ بركات ، من يكون الشيخ بركات ؟.
هو صاحب القبر المراد ، استقبلني الشيخ بابتسامة وترحاب فهو من الرجال الأتقياء جداً ويعرف ما معنى إكرام الضيف ، وأنا طبعاً لن أخبر مثله بما أنوي فعله ، سألت عن أبنه جابر فقيل لي أنه سيحضر بعد ساعتين من العمل ، شكرت الرجل وتركته ، وما أراحني أن الرجل لم يتسأل عن سبب زيارتي ، ترقبت أمام المنزل لساعتين حتى ظهر جابر ، هذا الفاسق الداعر المشهور في البلدة بسوء الخلق ، سبحان الله فمقولة ” يخلق من ظهر العالم فاسد ” لا أظن أنها قيلت سوى إلا على الشيخ بركات وجابر.

واستقبلت جابر ليندهش من وجودي أمام منزله منتظراً ، كانت علاقتنا لا تتعدى التحية لذا فقد تسأل بهدوء عن ما أريده ؟ طلبت منه أن نجلس على المقهى كي نتحدث ، طبعاً تظاهر بالتعب ولكني حينما أخبرته بأن في الأمر مالاً وافق سريعاً ، جلسنا على القهوة نتحدث بشأن الأمر ، كنت حريصاً في كل كلمة أتفوه بها وفي كل حركة ، الغريب في الأمر أنه وافق على الفور دون أي جدال يُذكر.

فقط كانت كلمة ” أنا أثق أننا سنجد الكنز خلال يوم واحد ” كفيلة بأن يوافق على الفور ، ولكنه تسأل ” وكيف سنفتح القبر بدون علم أبي وعائلتي ؟ القبر مغلق بقطعة خرسانية يحاوطها حوض صغير ممتلئ بالتراب  لا يُفتح القبر بباب حديدي صغير”
، ” أعرف هذا لذا ستفعل ما أقوله لك ، لنبدأ الحفر في الغد “.

وغربت الشمس تماماً بعد أن شهدت الفظائع التي يفعلها بني البشر.

 ***
مع شروق الشمس كانت المساجد تنادي بنفس الكلمات ، لا لم يكن الأذان  بل كانوا يبلغون بحالة وفاة جديدة ، نعم إنه أسم مشابه تماماً لإسمي مع اختلاف الاسم الأول ، هل فهمت شيئاً ؟.

لك تلك المعلومة ، لي أخ مفقود منذ عشرة سنوات في دولة من دول الخليج و لم نعثر له على أي أثر من وقتها ، لذا فما كان مني سوى أن اتفقت مع الروحاني الذي كنت أعمل معه ليجلب لنا حفاراً يكون مكان الجثة ، ثم أخبرت جابر بأن يقنع والده بأن ندفن أخي في قبرهم لأن أبي وصى بألا يدفن أخي في مقابرنا لأفعال بدرت منه و تركه لنا منذ سنوات ، وما كان من الشيخ بركات أن يرد سألاً أبداً ، لذا وافق على دفن جثمان أخي الذي لم يكون سوى أحد الحفارين في قبر عائلته ثم وافق على بيع القبر بعدها.

و أرتفع التابوت على الأعناق مع أذان المغرب من جديد وتصنعت أنا أشد علامات الحزن والأسى حتى أنني قد تعجبت من نفسي كثيراً على مقدرتي على التمثيل ، وأزحنا التراب من الحوض ثم رفعنا القطعة الخرسانية وحملنا الجثمان الملفوف بالكفن وأدخلناه أنا والروحاني و جابر و قد بقي الناس بالخارج يبتهلون ويدعون للمتوفي ، وضعنا الجثمان وهمس له الروحاني ” لا تقلق ساعة واحدة وسنفتح القبر من جديد فقط تصرف بهدوء شديد “
وانتشر العامة راحلين عن القبور تاركين العمال ليضعوا القطعة الخرسانية ويهيلوا التراب على القبر ، وبقيت بالطبع أنا والروحاني وجابر ، قد تتسأل لما كل هذه اللعبة ؟ فقد كان يكفي أن أتفق مع جابر وندخل إلى القبر.

لا ، الأمر لن يكون بتلك السهولة أبداً ، المقابر في بلدتنا تعتبر طريق ناقل إلى الجهة الأخرى ، الحركة عليه كثيرة وإذا رأى أحدهم حركة في أحد القبور فستكون كارثة ، أما الأن فقد رأى الكل أن القبر قد دُفن فيه ميت ولن يسأل أحد عن من يقف أمام القبر ولا عن الحركة بداخل القبر ، حتى لو تسأل أحدهم في الظلام فسأخبره أنني أهدم الحوض الإسمنتي وأقوم بتركيب باب صغير ، الأمر هكذا أكثر أمان.

بعد نصف ساعة كان الظلام قد حل واختفت كل أثار الحركة من المقابر ، ووقفت أنا والروحاني وجابر واثنين من الحفارين يحملون بعض أدوات التنقيب أمام القبر ، كان الأمر شبيه بأفلام الرعب القديمة ، وأزلنا التراب في ثوان من جديد ثم تعاونا وأزحنا القطعة الخرسانية جانباً ، و وقفنا نتأمل تلك الفتحة الصغيرة المظلمة التي تشعرك بأنها بوابة لعالم الظلمات المخيف ، نادى الروحاني بهمس على من دفناه منذ دقائق.
– يا صابر..
– صاااابررر.
– صاااابرررر.
ولكن صابر لم يجيب ، أصابنا التوتر وأصبحنا ننظر لبعضنا على ضوء مصباح واهن في خوف ، هبط الحفارين بهدوء إلى داخل القبر وتقدموا بخطى هادئة ناحية الجثمان على ضوء المصباح الواهن الذي يعمل بالبطارية ثم سمعنا شهقة عنيفة ، تسمرت في مكاني وقد ضربني الخوف في مقتل ، هبط جابر سريعاً والروحاني ثم تبعتهم أنا ، كانت الجثمان مكشوف الوجه ولكنه لم يكن ما تركناه منذ دقائق قليلة ، كان الوجه أزرق مخيفاً تظهر عليه أعتى علامات الفزع ، أما الجسد فكان متصلباً كقطعة من الحجارة ، بارداً كالثلج ، عينيه كانت مفتوحة عن أخرها تنظر للفراغ في رعب ، نظرنا لبعضنا في صمت وتردد ولكن جابر كان هو الأشجع حيث قال :
” لقد اختنق وتوقف قلبه أو ربما قد مات من الخوف ، هيا بنا لنعمل فلن ننتظر هنا كثيراً “
كانت كلماته غير صحيحة طبعاً ، فمن هذا الذي سيختنق في قبر متسع كالغرفة في دقائق قليلة ؟
ولكننا أوهمنا أنفسنا بأنه صادقاً حتى لا نضيع الفرصة أو نتراجع الأن ، ولكن أحد الحفارين تراجع سريعاً وقال:
” هذا القبر ملعون ، أنا سأهرب من هذا المكان “.
أمسكه جابر من ملابسه صائحاً في غضب :
” ماذا تقول أيها العاهر ، هل سترحل لتبلغ عنا ؟ “.
دفع جابر بعنف ثم خرج من القبر و ركض مبتعداً وهو يقول :
” سوف تهلكون جميعاً “.
أمسك جابر بأداة حفر وقال بصرامة :
” هيا لنبدأ “.

وبالفعل أمسك الحفار الثاني بالمعول وبدأ يضرب الأرض بقوة ، أما أنا فقد تملكني شعور بأن الأمر لن يمر مرور الكرام أبداً ، نظرت إلى الجثة التي كانت حية تُرزق منذ ساعة واحدة وأنا أتسأل ، ما الذي قد رأته قبل موتها ؟.

دقائق تمر والحفرة تتسع رويداً رويداً ، العرق يتساقط والأرض تئن من بطش الضربات ، كان جابر صلب بحق فقد راح يضرب الأرض لساعة متواصلة دون أن يظهر عليه التعب.

ضربة تلو الضربة والحفار الأخر يحمل الرمال بالجاروف ليتسع المجال ، ضربة تلو الضربة وأنا أنظر للجثة في رهبة ، ثم….
ثم توقف حابر حينما عبرت أداة الحفر الأرض إلى الفراغ ، توقفنا مذهولين وسلطنا الضور على الحفرة في رهبة شديدة ، ضرب جابر الأرض من جديد لتتسع فتحة الأرض حتى أصبحت تسع رجلاً اذا أراد النزول منها ، حملت حجر كبيراً وأسقطته من خلالها فسمعنا صوت ارتطامه بعد ثانية واحدة ، عرفنا أن المكان ليس عميقاً ، نزل جابر من خلال الفتحة بهدوء شديد ثم أمسكناه بأيدينا حتى طلب أن نتركه بعد أن وطأت قدميه أرض الغرفة التي كانت بالأسفل ، ثم تبعه الحفار الثاني ،  ووقفت أنا والروحاني على رأس الحفرة نتابع ما يحدث ، كان صوت جابر يصلنا وهو يقول للحفار:
” سلط النور هناك “.
” إنه صندوق كبير “.
ثم سمعنا صوت خطواتهم وهم يمشون إلى ركن الغرفة.
” أفتح معي الصندوق “.
ثم انتفضنا على صياحهم وهم يهتفون :
” أحجار كريمة.. لؤلؤ.. مرجان.. تاج غريب الشكل.. خاتم عجيب “.
انتفض قلبي من مكانه فرحاً و سلطت الضوء على الحفرة لأهبط لهم ، وقبل أن استدير لأهبط رأيت رأسها تنظر لنا من خلال الحفرة ، كانت غوريلا ضخمة عملاقة قد وصلت رأسها إلى الحفرة وتخطتها ، كانت رأسها مفزعة بأعينها الدموية و وجهها الفاحم الغاضب ، شهقت أنا والروحاني ثم ارتجت الأرض وكأن زلزالاً بدرجة مئة ريختر قد ضربها ، سقطنا أرضاً ثم سمعنا صوت زئير مخيف من الأسفل ، ثم ارتج القبر كله من جديد بكل عنف ، ثم صوت صراخ رهيب جاءنا من الأسفل وكأنه صراخ أصحاب السعير ، و أرتفع الزئير والصراخ من جديد ثم راح القبر يهتز بلا توقف ، يرتج بكل عنف ، ونهضت وسقطت ثم لهثت ونهضت لأسقط من جديد ، ثم ارتفعت أصوات كثيرة ، أصوات صراخ المئات وكأن جهنم قد التهمت وقودها اليوم ، ثم انهار جزء كبير من القبر وعلى ضوء المصباح الواهن رأيتها تقف هناك ، كانت ضخمة ، مخيفة ، أعينها تقطر بالدم و وجهها يصرخ بالغضب ، ومدت يديها لتقبض على الروحاني ثم تجذبه نحوها حيث الغرفة السفلية ، صرخ صرخات مرعبة وهو يُسحب حيث الظلام والهاوية ، حاولت النهوض دون جدوى ، أشتد اهتزاز القبر وانهار جزء جديد لتظهر هي ثانية ، كانت قريبة مني بحق ، وبكل تعلق بالحياة انتفضت واقفاً وانطلقت ناحية الباب ، كدت أن أسقط ثانية ولكني تماسكت في لحظة ودفعت جسدي عبر الباب وخرجت  ومن خلفي كان صوت الزئير يصم مسمعي.

ركضت كما لم أفعل في حياتي ، كنت أشعر بأن القبور كلها تصرخ في وجهي لتطردني ، وفي طريقي ارتطمت بشيء ، صرخت وصرخت وأنا أشعر به ، أمسكوني بكل عنف ثم قيدوني ، كنت أصرخ وأصيح.

” الحارس .. الحارس بداخل القبر “.
ثم دارت الدنيا بي وسقطت في غيبوبة عميقة ، ولمحت قبل سقوطي بلحظة وجه الشيخ بركات والحفار الذي هرب منا وبعض رجال الشرطة.
أفقت لأجد نفسي في قسم الشرطة ، كنت فاقداً السيطرة على جسدي ، ارتجف كل لحظات ، لساني أصبح ثقيلاً ، هناك من نعتني بالمجنون ، هناك صياح وضرب ، هناك من يريدني أن أتحدث ، ولكني أشعر بالوهن ، الوهن الشديد ، أريد أن أنام إلى الأبد.

على لساني أنا صحفي أدعى عامر الصباحي.
الأمر كان غريباً جداً ، لقد أصبحت تلك القرية مأوى للنيران ، لقد بدأ الأمر حينما اشتعل بيت كبير المشارقة دون أي سبب ، ثم ازداد الأمر حتى أصبح الأمر يحدث يومياً ، حتى الدواب كانت تشتعل من تلقاء نفسها في الطرقات ، لقد أصبح الأمر حديث الدولة كلها ، هناك جهة سياسية عليا قد زارت البلدة لوضع حل ، تعرفونهم طبعاً أنهم أصحاب البدل السوداء والسيارات السوداء ، إنه سبق صحفي لا يمكن أن تفوته جريدتنا ، لذا فقد نصحني أحدهم بأن أذهب إلى المصحة النفسية لشاب يدعى رجب سعدان ، وذهبت لرجب وإن كنت لا أعرف ما فائدته.

وبعد معاناة شديدة قص عليّ رجب كل ما كتبته بالأعلى على لسانه ، ولكن العجيب حقاً أن الشرطة لم تجد شيئاً بداخل القبر ! أي شيء مما قاله رجب ، وبعد مصائب وكوارث حدثت في تلك القرية زارهم عالم كبير من الهند ولا يدري أحد حقاً ما الذي فعله ، و لكن بعد زيارته قد توقف الأمر تماماً.

بالطبع سمعتم منذ سنوات عن تلك القرية المصرية التي كانت تشتعل بيوتها بالنيران وبأرضها التي كانت تنفجر من كل مكان ،  نعم ، لقد انتهى الأمر ولكن هل تعتقد حقاً أن ما قصه رجب كان حقيقي ، و أن عبثهم مع من بأسفل الأرض هو ما جعل تلك اللعنة تصيب تلك القرية ؟.

لا أدري حقاً ، ولكن ما أعلمه أنه بعد شهر واحد من مقابلتي مع رجب قد وجدوه متفحماً في غرفة مغلقة لا تحتوي سوى على فراش واحد ، من أين أتت النيران إذاً ؟.

لا أعرف حقاً ، ولكن ما أعرفه أننا نحيا على أرض لا ندري عن سكانها شيئاً وأننا يجب ألا نعبث مع المجهول أبداً.
 
النهاية…
…………………………………….
تذكروا هذا الاسم جيداً.
رواية ” إن الله سيبطله ” قريباً بالمكتبات للكاتب: أحمد محمود شرقاوي
 

تاريخ النشر : 2020-04-03

مقالات ذات صلة

12 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى