أدب الرعب والعام

المرتـدّ

بقلم : رفعت خالد المزوضي – المغرب
للتواصل : [email protected]

هذا الإصرار المتفاني على الجهل و مقاومة كل معرفة لم يفهمه يوماً
هذا الإصرار المتفاني على الجهل و مقاومة كل معرفة لم يفهمه يوماً

–  “ميغسي بيان” !.
 
انتبه مهدي عند سماع هذه العبارة فكفّ عن القراءة و رفع عينيه بامتعاض صوب الشاب الأنيق الذي تلفّظ بها وهو يمدّ للنادل حسابه.
 
ألا ما أشدّ مقته لهؤلاء الممسوخين لغوياً ، كيف لا يشعرون بلسعة الضمير وهم يخاطبون بني جلدتهم بغير لغتهم ؟ و لقد طالما جادل و كتب في ذلك المقالات و نشر التغريدات ، و لكن لا حياة لمن تغرّد !.
 
أيكون ذلك لأنه كثير القراءة و الكتابة ، و لذلك إنما هو مُدرك (أكثر من اللازم) للمسألة اللغوية ؟.
 
رشف من كأسه الآن بتوتر، و وضع الفنجان بعنف مبالغ فيه على السطح الزجاجي للطاولة ، حتى صدرت جراء ذلك فرقعة دارت لها الأعناق لثانية أو اثنتين قبل أن تعود لشأنها غير مبالية.
 
نظر في معصمه ملياً ، لم يبق الكثير على الموعد الذي ضربه مع صديقه إسماعيل ، و كان حضر قبل ساعة من الموعد ليقرأ ما تيسّر ، فهو لا يُطيق البقاء جالساً في المقهى كالخُشُب المسنّدة دون إتيان شيء نافع  و لا يدري كيف يطيق ذلك الآخرون !.
 
هذا الإصرار المتفاني على الجهل و مقاومة كل معرفة لم يفهمه يوماً ، لا قراءة ، لا كتابة ، لا تعلّم ، لا شي ، . مثل الرجل ذي الشارب الكثيف الذي يراقبه الآن بوجه آلي من أقصى قاعة المقهى واضعاً رجلاً على رجل كأنما يتحداه أن يفضل على ما هو عليه دون نشاط أطول مما يخطر على باله !.
 
– السلام عليكم.. مهدي “سافا” ؟.
 
انتفض من خواطره بغتة لدى وصول صديق طفولته إسماعيل بقامته الفارعة و وجهه الحليق وعطره الذي يسبقه ، كأنما ليمهدّ له الطريق !.
 
– وعليكم السلام و رحمة الله .. أفزعتني يا أخي..
 
ضحكا معاً ، و تناول إسماعيل مقعداً بنشاط و صخب أيقظ مهدي تماماً من استرخائه الكئيب.
 
– ما أخبارك يا سي مهدي ؟ “سافا” ؟ هل من “نوفو” ؟.
 
* * *
 
شرد مهدي بخياله بعيداً و هو يسمع أنصاف الجمل المكررة التي تخرج من فم صديقه الباسم كالقذيفة.. ولقد استنتج بسهولة سبب حماسته الزائدة اليوم ، فهو يوم صرف الرواتب ، كما أنه كان يلمس حافظة نقوده من خلال جيبه المنتفخ مراراً دون أن ينتبه ، ما يدلّ على أنه سحب غالباً مبلغاً محترماً من الصرّاف الآلي قبل قدومه للمقهى ، لقد قرأ مثل هذه الأمور كثيراً في الروايات البوليسية.
 
–  إذن ؟ أين سرحت ؟ هل من (بولو) ؟ هل عثرت على عمل ؟.
 
العمل.. اه العمل. كأن ذلك يعنيك حقاً ! ألم تعدني مراراً أنك ستكلم فلاناً و ستضع السيرة على مكتب علان ؟.
 
– لا أبدو مختنقاً بالأعمال كما ترى !.
 
قهقه إسماعيل باستمتاع و قد راقت له الجملة ، ثم مال على المائدة ليلتقط الكتاب السميك وهو يقول بنصف فضول:
 
– ما هذا (الليفر) ؟.
 
لم يجب مهدي ، وقد بدا على وجهه بعض الضيق و التفت يراقب ما حوله من دون سبب.
 
– رحلتي.. الفكرية .. عبد الوهاب.. المس.. المسيري. من هذا (الإكغيفان) ؟
 
زفر مهدي، وقال بنفاذ صبر:
 
– تقصد من هذا (الكاتب) ؟.. حسن، إنه مفكر مصري ، درس في أمريكا مدة ، ودوّن في هذا الكتاب ملاحظات عميقة عن…
 
– إنه ضخم حقاً.. واو !.
 
انعقد لسان مهدي أمام برود صديقه الأنيق الذي يبدو أنه لا يريد سوى ملء ما بقي له من وقت بكلام لا يعنيه تماماً.
 
– أتدري (مون أمي)، أريد إخبارك بشيء، (جيسبيغ) ألا يُزعجك !.
 
كم يكره هذه الطريقة البهلوانية في القفز على المواضيع..
 
– حسن.. لا بأس، تفضل أخبرني بما تشاء.
 
– أوكي.. مممم، كيف أقولها ؟ باختصار.. دع عنك هذه الكتب التي لا تغني من السمن ؟ ماذا يقولون ؟ لا تسمن الجوع ؟.. المهم، دعك من هذه الكتب، و من هذه (الأغاب) إن أردت النجاح في حياتك.. أوكي ؟.
 
ظلّ مهدي متسمّراً مكانه نصف ساعة بعد انصراف صديقه ، ينظر في أفكاره المتوالدة على سطح الطاولة الذي بدا له الآن قاسياً و جارحاً بشكل ما !.
 
في عينيه نظرة من لا يعرف الصوّاب ، كلما ظنّ أنه كوّن الجواب المنطقي لوضعه في هذه الحياة، جاء من يبعثره بضربة خاطفة لا مبالية.. ذلك الجواب الجميل المرتب الذي يبنيه كل مرة من الكلمات التي يجدها في الكتب !.
 
نعم ، هو حسّاس و سريع التأثر.. لم يعد يرغب حتى في ردّ هذه التهمة عنه ، وماذا ينفعه أن يردّها ؟ ماذا ينفع الإنكار ؟.
 
و ها هو ذا مرة أخرى وجهاً لوجه مع جدار الشك القبيح ، أيكون هو المخطئ حقاً ؟ أبعد كل تلك التأملات والتحليلات ؟ بعد كل تلك الكتب ؟ أيكون طالب العلم والمعرفة هو المخطئ ؟ والمتمسك بلغته هو الأحمق ؟.
 
أو ربما يكون “الساذج” هو الوصف الصحيح.. تباً ! ها هو ذا المصحح اللغوي القابع بداخله وجد اقتراحاً جديداً ليقوله !.
 
– أستاذ !.
 
أجفل مهدي بسرعة ، و أنطلق مجيباً بسرعة كأنما يعتذر عن أفكاره الغريبة:
 
– نعم ؟.. آسف.. أنا..
 
– إنها الثامنة ، موعد الإغلاق كما تعلم ، إجراءات كورونا هذه لم..
 
– اه، طبعاً.. طبعاً.
 
ثم قام من فوره كالملسوع  و حشر يده في جيبه الخلفي بحركة آلية باحثاً عن النقود ليقع بصره على الكتاب الملقى على الطاولة ، فتوقّف يحدّق فيه كما لو أنه يراه لأول مرة ، و تحركت عيناه في حيرة شديدة ، قبل أن يرفع رأسه بحزم و يخرج الدراهم التي في جيبه و يعدّها عدّا ،  ثم يدسّها كاملة في يد النادل الصبور ، و ينصرف لا يلوي على شيء.
 
– لحظة يا أستاذ ! لقد نسيت كتابك.
 
التفت مهدي نصف التفاتة و نظر للنادل مبتسماً بمرارة ثم قال ببساطة شديدة :
 
– لم تعد لي به حاجة.. “ميغسي”!.
 
النهاية ……

تاريخ النشر : 2021-05-01

مقالات ذات صلة

13 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى