أدب الرعب والعام

المنعطف الخاطئ

كانت عينها أقوى وأجمل عين نظرت لي من زمن مديد

منذ أشهر قليلة انتقلت إلى هذه المدينة الصغيرة التي تبدو جميلة المباني و الطرقات، ولكن خالية تماما من الروح.. فسيطر الملل علي لدرجة أني ابتكرت عادات جديدة خاصة بي تفاديا للشعور بالفراغ. ونجحت إلى حد ما رغم أني أشتعل في الداخل لمعاناتي من الجفاف العاطفي.

إحدى العادات التي اكتسبتها هنا هي قضاء وقت طويل في السوق المركزي الوحيد بالمدينة، وذات يوم وعلى حين غرة التقيت بها، فتاة رقيقة و جميلة. فتنت بها بعد أول خمس ثواني فقط، رغم ادعائي النضج و الرزانة، إلا أني تحولت لمراهق طائش أمامها. هذه هي فتاة أحلامي كما تخيلتها دائما و لم أصدق أنها حقيقية لهذه الدرجة.

بدأت أراقبها وأتبعها حتى بدوت لمن لاحظني كمتلصص غريب الأطوار. حضرت في ذهني كلمات بدت لي مناسبة لألقيها عليها، لكني كل مرة أحاول الإقتراب منها إلا وتخونني شجاعتي و قدماي، حتى اختفت فجأة وسط الجموع. أصابني قلق شديد و بدأت أسرع في خطواتي وأنا أجر عربة التسوق وأتفحص وجوه الناس بكل وقاحة، حتى فقدت الأمل منها. وإذا بشخص يلمسني من الخلف، استدرت و إذا بها هي بشحمها و لحمها تقول لي بكل ثقة :

ــ هل أضعت شيئا ما؟

تلعثمت واحمرت أذناي، ولم أجد ما أقول إلا همهمات غير مفهومة، لكنها بدت متفهمة وأردفت :

ــ إسمي لارا ٫٫ هل تأتي لنشرب كوب قهوة سويا؟

قلت بصوت ضعيف بالكاد خرج مني :

ــ حسنا.

لم أصدق نفسي ، كيف أصبحت الحياة بهذه السلاسة فجأة!

إقرأ أيضا : المنعطف الخاطئ

بعد دقائق كنا نجلس في كافيتريا في نفس السوق المركزي، بدأت هي بالكلام و كانت بسيطة الى حد فاتن.. عرفتني بنفسها و تبادلنا أطراف الحديث بعفوية. أخبرتني أنها انفصلت عن زوجها مؤخرا وكيف كانت الأوضاع فوضوية في بيتها مؤخرا ..

ــ لماذا انفصلتما؟

ــ حسنا، المرأة لا تحب رجلها لأنه أوسمهم أو أغناهم أو أقواهم. تحبه لأنه هو فقط، لكنه تغير مؤخرا و أصبح شخصا آخر لا أعرفه.

ــ آه فهمت.

ثم أردفت:

ــ العلاقات بين البشر عموما تتميز بالتعقيد لكن هناك دائما إشارات، الذكي يحسن التقاط تلك الإشارات ويفهمها تجنبا لخوض أو إكمال علاقة مؤذية.

كلام جميل، تبدو ذكية ومختلفة.

سألتني ببراءة :

ــ هل خضت أي علاقة من قبل؟

ــ صراحة لا، لم أشعر يوما أني الخيار الأول و لاالمفضل لأحدهم لقد كنت عابرا في حياة الجميع.

بدا لي أني كلماتي هزتها فنظرت لي بدقة، وتمعنت في تضاريس وجهي جيدا. كانت عينها أقوى وأجمل عين نظرت لي من زمن مديد. لم أشعر بالوقت و أنا رفقة هذا الكائن الخرافي، أعطتني رقم هاتفها و كان بيننا شبه اتفاق ضمني على لقاء آخر، تمنيته أن يكون قريبا، قريبا جدا.

التقينا بعدها عدة مرات وفي كل مرة تصبح الروابط بيننا أقوى و يزداد الانسجام، و لم يطل الأمر بنا حتى دعتني لتناول العشاء في بيتها و صراحة كدت أطير من الفرحة.

إقرأ أيضا : مجرد حلم

لاحظت أن عرضها كان غريبا إذ أنها فتاة وحيدة تعيش في بيت بالضواحي، و لم يمض على معرفتي بها إلا أيام، لكني قلت بيني و بين نفسي :

ــ كيف أخدع وأنا شاب قوي ومثقف، ترعرعت في حي خطير تسيطر عليه العصابات و نجوت من كل هذا حتى أصبحت طبيبا ناجحا في الحياة. مستحيل، كفاني شكا.

وصلت إلى بيتها في الموعد المحدد، كان البيت في منطفة ريفية.. بسيط ومتوسط الحجم تحيط به مزرعة كبيرة. تناثرت أمامه بيوت أخرى يفصل بين كل واحد منها عن الآخر مئات الأمتار.. تعجبت كيف أنها تطيق البقاء هنا وحدها.

بمجرد دخولي اقتحمت أنفي رائحة زكية، كان كل شيء نظيف ومرتب، و الأحلى كانت هي.. لارا بثياب البيت وقد ربطت شعرها على طريق ذيل الحصان. رحبت بي بحفاوة و جلسنا حول المائدة.

كانت تضع الأكل و هي تقفز هنا و هناك برشاقة فراشة هذه الفتاة ” إن سارت على العشب لن تثني عودا واحدا “*

راقبتها بإنبهار و أنا أقول لنفسي :

ــ هذه هي لارا.. ” ستون كيلوغرام من السحر والرقة والمرح، حساسة كزناد تفجير لغم نازي مدفون تحت صحراء العلمين. كتلة من الأعصاب المرهفة المغطاة بالجلد وأنا أهيم بها “*

بدأنا في الأكل و الحديث وسط جو حميمي و تناغم رائع. لم أكن أضيع أي لحظة في النظر إليها و إلى جمالها الذي ربما كان أقل من المتوسط لكن “عين الرضى عن كل عيب كليلة”.. يبدو أني استغرقت وقتا طويلا في التحديق حتى طرقعت بأصابعها :

ــ هل أنت هنا؟

قلت دون تفكير :

ــ هل أنت ساحرة؟

بابتسامة مشرقة :

ــ طبعا لا.

ــ إذا لماذا عندما أنظر إليك يختفي كل شيء؟

أشرق وجهها الجميل و لمعت عيناها وهي تنظر إلي بخجل أنثوي رقيق.لا أعرف السر الذي جعل قلبي يقع أسيرا لديها ربما لأنها ببساطة فتاة نادرة تجيد التفرقة بين الدلال و الميوعة.

إقرأ أيضا : رحلة حياة

وسط هذا الجو الرومانسي سمعت ضجة آتية من مكان ما، سألتها عن مصدر الصوت فردت:

ــ إنه فقط الكلب، لقد حبسته في القبو لأنه لا يحب الغرباء.. قد يُحدث فوضى إذا رآك هنا ٫

ــ آه، حسنا

شكرتها على حسن الضيافة والطعام اللذيذ وغادرت البيت، وكأني أحلق في السماء. قد يكون الحب مستفزا غالبا لكنه يمنحك طاقة خيالية.

في نفس الأسبوع التقينا في السوق المركزي و بدأنا نتسوق مع بعض، و عند مرورنا بقسم اللحوم عرضت عليها كأي رجل شهم أن أبتاع لها بعضه ربما لأنها لا تملك المال الكافي لكنها رفضت بلباقة قائلة :

ــ لا شكرا لك. اللحم متوفر لدي دائما.

قبل أن نفترق دعتني لارا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في بيتها. ترددت في قبول عرضها نظرا لأن حالة الطقس ستسوء خلال هذين اليومين حسب نشرات الأحول الجوية صارحتها بهذا فقالت :

ــ لن تشعر بالرعب أعدك هي مجرد أمطار وستكون داخل البيت ٫

ثم أردفت:

ــ قبل عشر سنوات كنت لاعبة كرة يد في الفريق الوطني، وخلال إحدى الرحلات سقطت الطائرة في وسط منطقة ثلجية، لم ينج من الحادثة إلا عدد قليل.

صرخت بلهفة :

ــ و ماذا حدث لك؟ أقصد كيف نجوت ؟

ــ فريق الإنقاذ استغرق أسبوعين حتى وجدنا لأنهم بحثوا في دائرة قطرها عشرات الكيلومترات، وبعد العثور علينا عددنا لم يكن يتجاوز أصابع اليد الواحدة.

نظرت إلي جيدا لترى تأثير كلامها علي ثم أضافت :

ــ في حياة كل إنسان لحظة لا تعود فيها الأمور لما كانت عليه من قبل مطلقا. إنكنت أنا فتاة ضعيفة و نجوت من حادث مرعب كهذا فكيف تهاب أنت من مجرد عاصفة؟

إقرأ أيضا : ابن اغتصاب – الجزء 1

شعرت أني فقدت الكثير من هيبتي أمام كلامها القوي، فوافقت على عرضها دون مزيد من الكلام. يبدو لي أن لارا هذه امرأة حديدية فعلا.

بدأت الأمطار تتهاطل بغزارة حين وصولنا إلى بيتها، وتبللت ملابسنا كثيرا. بعد دخولنا أسرعت هي بإغلاق كل الأبواب و النوافذ بإحكام و أشعلت مدفأة الحطب و ووضعت فوقها براد الشاي، ثم أحضرت لي بعض ملابس زوجها السابق التي ربما بقيت في البيت لأرتديها. فعلت كل هذا بخفة و إتقان، إنها تحكم السيطرة على بيتها كجنرال نازي.

أعدت لارا عشاء رائعا أعجبني كثيرا خاصة مع صوت الرعد و تساقط الأمطار و الدفء، إلا أني لاحظت أن طبقي به دجاج و طبقها ممتلىء بكريات لحم جميلة الشكل، ابتلعتها بسرعة و لعقت أصابعها بعد الانتهاء منها، يبدو أن تصرفها خال من الذوق لكنها لم تكن مبالية أصلا.

نهضت من المائدة و غابت لبرهة ثم اقتربت مني و هي تحمل صورة:

ــ هذه صورتنا يوم الزفاف، كانت علاقتنا رائعة والآن انتهت لكنه سيبقى داخلي ولن يغادرني للأبد. ثم ألقت بالصورة في سلة القمامة بحركة مضحكة.

لم أفهم ماذا قصدت من وراء كل هذا.

بعد أن فرغنا من الطعام اقترحت عليها مشاهدة فيلم ما فطاب لها ذلك و اشترطت أن يكون الفيلم من اختيارها. لست مؤهلا لمناقشة أكاديمية للأعمال الفنية لكن الفيلم كان سيئا ولا يناسب ذوقي . مجموعة من الشباب المستهتر يظلون طريقهم في غابة ثم يجدون كوخا ما، فيدخلون لطلب المساعدة ثم يصطدمون بمجموعة من المشوهين أكلة لحوم البشر. وتبدأ حفلة همجية من التقطيع و الدماء وانتهى كما بدأ دون أي قيمة فنية أو أداء تمثيلي أو تصوير جميل. فقط فيلم يصلح للمراهقين ..

لم أصارحها برأيي لكني شعرت بالاشمئزاز من ضحالة ذوقها، خاصة وأنا ألاحظ انسجامها و استمتاعها أثناء العرض.. وفجأة تذكرت شيئا مهما فسألتها :

ــ لارا ؟

ــ نعم.

سألتها:

ــ أين هو كلبك ألا يزال في القبو؟

بدا أنها شردت لبرهة ثم قالت :

ــ لقد كان مشاغبا جدا فوضعته في ملجأ الحيوانات الأليفة في المدينة، أتمنى أن يتبناه شخص آخر قريبا.

إقرأ أيضا : الموت ألف مرة

شعرت برعشة مصحوبة بصدمة كبيرة من إجابتها، فأنا أعمل كطبيب بيطري هناك، وفي نفس الوقت مدير ملجأ الحيوانات الذي ذكرته، ولغريب أننا لم نستقبل أي حيوان منذ حوالي شهر.. ما الذي تخفيه عني؟

حاولت قدر الإمكان أن أخفي ملامح الصدمة من وجهي، و ادعيت شعوري بالتعب، وصعدت إلى الغرفة التي خصصت لي أنا بحاجة إلى التفكير و تصفية ذهني.

لأول مرة في حياتي أشعر بالرعب من فتاة، سأنتظر حتى تنام لأرى ماذا سأفعل. مهلا لقد نسيت هاتفي على الطاولة لكني لن أجازف لن أدع لها أي مجال لكي تشك بي.

في هذه الأثناء كان الرعد يدوي و البرق يلمع و ازدادت حدة الأمطار في الخارج لتضيف إلي توترا فوق توتري. تحسست طريقي إلى أسفل و أنا أسير على رؤوس أصابعي خوفا من أن تصحو لارا. حاولت الفرار من الباب لكن المفاتيح لم تكن هناك، توقعت هذا على كل حال.

سأنزل إلى القبو وأقطع الشك باليقين.

تفاجأت من أنها تركت باب القبو مفتوح ربما هي لا تخفي أي شيء.

إقرأ أيضا : التائه

واصلت طريقي و أنا أبحث عن أي شيء مريب ، كان هناك مصباح ضعيف يضيء المكان قليلا.. هناك طاولة كبيرة علقت فوقها بعض الخناجر والسكاكين. اقتربت منها و لاحظت بقعا من الدماء،ثم لاحظت ثلاجة كبيرة في الزاوية فتحتها و كانت الصدمة! جثة زوج تلك المجنونة ترقد هنا و بها بعض للقطع الناقصة، هل كانت تأكل منها؟

لم تعد رجلاي تقويا على حملي فيما ورطت نفسي، تنفست بعمق و أخذت أحد السكاكين و بدأت أصعد السلم حتى فتح الباب و كانت هي تقف بكل حزم. لمع البرق فأنار وجهها قليلا، إنها تبتسم بطريقة لا تصدر إلا من قاتل مجنون. زدت في سرعتي وأنا أستعد لطعنها، لا يفصل بيننا إلا ثلاث خطوات و بحركة سريعة تشبه رجال الكاوبوي أخرجت مسدس كهربائي و أطلقته نحو صدري فسقطت إلى أسفل و فقدت وعيي.

بدأت أفيق وأنا أحاول تذكر من أنا وماذا أفعل هنا، كنت مقيدا في القبو على تلك الطاولة.. وورائي كانت لارا تعطيني بظهرها و هي منشغلة بتجهيز أدواتها لبدء حفلة الدم و التقطيع.

بدأت بعض الصور و الكلمات تمر بسرعة في رأسي، لقد كان كل شيء حولها مريبا من البداية إلا أني كنت مدفوعا بغريزة رجل الكهف. لقد أخبرتني بكل شيء من البداية لكني كنت غبيا. أخبرتني عن تفادي العلاقات المؤذية وفهم الإشارات. هل قدمت لي تلك الإشارات؟ لا أعلم؟ لكن كيف نجت لشهر في تلك الحادثة؟ لا شك أنها أكلت زملائها، ومن هنا بدأت هوايتها المخيفة.

استدارت نحوي و مبتسمة و في يدها خنجرا كبير الحجم رفعته إلى أعلى وهوت به نحو رقبتي.

تمت

*اقتباسات عن الدكتور أحمد خالد توفيق

المزيد من المواضيع المرعبة والمثيرة؟ أنقر هنا

مصطفى 2018

- الجزائر - للتواصل مع الكاتب : [email protected]
14 Comments
الاحدث
الاقدم الاكثر تصويتا
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى