نساء مخيفات

باربرا جراهام: المرأة الدموية

إن الحياة تسرقنا أحياناً لدرجة أن ننسى أنها لا تدوم. فنحن ننتظر بملل انتهاء اليوم، ومرور الأيام، ولا بأس بانتهاء الشهور والسنين؛ ذلك لأن واقعنا مرير. فإننا ننتظر بلهفة الأيام القادمة، فربما هناك فرحة مطوية بين ثناياها.
وبطلة قصتنا باربرا جراهام مثلنا جميعا، أو حالة أسوأ بعض الشيء، ظلت تمرر الأيام بدون انتباه غير عابئة بشيء عدا عن دوران عقارب الساعة، ومضى الزمن الثقيل، لتفاجأ، بأن ما تحمله الأيام لها هو الموت!

نشأة باربرا جراهام

ولدت باربرا في السادسة والعشرين من يونيو عام 1923 في أوكلاند بكاليفورنيا. وكانت الابنة الكبرى بين ثلاثة أطفال لقاصر سجينة تدعى هورتنس وود. عاشت طفولة صعبة للغاية كحال أغلب أبطال قصصنا. وفي عمر السنتين، تولى تربيتها أقارب من صلة بعيدة. وعندما أطلق سراحها، انتظرت باربرا مجيئها لتطالب بها. وهذا ما لم يحدث. وعندما طلب منها الأقارب الذين يتولون رعاية ابنتها أن تأخذها، رفضت رفضاً قاطعاً، وقالت إنها لا تستطيع حتى الاعتناء بنفسها!

فظلت مسؤولية العناية بباربرا تنتقل من الأقارب إلى الجيران، دون أن يكون لها مستقر مثل بقية الأطفال، ‏ونالت تعليم متدنياً، وعليه حين كبرت ودخلت طور المراهقة، راحت تميل إلى الجنوح، وتقضي معظم وقتها في الشارع، إلى أن ألقي القبض عليها ذات مرة بتهمة التشرد، وأُودعت في دير الراعي الصالح، ثم ما لبثت أن هربت، وألقي القبض عليها مجددا.

وحُكم عليها هذه المرة بالخدمة في مدرسة فينتورا الحكومية للبنات، وهي نفس المدرسة الإصلاحية التي كانت والدتها فيها. ‏وعند خروجها في عام 1939. كان كل من يعرفها قد قطع صلته بها، فعقدت هي العزم على تغيير حياتها إلى الأفضل. وكان لها ما أراد وحظيت بأسرتها الصغيرة، والتحقت بكلية إدارة الأعمال، وأنجبت طفلها الأول وهي تدرس؛ ‏إلا أنها انفصلت عن زوجها عام 1941. وتزوجت مجدداً وأيضا انفصلت عن زوجها بعد مدة قصيرة، وذلك يرجع إلى ماضيها الأليم كطفلة لا يريدها أحد، تاركاً ندوباً نفسية حادة يجعلها عاجزة عن التقدم ولو خطوة للأمام.. إذ سرعان تباغتها ذكريات المآسي التي مرت بها.

باربرا جراهام
باربرا جراهام

منعطف خاطئ

عادت باربرا جراهام إلى الاستسلام لليأس، وطغى عليها. وبدأت في الانخراط في لعب القمار، وتعاطي المخدرات ومصداقة المجرمين وسيئي السمعة، لتنتهي مجدداً في السجن ‏في عام 1944، وهذه المرة بتهمة الدعارة.

‏عند خروجها من السجن، عادت إلى سيرتها الأولى بالتسكع مع المحتالين والمجرمين واللصوص والقتلة المأجورين، وانتهى بها المطاف ثانيا في السجن لمدة خمس سنوات بتهمة الحنث باليمين كشاهدة غياب لاثنين من المجرمين، وقضت عقوبتها في سجن ولاية كاليفورنيا.

خرجت للعالم مجدداً، وعاهدت نفسها مجددا على التغيير، وترك الشقاء خلف ظهرها، فاختارت هذه المرة العمل ممرضة في ولاية نيفادا. وتزوجت للمرة الثالثة عام 1951، لكن هذه الزيجة لم تدم طويلاً، فعادت إلى العمل كنادلة في حانة؛ لكنها سرعان ما عادت إلى الدعارة لكسب لقمة العيش!

وفي عام 1953 التقت وتزوجت هنري جراهام، وأنجبت طفلها الثالث. ولم يكن زوجها الأخير هذا إلا مجرماً سابقاً ومدمناً للمخدرات. وهو بدوره عرفها بأصدقائه من أرباب السوابق. وهنا التقت إيميت بيركنز وجاك سانتو الذين كانا متورطين في أنشطة إجرامية مختلفة.

التخطيط للجريمة‏

نشأت بعد ذلك علاقة غرامية بين باربرا وبيركنز، الذي اقترح عليها أن تشترك معه هو ‏وسانتو وشخص لم تعرفه باربرا قبلا يدعى جون ترو، في عملية سرقة مربحة لسيدة كبيرة في السن تدعي مابيل موناهان. تبلغ من العمر أربعة وستين عامًا ولديها إعاقة جزئية في جسدها، وتعيش في بوربانك بولاية كاليفورنيا، ويحوي بيتها الكثير من النقود والمجوهرات.

وقد تظن عزيزي القارئ أن تلك السيدة في غاية الثراء، ولكن الحقيقة عكس ذلك؛ إذ كانت سيدة تمتلك دخلا بسيطاً من معاش زوجها الراحل.

هل هذا يعني إذن أن العصابة ليس لديها علم بأحوالها المادية؟ بلى لديهم علم هذا!

السؤال المنطقي هنا هو: من أين خامرهم الاعتقاد بثراء هذه السيدة الفاحش أذن؟

دعني أخبرك أنه كانت لدى السيدة مابيل، ابنة متزوجة من مقامر سيء السمعة وثري من لاس فيغاس، يدعى لوثر بي، ‏وقد انفصلت عنه ابنتها، وانتقلت لتعيش في مدينة أخرى؛ لكن قصتنا لا تنتهي عند هذا الحد.

فقد ظل صهر السيدة مابيل يتردد عليها حتى بعد انفصاله ومغادرة طليقته. وكانت علاقتهما ودودة أكثر مما يجب، وواضحة للعيان. مما خلق إشاعة مفادها أن لوثر بي يحتفظ بماله وبعض المجوهرات التي تخصه في بيت الأرملة العجوز؛ مما جعل البيت مطمعاً لكثير من اللصوص، ومنهم بابرا ورفاقها.

‏تنفيذ الخطة

‏في شهر مارس عام 1953، انضمت باربرا إلى بيركنز بالإضافة إلى جون ترو وباكستر شورتر للذهاب وسرقة منزل مابيل. فذهبت وطرقت باب السيدة العجوز، مدعية حاجتها إلى استخدام الهاتف؛ بسبب تعطل سيارتها، كي يأتي أحد ويقلها. فتحت الأرملة الباب لمساعدتها، لكنها أجفلت ما أن رأت باربرا تقف، ومن وراء ثلاثة رجال، دفعوها واقتحموا البيت. قيدوا يديها خلف ظهرها، وأجلسوها في الردهة، طالبين منها أن تريهم المكان الذي تخبئ فيه المال والمجوهرات. لكنها رفضت أن ترشدهم إلى مكان الخزانة أو أن تنبس ببنت شفة.

blank
الضحية مابيل موناهان


‏ ‏
‏من هنا، ما سوف أسرده عليكم هو رواية مشكوك فيها تم تداولها في قاعة المحكمة.

تقول الرواية إن باربرا جراهام أصابها غضب شديد؛ فأمسكت بالمسدس، وضربت مابيل على رأسها على نحو متكرر، حتى بدأ تنزف بغزارة، وأصيبت بكسر في الجمجمة. ثم حرضت بيركنز عليها قائلة: “استمر واضربها” وقد فعل ذلك. وعندما طفح بها الكيل من صمتها المطبق، سحبت باربارا وسادة، ووضعتها على وجهها، وراحت تضغط بقوة حتى فارقت المرأة المسكينة الحياة، بعد أن تعرضت لكل هذا الألم الذي يصعب احتماله على امرأة في مثل عمرها. وبعد أن انتهت باربرا، نهضوا جميعاً وقلبوا البيت رأسا على عقب لمدة خمسة عشر أو عشرين دقيقة. ولكن لم يجدوا شيئا ذا قيمة في النهاية!

وذلك على الرغم أن المكان الذي قتلوا فيه مابيل، كان بقربه مباشرة خزانة تحتوي على 15000 دولار من المجوهرات والأشياء الثمينة؛ ولكن انتهى أمرهم بفشل عثورهم على شيء، ومغادرتهم خالي الوفاض.

وفي صباح يوم 11 مارس، آتى البستاني ليجد الباب الأمامي مفتوحًا جزئيًا، فشك أن المنزل قد تعرض للسرقة؛ فاتصل بالشرطة، التي وجدت جثة مابيل ملقاة في منتصف الردهة ملطخة بالدماء، ويداها مقيدتان خلف ظهرها ووجهها أزرق تملؤه الكدمات. ومحتويات البيت مبعثرة هنا وهناك. ومع ذلك فقد شعروا في بادئ الأمر أن ما يرونه أكثر من مجرد سرقة عادية، وذلك بسبب وجود محفظة مابيل التي تحتوي على 474 دولارًا وبعض المجوهرات!

‏المحاكمة..

‏عندما علمت ابنة السيدة مابيل موناهان بما حدث لوالدتها، وضعت مكافأة قدرها 5000 دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقال منفذي الجريمة. وقد استطاع مخبر خاص أن يدل الشرطة على أحد الرجال الذي لديه سجل جنائي في اقتحام الأملاك وهو ‏جون ترو، الذي بدوره ‏الذي وافق على أن يصبح شاهداً مقابل أن يُعْفَى من الملاحقة القضائية.

شهد جون ضد شركائه في الجريمة، ولكنه وجه أغلب شهادته لإدانة باربرا التي حملها معظم ما حدث هناك. وهي في المقابل احتجت باستمرار، وأصرت على براءتها.‏ وأمام كل ما يقوله جون ترو داخل القاعة، شعرت أن عليها ألا تقف مكتوفة اليدين، وأن تفعل شيئاً، فلا ننسى ‏أن سوء التصرف والتفكير جزء لا يتجزأ من شخصية بطلة قصتنا!

blank
في قبضة العدالة


‏فحاولت رشوة سجينة دخلت حديثاً بتهمة القتل، وطلبت منها أن تشهد في المحكمة، بأن باربرا كانت معها ‏يوم ارتكاب الجريمة؛ لكن السجينة قامت بالوشاية بها للشرطة في مقابل تخفيف الحكم عليها.

‏وذلك ما أضر بمصداقية باربرا أمام المحكمة!

وعندما سُئلت عن تصرفاتها في أثناء المحاكمة، أجابت:

“وه، هل شعرت باليأس من قبل؟ هل تعرف؟ ماذا يعني عدم معرفة ما يجب أن تفعل؟”

وأثناء ذلك كانت الأضواء تسلط على باربرا، برغم أن هناك ثلاثة رجال آخرين يقفون داخل القاعة بالتهمة نفسها تقريبا. وقد تظنون للوهلة الأولى أن ذلك كان في صالحها، لكن إن كنت تفكر أنه لا يوجد دعاية سيئة. حسنا تابعوا القراءة، ولنرى بهذا الصدد!
‏ ‏
‏ إذ كانت الدعاية متحاملة ورخيصة، لا تهتم لشيء سوى جذب القراء بعناوين مثيرة، وقصص ملفقة عن كونها المرأة المغرية التي تستطيع بإشارة من يدها أن تقلب كيان أي رجل لفعل ما تريد. ‏وهي صورة لا تتناسب معها البتة.

باربرا جراهام
باربرا جراهام في المحكمة

الواقع أن باربرا كنادلة سابقة، وكسيدة تكسب لقمة عيشها من مظهرها الخارجي؛ كان من الطبيعي أن تكون كل ملابسها مبهرجة تتناسب مع طبيعة حياتها. ولم يكن من الصواب ترك محاكمتها، والتسويق لملابسها.

لكن بالطريقة التي جرت به الأمور. كان يفترض أن تفعل!

لقد سخروا من ملابسها الضيقة ووزنها الزائد قليلاً، برغم من رشاقة أردافها التي لاحظوها. وكتبت إحدى الصحف تدعي أن باربرا ظلت تتثاءب وتمدد جسدها، وتتأمل أظافرها المطلية في أثناء وصفها طريقة قتل السيدة مابيل!

‏وعندما استدعوها على منصة الشهود تعثرت من شدة الارتباك، وسقطت على الأرض. لتكتب الصحف أنها ادعت التعثر حتى تؤجل الحكم الذي سوف يصدر بحقها.

‏في النهاية حصلت باربارا جراهام على الحكم المتوقع بالإعدام هي وسانتو وبيركنز بتهمة السرقة والقتل. قامت لاحقا بالاستئناف لتخفيف العقوبة، لكن تم رفضه. لتنقل بعدها إلى جناح المحكوم عليهم بالإعدام في سجن ولاية سان كوينتين في انتظار تنفيذ الحكم.

وأثناء وجودها هناك، أجرت مقابلة مع إحدى الصحف التي أطلقت عليها لقب ” بابس الدموية” ، تحدثت فيها جراهام عن والدتها بمرارة، وقالت “إنها لا تهتم أبدًا إذا كنت سأعيش أو أموت طالما أنني لن أزعجها”

واستطردت: “إذا كان علي أن أقضي بقية حياتي في السجن – إذا كان علي أن أقضي أكثر من سبع سنوات – فإنني أريد أن يكون الأمر على ما هو عليه. وسوف أقبل الأمر”. ربما سيكون ذلك أفضل لأطفالي”

إعدام باربرا جراهام

كانت غرفة الغاز بولاية كاليفورنيا موجودة داخل سانت كوينتين. وكانت عبارة عن كبسولة فولاذية مطلية باللون الأخضر الفاتح، وتحتوي على كرسيين معدنيين مثقوبين للمدانين. في 3 يونيو 1955، كان من المقرر إعدامها في الساعة 10:00 صباحًا، لكن حاكم ولاية كاليفورنيا جودوين جيه نايت أوقف ذلك حتى الساعة 10:45 صباحًا. وفي الساعة 10:43 صباحًا، أوقف نايت تنفيذ الإعدام مجددا حتى الساعة 11 صباحًا، اعترضت جراهام قائلة: “لماذا يعذبونني؟ كنت مستعدة للذهاب في الساعة العاشرة.”

في الساعة 11:28 صباحًا، تم إخراج باربرا جراهام من زنزانتها، ووضعها في غرفة الغاز. وهناك، طلبت تعصيب عينيها، ‏وقام جو فيريتي المسؤول عن الإعدام ربطها بالكرسي قائلا لها: “الآن خذي نفسًا عميقًا، ولن يزعجك ذلك” فأجابت باربرا: ” كيف تعرف ذلك بحق الجحيم؟

blank
باربرا جراهام تعانق ابنها تومي البالغ من العمر 20 شهرًا وتودعه قبل ذهابها إلى السجن حيث يجب أن تموت في غرفة الغاز.


‏ ‏
‏ ‏بعد ثلاث ساعات أُعْدِم الرجلان أيضاً ليلحقا بها وتطوى صفحة أخرى من كتاب الجرائم في أمريكا.

باربرا جراهام هي ثالث امرأة تعدم بالغاز في ولاية كاليفورنيا.

عن القصة أنتجت عدة أفلام ومسرحية موسيقية، أول الأفلام هو فيلم “أريد أن أعيش!” (عام 1958) وفازت الممثلة سوزان هايوارد بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة عن دور باربرا غراهام في نسخة مختلفة وخيالية من الأحداث تشير إلى كونها بريئة وأُعدمت ظلما.
‏ ‏

blank

المصدر
LamagWikipedia
guest
13 Comments
الاحدث
الاقدم الاكثر تصويتا
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى