ألغاز علمية

بيتر هوركوس : الهولندي المعجزة

بقلم : يسري وحيد يسري – مصر
للتواصل : [email protected]

رجل شكل ظاهرة في عالم ما وراء العقل
رجل شكل ظاهرة في عالم ما وراء العقل

ربما علي مدار تاريخ الماورائيات الطويل والمحير لم يعرف العالم أجمع ظاهرة أكثر إثارة للحيرة من حالتنا اليوم..
ظاهرة لم تأت من الفضاء الخارجي او من اعماق التاريخ ..
بل اتت من عالمنا .. ومن زمننا هذا ..
ظاهرة كانت الجسر الذي عبرت عليه الماورائيات من التشكيك الي اليقين …
ومن النفي الي الاثبات ….
ظاهرة لم يجرؤ احد علي رميها بشئ .. سوي رميها بالثناء والاعجاب والحيرة .. بل كل الحيرة

ظاهرة تدعي (بيتر هوركوس ) ، ذلك الهولندي المعجزة ولد في 11 مايو عام 1911 ، لم تكن ولادته عادية ابدا حيث التف الغشاء الجنيني حول رأسه بعد ولادته ليظل عاجزا عن الرؤية لمدة ستة اشهر الي ان تمكن الاطباء من إزالة الغشاء الملتصق بعينيه لكن ذلك لم يمنع إصابته بضعف البصر طوال حياته، وحياته تلك استمرت ثلاثون عاما الي ان اتي اليوم الموعود وبالتحديد يوم العاشر من يونيو .عام 1941
ففي ذلك اليوم كان بيتر يمارس عمله كالمعتاد ألا وهو طلاء المنازل رفقة والده قبل ان تنزلق
قدمه ويهوي من الطابق الرابع ، حاول بيتر الامساك بأي شيء يمنعه من السقوط ويبقيه علي قيد الحياة ، كما قال بعد سنوات من تلك الواقعة ، لكن سقوط بيتر كان ظاهريا ، ففعليا حين دخل بيتر المستشفي كان الرجل قد إرتقي في الزمان والمكان …

وتلك الجملة الاخيرة تحتاج الي معرفة ما حدث لهوركوس ، فعندما كان يرقد في المستشفي اكتشف هوركوس شيئا مثيرا .. انه ما ان يمسك بشيء حتي يتداعي الي عقله تاريخ ذلك الشيء من صور .. مشاهدات .. اصوات ..

blank
عندما كان يرقد في المستشفي اكتشف هوركوس شيئا مثيرا

كان هول الصدمة هائلا علي هوركوس ففي البداية ظن نفسه مجنونا ،لكن بمرور الوقت بدأ الرجل يستوعب موهبته الفذة حتي حلقت به بعيدا في سماء العلم والماورائيات علي حد سواء.

غادر هوركوس المستشفي في الخامس من اغسطس وقد بدأت موهبته تعرف طريقها الي ألسنة الناس ، ووسط الحيرة والذهول والدهشة والانكار ، اتي اول اختبار عملي لهوركوس اذ استعانت به الشرطة لكشف سلسلة حرائق حدثت في احدي المزارع الصغيرة ، وهنا لم يحتاج هوركوس سوي قفل محروق من اقفال المزرعة وعدة صور للقاطنين حولها ليفك لغز الحرائق ويكشف الجاني ، لكن ذلك النجاح لم يقارن بما فعله في بريطانيا حينما استدعته إدارة سكوتلانديارد لحل لغز أختفاء الماسة الشهيرة (سكون) من كرسي التتويج في كنيسة ويستمنستر ففي خلال ثلاثة ايام كشف هوركوس ان الجناه مجموعة من الصبية وان الامر تم بغرض المزاح ..

blank
استعانت به الشرطة لكشف بعض الجرائم

نجاح مع الشرطة الهولندية اعقبه اخر مع سكوتلانديارد كان اعترافا غير رسميا بموهبة هوركوس الفذة ، صحيح ان هوركوس تعامل مع مؤسسات رسمية بحجم سكوتلانديارد إلا ان ظاهرة هوركوس كانت تستدعي ان يوضع تحت مجهر العلم ، لكن بعض العلماء ظل ينظر الي هوركوس في تجاهل تام كما لو ان البعض يتخوف من الاعتراف الرسمي بموهبة كتلك.

لكن تجاهل العلماء لم يدم طويلا ،اذ تم دعوة بيتر هوركوس لزيارة امريكا لمدة ستة اشهر من قبل الدكتور اندريا بوهاريش الامريكي الجنسية اليوغوسلافي الاصل ، والدكتور بوهاريش متخصص في علم وظائف الاعضاء والطب الباطني والدراسات العصبية ، أنشأ في عام 1948 معملا للبحوث أطلق عليه مؤسسة الدائرة المستديرة التي تختص بدراسة الظواهر العقلية مثل التخاطر والحاسة السادسة ، وكان حلقة الوصل بين الدكتور بوهاريش وبيتر هوركوس رجل اعمال امريكي يدعي هنري بيلك ، والسبب ان بيلك كان يعاني من متاعب متصلة بأمانة بعض العاملين في متاجره الكبيرة وحينما سمع بهوركوس حاول الاستفادة منه الي اقصي درجة فعمل علي ان يكون وسيطا بين بوهاريش وهوركوس.

هناك في مؤسسة الدائرة المستديرة خضع هوركوس لاختبارات لمدة شهرين وكانت تتمثل في اعطاء هوركوس اظرف سميكة معتمة من ورق المانيلا وبداخل كا ظرف توجد اشياء مختلفة ، المدهش ان هوركوس كان ينجح بمعرفة ما بداخل الاظرف بمجرد لمسها من الخارج وبلغت نسبة نجاحه اربعة من كل خمس اختبارات ، اي 80% ، وهي نسبة ساحقة لاي تشكيك في قدراته، اضف الي ذلك نجاحاته السابقة في هولندا وبريطانيا.

blank
تم اخضاعه لاختبارات وحضي باهتمام بعض العلماء

لم تتوقف اختبارات بوهاريش إذ اخضع هوركوس لاختبار داخل قفص فاراداي وهو قفص يتكون من وعاء مغلق من النحاس صمم خصيصا لمنع اي موجات كهرومغناطيسية من الولوج لداخل القفص ، وهذا الاختبار الغرض منه التحقق من مدي قدرة ذوي القدرات العقلية الخاصة ، أهي قدرة خارقة بالفعل ام ان الامر ينطلي علي خدعة ما ، بإختصار قفص فاراداي له الرأي الحاسم في موهبة هوركوس خصوصا مع وجود تيار كهربي قوي تبلغ قوته 25 الف فولت محاط بالقفص.
لكن هوركوس ازاح اي غبار عن قدراته فقد اتصل اثناء وجوده داخل القفص بشخص خارجه وقد نشر بوهاريش نتيجة عمله مع هوركوس في كتاب beyond telepathy ولم يكن بوهاريش الرجل الذي أمضي سنوات وسنوات من عمره لتفنيد الظواهر فوق العقلية بحاجة الي مزيد من الاختبارات فقد قال عن هوركوس انه اعظم من اختبر من ذوي القدرات العقلية الخارقة ، انه حتي لم يستخدم سوي جزء بسيط من قدراته ذات المدي البعيد.

نجاح هوركوس العلمي لم يشفع له عند رجل الاعمال هنري بيلك الذي كان سبب مجيئه الي امريكا ، ففي يونيو 1957 اختفت ابنة السيد بيلك ذات العشرة اعوام عندما كانت تلعب في بيتها بنورث كارولينا ،وعندما لم يستطع رجال الشرطة العثور عليها لجأ والدها الي هوركوس الذي قال انه سيركز وسيتصل به فيما بعد ، قال هوركوس انه بمجرد وضعه للسماعة دخل في حالة تركيز كبيرة ليري بوضوح صورة الابنة غارقة بالقرب من مربط القوارب علي عمق ستة اقدام ، وعندما اخبر والدها بذلك هرع الرجل الي المكان الذي وصفه هوركوس ليجد ابنته غارقة كما وصف هوركوس بالضبط ، لكن الرجل شعر بمرارة كبيرة وعاتب هوركوس علي انه لم يري ما سيحدث لابنته مسبقا ولذلك فصله من العمل.

blank
ساهم في حل بعض اكثر القضايا غموضا

علي الرغم من مأساوية تلك الواقعة إلا انها نجاح من نوع اخر لهوركوس ، ففي النجاحات السابقة كان عقل هوركوس يسافر في الزمن للماضي ، وهنا سافر عقله في المكان لرؤية ما حدث لابنة السيد بيلك …
اما النجاح التالي فسيعرف فيه هوركوس السفر الي المستقبل، ففي يونيو 1960 استدعاه الدكتور ريجيس ريزنمان لكشف غموض احدي الجرائم ، والدكتور ريزنمان من اشهر الاطباء النفسيين والمختصين بعلم الجريمة.
وعندما ألتقي هوركوس بالدكتور ريزنمان في منزله رأي ابنته أليس التي لم تتجاوز سنتين ونصف وهي اصغر ابناءه وكانت تعاني من شلل مخي يمنعها من السير علي قدميها ، وضع هوركوس يده علي ظهرها ليقول : “أليس ستسير علي قدميها لاول مرة في عيد ميلادها الموافق 21 ديسمبر وبعدها بأربعة ايام ستسير حتي شجرة عيد الميلاد وتتناول هداياها بيدها وتواصل السير بعد ذلك”.
كان هذا الكلام في يوم 11 يونيو 1960 ، وفي الموعد المحدد الذي حدده هوركوس سارت الاحداث تماما موافقة لكلام هوركوس ، مما دعي الدكتور ريزنمان للقول ان هوركوس يتمتع
بقدرات ذات بعدين ، سبر اغوار الماضي ( retro cognition ) ، والقدرة علي قراءة المستقبل (pre cognition ).

ومن الذين انبهروا بهوركوس كانت الصحفية نورما لي براوننج التي ألفت عنه كتابا، حكت عنه انه ذات مرة كانوا في احدي الحفلات عندما قال هوركوس لاحدي ضيفات الحفل انها مرت بعملية اجهاض منذ فترة قصيرة ووافقته تلك المرأة علي ما يقول وهي في حالة ذهول ،
ومرة اخري كان في حفلة للسيد بيلك قبل فصله من العمل واثناء مشيه تعثر لتلتوي قدمه وتظهر احدي عظام الساق خارج الجلد ليحمله الرجال ليضعوه علي السرير وهنا اعاد بيتر العظمة الي مكانها بيسر وسهولة ليتوقف النزيف ايضا وحين سألت نورما هوركوس عن مافعله في تلك الليلة أجاب:

“كان الالم هائلا لكني لم أكن اريد الذهاب للمستشفي ، لا ادري ماذا فعلت فبعد ساعة واحدة كنت قادرا علي المشي مع بعض الالم لكن اليوم التالي اختفي كل شيء علي الرغم ان اثر الجرح ظل طوال حياتي” 
وسألته ايضا عما اذا كان استخدم التنويم المغناطيسي في علاج نفسه ، فقال : “لا ادري لقد ركزت وقلت لنفسي لا اريد الذهاب للمستشفي وأظن ما حدث ما تطلقون عليه تأثير العقل علي المادة “.

blank
رحل بيتر هوركوس عام 1988

كانت نورما من اشد المناصرين لهوركوس وبالتأكيد لديها الحق .. بل كل الحق ، فسبر اغوار ظاهرة مثل هوركوس كان سيدفع بنا خطوات هائلة الي الامام لإماطة اللثام عن بعض من اسرار العقل وخباياه المحيرة .

لقد سافر عقل هوركوس زمانيا… للماضي… والحاضر … والمستقبل …
بل وسافر مكانيا أيضا كما حدث مع إبنة السيد بيلك …
أضافة الي نجاحه الباهر في الكشف عن الجرائم في هولندا وبريطانيا وحتي أمريكا التي أوقع
بها بعصابة السفاح تشارلز مانيسون…

وبين انتصارات بوليسية مدهشة …
ونجاحات علمية ساحقة…
رحل بيتر هوركوس في الاول من يونيو عام 1988…
رحل بعد أن جعل الماورائيات تجاور مختلف العلوم من حيث اليقين …
لا من حيث المنطق…

صحيح أن العالم يعج بالمحتالين لكن الاحتيال بإسم الشيء لا ينزع إيماننا عن الشيء نفسه … بل أن العلم ذاته انحاز لموهبة هوركوس الفريدة والتي أثبتت أن الرجل يتمتع بقدرة استثنائية بالفعل تتخطي الي الان ادراكنا ..

رحل الرجل الذي قضي ما يناهز النصف قرن في سحق أي علامة استفهام تواجهه .. رحل بيتر هوركوس ليترك لنا الكثير من الاسئلة …
والقليل من الاجوبة…

كلمات مفتاحية :

– Peter Hurkos
– باراسيكولوجي

تاريخ النشر : 2021-04-27

مقالات ذات صلة

32 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى