أدب الرعب والعام

بُرْهان المعلم بِهْران

“يجعل الأصم يسمع والنجوم بمصامها تلمع ، فلا فكر  متحجر بقي بعد لقائه إلا وتنور ، ولا عالم بعد كلامه تكلم ، جعل من ابن النبيل شانيال ملكاً ، ومن أصحابه سادة ، فأي مبلغ بحقه لا ينفع “

هذه الكلمات التي تفوه بها تاجر العبيد ، في ساحة مطلية بقطع الحديد ، مدورة أزوردية ، تفوح منها رائحة السوائل القرمزية ، أشبه بسرك مليء بالعروض ،  عروض تستطيع بها شراء المهرجين ، ابتساماتهم عريضة ، يحدقون بالبشر كأنهم حيوانات يقتنونها ليزيلوا من قلوبهم الآهات .

أقف بجمود ساكناً على ألواح مرمرية تبرق باستحياء من أنوار شمس حزينة يغطيها الغيم كي يحمي بصرها من الطغيان  ، أتنفس بحسرة وعيوني من الغم تكاد تدمع ، ذاك الظلام الذي غطى جفوني ليس من بكاء لحسرة اجتاحت مكنوني بل لسهر على تلاميذ خانوني ، على علم استنزف عمري ، لإنجاز أخذ أيامي ، من كلام تاجر العبيد يتضح إنجازي ، ولكن أين هي مكافأتي وميدالية تعبي؟

فقد توجني تلميذي بإكليل من تجاهل وتخلي ، في عتمة لليل حالك الظلماتِ ، أدار لي رأسه المزين بتاج الياقوت ، مودعاً إياي بضحكات كسرت قلبي .

فقد ألقى بي بقعر جب ليس له من نور أو أي أمل يغني ” الحياة ” يا لها من كلمة شنيعة علمتنا معناها بطرقها الفريدة .

“إذاً يا أيها السادة ، من منكم سيزيد على السعر التالي ويأخذ لؤلؤة العلم هذه ؟ المزاد يبدأ ب ٥٠ ألف عملة ذهبية “

ما إن صرخ التاجر بهذه الجملة حتى سمعت أصوات الجحيم تتطاير وترميني بلهب حامي ، يشتعل داخلي في كل مرة يزيدون على السعر التالي :

“١٢٠ ألف ، ٥٠٠ ألف ، ٧٦٠ ألف “

أستمع إليهم وأنا بحد ذاتي مصدوم فكيف يكون هذا بالمعقول؟

ترتجف يداي ليس من هول ما أعيش ، بل لسكاكين البرد الضاري ، ولتلك الأغلال التي ليداي صارت سوء الخليل ، بثياب حريرية تلمع ،  وبمجوهرات ملكية من ثقلها تكاد تقع ، اأقف بشموخ وسط الساحة  بعيون ذات حبات ألماسية خضراوية ، وببشرة سمراء شبه حنطاوية ، ألتفت يميناً لأستشعر شعيراتي المظفورة .

على أرض عالية تحيطها أوابد عرف أصحابها بأرواحهم البشرية ، هناك حيث وقف أعظم عالم بمملكة سينيس وبعاصمةٍ عمتها فوضى جهنمية ، مزاد يباع به من علم ملك هذه الأمة .

” ٢٠ مليون قطعة ذهبية “

رفعت عيناي غارقاً ببحر من حيرة نحو ذلك البشري صاحب الكلمة الأخيرة .

حل السكون ، صمت شل الجفون وطمر أحلام ، فلا أحد سيدفع مثل هذا المبلغ فهذا محال ، اغلقت عيناي ببطء لأستوعب هذا الكلام ، هل هو مجنون؟

تقدم ذلك الشخص للأمام وعاد صارخاً بالكلام :

” ٢٠ مليون عملة ذهبية ، هذا ما سأدفعه لمن أتقن علوم الدنيا  “

ابتسم تاجر العبيد بكل حيوية ، اقسم بأن لعابه مسح الأرضية ما إن سمع هذه الجملة ، وكيف لا يفرح وهذه مبلغ يغطي ميزانية دولة ، هرع التاجر بالصراخ عالياً ،  كي لا يعطيه مجالاً للتفكير بالغباء الذي فعله :

” لقد بيع “

خلف الستار حيث تقبع الأسرار وبحر من الأغلال ، لعبيد استوطنوا أرضهم بسلام حتى قطفوا ووزعوا كثمار بسوق {النخاسة}.

جو المكان أشبه بغابة عمت كائناتها بظلمة الأشجار ، صدىً يتردد ويزين الأنحاء بأنين يفرح الفجار ، وبطنين يثقب الأذان للأخيار ، فلا سماء اليوم تضمهم ولا مياه تطمئن جوفهم ، أرفع رأسي شامخاً محدقاً بذلك المختل ، بيد ملأها بمفتاح يحدق بي فرحاً ،  ما إن أكملوا الصفقة حتى سحبني حراسه جانباً ليثبت ملكيته ، كيف يفكر البشر ؟ بالذات على من نصب عينيه على أرواح لا تقدر؟

بتلك العربة الذهبية جلست أطالع إطلالتها الداخلية ، بنقوش من فضة وأحجار كريمة زينت مقاعدها الجانبية ، أنتظر عجلاتها لتأخذني لمصيري ، أخذت نفسات زمهرية من حلكة برودتها الثقيلة ، أحدق من تلك النافذة لأرواح تعبث بالأرض فسادًا ، الأغلال ليداي صارت رفيقة راضية عن حالتي هي بالتأكيد سعيدة .

فجأة أحسست بثقل أنزل أرض العربة ، وبدخول من جعل من ذاته سلطاناً على روحي المثقلة ، بشعره الأشعث ولحيته الكثة طالعني بنظرات متطلعة ، لم أفهمها ، ولكنه سرعان ما نطق بصوته الغليظ شارحاً وهو يهيم بالتقدم نحوي  :

“في البداية دعنا نتخلص من الحاجز الذي يهين سيدنا”

قالها وهو ينتشل المفتاح من حرير جيوبه المترهلة ، فتح لي تلك الحدائد المتيبسة ، ورماها خارج العربة ، ثم هم بالجلوس على المقعد الذي يقابلني ، صفق مرتين لتبدأ حكايتنا وتنطلق العربة .

بكلمات معسولة تشعرك بأنها من كل عار مغسولة تكلمت تلك الكتلة :

” في البداية ، أحب أن أخبرك بأنك ملك لمملكة ليلان منذ اليوم وصاعداً ، أعرف ؛ ستستغرب كيف استطعنا شراءك على الرغم من كون بيعك كان يقتصر فقط على تجار هذه المملكة ، في الحقيقة سنقوم بتهريبك خارج هذا البلد “

بقلب أضناه الذهول ، سألت كي أحكم قبضتي على الفضول الذي بات يتسلل :

” لماذا أخبرتني بهذا ، ألا تخشى هربي؟ أو أن أشي بكم عند أقرب نقطة تفتيش؟”

“لا “
رد سريعاً وكأنه عرف مسبقاً بسؤالي ،ثم مسح لحيته وراح يكمل :

” سيكون من الأفضل أن تحصل على ثقتنا من الآن ، فنحن نحتاجك ، فكما تعرف مملكة ليلان واحدة من أعظم الممالك ، ولكنها لا شيء مقارنةً بمملكتك ، التي انتشلتها من أحلك الظلمات ، لأعالي النجوم “

التساؤلات كثيرة ولكنها عندي ما عادت مهمة فقد فهمت فحوى الكلام واشتقيت من لبنته الزبدة :

“أنتم ترغبون بأن أساعدكم ، وأخرجكم من غياهب الجب وأرفعكم عالياً كما أنقذت مملكتي ؟”

“أجل”

“فهمت “

ليل جميل وأنيق  يشعر من أنسه بوقاره، في هدوء حزين أحاول منع انهياري ، الناس نيام بسلام وأنا أراقب من بعيد ضوء الديار ، تتأرجح بالأفق وكأنها تودع من كان يوماً المعلم المختار ، أقطع البحر بهذا الظلام ، والموج لحزني ينهار .

بإطلالتها البهية ،  وحبات رمال ذهبية ، أبصرت في الأفق ، أرض تقسم الدنيا بأنها طفلتها الضائعة ،  مباني بيضاء ناصعة ، حيوانات صحراوية ضخمة ، رائحتها كمسك الغزلان البرية ،  نزلنا من السفينة ، الظهر وقت لا أنصح به ، فحتى بكوننا بفصل الشتاء هو لا يرحم أي أحد ، ناره ملتهبة تجففك بثانية ، وتشنق بشرتك حتى تحصل على كل المياه الراكدة.

بعد ثلاث أيام قطعناها بالطريق ويومين في البحر وأحد عشر يوماً بركوب سفينة الصحراء وصلنا للعاصمة ، لم أستطع الاطلاع عليها من سرعة دخولنا للقصر ، كان مهيباً عريض الأعمدة مداخله مستديرة ، بساحات منقوشة بزخارف مثلثة، الجنود كستهم حلة من حرير ثلجي اللون محدد بالأزرق .

تكلم “بان”وهو الذي اشتراني شارحاً ، بينما نتوجة للقاعة الملكية :

” اسمع أنت تعرف بالفعل كيف هي العادات ، عليك الانحناء على إحدى ركبتيك وتقديم الاحترام لصاحب الجلالة ، مفهوم ؟”

بابتسامةٍ أردفت مهوناً :

” لا عليك ، هذا عندي “

ما إن عبرنا تلك المداخل الخشبية حتى أبصرنا الملك وهو يجلس على عرشه الفضي يحدق بي من ارتفاع أربع درجات متوسطة الحجم والطول ، وحين قاربت تلك النظرات بعضها انحنى بان وقال :

“سيدي هذا هو المعل….. ما الذي تفعله انحني “

قالها لي بكل خوف ، وكأنني ارتكبت معصية ، بينما أطالع ذو المنكبين العريضين والكرشة المستديرة ، الذي أمامي بكل شفقة ، وبنظرات مستفزة قلت :

“إذا انحنيت سأخشى منه افتراسي “

ابتسم الملك ، وبعينيه الزرقاوتين راح يطالعني بدهشة :

” ألا تعرف من أنا؟ ألم تسمع من قبل بجبروتي؟”

فرددت محاولاً إثارة غضبه :

” من أنت؟ لست سوى أحمق يحسب نفسة ملكاً “

” هاي أنت هل جننت؟”

صرخ بان محاولاً منعي ، وسرعان ما أشار له الملك بالتوقف ، وأكمل برجاحة عقلية سليمة ، رد علي كمن يعامل طفلاً :

” نعم أنا أحمق ، لم أستطع هزم مملكتك بأي شكل من الأشكال ، شعبي بحالة مزرية منذ زمن ، أكسب سلطتي من الاستعمار على البلدان البسيطة ، لذا أنا أرغب منك أن تساعدني ، أريد أن أجعل شعبي مرتاحاً وأكفر عن أخطائي بما تبقى لي من أيام “

لأكون صادقًا لم أتوقع مثل هذا الرد غالباً :

“حسنا ، موافق سأساعدك “

رددت بثقة ، لا تخبروني كيف اقتنعت بكلامه ، ببساطة لم أقتنع ، ولكن جل همي الآن هو الانتقام ، لذا اكملت :

” لكن لدي شرط “

“لا اعرف من أين لك الثقة في إعطاء الشروط وأنت في هذه الحالة ، ولكن هذا لا يهم أنا موافق ما هو شرطك؟”

“أريد منك أن تدمر مملكة سينيس ، أي بلدي ، وبلد الشخص الذي تخلى عني بعد أن جفف علمي وشرب كأس حياتي ، ورماني وكأني حبة ليمون عصر محتواها”

ابتسم الملك ابتسامة خبيثة :

” كنت أعرف بأنك ستقول هذا ، وهذه أحد الأسباب التي جعلتني أصر على الحصول عليك ، ولكن عليك أن تثبت نفسك في البداية “

” موافق ، أعطني ما لديك “

بعد هذا الحوار اصطحبني بان لغرفتي حيث سأقضي أيامي ، كانت أجوائها لطيفة ، حرير غطى سريرها برقة وضوء ينبعث من شموعها وموقدها ، جلست على كرسي انتشلته من مكانه ووضعته أمام تلك النافذة ، هواء من صقيع يصفع خدودي المحمرة ويحلق بشعيراتي المظفورة ، هناك أنتظر ما سيبقيني حياً .

وفي صباح اليوم التالي أخذني بان لأحد القرى المطلة على تلك التلال الرملية والتي تبعد عن بحيرة ملحية أربع كيلومترات أبصرتها في طريق الذهاب ، كانت أحوالها مثيرة للشفقة ، جدرانها متشققة وسقوفها مهدمة لا تأنس روحك صوتاً غير صرير بيبانها المفتوحة ، سكنتها النباتات الشوكية وبعض من السحالي الصحراوية ، نظر إلي بان متشمتاً :

” هنا يا معلم ، يريد منك الملك أن تجعل من هذه المقبرة أرض تنبض بالحياة كسابق عهدها “

ثم أكمل معاتباً :

“لو لم تفرض نفسك ، وقللت من احترامك لما أعطاك مهمة مستحيلة من البداية “

أمسكت ذقني مستشعراً تلك الشعيرات الحادة ، كان يجب أن أحلقها من فترة ، ثم تنهدت ما إن تذكرت بأنني لم أستحم من أسبوع ، أراهن أن رائحتي مقرفة .

نظر إلي بان بحزن بعد أن غلبته شفقته ظناً منه بأني حزين لصعوبة المهمة :

” إذا كان الأمر صعباً ، فعليك فقط إخباري، وسأحاول أن أتوسط للملك ليسهل لك المهمة “.

التفت إليه بسخرية :

” لا الأمر فقط بأنني لم أعتن بنفسي منذ فترة ، أما بالنسبة للأرض فهذه مهمة غبية “

بعد ثلاث أشهر من العمل الجاد وصل الملك وهو محمول على ظهر العبيد ، كنت سأقول بأنه فرعون لولا كرشته التي تقربه لشكل الكهنة ، ما إن وصل إلينا حتى خر واقعاً من هول ما رأى ، أرض ليس لجمالها مأوى مخضوضرة منقوعة بمياه عذبة مسقية ، سكانها يتسامرون وعلى ألحان أغصانها يتراقصون ، نظر إلي الملك بتعجب وقال :

” حين أخبرتني أن أمهلك ثلاث اشهر وستجعلها أجمل من القصر لم تكن تمزح! ولكن كيف بحق الجحيم فعلت كل هذا؟”

أجبت شارحاً لوضع كان من السهل أن يفتعله أي إنسان :

” طلبت من الخزافين أن يصنعو لي أنابيب كثيرة ، ووفرت لهم الصلصال من أعماق تلك التلال الرملية ، فحتى لو بلغ ارتفاعها مئات الأمتار لا بد من وجود الوحل ،  وأعطيت النحاتين بعض القطع الصخرية ، وفي ذات الوقت طلبت من النساجين أن يحيكوا لي من شعيرات الخيول ومن علفها قطعاً مربعة ،  أخذت بواقي رماد الفحم من الحدادين والخبازين ، وطلبت من جنودك أن يحفروا خنادق بعمق المتر والنصف لطول أربعة كيلو مترات .

أعترف.. استغرق الأمر وقتاً ولكن انظر إليهم بُنيت لهم عضلات ستنفع للقتال ، رتبت الأسطوانات الخزفية ، وعند منطقة الربط بين القطعة والأخرى حشوتها برماد الفحم والقطع المنسوجة وبعض من الرمال الدقيقة ، ودفنا الأنابيب التي وصلت حتى أرض منخفضة حفرناها بشكل بحيرة حيث تجمعت الرطوبة ، وحين بدأنا بإطلاق مياه البحر الملحية بالأنابيب ، راحت تتصفى بكل قطعة حتى وصلت لبحيرتنا الاصطناعية ، وانتهى أمر توفير المياه .

أما الجزء الثاني فكان الأصعب ، فبينما الجميع مشغول عثرت على نباتات لها القابلية على الصمود بمثل هذه الحرارة ، كان استيرادها صعباً ولكنه غير بمستحيل ، ومن الفقراء الذين سكنوا العاصمة أخذت منهم من كان محتاجاً ، وجعلتهم مزارعين وبنيت لهم أكواخا بسيطة قبلوا العيش بها “

دهش الملك من ذكائي وحنكتي ، فراح يضحك من عظمة إنجازي ، عكس بان الذي شعر بخيبة بعد أن خسر رهاناً كان بيننا ، بضحكات سعيدة نظر إلي الملك :

” حسناً أنا اعترف بأنك تستحق لقبك بكل جدارة، وقد قررت أن أجعلك مستشاراً “

ثم فكر للحظات ونظر إلي متسائلاً :

” ولكن لم أفهم شيئاً؟”

“وما هو ؟”

أردفت وأنا أعرف عما سيسأل وما قاله تالياً أكد معرفتي :

” ما الذي فعلته بالصخور التي أرسلتها للنحاتين؟ “

بابتسامة شقت فمي ، اجبته وأنا أسير للأمام ، وما إن وصلنا لمنتصف القرية حتى قلت وأنا أشير لتمثال :

” صنعت بها تمثالاً لمنجز هذه المهمة ، أنظروا اليه كم يبدو وسيماً “

كان تلك الصخور المنحوتة بدقة عالية تلمع تحت بريق أشعة تلك الشمس الملتهبة ، ووجهي وطول قامتي المهيبة تحدق للأعلى رافعاً رأسي شامخاً ، رحت أطالع شبيهي الحجري بكل فخر ، ثم طالعت تلك النظرات حولي كاد بان ينفجر غضباً ، بينما الملك رسمت على محياه معالم الانزعاج ولكنه كتمها .

عدنا بعدها للبلاط الملكي ، وما أن هم الملك بالجلوس على عرشه حتى قال :

” استرح هذا الأسبوع ، وسأعطيك مهمة أخرى “

لا أعرف السبب، أو ربما دعونا نقول  بأنني تغابيت وتغاضيت عن الأمر ، التمثال جعل الملك يتراجع عن وعده بتعييني المستشار ، وهذا كان خطأ مني ، ولكنه استحق ، أبدو وسيماً حقاً .

قضيت أسبوعي القادم محبوس داخل جدران تلك الغرفة وحيداً ، طبعاً حتى اليوم الثالث ، لم أبق وحدي فقد زارتني حمامة بيضاء جميلة وقفت على حافة النافذة بورقة بنية صغيرة علقت بتلك السيقان الصغيرة ، وقفت تنتظر مني انتشال تلك الرسالة .

مر أسبوع بالفعل وها أنا أقف أمام الملك وقبل أن ينبت ببنت شفه قلت :

” متى ستحقق لي غايتي ؟ ، أرغب بتدمير سينيس بأسرع وقت “

تنهد الملك بهدوء وقال :

” اقتصاد البلد سيء  ،كيف سأحصل على الأسلحة والمؤن للحرب ؟”

ابتسمت ببطء ، وأنا أتوجه نحو النافذة ، كانت الرمال تحيط أطراف المدينة من كل صوب فقلت :

” الرمال هي ما سترفع اقتصادك “

تفاجأ الملك من ردي ثم أكمل :

” وكيف هذا؟”

” الزجاج ، العنصر الأساسي لصناعة الزجاج هو الرمال ، قم بتحويلها ، أساساً درجة الحرارة العالية في الصيف ستساعدك على استهلاك وقود أقل من الممالك الاخرى ، اما بالنسبة للمؤن فهذا سهل ، هل سمعت من قبل عن الحفر المائية؟”

” لا.. ما هي ؟”

” قرأت ذات مرة في أحد الكتب القديمة عنها ، حيث استعملها الرحالة للحصول على حاجتهم من الماء ، في البداية يقومون بحفر حفر بعمق النصف متر إلى متر في الأرض ، أي حتى يستشعروا رطوبتها ، ثم يقومون بوضع جلد حيوان تم التخلص من شعره وتنظيفه جيداً  ويتم تغطيه الحفرة به ، ثم يضعون حجراً بوسط الجلد حتى ينزل للأسفل وبعدها يقومون بوضع التراب على اطرافه ليثبت وتمنع تنفس الحفرة ، سيتجمع الماء بتلك الحفرة من خلال عملية تبخير وتكثيف الماء من الرطوبة الأرضية ، بذات الوضعية يمكنك استخدامها لزراعة أشجار تتحمل الحر ، وما إن تتوفر الظلال والأغصان سيهيء ذلك وسيلة لتكاثر الحيوانات والنباتات “.

طالعني الملك بدهشة ثم تكلم بعد أن حزم قراراً ذاتياً :

” سأعطيك كامل الصلاحيات واليد العاملة ، طبق كل ما قلته ، وما إن تنجح ، سأعطيك ما تريد “

علي أن أعترف ، كان الكلام أصعب بكثير من التطبيق ، فقد أخذ مني القيام بكل ما قلته سنتان ، مملكة ليلان أصبحت أقوى بكثير من السابق ، اقتصاد بلادها أصبح شبه مستقر ، كما أن لديها اكتفاءا ذاتي  من الأسلحة الآن ، ولكن لها حاجة بسيطة للمؤن ، لم نستطع التغلب على هذه المشكلة بالكامل ، صحيح قلت استعماراتهم لباقي الأراضي ولكنهم لم يستطيعوا الاستغناء عنها بالكامل ، الانتقام اليوم بات يلتهم بشكل غير طبيعي داخلي ، أرغب بالعودة لوطني ، ولكن كمحتل وليس كبطل ، كنت أطالع أحد كتبي كالعادة بعد أن أنهيت مهامي ، فجأة طرقات على ذلك الباب باتت تتسارع لترعب مكنوني ، فصرخت مفزوعاً :

” أدخل “

دخل إلي بان متعجلاً وهو يلهث :

” الملك يريدك “

نهضت من مقعدي بهدوء وأنا أطالعه بعتاب وبنظرات مشمئزة :

“ماذا يريد مني البدين العجوز الآن؟”

بينما أسير في أروقة القصر رحت أطالع تلك البوابة المؤدية لغرفة العرش وما إن هممت بالدخول ، حتى قال بان:

” ليس هنا ، هذه المرة المكان مختلف “

قالها وهو يتابع السير للأمام ، بصراحة صمته أزعجني وزرع في قلبي الشك والريبة هل عرفوا بأمر الحمامة؟
وبعد لحظات وصلنا لأحد الممرات كانت القاعة التي دخلنا إليها مختلفة ، كتب على عتبة بابها ، ( الغرفة العسكرية ) ما أن فتحت تلك الأبواب المحروسة حتى تفاجأت بجنرالات وقادة عسكرين ، نظرت لذلك البدين بريبة وقلت :

” ما هي المشكلة التي افتعلتها هذه المرة ؟”

ابتلع الملك ريقه وقال :

“مملكة سينيس عرفت بأننا حصلنا عليك ، ويرغب ملكها باستعادتك ، وإلا سيعلن الحرب علينا ،  وكما تعرف لم نربح حرباً ضدهم إلا بضع مرات نادرة بسبب عنادنا ودفاعنا المتين “

تنهدت بيأس وأنا أتمنى ألا يقول بأنه سيتم التخلي عني مجدداً فقلت :

“إذاً ما المطلوب مني الآن ؟”

طالع الملك جنرالاته ثم اكمل موجها كلامه نحوي :

“نريدك أن تقود هذه الحرب وتجلب لمملكتنا النصر “

بنظرات شيطانية وابتسامة خبيثة طالعتهم وأنا أفكر كيف سأقطف ثمار هذه السنتين .

بأرض الوهاد غرس فرسي أرجله بتلك الخرزات الذهبية الدقيقة ، ثم راح يصهل بقوة معبراً عن بدء الحرب ، آلآف البراميل وزعت على تلك التلال الرملية التي شكلت سوراً يحيط بأراضي المملكة ، الجنود واقفون خلفها ينتظرون إشارتي ليطلقوها على تلك الحافة من الجنون بأسفل هذه التلال ، بعددهم الضخم الذي يعادل آلالآف يقفون بأسلحتهم الفضية وأحصنتهم المدرعة ، يقودهم في المقدمة فارس بدرع حديدية متينة  قصير الشعر بلون يخالط الأرض التي تعانق أرجل حصانه وبتلك العينين الحمراوتين راح يطالعني بابتسامته الوقحة ، علي أن اعترف لقد اشتقت لهزو ولكن هذا ليس وقت المشاعر ، هذا وقت الانتقام .

قبل ثلاث أسابيع وفي قاعة الحرب ، رحت أطلعهم على خطتي التي حكتها بكل دقة وهدوء :

” أيها الملك ، لديك أرض مملكة تعج بأنواع مختلفة من العقارب السامة والثعابين ، أريدك أن تجمع لي نوعاً محدداً من هذه العقارب ، وهو منتشر بكثرة بأرضك سمها يسبب الشلل ثم الموت ، اجعل أتباعك يجمعونها وليحتفضوا بها ببراميل خشبية ، وبدوري سأصنع الترياق الخاص بسمها ، سنستخدم التلال الرملية التي تحيط بالعاصمة لتكون مركزاً لنا ، سنضع جنودنا عليها ونرمي البراميل عليهم من أن يقتربوا من تلك التلال ، وسأحرص على إعطاء كل جندي ترياقا لهذا السم.

بالنسبة للبحر والأراضي التي ستبدأ منها الحرب فما إن يرسو الجنود حتى يتفاجأوا بعدم تواجد أي مصدر للمياه العذبة ومدن خالية من أي سكان أو جنود ، وما إن يتغلغلوا بالمدينة فانهم سيتفاجأون بخط القنابل المزروعة تحتهم ، والتي ستنفجر ما إن يضغطوا عليها ، سنحدد مواقعا بدقة وبنمط محدد كي يعرفه جنودنا ، وإذا ما تجاوزوا هذا الحد ، سيدخلون الصحراء حيث لا يتواجد شيء ، وسيبحثون بيأس عن المياه لذا  سنقوم بصناعة حفر مائية جاهزة لهم ولكن ستكون مسمومة وفي حالة نادرة بأسوء الاحتمالات ، سنستعمل الخطة الولى ” 

لم ينطق أي من الحاضرين بحرف ، وخاصة بعد تلك الضحكات التي أطلقها الملك وهو يربت على كتفي فرحاً :

” النصر لنا بالتأكيد “

وبعد شهر وصل جنود سينيس لأول مدينة ، وكما هي الخطة وقعوا بفخاخها وتم تفجير المدينة بالكامل ، وصلنا الرسول بالأنباء السارة تمت هزيمة العدو بخسارة فادحة بسبب الدفاعات الوحشية التي تلقاها ، ولكن بعد أسبوعين تفاجأنا بوصول نصف الجيش لأطراف العاصمة ، كيف استطاعوا النجاة ؟ هذا ببساطة لأنهم رموا دمى في الأماكن التي شك بها ملكهم وانفجرت ، فقد قام تلميذي بدهاء بذبح بعض الخيول ونشر أشلائها وبعض من ثياب الجنود على باقي القنابل لتبدو كأجساد الجنود ، وحين وصلوا لمنطقة الصحاري الحارة ، لم يشربوا من الحفر المائية بل اعتمدوا على المياه التي خزنوها بالقرب والفخاريات التي حملتها العربات ، أما عن كيف حصلواوعليها من الأساس فقد قام تلميذي المعروف باسم لورم بتبخير مياه البحر وتكثيفها باستخدام خشب المنازل المهجورة للحصول على المياه .

علي أن أعترف ، لقد علمته بشكل جيد أكثر من اللازم ، وها نحن نقابل بعضنا على تلك التلة والوهاد ، نظرت إليه نظرات أخيرة قبل أن يلتفت الملك إلي ليأمرني بإطلاق البراميل المشبعة بالعقارب السامة ، وقبل أن أرفع يدي ، بين تلك الرمال التي أحاطت جنوده خرجت بضع منجنيقات بشكل سلس من تحتها ، متى صنعها؟ ، لا بالأحرى متى أخفاها؟

راح الجنود بسرعة فائقة يضعون عليها براميل صغيرة جداً ويشعلوها ، وقبل أن أستوعب الأمر لأطلق براميلي كانو قد أطلقوا براميلهم وسهامهم الملتهبة نحونا ، أصابوا جميع براميلي من اول محاولة وكأنهم عرفوا مسبقاً بمكانها ، فانفجرت كل البراميل لتخرج العقارب علينا ، وتبدأ بلدغ جنودي  ولدغي وسرعان ما ارتشفنا الترياق الذي أعددته ، ولكن ما إن شربوه حتى سقطوا أرضاً أمواتاً ، وبعد لحظات بسيطة هجموا علينا وراحوا يقتلون ما تبقى ، هربت برفقة الملك وبان للقصر واختبأت مع بعض الجنود معه بقاعة العرش ونحن نسمع صراخ جنودنا وهم يتلون ألماً والمدينة تلتهب بنيران انتقام تعسفية ، نظر الملك إلي بيأس وقال :

” لماذا لم ينفع الترياق الذي تناوله جنودنا؟”

برجفة وخيبة أمل كبيرة اجتاحتني ، رحت أطالع الأرض بخجل :

“لا أدري ولكني لا استبعد استبداله لها بالسم “

بعد لحظات قال الملك :

” من الجيد بأنني لم أشرب منها، ولكن أتعرف هذه الحرب حدثت بسببك  ، كان يجب علي تسليمك إليهم فقط ، ثم بإشارة من يده أمر ما تبقى له من فرسان أن يقضوا علي ، بخيبة أمل طالع كل منا الآخر وأكمل بلهب يشتعل بعينيه :

” إن خسرت الحرب ، سأجعله يخسر المعركة ، فلن أدعه يربحك مطلقاً “

هجموا علي ، وكأي رد فعل بشرية فطرية اتجاه الخطر ، رحت أصرعهم واحداً تلو الآخر حتى وصل الدور لبان ، وهو ينظر إلي بنظرات حزينة ، دمعت إحدى عينيه وهو يوجه سيفه نحوي ليبدأ بتوجيه ضرباته ،صددتها جميعها بصعوبة ، وأصابني ببعض الإصابات البليغة ولكنني صرعته في النهاية . ثم رحت أراقبه وهو يلفظ آخر أنفاسه وبابتسامة هادئة ودعنا بعضنا ، لم يتحمل الملك هول ما رأى فراح يحاول أن يقضي علي بسيفه ، بذات الوقت راحت أبواب العرش تتدافع بقوة وهي على وشك الاقتحام ، وبعد بضع ضربات فتحت ليتخلخل النور من خلالها ، ببركة كبيرة من الدماء وبستائر لطخت بلون قرمزي ، وبأروقة عانقت اشلاء بشرية.

رحت أطالع الداخل إلى القاعة ، بينما أجلس على ذلك العرش وتحت قدمي الملك ميتاً طالعتهم بنظرات واثقة ، دخل  لورم على القاعة وهو يبتسم ، وما إن اقترب من تلك الدرجات حتى رمى سيفه البالي من كثر التقطيع جانباً وقال بهدوء  :

” دعنا نعود إلى الوطن “

ثم مد يده لي ، ولكني لم أرد أن ينقص ذلك من كرامتي فصفعتها وصرخت :

” لقد تأخرت أيها الوغد ، أخبرتك أن تبدأ الهجوم في الصبح “

” أنا آسف يا معلم ، استغرق مني دفة المجانق بعض الوقت “

تنهدت ببطء :

” هذا يكفي ما المملكة القادمة التي ترغب بأن نحتلها ؟”

جعد لورم وجهه وقال بحزن :

“لماذا نظرت إلي قبل الهجوم بوجه غاضب وكأنني تخليت عنك بالفعل ، كانت هذه خطتك من البداية “

أردفت لأسكت فضوله :

“لكي تخدع أحداً عليك أن تصدق الخدعة “

ثم نزلت من تلك السلالم بهدوء والدماء راحت تهطل على الأرض :

” عليك أن تعترف بأنني بارع بالتمثيل ، بالمناسبة أين الحمامة؟”

“إنسى أمرها، علينا أن نعالج جراحك في البداية “

رد لورم وهو يحتضنني بشوق . علي أن أعترف بقائي لسنتين جعلتني حساساً فرحت أعانقه أيضاً ولكن استحق الأمر المحاولة ، فقد هزمنا مملكة أزعجتنا بدفاعها المتين ، فقد أجبرتنا على التسلل من الداخل قبل أن نحاربها من  الخارج ، آه لقد اشتقت لباقي تلاميذي أيضاً ،  عدنا بعدها كتفا بكتف أنا وتلميذي للوطن.

Krawre

العراق - للمزيد من القصص حسابي على الواتباد Krawre-sama
guest
8 Comments
الاحدث
الاقدم الاكثر تصويتا
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى