الفيلسوف

تأثير دانينغ – كروجر.. لماذا تبلغ الثقة ذروتها عند الجاهل؟!

بقلم : وليد الشهري – المملكة العربية السعودية
للتواصل : [email protected]

يميل أصحاب القدرات المتواضعة إلى المبالغة في تقدير ذواتهم
يميل أصحاب القدرات المتواضعة إلى المبالغة في تقدير ذواتهم

لطالما كانت الثقة المفرطة التي يحظى بها بعض المتعالمين تثير استفزازي، ولا أستطيع في كثير من الأحيان مقاومة ذلك الإغراء المتمثّل في محاورتهم بغرض تعرية جهلهم لا غير، وذلك في حال لم أجد بُدًّا من مواجهتهم، وإلّا فإنّ تكبّد عناء الوصول إلى الحلقة الأخيرة من أي مسلسل تركي ستكون أجدى من مناقشتهم التي لا تنتهي إلى أيّ شيء سوى خسارة بعض الوقت والكثير من الطاقة، ولا ينبغي أن يوحي كلامي هذا بأنّني رجل مغرور يتوهّم استحواذه على مجامع العلم والمعرفة، فعلى الرغم من زعمي بأنّني لست مغرورًا، إلّا أنّني متيقّن تمامًا من جهلي!

أتذكّر مناقشةً جرت قبل مدّة ليست بالطويلة بيني وبين أحد الأشخاص الملتزمين دينيًّا بشأن الحكم الشرعي للمعازف، وفي حين كنت أرجّح الإباحة، فقد طالبته بإيراد ما يدعم إصراره على حرمتها، فأُسقِط في يده ولم يحر جوابًا، فجعلتُ أسرد أدلّة التحريم وأردّ عليها وكأنّي أحدّث نفسي، وانتهى الأمر كما بدأ تمامًا، لا شيء يُذكَر.. أتفهّم أن يكون المتديّن مقلّدًا لعلماء الدين الذي يعتنقه، لكنّ الجدال يتطلّب من العلم والدراية ما يتجاوز مجرّد التقليد.. حسنًا، يبدو أنّ حديثي عن نفسي حتى الآن يتنافى مع الزعم القائل بأنّني لست مغرورًا، لذلك سأنتقل إلى صلب الموضوع!

من المفاهيم المغلوطة التي ظلّت – وما زالت – تحتلّ مكانًا في الذهن الجمعي للناس، أنّ العلاقة بين الثقة بالنفس واكتساب المزيد من المعارف والخبرات هي علاقة طرديّة دائمًا، فكلّما ازداد الإنسان علمًا، ازداد ثقةً بنفسه، والحقيقة أنّ هذا الاعتقاد ليس دقيقًا في أحسن أحواله، فمن خلال دراسة مهمّة أجراها عالما النفس الاجتماعي “ديفيد دانينغ” و “جاستن كروجر”، تبيّن أنّ هناك نوعًا من الانحياز المعرفي يميل أصحابه من ذوي القدرات المتواضعة إلى المبالغة في تقدير ذواتهم وما يتمتّعون به من معارف أو مهارات، نتيجة افتقارهم إلى المعايير التي يستطيعون من خلالها عقد المقارنات وتحديد المستوى الذي ينبغي أن يكونوا عليه، فهم بحسب تصنيف عالم اللغة الشهير “الخليل بن أحمد الفراهيدي” ضمن أولئك الذين لا يدرون ولا يدرون أنّهم لا يدرون، أو هم بمنزلة الأعور الذي يحكم بلد العميان معتقدًا أن لا أحد ينافسه في قدراته البصريّة، وقد يكون الدافع وراء الإفراط في تقدير الذات ما يُعرَف بـ “وهم التفوّق”، وعلى عكس هذه الفئة، فإنّ الدراسة ذاتها أظهرت أن تقدير الذات ينخفض لدى أولئك الذين يمتلكون قدرًا لا بأس به من المعرفة أو المهارة، وعلى أيّة حال يمكننا أن نسمّي ما أسفرت عنه تلك الدراسة “تأثير دانينغ- كروجر”.

blank
مخطط يوضح العلاقة ما بين الخبرة والثقة بالنفس

كان السبب وراء إجراء الدراسة، هو قصّة غريبة من نوعها رصدتها بعض التقارير بخصوص رجل يدعى “مكارثر ويلر”، حيث قرّر ذات يوم القيام بعمليّة سطو على أحد البنوك، إلّا أنّ استعداداته لم تكن على قدر المهمّة المراد إتمامها، فقد غطّى وجهه بعصير الليمون معتقدًا أنّ هذا النوع من العصائر سيفلح في إخفاء هويّته أمام كاميرات المراقبة، ذلك أنّ عصير الليمون كان يُستخدَم كحبر سرّي، فظنّ صاحبنا أنّه قادر على إخفاء أيّ شيء آخر، ولا حاجة للحديث عن مصيره بعد اقتحام البنك!

بعد الاطّلاع على قصّة “ويلر”، شرع “دانينغ” و “كروجر” يعملان على الدراسة المذكورة، حيث خضع المشاركون لبعض الاختبارات، ثم سُئِل كلّ واحد منهم عن تقديره لأدائه في الاختبار بعد إنهائه، فكانت النتيجة – باختصار – كالتالي: معظم المشاركين الذين كان تقديرهم لأدائهم مرتفعًا كانت نتائجهم سيئة، في حين أنّ معظم المشاركين الذين كان تقديرهم لأدائهم منخفضًا كانت نتائجهم جيّدة!

هناك ما يُعرَف بـ “مخطّط تأثير دانينغ – كروجر”، هذا المخطّط يستعرض طبيعة العلاقة بين مستوى الثقة بالنفس ومدى المعارف والخبرات المكتسبة، وتغيّراتها بمرور الزمن، وذلك انطلاقًا من نتائج الدراسة التي سبقت الإشارة إليها، فالثقة بالنفس تكون في أوجها (100%) لدى أولئك الذين تنعدم لديهم المعرفة (0%)، ثم تأخذ الثقة بالنفس في الانحدار مع تزايد المعرفة (العلاقة عكسيّة حتى الآن) حتى تصل إلى أدنى مستوياتها، ثم تعاود الصعود مجدّدًا بالتوازي مع اكتساب المزيد من المعرفة (تصبح العلاقة طرديّة) حتى تصل إلى ما نسبته 70% في أحسن الأحوال، وذلك حين يبلغ المرء مرحلة متقدّمة من المعرفة والخبرة!

blank
الجاهل لا يرى ولا يدرك نقاط ضعفه .. لذا هو يتمتع بثقة عالية

يرجع السبب في كون الجاهل يتمتّع بثقة مفرطة في نفسه على عكس ذلك الذي يمتلك قدرًا من العلم، إلى عدم إدراك الأوّل لنقاط ضعفه، وعدم إدراك الثاني لنقاط قوّته، فالجاهل يظنّ أنّه يستطيع ما لا يستطيعه غيره، في حين يظنّ العالِم أنّ ما يقوم به من السهولة بحيث يستطيع الآخرون القيام به، والحقيقة أنّ كليهما مخطئ!

فمثلًا، قد يكون الجاهل على علم بتعريف الحاسب الآلي وآلية عمل بعض مكوّناته، بالإضافة إلى القدرة على استخدام برنامج تحرير النصوص الشهير “وورد”، وإغلاق النوافذ باستخدام الأزرار (Ctrl + w)، فيظنّ أنّه بهذا قد أصبح أحد المهرة الأفذاذ في التنظير والتطبيق لعلوم الحاسب (المبالغة في تقدير الذات)، والسبب في هذا هو عدم إدراكه للبحر الذي يمثّله ذلك العلم بفروعه وتشعبّاته وضخامته، فلو أدرك ذلك لتيقّن من أنّه مجرّد عابر مثير للشفقة على الشاطئ، ولو أنّه قرّر أن يخوض البحر، لاكتشف ضحالة مخزونه المعرفي بعد أن يتعرّف على نظام العدّ الثنائي والخوارزميّات ولغات البرمجة والشبكات وقواعد البيانات ونظم المعلومات وأمنها والذكاء الاصطناعي إلى غير ذلك، وعندها سوف يعي تمامًا أنّ ما يعرفه هو مجرّد غيض من غيض من غيض من فيض (ينخفض تقدير الذات ويستمر في الانخفاض أثناء التعلّم حتى نقطة معيّنة ثم يعاود الارتفاع كما سبق إيضاحه)، ولو استخدمنا المثال نفسه بطريقة عكسيّة وافترضنا أنّ شخصًا ما على مستوى عالٍ من التمكّن والإلمام بعلوم الحاسب، فربّما اعتقد أنّ جميع أو معظم المهتمّين أو المتخصّصين في علوم الحاسب يشاركونه المستوى نفسه إن لم يتفوّقوا عليه (انخفاض تقدير الذات)، وهذه مجرّد أمثلة افتراضية لتقريب الصورة إلى الأذهان.

على غرار “وهم التفوّق”، فإنّ هناك ما يدعى “متلازمة المحتال”، فإذا كان “وهم التفوّق” يوحي لصاحبه الجاهل بأنّه داهية عصره وأعجوبة زمانه، فإنّ “متلازمة المحتال” تشير إلى حالة نفسيّة يعتقد صاحبها بعدم تفوّقه، على الرغم من كونه على درجة عالية من الكفاءة، ولعلّي أفرد لهذه المتلازمة مقالة مستقلّة فيما بعد.

من الجدير بالذكر، أنّ هناك استثناءات فيما يتعلّق بمستويات الثقة لدى كلّ من الجاهل والعالم، فهناك من أصحاب العلم من تتملّكهم النرجسيّة إلى درجة مقزّزة، كما أنّ هناك من أصحاب الجهل من يدرك حقيقة أمره وربما كان متصالحًا مع نفسه تجاه هذا الأمر، وإذا استثنينا التفاضل في الكم المعرفي، فإنّ أهم ما يميّز العالِم عن الجاهل، هو أنّ الأوّل يدرك بمرور الوقت المساحات الشاسعة لجهله على عكس الثاني!

في الختام..

يخبرنا أبو الطيّب المتنبّي بأنّه قد سبق “دانينغ” و “كروجر” في التوصّل إلى النتائج نفسها من خلال تجاربه الشخصيّة، وقد وثّق خلاصة ما توصّل إليه في أحد أبياته حين قال:
ذو العقل يشقى في النعيمِ بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ

دمتم بخير.

كلمات مفتاحية :

– كتاب: المخ الأبله /  دين بِرنت
Dunning–Kruger effect

تاريخ النشر : 2021-09-13

وليد الشهري

السعودية

مقالات ذات صلة

29 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى