تجارب ومواقف غريبة

تحدي الرعب

بقلم : أبو عدي – اليمن

مواقف رعب مضحكة عندما تكتشف أنك لست شجاعاً
مواقف رعب مضحكة عندما تكتشف أنك لست شجاعاً

ظهروا حالاً أمامي فأنا لا أخافكم ، أروني قوتكم ، هيا فليظهر أحدكم بسرعة إن كنتم شجعانا”.

لطالما كنت و أنا مراهقٌ أصرخُ بهذه الكلمات عندما أكون في حالة من الغضب الشديد أو الجنون -الشديد أيضاً- وأنا وحيدٌ في غرفتي أو أي مكان آخر، و كنت أقصدُ بها الجن طبعاً ، لا أعرف حقاً لماذا كنتُ أفعل ذلك ، فأنا على يقين بأنه مهما بَلَغَت طاقة جنوني وغضبي تلك فإنها ستتبخرُ بسرعة الضوء في حالة ما استفزيتُ أحدهم بصراخي ذلك ، و قرر أن يُسمعني صوته ، فضلاً على أن يظهر أمامي ، و الحقيقةُ بأني طوال فترة المراهقة والصِبا أقحمتُ نفسي في كثيرٍ من التحدياتِ التي على هذه الشاكلة والتي لم أكن أهلاً لها إطلاقاً ، رغم أنه لم يحدثُ خلالها شيء خارقٌ ولم يظهر فيها جنٌ، ولا إنسٌ أحياناً.

فإذاً عزيزي القارئ الكابوسي سأُخبِركُ ببعض تلك المواقف والتحديات ، و ما واجهت فيها من صعوبات ، فهيا بنا.
 
المَدفِن :

لا أيها القارئ العزيز، فأنا لا أقصدُ – كما فَهِمتَ على ما يبدو – بعنوان هذا الفصل مدافن الموتى، وإنما أعني مدفن الحبوب الموجود داخل بيتنا في القرية، كما هو حال أغلب البيوت القديمة في اليمن والتي يوجد في كل منها مخزن للحبوب يسمى مدفناً ، و يختلفُ تصميمه من بيتٍ لآخر، كان مدفن بيتنا عبارة عن غرفة مظلمةٍ جداً تقع أسفله ، يتم النزول إليه عبر دَرَجٍ حجري ضيق ينتهي ببابٍ صغيرٍ ذو ارتفاع منخفض جداً ، يدخلهُ الشخصُ منحنياً بصعوبة ، و في أحد الأيام بعد أن انتهيتُ من اللعب و عند عودتي إلى المنزل بعد المغرب فجأةً قَفَزَت إلى عقلي فكرة غريبة كعادة أغلب أفكاري في تلك الفترة ،

و هي أن أختبر شجاعتي بالنزول إلى المدفن – و الذي كان مهجوراً و لم نعد نستخدمه – في هذا الظلام و أتحدى الجن الموجودين فيه كما كانوا يقولون ، تحمست لتلك الفكرة على الفور و لم أدرِ بنفسي إلا وأنا داخل المدفن ، بعد أن أغلقتُ بابه إمعاناً في التحدي ، شعرت بالرهبة قليلاً بسبب الظلام الدامس والشديد فأنا حرفياً لم أعد أرى شيئاً خصوصاً بعد إغلاق الباب ، لكنني تمالكت و بدأت حفلة الجنون والصراخ “أين أنتم أيها الجبناء ؟ “.

“ها أنا ذا لوحدي أنتظر ظهور أي سخيف منكم لكي أمزقه بيدي وأسناني”.

وبعد أن انتهت نوبة الغباء تلك و لم يجبني أو يظهر أمامي أي شيء شعرت بالنشوة والسعادة وكأنني الإسكندر الأكبر حين انتصر على الملك قورش، وقررتُ الخروج من المدفن ، و لكن أين ذهب هذا الباب اللعين؟.

لقدُ ذرعتُ المدفن و جدرانه شبراً شبراً و أنا أبحث عن الباب دون أن أجده ، بدأ القلق والخوف يتسلل إلى داخلي سريعاً ، و بدأت أشك بأن الجن قرروا الانتقام مني فعلاً و قاموا بإخفاء الباب ارتَعَدَت فرائصي لهذا التفكير الأخير ، و تخيلت الجن وهم فوقي ينظرون لي بخبث منتظرين لحظة الانقضاض علي.
 
و لكن الحقيقة غير ذلك بالتأكيد ، كل ما في الأمر هو أنني بسبب الظلام الشديد وارتباكي أيضاً نسيتُ أن باب المدفن منخفض الارتفاع ، ُ فكنتُ حين أمشي وأتحسس بيدي على الجدران بحثاً عن الباب، أمررُ يدي من فوق عتبة الباب تماماً ، دون أن أعلم بذلك ، وظللتُ على هذه الحال حتى انهارت قواي البدنية والنفسية وبدأت أشعرُ برعبٍ حقيقي ، حاولتُ استخدام طريقتي المفضلة آنذاك للتخلص من أي ورطة أو حماقة أرتكبها، وهي الإغماء ، فلقد كانت عندي قاعدة تقول : عندما تقع في بلوة ما ، فعليك بالنوم أو الإغماء، وعندما تستيقظ ستجد كل شيء قد صار على ما يرام.

ولكن هذه المرة لم تنجح معي تلك الطريقة ، فلم يبقى لدي حلٌ آخر سوى الصراخ ، فصحت بكل ما أملك من قوة حتى سمعني من في البيت كلهم وهرعوا إلى المدفن وعلى رأسهم أبي الذي بعد أن سألني عما حدث واطمأن بأنه لم يصبني مكروه، قام بكل حنان وعطف وصفعني صفعة حتى دُرتُ حول نفسي ، ثم ذهبت بعدها للنوم بكل سلام.
 
التطبيق :

سأذكر بسرعة هذا الموقف الذي حصل معي حديثاً ، قبل أن أقص عليك حكايتي مع السعلاه.
ذاتَ يوم دلني أحد أصدقائي على تطبيق يحتوي على مجموعة من قصص الرعب القوية جداً، وتحداني أن أقرأه لوحدي ليلاً في الظلام ، سخرت من تحديه هذا طبعاً ، و في المساء قمت بتحميل ذلك التطبيق و بدأت بقراءته ، كانت القصص مرعبة فعلاً ، فلم يسبق لي قراءة قصص مثلها، و كان في هاتفي المحمول أيضاً تطبيقٌ إسلامي من إحدى خصائصه أن يقوم كل فترة بإصدار صوت بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة : صلِّ على محمد.

وبينما أنا مندمجٌ مع احدى تلك القصص بكل حواسي ، فجأة صاح الهاتف : صلِّ على محمد، فطار قلبي من الفزع  و رميت الهاتف من يدي و صرختُ بصوت مرتفع ، وبعد أن هدأتُ واصلت قراءة القصص، وفي كل مرة يتكرر الأمر ذاته، ولكن ليس كما في المرة الأولى.
 
السعلاة :

كما أخبرتك سابقاً بأن فترة المراهقة بالنسبة لي، كانت مليئة بالجنون والطيش والتحديات التي كنتُ أفرضها على نفسي ، و منها هذا الموقف الذي سأذكره الأن و الذي أعتبره من أشد المواقف رعباً في حياتي.

في تلك الأيام كانت بداياتي الأولى مع “القات”، والذي كان يؤثر عليَّ بشكل قوي جداً ، ففي إحدى الليالي وبخني والدي توبيخاً شديداً بعد أن رآني وقد أفرطتُ في كمية القات الذي تناولته ( نسمي هذا الفعل تخزين أو تخزينه).

في تلك اللحظة كان القاتُ مؤثراً على حالتي إلى أقصى درجة يمكن تخيلها ، فقد غضبتُ من والدي وقررتُ ترك البيت حالاً ، حاول ابن عمي إيقافي بعد أن خرجتُ من البيت وسألني : إلى أين ستذهب في هذا الظلام؟.

أنا : سأذهب إلى (رماضة) وأكمل باقي الليلة داخل المحرس (غرفة صغيرة للحراسة ) حتى الصباح.
ابن عمي: هل جننت ؟ كيف تذهب إلى تلك المنطقة البعيدة والموحشة ليلاً ؟ ألا تخاف من السعلاه؟.

أنا : كف عن هذه الخزعبلات والتخاريف ، هل تصدق بوجودها ؟ إذا لم لا تظهر لأبي أو واحد من أعمامي عندما يذهبون إلى هناك لحراسة القات؟.
ابن عمي: إنها لا تظهر إلا للصغار لكي تختطفهم.

أنا: ما هذا الذكاء الذي تمتلكه ؟ أغرب عن وجهي الأن فلن يمنعني إبليس اللعين نفسه من ذهابي.
ابن عمي: انتظر لحظة حتى أجلب لك مصباحاً.
أنا: لا أريده ، السماء صافية الليلة و ضوء القمر قوي كما ترى.
 
مشيتُ بعد ذلك مسرعاً إلى تلك المنطقة  و أنا لا أبالي بشيء ، و لم يكن ذلك شجاعةً مني و إنما كان بسبب تأثير القات الشديد عليّ ، و ما إن وصلت إلى المحرس و دخلته و جلست فيه متكئاً حتى بدأتُ استوعب ما الذي قمت به.

أنا الأن في منطقة بعيدة توحش من يراها نهاراً فكيف بها ليلاً ، و تذكرتُ كلام ابن عمي عن السعلاة فتلاشى ما كان متبقياً من رباطة جأشي ، و بينما أنا جالس كذلك كنتُ أسمع خليطاً من أصوات خطوات وحفيف و تكسر أغصان ، فقمت وأنا أرتجف من الخوف و أتعرق من كل شعرة، بفتح باب المحرس وأمسكتُ هراوة غليظة وجلست متأهباً لهجوم السعلاة التي لم تغب عن تفكيري لحظة واحده بعد سماعي تلك الأصوات ، في تلك الأثناء كان هناك حوار يدور داخل بيتنا بين أبي وجدتي.

جدتي: كيف تتركُ الولد يذهب إلى (رماضة) في هذا الليل؟.
أبي: ومن قال لكِ ذلك يا أمي؟.
جدتي: ابن أخيك حميد.
أبي بلا مبالاة: لا تقلقي عليه يا أمي ، فذلك الشقي لن يصيبه شيء.

ولكن جدتي لم تستمع لكلام أبي ، وخرجت على الفور دون أن يعلم أحد لترجعني إلى البيت، وكانت رحمها الله امرأة قوية ، شديدة البأس ، تساوي عشرة رجال ، لا تخاف من شيء أبداً إلا الله.

والان ركز معي قليلاً أيها القارئ الكابوسي الرائع ، أنا لوحدي في المحرس مقابل الباب المفتوح، وقد أخذ القات مني مأخذاً و لعب بعقلي ، و كل تفكيري منصبٌ على حماية نفسي من السعلاة إذا ما هاجمتني ، و جدتي في طريقها إليّ ، ولكنها – رحمها الله – كانت جلفة في أسلوبها ، فمن المفترض أن تناديني قبل أن تصل إليّ حتى اطمأن قليلاً ، و لكنها لم تفعل كذلك أبداً ، و ظلت تمشي ساكتةً حتى أطلت برأسها من باب المحراس وقذفت بهذه الكلمات قذفاً: ها لقد أتيت لك أيها الشقي.

لم أشُكَّ أبداً و لو بنسبة واحد بالمئة بأن هذه المرأة الواقفة أمامي ليست السعلاة ، فانخلع قلبي رعباً وخرج الصراخ متقطعاً مني من شدة الفزع ، ثم رميتها بالهرواة وانطلقت هارباً أعدو من جِربةٍ (حقل) إلى أخرى وأنا أصرخ : السعلااه ، انقذوني السعلااااه.

وجدتي تجري ورائي و كلما التفت وأراها أزيد من سرعتي وصراخي حتى شُلتّ رجلاي عن الحركة خوفاً ، وتكورت على نفسي وأنا أصرخ بقوةٍ مستنجداً ، حتى وصلت جدتي أخيراً و رفعتني بقوة كما لو أنني دجاجة.

جدتي: أيها الأحمق الأبله ، ما كل هذا الجنون ؟ كل هذا بسبب القات اللعين ، هيا قم بإخراجه في الحال.

هدأتُ قليلاً بعد أن أخرجتُ القات من فمي و مشيت مع جدتي إلى البيت و هي تدعو طوال الطريق و تتوعدني بالويل والثبور إن تناولت القات مرة أخرى.
 
في الختام أعزائي الكابوسيون أتمنى أن تكونوا قد استمتعتم بهذه المواقف التي ذكرتها ، و دعواتكم لجدتي بالرحمة والمغفرة ، فهي كانت من أكثر الناس حباً ، وأشدهم قلباً، و أوجعهم ضرباً .

تحياتي لكم.

تاريخ النشر : 2021-05-28

مقالات ذات صلة

59 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى