منوعات

تشونتفاري وصياده العجوز

بقلم : امرأة من هذا الزمان – سوريا

من هو تشونتفاري وماهي قصة لوحته الشهيرة؟
من هو تشونتفاري وماهي قصة لوحته الشهيرة؟

هل وقفت يوما عزيزي الكابوسي أمام لوحة معلقة على جدار ؛ وبدأت في تكوين نقدك الفني الخاص حول ماهيتها وفكرتها ثم تسائلت في قرارة نفسك يا ترى بماذا كان يفكر من رسمها وما هي غايته من رسمها؟!
ولو هيأت لك الاقدار يوما أن تلتقي بالفنان الذي نسج خيوطها لرأيت أن في هذه اللوحة المكونة من نسيج او أوراق و ألوان متنوعة وخطوط متموجة : قصة حياة كاملة.. مشاعر متضاربة.. أفراح وأحزان دموع وضحكات علاقات وخيبات…
والأهم انك قد تجد فيها رسائل مخفية وغامضة لم تفكر يوما بوجودها في قطعة فنية جامدة وربما مهملة يملؤها الغبار… وقد تجد عزيزي الكابوسي آلاف التحف الفنية التي تملأ طياتها أسرار غامضة ورسائل مبهمة اكتشفت بعد عقود من رسمها مثل لوحة الايدي الملعونة والطفل الباكي والأم الميتة اللواتي تسببن بحوادث ماورائية كثيرة لكل من تمعن بالنظر إليهن ، ولوحات دافنشي الغنية عن التعريف وما تخبئها من ألغاز وصلت لحد إطلاق لفظة (الشفرة) عليها…
ولكن اليوم سنختص بالحديث حول لوحة استثنائية كان لها رونقها الفني المميز وخاصة أنها رسمت بيدي فنان غير اعتيادي وبقيت خيوطها متشابكة ومبهمة لما يقارب القرن حتى تم اكتشاف العبقرية التي نفذت بها و بالصدفة.. إنها لوحة (الصياد العجوز) لـ المجنون “تشونتفاري”….

فمن هو تشونتفاري وماهي قصة لوحته الشهيرة؟…

blank
تيفادار كوستكا تشونتفاري

في البداية كان لابد أن نعرف اللوحة الفنية وهي محاكاة معنوية بالرسم لشيئ مادي وحقيقي من وجهة نظر الرسام أو تفريغ لما يدور في خياله و وصفا لمشاعره وحالاته الفكرية والعاطفية ..

ومن أهم فناني العصر الحديث الرسام المجري تيفادار كوستكا تشونتفاري : ولد في الخامس من تموز سنة ١٨٥٣ في مقاطعة نوجرد – بودابست..

في بداياته كان يعمل صيدليا ولم يكن له اي علاقة بالعمل الفني إلى أن جائته رؤيا روحية مبهمة وهو في الـ ٢٧ من عمره حيث سمع هاجسا يهمس له : (ستصبح أعظم رسام.. أعظم من رفاييل)..

دفعته هذه الرؤيا للسفر إلى أوروبا وزيارة متاحف الفاتيكان ليضع بعدها خطة لجولته التي ستكون حجر الأساس في إلهامه و رؤيته الفنية وكالعادة يقف المال في وجه الطموح فيعود للعمل كصيدلي لجمع تكاليف الرحلة…

وفي عام ١٨٩٠ بدأ برحلته حول العالم ليزور شمال افريقيا ومصر و سوريا ولبنان (حيث رسم لوحته شجرة الأرز الوحيدة والتي تعد رمزه في الفن) وفلسطين وباريس و إيطاليا واليونان وكان يقضي جل رحلاته في الرسم…

blank
لوحة شجرة الارز الوحيدة من رحلته الى لبنان

أقام عدة معارض في باريس وأوروبا الغربية حيث اعترف جميع نقاد الغرب بعبقرية فذة و موهبة استثنائية وقدرة على إنشاء تحفة فنية يقف العالم بذهول أمامها رغم عدم اتقانه للمهارة الفنية … جميع نقاد الغرب ماعدا أهل بلده الذين اعتبروه (وهو حي) مجنونا ومريضا نفسيا ولا يستحق كل هذه الشهرة وذلك بسبب اسلوب حياته “الغريب”حيث كان نباتيا ولا يشرب الخمور و يدين التدخين و سلوكه يتسم بالزهد والهدوء؛ فهو صامت منعزل معظم الوقت وعندما يتواصل يتحدث بنغمة نبوية وخطاب أقرب للوعظ ، تميزه فلسفته الدينية اليقينية بالإضافة لكتاباته الغامضة وكراريسه التي تركها خلفه ..

كان لهذا الرفض من مواطنيه الذين أعتبروه فنانا فشلا أثر كبيرا في مسيرته الفنية وأسقطه في بؤرة الإضطراب النفسي والإنفصام اللذين تركا بصمة واضحة في لوحاته…

من أهم كتبه:
– الطاقة والفن – أخطاء الإنسان المتحضر
– العبقري – من يستطيع ومن لا يستطيع أن يكون عبقريا

اعتبر تشونتفاري نفسه من رسامي (طريق الشمس) وهو مصطلح اخترعه بنفسه لوصف الرسامين الذين لا يخضع اسلوبهم لأي اتجاه أو مدرسة فنية.

توفي في ٢٠ حزيران ١٩١٩ في مدينته.

بعد موته أنشأوا له معرضا خاصا في بيج وأضاف اشهر فناني العالم احجارا إلى رفاته مثل بيكاسو وغيره ليصبح مدفنه صرحا يزوره المبدعون من جميع انحاء العالم…

blank
لوحة الصياد العجوز

رسم تشونتفاري مايزيد عن ١٠٠ لوحة ولكن أهمها وأكثرها إثارة للجدل كانت لوحة “الصياد العجوز” عام 1902 .
اللوحة تصور صيادا عجوزا ذو وجه مجعد حفرت السنين ونوائبها آثارها عليه فجلده مليئ بالقشور وكأن عواصف الحياة تركته جافا متيبسا … لباسه عادي تقليدي لا مميز فيه إلا قبعته التي قد يظن البعض انها قبعة فنان.. يداه تدلان على توتره… إنه متعب من أعبائه الثقيلة.. التجارب جعلته هادئا رصينا رغم الأعاصير التي تبدو واضحة في عينيه .. ورائه منظر طبيعي متكامل للشاطئ الذي يحصل على قوته منه .. بحر هادئ في بقعة وهائج في بقعة أخرى وساحل تتوزع عليه المنازل التي تعج بأهلها بدلالة الدخان المتصاعد منها وجبال شاهقة متناثرة في خلفية اللوحة ..

للوهلة الأولى يرى المتفرج انه امام بورتريه عادي يصور صورة لضحية أخرى من ضحايا هذا العالم البائس ولكن عندما يتعمق ويطيل النظر فيها سيصيبه شيء من التساؤل والتوتر و الخوف .. شيء من الإعجاب والإنجذاب لمعرفة السر ، والبعض قد يشعر بعدم الراحة والرغبة بالإبتعاد عنها (شهادات واقعية)…

لكن وبعد قرن كامل وبالصدفة وعلى يد عامل في المتحف تم اكتشاف سر هذه اللوحة… حيث انك لو وضعت مرآة في منتصف اللوحة سيظهر لك وجهان مختلفان تماما …
واعتمادا على الجهة التي ستوجه المرآة لها ستكون اللوحة مفهومة اكثر… فعلى الوجه الأول صورة لرجل سموح الوجه لطيف الهيئة بعينين تشعان نورا ومن خلفه المشهد هادئ … البحر مستقر… الإضاءة جميلة مطمئنة تثير شعورا بالإرتياح وكأن هذا الرجل ملاك في جنته إنه الخير والحب والبياض…

اما الوجه الثاني فهو على العكس تماما… رجل خبيث متجهم مليء بالشر عيناه تمتلئان حقدا …. البحر ورائه هائج ينذر باقتراب العاصفة يثير في النفس شيئا من الخوف والهلع ورغبة بالإبتعاد.. وكأنه شيطان في جحيمه إنه الشر والكره والسواد …

blank
الانصاف المتعاكسة للوحة تعطيك وجهين مختلفين تماما لنفس الرجل

أعاد هذا الإكتشاف الخبراء إلى دراسة وتحليل اللوحة وخاصة من الناحية النفسية… فيا ترى ما الهدف من هذا الاسلوب الغامض في اللوحة… لماذا لم يرسم كل فكرة على حدة في لوحة منفصلة…

– هل أراد ان يصور الثنائيات المتضادة في عالمنا كأنها وجهان لعملة واحدة لا انفصال بينها… ليل ونهار .. عتم ونور … خير وشر … نظام وفوضى … خلق وعماء … صخب وهدوء … جنة ونار … جمال وقبح.

– أم أراد ان يرينا حقيقة ذواتنا وحيواتنا جميعا… فدنيانا مد وجزر ، هدوء وعواصف وحياتنا راحة وصعوبات و وجوهنا جميلة قبيحة وعقولنا خيرة شريرة وقلوبنا وعواطفنا متقلبة متبدلة…. وكأن صيادنا هذا هو كل شخص فينا.. وكأن قريته ببيوتها المليئة حيوية وجبالها الميتة وشاطئها وبحرها الهادئ العاصف هي الحياة من حولنا بسموها وانحطاطها…

– أو أن اللوحة كانت فقط تعبيرا عن حالته النفسية… وتمثيلا لمرضه اللعين… فهو تارة تشونتفاري الفنان المحب لكل ما هو جميل ، المتسامح مع الآخرين وخيباتهم تجاهه والذي تعطيه الحياة السلام الذي يحتاجه ليكمل فيها ويستمر بإبداعاته… وتارة أخرى هو تشونتفاري الشرير الكاره الحاقد على كل من خذلوه ولم يقدروا فنه وابداعه والذي أعطته الحياة ظهرها وألمت به عواصفها المدمرة لتوقفه وترهقه وتثنيه عن شغفه….
وكأن لسان حاله يقول… هذا أنا .. فني وجهي مرضي تناقضاتي جمالي وقبحي …لا شيء غريب وغامض ومخيف… إنه فقط تشونتفاري وإنها فقط شخصياته…

وفي النهاية عزيزي الكابوسي… حدثنا عن رايك بالفن ومن هو فنانك المفضل أو لوحتك المفضلة؟؟

كلمات مفتاحية :

– Tivadar Csontváry Kosztka
– The Secret Of The Old Fisherman painting

تاريخ النشر : 2021-06-21

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

81 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
81
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك