مذابح و مجازر

جريمة المغارة

بقلم : نور الهدى الاخضرية – الجزائر

جريمة مروعة بحق الابرياء
جريمة مروعة بحق الابرياء

خلال الحرب العالمية الثانية صدم العالم ببشاعة الجرائم التي قامت بها النازية واعتبرتها عارا على الانسانية خاصة المحرقة اليهودية وغرف الغاز وحتى اليوم مازالت الدول الكبرى كفرنسا وبريطانيا وامريكا وروسيا وغيرها تندد بهذه الجرائم وتوثقها وتكرم الناجين منها وتجرم كل من ينفي حدوث هذه الجرائم ، لكن الغوص في الاحداث التارخية لهذه الدول التي تتغنى بالحريات و الديموقراطية والانسانية وترفض كل اشكال العنف و التمييز يرى أن تاريخها غير نظيف بل اسود تماما فبعض الجرائم التي قامت بها هذه الدول سواء في شعوبها أو في شعوب أخرى إحتلتها كانت أكثر عنفا وهمجية من الجرائم النازية بل قد سبقت النازية بسنوات في بعض طرق التعذيب والقتل والابادة ، واليوم ستقرؤون في هاذا المقال عن جريمة مروعة سبقت فيها فرنسا المانيا النازية بسنوات طويلة في طريقة الإبادة الجماعية وطبعا فرنسا تنكر هذه الجريمة وتقلل من همجيتها لكن التاريخ لا ينسى شيئا ويكشف كل شيء مهما طال الزمن.

blank
فرنسا احتلت الجزائر عام 1830

بعد دخول فرنسا الى الجزائر عام 1830 وبداية توغلها في الاراضي الجزائرية واستعمالها كل الطرق الممكنة لإخضاع السكان بدأت المقاومة الشعبية منذ أول يوم للاحتلال بقيادة زعماء القبائل والعشائر ، ولأن فرنسا لم تتوقع هذه المقاومة فقد استعملت كل الطرق الممكنة من قتل وتعذيب لكن هذا لم ينجح في ايقاف الثورات التي بدأت تتوسع أكثر فاكثر وتشمل كل الولايات وهنا قررت فرنسا استعمال سياسة الارض المحروقة وهي سياسة تعتمد على قتل وتهجير سكان القرى واحراق بيوتهم ومحاصيلهم وحيواناتهم أيضا ، كل هذا من أجل أن يدب الخوف في نفوس السكان ويتوقفوا عن مساندة الثوار وحمايتهم لكن الشعب البسيط تمسك أكثر بهذه الثورات وزعمائها.

وفي جبال منطقة الظهرة شمال شرق ولاية مستغانم بالغرب الجزائري كان السكان البسطاء في القرى يقدمون الطعام واللباس للثوار كغيرهم من السكان وكانوا يناصرون الثائر الكبير بومعزة الذي شكل جيشا وبدأ في مقاومة الاستعمار وكبد فرنسا خسائر كبيرة ، وهذا ما جعل فرنسا تفكر في الانتقام من الاهالي الذين دعموه ، فأمر الجنرال بيجو الكولونيل بيليسي بالقضاء على الاهالي ووقف تعاونهم مع الثوار، وصل خبر الحملة التي يقودها بيليسي الى سكان القبائل المنتشرة في جبال الظهرة فخطط الجميع للهرب مع بعض ممتلكاتهم الى مناطق أخرى أو الاختباء في الجبال ، إحدى القبائل لجأت الى مغارة كبيرة في أحد الجبال قرب وادي يسمى وادي الفراشيش ، لكن الكولونيل بليسي تمكن من تعقب القبيلة وعرف مكان اختباء سكانها.

blank
لجأ الاهالي للمغارة للاحتماء

وفي 18من شهر جوان 1845 قام الجيش الفرنسي بمحاصرة المغارة وطلب من السكان الاستسلام لكنه قوبل برفض السكان الاستسلام فحاول الجنود اقتحام المغارة لكنهم واجهوا مقاومة كبيرة من الاهالي وأمام عجز الجنود الفرنسيين لجأ الكولونيل الى خطة جهنمية لم يسبقه فيها أحد حيث أمر جنوده بجمع الحطب والتبن واشعال النيران في كل منافذ المغارة وذلك في يوم 19جوان، استمرت النيران بالاشتعال ليوم كامل والسكان بداخلها رجالا ونساءا وأطفالا وحتى حيواناتهم أيضا ، كان صراخ الاهالي وهم يحترقون مرعبا وصياح الحيوانات مخيفا ورائحة غريبة منتشرة في الجو بفعل الحريق وقد صرح أحد الجنود الفرنسيين الذين شاركوا في الجريمة قائلا : (بقيت النيران مشتعلة طول الليل كنا نسمع صرخات الرجال والنساء والحيوانات وكذا صوت تصدع وتكسر الصخور المتفحمة التي كانت تسقط بفعل الحرارة ).

في صبيحة اليوم التالي أي يوم 20 جوان 1845 خمدت النيران وبعد دخول الجنود الى المغارة كانت مناظر السكان المحترقين مرعبة شاهدوا جثث متفحمة لأطفال صغار داخل ثياب أمهاتهم ، وجثة رجل يمسك بقرن ثور كان هائجا بفعل النار في محاولة من الرجل لمساعدة عائلته، وكومة من الجثث المحترقة ملتصقة معا ، جثث حيوانات ملتصقة بالبشر وغيرها من الصور التي تقشعر لها الابدان لاكثر من 1200 جثة.

blank
الكولونيل بيليسي امر باحراق المغارة بمن فيها

بعد عدة أسابيع وصل خبر الجريمة الى فرنسا وبعض الدول الاوروبية فاستنكر بعض الفرنسيين الجريمة ضد السكان البسطاء العزل وتم إيفاد لجنة من المحققين والبرلمانيين الى المنطقة لكن اللجنة لم تفعل شيئا بل قالت عكس ما شاهدت أي أن السكان كانوا يشكلون خطرا وكان يجب القضاء عليهم خاصة وأنهم رفضوا الاستسلام وانتهت القضية وكأنها لم تحدث أصلا وواصلت فرنسا همجيتها العمياء.

في عام 1 نوفمبر 1954 قام الشعب الجزائري بثورة كبرى بقيادة جيش التحرير الوطني وبدأ عملياته ضد للجيش الفرنسي الذي واصل سياساته وجرائمه في حق الشعب الاعزل وفي عام 1959 تمكن الجيش الفرنسي من معرفة مكان سري للثوار المجاهدين وهو عبارة عن مغارة كبيرة تقع في ولاية تيسمسيلت وبالضبط في منطقة تسمى العياشين ، كانت المغارة مكان لاستراحة المجاهدين ومكان يلجأ اليه السكان أثناء القصف الفرنسي للقرى ، كما كانت أيضا مكانا لخياطة الملابس العسكرية ، ولمعرفة مكان المغارة جيدا قام الجيش الفرنسي بعملية تمشيط بالطائرات للمنطقة فهرب السكان الى المغارة وبهذا عرف الفرنسيون مكان المغارة جيدا وقاموا بحصارها ومنعوا الاكل والشرب عن المختبئين فيها من سكان ومجاهدين لمدة أربعة أيام وفي اليوم الرابع قام الجيش الفرنسي بضخ مواد كميائية سامة قاتلة داخل المغارة لإجبار من بداخلها على الخروج ، اختنق ومات أكثر من 80 مجاهدا وكذا بعض السكان ممن كانوا معهم ، أما الذين خرجوا فقد تم تحويلهم لمركز التعذيب وأعدم الباقي بالرصاص في بلدة وادي الفضة القريبة.

blank
صورة المغارة حيث وقعت المحرقة

انتهت الحرب بين الجزائر وفرنسا بهزيمة مذلة لفرنسا ومن حالفها لكن الجرائم التي قامت بها فرنسا وادعت انها كانت مضطرة للقيام بها أو انها خرجت عن السيطرة او انها لم تتأكد من وقوعها او لم تعترف بها .. كل هذه للجرائم لم ولن ينساها التاريخ ففي كل سنة يكتشف باحثو التاريخ عن مجازر رهيبة اركبت في صمت في حق السكان فتظهر وثائق من الارشيف الفرنسي تكشف هذه الجرائم او يستيقظ ضمير بعض للجنود المشاركين في هذه الجرائم ندما في ظل صمت مطبق لفرنسا يبدو انه سيدوم الى الابد.

ما رأيك عزيزي القارئ في هذه الجرائم البشعة وهل سبق وسمعت بجرائم مثلها؟

كلمات مفتاحية

– محرقة أولاد رياح

تاريخ النشر : 2021-04-21

مقالات ذات صلة

63 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى