أدب الرعب والعام

حروف وأرقام

كان يا مكان في حاضر الزمان، وفي عالم الأوراق والكتيّبات، حروفٌ تتراقص على أنغام النصوص، تبني كلماتها وجُمَلها، وتُديرُ واقعها بِحكمة بالغة وبخضوعٍ للقواعد النحوية..

من الألف إلى الياء إلى علامات التنوين تتناغم وتتركب منتمية لِعالَمِها.

فها هو القِطار اجتمع حرف القاف والطاء وانضم إليهما الألف والراء ليبنوه ويسيروا فيه في موازاةِ الشوارع التي تشكلت من حروفها.

عالمٌ كاملٌ تسكنه الحروف بِطُمَأنينة بالغة، تبني البنيان والعمارات، المركبات، السّاحات، الملاعب وكل ما يمكن تمثيله بِحُروفٍ منطوقة.

لكن هذا العالم، -والذي ما هو إلّا انعكاس لجهودٍ بشرية عملاقة كان هدفها إيجاد طُرق للتعبير والتواصل- لم يكن يقتصر على بضعة عناصر، ذلك أن الأرقام أيضاً كان لها نصيب من هذه الاعتبارات.

ولم تكن مهاجمة بيئة الحروف معهودة من طرف الرموز الرقمية، بَيْدَ أن الحروب كان لا مفر منها، فَكَما يعلم الجميع؛ الأرقام لا نهاية لها.. مِمّا يُشكّل دافعاً دائماً للغزو ونهب المساحات.

“واطامّتاه واطامّتاه”!

صرخ حرف الواو بِصَوْتٍ نهض النّيام من شِدَّةِ عُلُوّهِ، ثم أكمل وهو يَفِرُّ هارباً:

“تغزونا الوحوش! تغزونا الوحوش! أفيقوا وأنقذونا يا قوم!”

ما هذا بِما تمتهنه الحروف، فَهي لم تعتد سِوى التلاصق لتبني كَيانها المجتمعي، وما امتهنت التعرف على الغرباء أيضاً، بل لَم تر الغرباء طوال فترة وجودها، فهي كِتابات منغلقة على نفسها في كل حال. وقد يكون هذا هو سَبَبُ مناداة الواو لتلك الأرقام بالوحوش على الرغم من احتمال كونهم رموزاً ودودة.

ما مَضت سُوَيعاتٍ قليلةٍ حتّى تَجمهرت جميع الحروف (أو هذا ما ظَنّوه) واحتشدت كَجَمْعٍ غفيرٍ على قِلّة عددها في ساحةِ الكِتاب.

تقدَّمَ الواو واعتلى منصّة القيادة، وما أن اعتلاها حتّى حَملق فيها ونَهَر حروف ال م. ن. ص. ة.:

” ماذا تفعلون هنا؟! انضمّوا للحاضرين كَي أخاطبكم! إننا في أشد حالاتنا طوارئاً!”

حروف ال م.ن.ص.ة (مجتمعة في صوت واحد):

“ولكنّ المنصة..”

الواو: دَعوا عنكم ذلك فإنّي لا أحتاجها. بِسرعة، انطلقوا حتّى أنتهي من الخِطاب!

(تنضم حروف ال م.ن.ص.ة. للحاضرين فَتختفي المنصة، وقبل أن يَخطب القائد في العوام بِدونها يلتفت خلفه).

الواو: عجبي عجبي! ما لكم تقفون هناك دون حراك؟ أجئتم سائحينَ أم غازين؟

(يُدرك) لا رَيْبَ أنهم لا يسمعونني.

م.ك.ب.ر جيئوا إِلَي.

(تأتي إليه الحروف التي ناداها، تتركب بعضها مع بعض فتصيرُ مُكبِّرَ صوت يستعمله الواو لِيُكَرِّرَ السؤال.)

رَدَّ أحد الأرقام وهو يجول بِعَينيه الكِتابَ كُلَّهُ:

“لا سائحين ولا مُحتلّين، بل مُستكشفين”

نحن يا سيّدي سلسلة لا متناهية من أنفسنا، فلم يعد يسعنا أي مكان كُنّا فيهِ قَطْ، ذلك أن المكان محدود على عكسنا..

الواو (مقاطعاً):

“وجئتم لِتُعاينوا المكان؟”

أحد الأرقام:

“هذا حق”

الواو: إذاً فلتعودوا أدراجكم، فهذا المكان لا يتأقلم فيه غُيرنا نحن.

أحد الأرقام: حَسبناهُ خالياً مهجوراً، لكن على أساس أنه مأهول، فنشتري منه إن شئت البيع.

الواو: شِراء وبيع؟

أحد الأرقام: نعم! شِراء وبيع، أفي ذلك استغراب؟

الواو: لا أعرف ما يعنيه البيع والشراء أصلاً.

أحد الأرقام: يا للصدمة! مجتمعٌ بهذا الازدهار لا يعرف التجارة؟ (في نفسه: يبدو أن هذه الكائنات الغبية تفتقر للعديد من المعرفة! إن استغلال جهلها بالعلوم سيكون من مصلحتنا!)

التجارة يا عزيزي هي شيئان، بيع وشراء، تُعطيني شيئاً وأرد لك عطاءك بالمقابل شيئاً آخر بِذات القيمة.

الواو: لا يبدو ذلك أمراً شديد التعقيد، ولكني أرفض بأي حالٍ من الحوالِ تسليمكَ أرضنا.

أحد الأرقام: غالب الظن أننا لن ننال أي نتيجة مُرضية!

الواو: وهو كذلك. غادروا.

التفت الرقم لنظيره وأمره بالمغادرة واستكمال الرحلة الاستكشافية مع جميع القادمين، وألقى نظرة “أخيرة” على ما كان يريد سرقته.

هكذا يكون الاستقرار! هكذا يكون الاستقرار! هتفت جميع الحروف وهي ترفع قائدها على الأكتاف.

لكن أحد المعارضين خرج من المصفوفة وأدان القائد قائلاً:

“كان يجب أن نؤمّن الكتاب بالجدار! قلت لكم مليار مرة أنه من الجدير إحاطة الكتاب بِجدار! الآن عرفت تلك الأرقام مسكنا وستهجم علينا بتعدادها الهائل!”

رد عليه حرف الكاف: ليس بالمقدور بناء جدار، ذلك أن حرف الجيم خرج في مسيرة منذ زمن بعيد ولم يعد.

إقرأ أيضا: فلتغفري لي

فجأة، صَرَّح الضاد بِحكمة:

“كان بالإمكان أفضل مما كان، كان بالإمكان تطوير الكتاب بإضافة تلك الأرقام، وكانت لتكون خطوة جميلة في سبيل نشر قيمة التعددية والعيش المشترك، فضلاً عن رِبح مساهمين جدد يساهمون في إثراء وطننا بطرق جديدة ما تخطر على البال!”

ساد الهمز واللمز بين الحضور:

“فكرة مرفوعة بالنُّبل!.. علامة رفعها المحبّة.. أنا أتّفق.. جميل!.. لِم لا؟.. كان ذلك ليكون رائعاً!”

رَدَّ عليه الثاء:

“أنت حقّاً حرفٌ مجرور وعلامة جرّك الجهل! المشكلة تكمن في التكيُّف، هذه البيئة مخصصة للحروف لا الأرقام. بالإضافة إلى ذلك، نحن كائنات منتجة، أما هي فَمُجرد قيم عددية ستستهلك منتوجنا دون مقابل”

يعود الهمز واللمز من جديد:

“هذا صحيح!.. نعم، التأقلم.. كيف لم يخطر ذلك على بالنا؟

في هذه الأثناء..

في طريق الأعداد الثابت، لامَ أحدها القائد:

لِماذا تراجعنا؟ كان بالمقدور سحق تلك الحروف عديمة القيمة وتدمير مكانها ذاك ومن بعد ذلك احتلاله! لم تكن سوى 28 بينما نحن 280000 وأكثر!

توقف القائد وتبسّم وقال مُربّتاً على رأسه:

” الفكرة ليست في العدوانية ولا التهور، ولا داعي للمخاطرة حتّى لو كان عدوّنا ضعيفاً. زِد على ذلك أنه من الممكن إنجاز نجاحٍ عسكري بحركة واحدة، وتعود نتائجها بالاقتصاد والوفرة في العتاد. هل فهمتَ الآن؟”

أشار له بِأن نعم وتساءَلَ عن تلك الخطوة ليأتيه الجواب:

” هذه الحروف لا تعي التجارة، أي أنها لا تعي البضاعة، أي أنها لا تعي بِضاعة السُّم!”

ذُهِلَ الرّقم ووقف مصعوقاً من صدمته، فالتّسميمُ قد يكون أكثر الأغراض خطورةً التي سمع بها من قبل.. ثم أردف بعد التفاجُؤ:

“ولكنك دحضت العدوانية والتهور!”

قاطعه القائد ضاحكاً قائلاً:

” لكن ليست العدوانية الحكيمة ولا التهور الحذر!”

امتدحه الرقم:

“يا لك من قائد مثير للإعجاب! إستغليتَ جهل تلك الأشياء واقترحت حلّاً سيبيدهم بلا خسائر! لكن بأي صفة سنعطيهم السُّم؟ هدية؟

القائد: نعم، هدية.

الرقم: هدية على ماذا؟

القائد: تعبيراً على الامتنان والكرم.

الرقم: امتناناً على ماذا؟

القائد (بِنفاذ صبر): على لا شيء! هكذا بدون سبب! اخرس وأكمل المسير!

الرقم(كالنادم): كما شئت، أعتذر.

أكملت الأعداد طريقها.

من اللامكان، نزل على الأرض حرف الجيم الغائب من سِنين، وكان قد سمع ما سمع من تلك المحادثة الخبيثة. أُجرِيَت هذه المحادثة في منطقة معزولة اجتماعياً لكن غنية بالجماد، إحدى هذه الجمادات كانت مركبة “جرّار” كان حرف الجيم قد كَوَّن من المعدن أشباهًا لحروف الراء والألف وتقدّمهما ليشكل الجرار الذي كان خلف الأرقام طوال تلك الفترة.

فَطِنَ حرف الجيم أن الأرقام أتت من مكان كِتابه، فَما كان منه إلّا أن هَرْوَلَ إليه مشتاقاً مُحذّراً.

فورَ وصوله للكتاب، استقبلته الحروف بحفاوةٍ بالغة وشوقٍ مكبوت.

جلس وفي غرائب وعجائب رحلته تكلّم وأخبر، وعن مشاعره عَبَّر، وعن محادثة سمعها أبلغ، وعن حلٍّ ليس بالغريب على نظائره اقترح.

“هذا الحل هو بناء ذلك الجِدار الحامي، والذي باتَ بنائه أيسر من اليسير”

صرخت إحدى الحروف مذعورة:

“سُم يقتل! إلينا يوجَّه؟! هَلُمّوا ببناء الجدار!”

الزعيم (بِفخرٍ وكبرياء):

” سمعتم يا حاشِيتي! ابنوا الجدار!”

ركضت حروف الدال والألف والراء وبقي الجيم ساكناً مُطرِقاً.

جميع الحروف(بِصوتٍ واحد):

“ما بك؟ علامَ الإطراق؟”

رد حرف الجيم:

“حق الحقيقة أني… الواقع أن الحماية، وعلى الرغم من أهميتها، غيرَ أنَّ الوقاية وعدم الحاجة إليها ينبغي أن تكون الأولوية”

عمَّ الاستغراب في وجوه الحروف من ألفها إلى ياءِها وتناقلت محلّلة بِصوتها الخافت ما التقطت مسامعها.

قامَ القائم من مجلسه وطلب المزيد من التوضيح، وكان له ذلك:

“سمعت من أحد البشر -أُخبركم من هم البشر لاحقاً- أن درهم وِقاية خيرٌ من قِنطارِ علاج.

أي أن وِقاية النفس مهمة، بل أهم من وسيلة الحماية نفسها دون التقليل من شأنِها.. وَعَلَيْه، فإن عدم انخداعنا وسعينا الدائم للعلم كي لا نقع فريسة الجهل فيفترسنا المفترسون أمران شديدا الأهمية، بل إنه في هذه الحالة تكادان تكونان من “مميّزات واحتياجات الحياة” للخلية -سأخبركم عن الخلية لاحقاً-

ما أصبو إلى إيصالِهِ هو أننا بحاجة ماسّة إلى دراسة السُّم والعلوم والتاريخ وغيره الكثير كي نُقَوّي كَياننا، فهل بعد بناء الجِدارِ ننوي بناء مُستقبلنا؟”

هَلَّلت جميع الحروف بِفَرَحٍ وحماسة، وقالت مجتمعة في صوتٍ عالٍ مملوءٍ بالهِمّة:

“نبني جداراً نبني مستقبلاً! نَعْمَلُ ونتعلّمُ!”

وَوَعَد الزعيمُ الجيمَ بِمنصِبٍ سُلْطَوِيٍّ مرموقٍ قبل أن يَبنوا الجِدار الذي أوقفَ الغُزاةَ للأبد.

guest
5 Comments
الاحدث
الاقدم الاكثر تصويتا
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى