مكتبة كابوس

خرائط التيه

بقلم : سارة الغامدي – جدة_السعودية

أعيد قرأتها في بداية موسم الحج كل سنة
أعيد قرأتها في بداية موسم الحج كل سنة

رواية خرائط التيه
الكاتبة بثينة العيسى
عدد الصفحات 410
عدد الفصول 14 فصل
متوفر بنسخة Pdf و كتاب صوتي.

★★★★★

رواية نبتت جذورها في داخل رأسي، لم تغادرني تفاصيلها أبداً، ابدعت كاتبتها في سرد الأحداث حتى أصبحت كأني جزء منها و أحد أبطالها، رواية تعود أحداثها و أبطالها إلى عقلي حين أرى المسجد الحرام في التلفاز.

أعيد قرأتها في بداية موسم الحج كل سنة، لا أمل من قرأتها على الرغم من أن قرأتها مئات المرات، لكن أشعر بأني أقرأها لأول مرة.

★★★★★

blank
غلاف الرواية ..

حين تفتح الكتاب سوف تجد بيت شعري:
“تاهت على صورة الأشياء صورته
حتى إذ كملت تاهت على التيه”
أبو تمام

ثم بعده تجد هذا التنويه من الكتابة:

”هذه الرواية هي من وحي الخيال، و أي تشابه أو تطابق بينها و بين الواقع فهو من قبيل سوء الحظ، ليس لكاتبتها و حسب،بل للعالم كله„

★★★★★

و قبل ان تدخل في صلب الأحداث المؤلمة السوداوية التي لن تخرج من عقلك أبداً، تقرأ هذا التنويه :

”قبل تلك اللحظة كان كل شيء على مايرام“

حيث تحكي الرواية عن الزوجين فيصل و سمية اللذان غادرا بلدهما الكويت إلى مكة المكرمة ، تحديداً إلى المسجد الحرام لأداء فريضة الحج مع طفلهما الوحيد مشاري ابن السبع سنوات الذي لا يعرف عن الحج سوى الزحام و الإحرام الأبيض.

خلال طواف القدوم انفكت يد الصغير من يد والدته قسراً ليبتلعه الزحام و يتوه خارج حلقة الطواف، و يتم اختطافه على يد امرأة إفريقية تعمل لصالح عصابة تتاجر بالأطفال سود البشرة، حيث لم تراعي حرمة المكان و الزمان.

لتنقلب رحلة الحج و البحث عن المغفرة و الثواب من الله إلى البحث عن مشاري في أرض غريبة بين ثلاث مئة الف حاج، كأنك تبحث عن إبرة وسط كومة قش، حيث ضاع فيصل و سمية بعد ضياع ابنهما الوحيد و شهدا جميع أنواع الرعب و خسرا كل شئ.

تشعبت رحلة البحث عن الصغير إلى البحث عن الإله، علاقتنا ببعضنا البعض و معنى الوجود، حيث أنكر فيصل وجود الله بعد أن ضاع وحيده، فيما آمنت سمية بأن الله هو من سوف يعيد لها ولدها، والعم سعود تاه بين الأبوين المكلومين.

رحلة تأرجحت بين اليأس و الأمل، كلما تمسكوا بخيط يقودهم إلى مشاري قادهم إلى تيه آخر، إلى شئ قذر و خطير و هو تجارة البشر و بيع الأعضاء.

رواية بين سطورها تجد الألم و المعاناة و تحمل في طياتها ألم فقدان الابن، رواية أوضحت لنا عالم التوحش البشري و أن الأطفال الافارقة المهمشين هم ضحايا المافيا البشرية. حيث يتعرضون على يد خاطفيهم إلى العنف الجسدي و النفسي والإغتصاب والتسبب لهم بإعاقات و اطفاء نور أعينهم ثم بيع أعضائهم في حدود سيناء حيث لا أحد يهتم إن اختفى طفل أسود البشرة، فهو من البشر الذين تم نسيانهم، لا يملك أهله مالاً لفديته، لا يقدرون على تبليغ الشرطة لأنهم مهاجرين غير شرعيين لا هوية لهم أبداً.

وقد قارنت الكاتبة بين مشاري و مريم حيث اشترك الاثنان في مرحلة الطفولة، إلا أن الفرق بينهما هو لون البشرة و مكانتهم في المجتمع.

فيصل و زوجته يملكان المليون دولار لفدية ابنهما الذي قامت الدنيا على اختفائه، لكن محمد أكبر الهندي و زوجته لا يملكان المليون دولار لفدية ابنتهما التي لم يهتم أي أحد لإختفائها.

رحلة بحث بدأت في مكة و امتدت إلى عسير و سيناء ثم انتهت في جازان،تحكي لنا الكاتبة عن  معاناة الطفل مشاري مع العصابة و عن مصيره بعد أن هرب من أيديهم و وقع في أيدي العامل نظام شجاع الدين الذي يعمل في مزرعة سيده في جازان الذي توفي منذ زمن بعيد.

حيث عانى الصغير بين أيدي نظام العذاب النفسي و الجسدي والإغتصاب و التجويع، حيث أراد أن يحتفظ بمشاري لنفسه بعد أن زال الصمت الذي كان يحيط به قبل أن يأخذ الطفل إلى غرفته الصغيرة.

لكن حين رأى أن مشاري يتأرجح بين الموت و الحياة قرر أن يتخلص منه بعدة طرق كالذبح، رميه في كهف لكن لم تنجح أي طريقه .. عندها قرر في الأخير أن يلفه عارياً في بطانية و يضعه أمام أحد البيوت، ثم هرب و نجا من عقابه.

عاد الطفل مشاري إلى عائلته لكن لم يعد كل شئ إلى ماكان عليه، الأب فيصل اصيب بالباركسون و أصبح يعيش في سماء مصمتة خالية من الألوهية، أما الأم سمية اصبحت تذكر الله في كل وقت و تخبرهم بأن ما حدث معهم هو رسالة من الله، أما سعود فكل ما فكر فيما حدث معهم فإنه يشعر بالتيه أكثر.

أما الطفل مشاري حين عاد لم يعد ذلك الطفل المرح و الضحوك، بل اصبح كأنه شخص قد عاد من موته و قد كبر حين تاه، لم يخبر أحد عما مر به من أهوال لكن أفعاله تحكي الكثير.

يخاف من النوم وحيداً و من الظلام، من الوطوايط في فلم باتمان، عندما رأى عامل البناء الأفغاني تبول على نفسه، تزعج الكوابيس نومه يرفس و يهذي بكلمات غير عربية، نطق بأول كلمة بعد ثمانية أشهر.

★★★★★

رواية من أجمل الروايات التي قرأتها، جعلتني أفكر كم طفل تم اختطافه في عالمنا؟! كم أم يحترق فؤادها على فلذة كبدها؟! كم أب يبكي على نور عينه؟!

كم شخص بلا إنسانية يعيش بيننا، يحب ترويع الآمنين و انتزاع الأطفال من أمهاتهم؟! كم طفل مهمش يعيش في عالمنا؟! يقاسي و يعاني ألم الجوع، الخوف، اليُتم، البرد و المرض و لا أحد يهتم له.

هناك أطفال عادو بعد يومين من اختطفاهم، هناك من عاد بعد شهور و من عاد بعد سنوات و آخرين لا يزال مصيرهم و مكانهم مجهول إلى اليوم.

★★ ★★

blank
الكاتبة الكويتية بثينة العيسى

اقتباسات رائعة من الرواية:

”إنك تدور حول النقطة ذاتها، بالأمس كنت تسمي دورانك طوافًا فماذا تسميه اليوم؟ عذابًا“

”أموالك لا تحدث أي فرق، و أنهار النفط تحت قدميك، و زي مهندس البترول الذي جاء به شقيقك، لا يحدث أي فرق. أهلًا بك في جحيم العدالة، في المكان الوحيد الذي يساوي بين البشر؛ في عالم الجريمة“.

”وعرفتْ أن المرء إذا تفتّت، سيتفتّت معه ألمه، و إذا تكتّل، سيتكتل ألمه“

”ولكن أتدري أين المشكلة؟ المشكلة أن الأمان كله كاذب، الأمان كذبة“

”من يستطيع أن يرسم خرائط التيه هذه؟ أن تأتي إلى المكان الصحيح في الوقت الخطأ، ما معنى ذلك؟“

”قيمة قطع الغيار البشرية تتجاوز قيمة الإنسان الحيّ، وإذا كنا نتحدث عن أطفال، فهذا يعني أموالًا أكثر، لأن أعضاء الأطفال أكثر نُدرة“

”أتساءل أحيانًا عن معنى ما حدث. هل ثمة معنى لما حدث؟“

”أدرك لحظتها بأنه لم يخرج من الكابوس، بأن الكابوس…دخل فيه“

”الزمن ليس حليفك، بل هو العدو“

★★ ★★

في الختام أرجوا كل من قرأ الرواية أن يذكر رأيه فيها؟!

مصادر :

تحميل رواية خرائط التيه (مكتبة النور)

تاريخ النشر : 2021-02-03

سارة الغامدي

السعودية

مقالات ذات صلة

20 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى