منوعات

خفايا باريس: يوم أكل الفرنسيون أجدادهم!

بقلم : حسين العبيد علي – السودان

باريس مدينة النور عرفت حقبا مظلمة طويلة
باريس مدينة النور عرفت حقبا مظلمة طويلة

باريس .. مدينة النور .. لا يكاد ان يذكر اسمها حتى تستهويك وتسلب ذهنك ويتملكك خيالك؛ فتجد نفسك على ضفاف نهر السين متمايلاً جيئتاً وذهاباً على انغام آديث جيوفانا غاسيون وانت تعبر شارع الشانزليزيه. ثم يخطفك برج إيفل بأضوائه، وتأسرك لوحات متحف اللوفر الرائعة ، اما قوس النصر يسافر بك بعيداً لأمجاد كانت..
بإختصار كلنا نعلم حاضر فرنسا وما تعيشه من رفاهية ورقي. لكن انا اليوم بصدد ان اسافر بك عزيزي القارئ الى ماضيها ، أي الى القرون الوسطى ، لنعلم ماضيها المظلم الذي ترك جروحاً غائرة على وجدان الباريسيين البؤساء..

باريس آنذاك كانت بمثابة مكب ضخم للنفايات ولم يكن اهلها يعرفون المراحيض .. مهلاً ماذا؟ لا يعرفون المراحيض؟!! ..

نعم وللأسف كانوا يقضون حاجاتهم ويلقون فضلاتهم في الشوارع حيث تصول وتجول الخنازير والكلاب وحتى القوارض والجرذان بين المنازل؛ حيث شهدت باريس خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين اختفاء تام للحمامات العمومية، بحيث كانوا يستحمون بمعدل مرة واحدة كل عام لأسباب كانت مقنعة بالنسبة لهم.

لكن الاكثر شهرة من ذلك ويقودك للتسائل هي المجاعات. حيث شهدت وفي نفس الفترة الزمنية عشرات المجاعات التي تركت آثارها جراحاً لاتندمل في ارواح من عايشوها.. وإليكم اهمها :

مـجـاعـة عام 1709م

blank
لوحة تاريخية لشتاء عام 1709 .. من شدة الصقيع والبرد تجمد النهر بالكامل واصبح الناس يتزحلقون فوق مياهه

وهي الأشهر حيث عانت فرنسا من موجة صقيع مفاجئة أدت لإنهيار درجات الحرارة في غضون ساعات؛ فتجمد كل شيء ولم يعد بمقدور الفرنسيين حفر القبور لدفن موتاهم فتركوا جثثهم في العراء. وانقطعت الإمدادات عن العاصمة باريس بسبب الطرقات المقطوعة وقضاء الجليد على الزرع والمحاصيل فأرتفعت اسعار الحبوب بشكل جنوني وتضاعف ثمن الخبز عشرات مرات. فإندلعت أعمال شغب ونهب في حين استشرت المجاعة لدرجة دفعت البؤساء الى اكل العشب وجذور الشجر.
ويقدر عدد الذين قضوا في ذلك العام والذي يليه بنحو 600 ألف شخص وهو عدد كبير عندما نعلم ان عدد كل سكان فرنسا لم يكن يتجاوز 20 مليون انسان.

مـجـاعـة عـام 1870م

blank
الجيش البروسي هزم الفرنسيين في معركة سيدان ثم تقدم وحاصر باريس

عام آخر ومجاعة اخرى تعرضت لها فرنسا بسبب حصار الجيش البروسي لباريس. لكن شتان ما بين هذا وذاك؛ صحيح ان مجاعة عام 1709م كانت الاشهر اما هذه فكانت الاقسى والأمرّ. ابت هذه المجاعة إلاّ ان تخطف الاضواء وتجعل لنفسها نجمة مميزة عن سابقتها سالفة الذكر. ولترى كم كانت قاسية عزيزي القارئ لم يضطر اهالي باريس الى اكل العشب هذه المرة .. لا .. بل استهلكوا لحوم الخيول والحمير والجرذان وحيوانات أخرى لم يتخيل أحد يوماً ان تكون غذاء لأهالي مدينة النور.

وقد كتب الكيميائي الفرنسي لويس باستور الذي عاصر تلك النكبة قائلا: (كانت المجاعة التي نجمت عن الحصار قاسية الى درجة دفعت الباريسيين الجياع الى تناول لحم القطط والكلاب)..

فأدى الحصار الى تدهور الاوضاع وارتفاع الاسعار؛ فلما اختفى لحم البقر والغنم اتجه الناس لشراء لحم الخيل .

blank
لوحة لعملية قتل فيل في حديقة حيوان باريس اثناء الحصار من اجل التهام لحمه

وروى الطبيب الامريكي روبرت لوري سيبت الذي كان في باريس في تلك الحقبة عن ذلك فقال:(توقفت المدينة عن بيع لحم الاغنام والماشية وفتحت ابوابها امام لحوم الخيل.).

وعندما شحت لحوم الخيول بسبب ارسالها لجبهات القتال، تذوق الناس طعم لحم الحمير التي ما لبثت ان تم منع ذبحها. فتوجه الناس لشراء لحوم القطط والكلاب وحتى الجرذان .

اما الطبقة العليا فتوجهت الى لحوم الجمال والكناغر والفيلة والدببة التي ضحت بها حديقة الحيوانات في باريس… عجباً حتى الجوع لم يستطع ان يعالج مسألة الطبقية في ذلك الزمان؟؟. شيئ عجيب بحق.

blank
اسفل باريس هناك مدينة كاملة من الانفاق المليئة بعظام وجماجم الموتى

وفي الفترة الاخيرة من الحصار اضطرت الحكومة الفرنسية الى طحن عظام بشرية كانت مكدسة في سراديب باريس الاثرية وخلطها بالطحين لصناعة الخبز. مما يعني ان الفرنسيين أكلو اجدادهم، او بالاحرى رفات اجدادهم بدون علمهم …

مهلاً هل هذا يجعلهم من آكلي لحوم البشر؟!

لك عزيزي القارئ ان تتخيل مقدار البؤس والانهيار النفسي والجسدي وتساقط الاطفال جراء سوء التغذية ومن بعدهم ذويهم بسبب المعاناة والجوع .. شيء لا يوصف ولا يوجز.

خـتامـاً ..

لاتنحصر المجاعات بزمن او مكان معينين فكل الازمنة والاماكن معرضة لحدوث هذه الكارثة الانسانية التي تتعدد اسبابها من حروب وكوارث طبيعية وفقر وانفجار سكاني.. وكما قيل الجوع لا ضمير له …والسلام

هوامش موقع كابوس :

الدقة العلمية تحتم علينا الذكر بأن سكان باريس فعلا اكلوا خبزا مصنوعا من طحين عظام الموتى في حصار باريس عام 1590 اثناء ما يعرف بحروب فرنسا الدينية (بين طائفتي الكاثوليك والبروتستانت) لكننا لم نجد مصدرا يؤكد قيامهم بذلك اثناء حصار باريس عام 1870 مع التأكيد على صحة معظم ما ورد في المقال من حدوث مجاعة خانقة.

مصادر :

Winter Is Coming: Europe’s Deep Freeze of 1709
In 1590, Starving Parisians Ground Human Bones Into Bread
Siege of Paris (1870–71) – Wikipedia
انفاق الموت في باريس .. ماذا تعرف عنها

تاريخ النشر : 2020-05-26

مقالات ذات صلة

34 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى