أدب الرعب والعام

دوي الهمس – قصة قصيرة

بقلم : راشد الوصيفي – قطر
للتواصل : [email protected]

نهشوا لحم الميتِ القادم وتركوه عظاماً متفرقةً نخرةً
نهشوا لحم الميتِ القادم وتركوه عظاماً متفرقةً نخرةً

 
لقد غَشينا الموتُ زمناً طويلاً ، ألا تُسقطُ السماءُ بماءِ الحياةِ بَعْدُ ؟ قالَ الأموات لبعضهم ليلاً في مقابر القرية .
وما إن انتهوا مِن مقولتهم إذ تُغدق السماءُ بالأمطار على قبورِهم ؛ فتشققتْ وخرجوا كما ولدتهم أمهاتُهم ، رؤوسهم بيضاء ، أجسادُهم داكنةٌ واهنةٌ ، لا ينظرون إلى عوراتهم ، فالظلامُ حالكٌ وما هم فيه أكبرُ ، أصواتُهم تقربهم مِن بعضهُم البَعض ، يتصافحون ويتساءلون .
ليس بينهم غنيٌ وفقيرٌ، ولا قويٌ وضعيفٌ، و لا تُوجدُ لهم مناصبٌ وألقابٌ، لهُم أعمالٌ فقط ، أجسادُهم رُكبتْ على عِظامٍ منذُ لحظاتٍ كانتْ متفرقةً باليةً نخرةً .
 
إذا تحدثَ مُتحدثٌ سُمِعَ لَهُ ، وإذا حَزِنَ حَزينٌ فالكلُ يحزنُ لَهُ ، وإذا فَرِحَ سعيدٌ فرحوا وسعدوا له ، قانونُهم واحدٌ ، وكلامُهُم صِدقٌ ، وما هم فيه لا تدليسَ فيهِ ولا مُراوغة ، إنَّهَا الحقيقةُ الواضحة .
 
فجأةً .. يسمعونَ أصواتاً غريبةً آتيةً عليهم ، وقناديلَ مُشتعلةً بضوءٍ خافتٍ ، وصندوقٌاً مستطيلاً يألفونَهُ جَيداً، يُحملُ على الأكتاف ، وها هم يدخلون أرضَ المِيعادِ ؛ فتدثروا في قبورهم خَوفاً من أضواءِ القناديلِ الباهتةِ ، وتُفتضحُ أخبارُهُم وتٌنتهكُ أسرارُهُم، ويُكتشفُ زيفُهم و خداعُهم الذي كانوا عليه .
 
ألقي ما في الصندوقِ تحتَ الأرضِ ، وقفلَ مَن جاءوا بهِ إلى بيوتهم ومخادعهم ؛ فخرجوا وافترشوا الرِّمَالَ ، بحلقوا في بعضهم، هيئتُهُم غَريبةٌ، مَحاجرُ عُيونِهم فارغة وخاوية ، أسنانُهم مَصفوفةٌ ومدببةٌ ، عظامُ صدورِهم تُعدُ ، أصابعهم عُقلٌ ، عُقلٌ ، تساءلوا تراشقوا تكابروا .
قال واحدٌ : كنتُ قاضياً ، وقال آخرُ : كنتُ عُمدةً ، وقال آخرُ : كُنتُ شيخاً ، وقال آخرُ : كُنتُ شحاذاً ، وقال آخر : كُنتُ طبالاً .. وأختي كانت راقصةً .. وأمي جاءتْ بي سفاحاً ، فهل لي بمقامكم مجلسٌ ؟ وقال آخر : كُنتُ كذَّاباً ولا يعرفُونَنِي إلا بالصِّدقِ ، كنتُ أسرقهم ليلاً و أواسيهم نهاراً .

وجاء من شقَّ الجمع الغفير، وقال : أما أنا لا أكذبكم ، سرقتُ خروفاً لجارٍ لنا ، كنتُ مُعجباً بقرونهِ وانتقيتُهُ من بين الخراف لقرونه الطويلة ، جاء معي فهو ينطحني متى جئتُ دياركم ، ليتني سرقتُ النعجةَ العرجاء العمياء التي لا قرون لها ، انظروا إلى عظامي فهي مُكسَّرة ، فوقَ إنكم تعرفون بأنَّها صارت نَخِرةً ، ضحكوا جميعاً .
وقال الآخرُ : كانت أمي راقصة ً وكنتُ أتنعمُ بمالها ، فقبري يطفح بالقيحِ والصديدِ ، إن لم تُصدقونِي اذهبوا وأروه .. وأنصحكم أن تسدوا أنوفكم أولاً . وقال .. وقال .. وقال آخرُ: أنا كنتُ صَادقاً ، وأنتَ كنتَ كَاذباً ، وأنتَ الآخر كُنتَ مُنافقاً ، وظلوا على هذه الاعترافات الصادقة، نعم .. ” الموتى لا يكذبون ..! ” .
وجيْ بحديث العهد وسألوه :
كيف جئتَ ؟ وما جاءَ معكَ ؟ وكيف كانت أمكَ ؟
قال : كانت أمي عاهرةً ، وجاءت بي سفاحاً .. فمنذ أن وطئتُ أرضكم ، رجلان اسمهما مُنكرٌ ونكيرٌ يُجلساني ويعصباني بسلاسلٍ من لهبٍ ونارٍ، كل واحدٍ يشدُ من ناحيةٍ ، ويشبعاني ضرباً و ركلاً بمقامعٍ من نار، حتى جئتم وأخرجتموني بعدما نفَّضتُ التُرابَ عن وجهي .
قالوا : إذاً كُلُنَا من أصحاب النار ، ليس فينا من يكون في الجنان .. انتصف الليلُ ولم نقمْ سُرادقاً لحديث العهدِ ، تطوع أصحابُ المهن فأقاموا سرادقاً كبيراً يسع لجميع الأموات ، وقرأ الشيخُ واكتظتْ الطُرقات ، وجلس الجالسون وشنفوا آذانهم للقاريْ .
 
قالوا : ما أجمل القرآن ، ما أحسن البيان ! ليتنا اتبعناه فكنا من أصحاب الجنان ، انفضَ المعزون ولم يبقَ سوى أصحاب المناصب يساومون ويناقشون ويتفلسفون ويتغامزون و يتلامزون ويتفاخرون ويتشاتمون ويتصارخون ويتضاربون ويتقاتلون، بعدما نهشوا لحم الميتِ القادم، وتركوه عظاماً متفرقةً نخرةً .
بينما هم في تداخل و دوي كدوي النحلِ ؛ تُشرقُ الشمسُ على قبورٍ تملأها عظامٌ نخرةٌ وجماجمٌ مُتفرقةٌ !.
 

تاريخ النشر : 2020-06-09

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

7 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
7
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك