الفيلسوف

ديوجين الفيلسوف الأغريقي المشرد

بقلم : عيثو – قبرص

كان يعيش في جرة ويشعل المصباح في النهار ويطفئه بالليل!
كان يعيش في جرة ويشعل المصباح في النهار ويطفئه بالليل!

حينما يتحدث شخص عن اليونان فقد يخطر لك بلاد فقيرة ومنهارة اقتصاديا حاليا…لكنها في يوم من الأيام كانت بلاد متطورة وعظيمة وفعليا كانت أول حضارة في أوروبا بل ان اليونان فعليا البلد الأم للحضارة الغربية.
ففي فترة قبل الميلاد كانت اليونان متطورة ونهضت على المنحنى الثقافي والاقتصادي والعسكري والطبي مقارنة بزمنها وامتلكت عددا مهوولا من الأطباء والمخترعين والفلاسفة والفنانيين وكان لهم قيمة عالية بالمجتمع وكانو مقربين للسلطة ولهم أهميتهم وخاصة الفلاسفة.
وحيث ان لكل قاعدة شواذ فكان هناك فيلسوف مشرد لم يملك منصبا او ياخذ مكاناً بالمجتمع بل كان يعيش حياة الكلب المشرد يستجدي الناس الطعام والشراب ويفترش الشارع.
وكان ذلك الفيلسوف هو ديوجين؛ اكبر فلاسفة المبادئ الكلبية.

ديوجين او ديوجانس (بالإنجليزية diogenes) ولد بمدينة سينوب (تركيا حاليا) لعائلة ثرية للغاية فكان والده يصك العملات لكنه اتهم بتزوير العملة وأدى ذلك لضعف اقتصاد المدينة فحوكم بالنفي والطرد ونتيجة لذلك قد انتقلت عائلته إلى اثينا وحيث ان الثقافة قد اختلفت عليه لم يتأقلم ديوجين مع محيطه بل كان ينتقد ثقافة اهل أثينا المليئة بالنفاق سواء للحاكم او لأنفسهم.

blank
ترك كل شيء وراء ظهره وعاش في جرة بمحاذاة درج في السوق العام

وذات مرة رأى ديوجين فأرا يعيش بالسوق وقد شعر بأن ذلك الفأر اسعد منه… فقرر انه لا يحتاج الماديات حتى يكون سعيدا والقى بكل ماله وممتلكاته واشترى جرة فخارية
ضخمة ووعاء ووضعها قرب درج في السوق الشعبي للمدينة ، فكان يعيش داخل الجرة ويتسول الطعام بالوعاء ، وكانت فلسفته انه لا يحتاج الماديات للسعادة بل ان الماديات هي مضاد السعادة وان العيش البسيط هو الحل.
أصبح ديوجين حينها يتسول الطعام من المارة وكان يمد الوعاء خارج الجرة. وذات مرة قيل انه رأى طفلاً يشرب الماء من الطريق بيديه… حينها رمى ديوجين الوعاء لأنه – مقارنة بالطفل – علامة من علامات الترف وأصبح يتسول بيده.

لقد آثار ديوجين الجدل عدة مرات خاصة حينما كان يؤول أقوال سقراط حسب رغبته.

وكان يحضر في أكاديمية أفلاطون وأثار غضبه وغضب طلابه حينما كان يقاطع أفلاطون قبل أن ينهي كلامه وحينما كان يدخل الطعام إلى المحاضرة حتى تم طرده في النهاية.

لاحقا بدأ ديوجين بالأحتجاج ضد السياسات المحلية في اثينا لكن بطريقته.
فاذا لم يعجبه نقش معين كان يتبول عليه!
واذا ما غضب من سوء بناء الطريق كان يتغوط عليه أمام المارة!
كذلك كان يثير استفزاز الناس حينما كان يحمل مصباحا ويجول به في وضح النهار ويطفئه بالليل.

كذلك فإن ديوجين لم يكن يستحم وقد أصبحت رائحته كريهة لدرجة ان اهل السوق طلبوا منه الاستحمام ورفض قائلا : (انه شيء طبيعي يفعله جسمي ولن أخجل منه). ولعل النساء في اثينا قد احببن تلك الجملة فلم يعد لديهم خجل من مرور الدورة الشهرية عليهم وقد انتشرت كلمته في كل ارجاء اثينا.

كان ليديوجين اراءه الفلسفية الخاصة ، فحينما توصل الفلاسفة للإجابة على السؤال الفلسفي (كيف تعرف الإنسان) ووضع أفلاطون التعريف على أن اي مخلوق يمشي على قدمين وغير مغطى بالريش هو إنسان قد أصبح تعريفه رسمياً وحصل على ثناء كبير وأصبح اسم أفلاطون لامعا في اليونان.
مع اخذ الاعتبار ان اليونانيين لم يعرفوا القرد او الكنغر او المخلوقات المرتبطة فيهم حينها.

وحتى ينسف كلام أفلاطون قام ديوجين باخذ ديك ونتف ريشه والدخول لإحدى محاضرات أفلاطون ورمي الديك قائلا:
(انظر لهذا الإنسان الذي وجدته)
‏وكان الاحراج الذي سببه لافلاطون قد نشر صيته حول اليونان.

وحينما حاصر جيش فيليب المقدوني المدينة هرع بعض السكان إلى الأسوار في سبيل منع دخول جيش فيليب ، وبعضهم الأخر بدأ باخذ ممتلكاته في سبيل الهرب ، وبعضهم الاخر بدأ بالحفر لدفن مقتنياته
ليقوم ديوجين باخذ جرته ودحرجتها على السور… وحينما كان يصل قمة السور كان يدحرجها مجددا حتى يصل للقاع وهكذا…
وحينما سأله الناس عن السبب قال : (رأيت الجميع يفعل شيئا ما ورغبت بالمشاركة).

blank
له قصة شهيرة مع الاسكندر المقدوني

ولاحقا سمع الإسكندر الاكبر عن ديوجين وفلسفته وقرر زيارته لكن احد الجنود حذره من أن هذا الشخص مجنون لكنه أصر على مقابلته
حينما وصل الإسكندر إلى السوق وجد ديوجين مستلقيا على ظهره سعيدا مبتهجا، فوقف الإسكندر وجها لوجه مع ديوجين وقال:
(أنا الإسكندر الأكبر وريث مقدونيا وبطل خيروينا، ايها الحكيم ديوجين اطلب مني اي شيء وساحققه لك).

ولوضع الصورة كاملة في عقلك عزيزي القارئ فإن الإسكندر قد احتل معظم العالم المتحضر في ذلك الزمان وقد كان شخصا عديم الرحمة قتل اخوه لأجل العرش وقد وقف أمام ديوجين ومعه كتيبة كاملة من جيشه خلفه.

فرد ديوجين عليه:
(لديك جسم رائع ايها الإسكندر… جسم شبيه بجسم ابولو آله الشمس ، قل لي ايها البطل هل تستطيع منحي ضوء الشمس؟)

ليرد الإسكندر:
(لا، لا يمكنني أن امنحك ضوء الشمس!)

فرد ديوجين:
(إذا ابتعد عن طريقي فقد حجبت عني ضوء الشمس).

عم الصمت للحظة بعد إحراج الإسكندر من قبل ديويجين وقد توقع الجميع من الإسكندر ان يستل سيفه ويقطع رأس ديوجين لكنه ابتسم وقال : (انت فعلا كما يقال عنك… رجل حكيم)

وحينما غادر أتى ذلك الجندي إلى الإسكندر وقال له:
(ألم أخبرك يا مولاي انه رجل غريب)

فتوقف الإسكندر للحظة ونظر إلى ديوجين وقال كلمته الشهيرة:
((لو لم أكن الإسكندر الاعظم لتمنيت ان اكون ديوجين))

blank
سألوه لماذا تحمل مصباحا في النهار ، قال ابحث عن رجل نزيه ، ويبدو انه مات ولم يعثر على ذلك الرجل الموعود! فجميع من قابلهم كانوا زائفين يضعون اقنعة تربوا عليها من صغرهم وفرضتها عليهم الاعراف والمحرمات الاجتماعية

لاحقا تم اختاطفه من قبل قراصنة وبيعه كعبد في مدينة كورينث وحيث انه كان عجوزا هرما حينها فقد تم تحريره واطلاق سراحه فبدأ بنشر فلسفته في المدينة وظل ديويجين يبحث عن رجل صريح نقي حتى يعلمه فلسفلته حيث انه قد كبر بالعمر ولم يعد يستطيع الاستمرار.

وكان يبحث عن رجل زاهد لم تؤثر فيه الدنيا بزخرفتها وجمالها لكنه لم يفلح في بحثه ومات بالعام 323 ق.م عن عمر 89 عاما وظل سبب موته مجهولا
فقيل انه قتل بسبب عضة كلب
وقيل انه اختنق أثناء اكل أخطبوط حي
لكن إحدى اهم النظريات عن وفاته هي انه مل من العيش وحبس أنفاسه بكل بساطة حتى مات.
ولم يوصي ديوجين بجنازة بل أوصى بكل بساطة ان يتم رميه بالبرية حتى تقتات عليه الحيوانات ويعطي للأرض ما أخذ منها.

أن ديوجين لم يكن مخترع المبادئ الكلبية لكنه كان الاب الروحي لها.
وقد خلد التاريخ اسمه بديوجين الكلبي… نسبة لطريقة حياته ومبادئه الكلبية.

هوامش موقع كابوس :

الكلبية مذهب فلسفي قديم أسسه أنتيستنيس وهو أحد تلاميذ سقراط. الكلبية ببسلطة واختصار تقوم على فكرة ان السعادة الحقيقية لا تتمثل بالمال والجاه وزخرف الحياة .. بل بالفضيلة والقناعة والاستقامة والزهد ، وأنه طالما كانت النفس البشرية مكبلة باغلال الرغبات والشهوات فأنها لن تحصل على الطمأنينة والنقاء الروحي والصفاء الذهني. وأن على المرء أن يعيش على طبيعته وسجيته ويتزع عنه المظاهر الكاذبة والاقنعة الزائفة. ولقد تطرف بعض الكلبيين في مذهبهم الى درجة انهم تخلوا عن ثرواتهم وكل ما يملكون ليعيشوا حياة الفقر والتشرد. ودرجوا على ايصال افكارهم عن طريق السخرية والنقد اللاذع ، هم لم يكونوا مجانين لكن الناس لم يفهموا طريقتهم في الحياة فحسبوهم مجانين.

يقال أن هذا المذهب الفلسفي اطلق عليه اسم الكلبية (Cynicism) لأن اتباعه كان يلتقون في باحة معبد يطلق عليه اسم بهو او قاعة الكلب الابيض. فيما يرى اخرون ، وهو الرأي الراجح ، ان الاسم يعود الى طريقة حياة اتباع هذا المذهب من تشردهم في الطرقات .. ولعل من اشهر عبارات ديويجين بهذا الشأن مقولته : “بقية الكلاب تعض اعدائها ، أما أنا فأعض اصدقائي لاخلصهم (من حياتهم الزائفة)”.

الكلبية بدأت بالأفول منذ القرن الثالث قبل الميلاد لكنها تركت اثرها على مدارس ومذاهب اخرى اشهرها الرواقية (Stoicism).

كلمات مفتاحية :

– Diogenes
– ديوجانس الكلبي

تاريخ النشر : 2021-09-06

عيثو

قبرص

مقالات ذات صلة

34 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى