أدب الرعب والعام

ذليل بإسم الظروف!

بقلم : حبر أخضر

حسام ليس شاب مثالي ٬٬ لكن عُرِف عنه الصدق و الاحترام و محبة الناس ٬ يتميز بحسن السمعة والسيرة ٬ رجل شهم يفكر بغيره قبل أن يفكر في نفسه ؛ كان عنده عائلة مكونة من أم و أب وعدد من الإخوة والأخوات و وضعهم المادي كان بسيط ميسور ٬ لكنه قبل ثلاث سنوات فقد عائلته بسبب حادث سير فظيع ٬ و تعرض هو لكسور في صدره ورقبته لكن الله أنجاه هو و أخيه الذي يصغره بسبعة أعوام و يدعى سعيد ٬ و الألم النفسي الذي كانا يشعران به نتيجة فقدانهما للعائلة دفعة واحدة أشد بكثير من الألم الجسدي لكنهما كانا مضطرين لتقبُّل الواقع والتعايش معه رغم مرارته ٬ ولم يبقى لهما من والدهما سوى مبلغ مالي بسيط..

ونتيجة لهذه الظروف إضطر حسام و أخيه الى الإنتقال لبيت خالته وهي الوحيدة التي تعيش معهم بنفس الحي وكان وقتها يبلغ من العمر خمسة عشر ربيعاً ٬ و خلال السنوات التي قضاها معهم في البيت عانى حسام ما عاناه بسبب زوج خالته الذي كان يُسمعه كلاماً مسموماً ليل نهار معبراً عن إنزعاجه من إقامتهما معه ٬ و أن الشيء الوحيد الذي يجعله يبقيه عنده هو إستفادته منه في مصالحه الشخصية أو في جلب الأغراض الى المنزل ٬ أما خالته فلا حول لها ولا قوة ٬ زوجها يعاملها كما لو أنها جارية وكان ينالها منه ما ينالها من الإهانة والظلم و أحياناً يضربها أمام أنظار حسام و أخيه ٬ فتحمل حسام وصبر وكان ينتظر الحصول على الشهادة الجامعية حتى يتمكن من العمل و يستأجر شقة له و لأخيه بعيداً عن زوج خالته وكان يفصله عن التخرج عام ونصف فقط ٬ وكان التخصص الذي يدرسه هو الهندسة و يطمح أن يكون من كبار المهندسين و أن يُكتب قبل إسمه هذه الكلمة

… المهندس : حسام

لكن حدث شيء حطّم طموحه وجعله يصرف نظره عن الشهادة و هو إصابة أخيه بسرطان في الدم ٬ ولم يكتشف هذا المرض إلا بعد وقت طويل من ظهور أعراضه من فقدان الشهية والشعور الدائم بالتعب والإعياء..
أثَّر ذلك على نفسية حسام خصوصاً وأن المال الذي تركه له أبيه بدأ ينفذ وخالته لا تعمل ولا تجيد القراءة ولا الكتابة ٬ وكذلك لم يطلب أي مساعدة مالية من زوج خالته أولاً لأن عزة نفسه تمنعه من مد يد الحاجة للناس ” و يحسبونهم من التعفف أغنياء “..
ثانياً معرفته التامة بمدى الكره الذي يكنُّه زوج خالته له ولأخيه و أنه بطبعه شحيح يخاف على القرش ويرى أن المال هو غاية المنتهى!!

فإضطر حسام إلى ترك دراسته الجامعية والتفرغ للعمل من أجل علاج شقيقه ٬ فبدأ يبحث ويبحث حتى وجد عملاً في أحد محلات الأواني المنزلية وعمل فيه كمحاسب على مدار سنتين حتى استطاع جمع مبلغ جيد لكنه لا يكفي للعلاج الكيميائي وكذلك عملية زرع نخاع العظم ٬ وعملية الزرع مُكلفة بشكل كبير ٬ لذى اضطر الى ترك عمله كمحاسب والبحث عن وظيفة أخرى و براتب أفضل..

صحيح أن حسام لم يكن له أي أقارب سوى خالته لكنه أيضاً لديه صديق طفولة وحيد إسمه علي ٬ وهو شاب بعكس حسام أنعم الله عليه بالمال والترف و هو إبن لرجل ذو منصب كبير و صاحب شركة ٬ وكانا يدرسان معاً حتى جاء العام الذي ترك فيه حسام دراسته الجامعية ٬ أما علي فقد أكمل دراسته وتخرج وحصل على الشهادة و أصبح مديراً لأحد الأقسام في الشركة منذ ستة أشهر ٬ وكان علي على معرفة بالأوضاع التي مرّ فيها حسام وعن حالة شقيقه الصحية ٬ وهو بدوره كصديق بقي الى جانبه في محنته ٬ فقرر حسام أن يعمل عنده في الشركة بدلاً من العمل كمحاسب..

فطرق الباب وسمح علي له بالدخول ٬ وحين رفع علي رأسه تفاجئ بأن الذي يقف عند الباب هو حسام ٬ فوقف يتبادل معه التحية والسلام

جلس حسام بعد الترحيب وسأله علي : أخبرني عن حالة أخيك هل ما زال كما هو ؟

رد حسام : ليست جيدة و هو الأن يحتاج الى العلاج الكيميائي

علي : يؤسفني هذا الخبر ٬ يمكنني أن أدفع لك تكاليفها إن أردت

حسام يرفض : لا لا ٬ لكنني بدلاً من ذلك أنوي العمل عندك هذا إن كان لديك وظيفة شاغرة ؟

تغيرت تعابير وجه علي وبدى وكأنه يفكر في شيء ما .. ثم ابتسم وقال : و أنا بالخدمة والوظيفة جاهزة

رفع حسام حاجبيه وقال : أبهذه السرعة ؟؟ وما الوظيفة يا صديقي ؟

علي بصوت جاف يعلوه الغرور : أريدك أن تعمل كسكرتير خاص

رفع حسام رأسه مصدوم ٬ كان يتوقع وظيفة أفضل من ذلك و أن رفيقه سوف يتساعد معه لكنه تعجّب من وقاحة أسلوبه ٬ فبلع ريقه و لم ينبس ببنت شفة ٬ قطع علي صمته قائلاً : أعتذر منك لكن ليس عندي وظيفة أنسب من هذه و أنت ليس عندك شهادة جامعية

حسام بصوت متغير : لا أبداً لا توجد مشكلة أنا موافق

علي : و بشأن الراتب فهو بسيط ألف و خمسمئة هل أنت راضٍ ؟

هز حسام رأسه و لمعة الحزن في عينيه في حين كان علي يعجبه ما يراه ٬ هو يعلم أن وضع حسام متدهور و بحاحة الى المال ٬ ويعلم أنه ليس له أحد سوى خالته و زوجها الذي يكرهه ٬ ويعلم أنه على استعداد أن يكافح و يعمل ليل نهار من أجل أخيه سعيد ٬ لذا فقد رأى فيه فرصة ثمينة حتى يمارس عليه غروره وكبرياءه ويستغل حاجته وظروفه ٬ فأعطاه وظيفة سكرتير خاص و براتب قد يكون أقل من راتب السائق حتى يذلَّه!!
ولم يكن حسام ذلك الوقت على معرفة بما ينتظره من رفيق دربه ولا يدري أنه طلب المساعدة من الشخص الخطأ ٬ فما كان منه سوى قبول الوظيفة وتوقيع عقد مدته عامين
ومنذ الأسبوع الأول و علي لا يضيع الفرصة في إخراج عقده النفسية على حسام بشتّى الطرق ٬ يصرخ في وجهه أمام الموظفين ويتعمد إهانته والتقليل من شأنه ويفتعل معه المشاكل على أخطاء غير مقصودة ٬ لم يكن يمر يوم إلا وتحدث بينهما معركة ٬ و إستمر الحال هكذا لمدة ثلاث أسابيع حتى قرر حسام مواجهة صديقه ومعرفة الأسباب التي جعلته يسيء معاملته بهذا الشكل..
فطرق الباب ودخل و معه أوراق قد طلبها علي مسبقاً ٬ وضعها على الطاولة وقال : ها هي الأوراق أمامك كما طلبت

علي بنبرة صوته الخشنة التي اعتاد أن يخاطب بها حسام منذ بداية عمله : حسناً إنصرف

لم يتحرك حسام وبقي ثابت ٬ فرفع علي رأسه و بصوت عالي : هل لديك مشكلة في أذنيك ؟؟ هيا أخرج

حسام : ألست أنت صديقي ؟ من المفترض أن تتفهَّم ظروفي وتقف إلى جانبي لا أن تعاملني كما لو أني عدوك ٬ إلا إذا كان هناك سبب فعليك إذاً أن تواجهني فيه

علي وقد تلعثم وكأنه لم يتوقع هذه الخطوة من حسام : ماذا تعني ؟

حسام : أنت تعاملني بشكل مختلف عن بقية الموظفين ٬ تهينني وتصرخ علي من دون سبب واضح ٬ إما أن تواجهني بالسبب أو سأقدم استقالتي

علي بسخرية : حسناً إن قدمت استقالتك فأين ستعمل ؟! ليس عندك شهادة و بالكاد استطعت إيجاد عمل كمحاسب ولو لم أكن أعرفك لما وظفتك عندي و…

حسام يقاطعه : لا تغير الموضوع و أجب عن سؤالي لو سمحت ؟

علي : لا يوجد سبب لكننا في مكان عمل و أنت حساس ثانياً طلب استقالتك مرفوض لأن بيننا عقد لمدة عامين

حسام : بسيطة ٬ أستطيع أن ألغيه ٬ أين العقد ؟

علي بعناد : لن تستطيع و إنسى فكرة إلغاء العقد ٬ هيا اذهب وتابع عملك عوضاً عن الكلام الزائد ٬ أنت تضيع وقتي

سكت حسام وكبت أوجاعه داخل قلبه وغادر المكتب و إستمر علي في إستبداده و غيّه ٬ كان يستمتع حين يرى حسام يطأطئ رأسه ويعتذر عن أخطاء تافهة لا قيمة لها ٬ ويبتسم حين يراه يحاول تحاشي غضبه قدر الامكان ٬ كل يوم يمر تزداد الإهانات أكثر حتى وصل به الحال الى أن تطاول عليه مرة بيده وشتمه بأبشع الألفاظ ٬ وتخيلوا كيف كان حسام يقابل كل هذا ؟؟

بالصمت والصبر ؛ ضغط على نفسه و الحزن يملأ قلبه وعينه حتى انتهت مدة العقد أخيراً و غادر الشركة من أوسع أبوابها ٬ سنتين من الإهانة والأذى من صديق لم تكن بسيطة وسهلة عليه ابداً

أما علي ٬ فقد شعر بشيء من تأنيب الضمير حين شاهد صديقه يغادر الشركة الى الأبد و لم تتحرك عواطفه إلا بعد أن أفرغ كبرياءه فيه و لم يرحم أخيه الذي يرقد في المستشفى ٬ و مع ذلك لم يتصل به ليطمئن ولا يعرف إذا كان قد أجرى له العملية أم لا ٬ ولا يعرف إذا كانت النقود التي جمعها تكفيه ٬ وحجَّته في ذلك أنه كان يخشى على كبرياءه فلم يسأل!! فإنقطعت العلاقة بينهما ولم يعد يعرف عنه شيء..

وتدور الأيام والسنين ويتزوج علي من إمرأة من طبقة متوسطة و أنجبت له ابنتين ٬ وكما يقال دوام الحال من المحال ٬ تعرضت الشركة للإفلاس بسبب تراكم الديون و إنخفاض الأسهم وأصبح مديون لكثير من الناس ٬ فإضطر هو وعائلته لبيع ممتلكاتهم وسياراتهم و أخر شيء باعوه هو الفيلا لدفع ما عليهم من الديون ٬ فلم يبقى لديه من المال ما يُسكت حاجتهم و يسدُّها و إستعصى عليه إعالة زوجته وبناته ٬ فبدأت زوجته تهدده بالطلاق إن لم يجد حلاً للمشكلة ٬ فإضطر علي لبدء رحلته في البحث عن عمل هنا وهناك ٬ فوقف وقفة مع نفسه و تأمل حاله الذي ألّمَ به..
طوال عمره كان يجلس خلف المكتب و يتأمر على الموظفين .. الأن سوف ينقلب الحال ويضطر للعمل كموظف عادي يتلقى الأوامر من غيره..

وبعد محاولات عدة وجد عملاً في مكتبة صغيرة ٬ فبدأ العمل فيها كمحاسب ٬ ومنذ اليوم الأول وصاحب المكتبة يعامله كمعاملة العبيد ٬ كان سليط اللسان معه و يهينه أمام الزبائن بسبب بطئه في المحاسبة وكان له بالمرصاد على كل خطأ ولو بسيط ٬ وكان علي يقابل ذلك بالصمت بسبب قلة الحيلة والحاجة ٬ كان يخشى فراق زوجته وبناته و هو على إستعداد لتحمّل كل شيء من أجلهم ٬ فشعر بشعور صديق قديم كان يهينه في الماضي و دارت في باله هذه المقولة :
اذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك..

وفي أحد الايام المعتادة من عمل علي في المكتبة ٬ دخل عليهم رجل طويل ومعه إبنه ذو العشرة أعوام ٬ وقف مع ابنه أمام أحد الرفوف حتى يشتري له مستلزمات المدرسة من أقلام ودفاتر لأن العام الدراسي شارف على البدء ٬ كان علي في ذلك الوقت منشغل بمحاسبة الزبائن ٬ وحين فرغ من أخر زبون أشاح بوجهه نحو رجل قادم إليه و بيده المستلزمات المدرسية ٬ وكانت هذه صدمة عمره لأن هذا الرجل كان حسام ومعه عامر ابنه الوحيد ٬ تلبَّك علي ولم يعرف ماذا يقول..

سلّمه حسام الاغراض في دهشة قبل أن يسأله ببرود : كم تبلغ قيمتها ؟

علي يطأطئ رأسه : خمسة وسبعين

تأمله حسام للحظة ثم أخرج من محفظته سعر المشتريات وزاد عليه الفين درهم و أعطاه إياه

استغرب علي وقال : لكن السعر خمسة و سبعين فقط!!

حسام والبرود لا زال بادياً على وجهه : أعرف و الباقي لك ٬ من الواضح أن وضعك صعب لأنني أراك تعمل هنا وليس في الشركة

اكتفى علي بالصمت وأخذ يتأمل صديقه قبل أن يسأله : هل أكملت دراستك ؟

حسام بإختصار : لا

علي : لكن حالتك المادية تبدو جيدة!

حسام : أنت عندك شهادة ٬ اما أنا فعندي الخبرة وهذا هو الفرق بيني وبينك ..

علي وقد ظهرت عليه علامات الحنين و الألم : أذكر أنك كنت تنوي إجراء عملية لأخيك ؟

حسام : إن كنت تهتم نعم و العملية نجحت بفضل الله

علي : هل يمكن أن تسامحني ؟

حسام : الزمن كفيل في أن يُنسيني إهانة صديق قديم ذلَّني في أصعب ظروف حياتي وفي عز حاجتي ٬ والأن هلَّا أعطيتني الأغراض لدي أشياء كثيرة أريد شراءها للمنزل

علي يرفع يده لينادي : ولكن…

لم يستمع إليه حسام وغادر المكان وهي المرة الأخيرة التي شاهده علي فيها ٬ فشعر بندم حقيقي وحسرة رافقته طيلة حياته و أدرك أن الغرور هو الذل بعينه

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر
29 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
29
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x