مكتبة كابوس

رائعة إيكهارت تول : أرض الجديدة

بقلم : امرأة من هذا الزمان – سوريا

نظام العالم سينهار ليحل مكانه نظام جديد
نظام العالم سينهار ليحل مكانه نظام جديد

“أنا.. وأعوذ بالله من كلمة أنا”
من منا لم يسمع هذه العبارة من أحدهم دلالة على كسر النفس عن التكبر والغرور بالذات.. شخصيا أنا سمعتها عشرات المرات من فم الفنان السوري الراحل سعد الدين بقدونس في واحد من مسلسلاته القديمة ..
ويبدو أن الكاتب الالماني إيكهارت تول قد عرف تماما المراد من عبارة كهذه رغم اني متأكدة أنه لم يسمعها يوما..

ففي كتاب تول الأرض الجديدة NEW EARTH محاولة مستميتة للقضاء على غرور وتكبر الذات الإنسانية “(ego) أو الـ (أنا)” والتي ترائى للكاتب انها السبب في كل اعمال التخريب البشرية الحاصلة في زماننا هذا ..
وذلك قبل حلول الكارثة العظمى المتمثلة بدمار شامل وخسارات عظيمة في الأرواح البشرية والكائنات والكنوز البيئية .. حيث ان أغلب البشر إذا لم نقل جميعهم بدأوا بالتماهي مع هذه الذات الانوية المغرورة وتضخيمها وبالتالي اصابهم من أمراض روحية ونفسية ما ادى إلى الوضع المأساوي الذي نراه جميعا أمامنا بعد ان اضاعوا ذواتهم الحقيقية ونسووا غاية وجودهم في الأصل وتشوهت لديهم المفاهيم وتخلخل سلم الأولويات لديهم.

فقد بدأ الإنسان ينسى من هو ولماذا خلق اصلا وأضاع جوهره بنسب ذاته إلى اشياء ومصطلحات لا علاقة لها بجوهره الروحي والإنساني فانتقل من كونه إنسانا إلى رقم ينتمي من خلاله (وبكامل إرادته وفخره أحيانا) إلى الجنس الفلاني.. القومية الفلانية.. والجنسية الفلانية.. والدين الفلاني.. والطائفة الفلانية .. حتى اضاع بريق روحه ضمن هذه المسميات وصار لايرى نفسه إلا بها متناسيا ان كل هذه المسميات السابقة اكتسبها بمحض الصدفة وانه لو ولد نتيجة نطاف يحمل مورثات غير مورثات جنسه.. او ولد في قارة وبلد آخر ذو شريعة أخرى لكان تبدل كل ماسبق ولتماهى مع المسميات التي يفرضها عليه الإحتمال الآخر.. وصراحة ذكرني هذا الشرح من تول بعبارة سمعتها يوما : (الوطنية هي شعور مخادع بأن بلدا ما هو أهم بلد في العالم فقط لأن حضرتك ولدت فيه).

وكما شرح تول التضخيم الانوي من خلال حمى التماهي مع المسميات تلك فقد شرحها من خلال التماهي مع الاشياء المادية والجسدية أيضا وارجع الهوس بالتسوق وزيادة الرغبة بالإمتلاك والجنون العمراني وتضخم القوة الشرائية والإنتاجية و الإجرائات القاسية في سبيل الحصول على الصورة النمطية للجمال و ما تبعه من أمراض كالسمنة وفقدان الشهية والسرطانات والتي صارت عنوان مستشفيات عصرنا الحالي بالإضافة إلى مخاوف على الأمن الغذائي والإقتصادي وحتى البيئي لتحقيق إكتفاء مخادع يزيد من شعور الرضى لدى هذه الذات المغرورة ويغذي شعور العمى الروحي لدى الإنسان فينسى الغاية الحقيقية من إرضاء الغرائز الضرورية والتي تتمثل بإستمرار الحياة وتنقلب الموازين فيصبح إستمرار الحياة والشعور بالرضى هو سبب الإسراف بضروريات الحياة ولينتقل كل ماسبق من وسيلة لتحقيق الغاية الاسمى إلى غاية بحد ذاتها قد يضيع الإنسان وقته وصحته واحبائه في سبيل تحقيقها.

واما عن الغاية العظمى والتي أكد تول مرارا في كتابه أنها سر وجود الإنسان وسبب خلقه ووجوده في الاساس وسبب تأليفه الكتاب لكسر حصن الـ (انا) التي حيدت الإنسان عن هذه الغاية فهو الرجوع إلى الخالق الاوحد ومصدر هذا الوجود… وهنا نجد تشابها كبيرا بين وصايا الاديان السماوية ووصايا تول مع أختلاف في المصطلحات طبعا مابين مفاهيم سايكولوجية ودينية ومابين الاديان والشرائع بتنوعها
فالدين الإسلامي من خلال كتاب الله القرآن الكريم اكد مرارا على أن غاية الخلق هي الرجوع إلى الله وعبادته حق العبادة مع إختلاف في وجهات النظر حول ما تعني هذه العبادة يقول الله في كتابه الكريم (وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون)… كما أن هناك الكثير من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية التي تنهى عن التكبر والغرور والإنخداع بمتاع الدنيا من ارزاق وأبناء وانعام إلخ… قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) كما وانني من خلال التعمق وجدت تشابها تاما بين الأنا التولية والنفس الأمارة بالسوء الإسلامية و يتهيأ لي بأن الغرور الذي يغذي هذه الأنا عند تول هو الشيطان الملعون إسلاميا…

وأما في الديانة المسيحية يقول الإنجيل على لسان الرب : (أنا الطريق والحقيقة والحياة) وامر السيد المسيح انصاره بكسر غرورهم وأناهم من خلال قوله : (مباركون هم الفقراء في الروح لانهم سيرثون مملكة السماء) وأي تعبير أجمل في وصف التواضع من (فقراء الروح) يعني حتى لو كان فقير المادة ليس بالضرورة أن يكون متواضعا وبالعكس قد يكون غني المادة ولكن متواضعا وبالتالي هو فقير الروح.

ويعطي الكاتب الطريق إلى كسر هذه الأنا وتبعاتها من خلال عدة خطوات وطرق منها التسامح والغفران ووهب الممتلكات والإبتعاد عن التسميات وغيرها الكثير…

كان هذا ملخص عن وجهة نظري في كتاب مهم نحتاج إليه وإلى مفاهيمه اشد الحاجة فالعالم بدأ من حولنا بالإنهيار .. الحروب والإنتهاكات والإعتدائات الدولية من اجل التوسع والثروات الباطنية وجرائم القتل والتشويه والإعتدائات الجنسية وإغتصاب الأطفال والعنف الجسدي والتي لها عشرات الأسباب من عنصرية وانتقام وكره وحب و ارضاء شهوات غريزية وحب للمادة … حتى ان عصرنا استحق وبجدارة لقب عصر الجنون…

عالمنا بحاجة إلى ثورة فكرية تغير كل مفاهيمنا ونظرتنا للاشياء حولنا وعندما أقول عالمنا فأنا أقصد كل فرد من أفراد هذا الكوكب البائس.

وفي النهاية وبعيدا عن النظرة الشخصية للكتاب.

– كتاب الأرض الجديدة للمتنور الألماني إيكهارت تول(Echart tolle) يصنف من نوع الكتب الفلسفية التنويرية النفسية.. كتاب روحاني بإمتياز هدفه المساعدة الذاتية في إيجاد الصحوة وتسليط الضوء على هدف الحياة.

– أختير إسم الكتاب من نبوئة تقول بأن نظام العالم سينهار ليحل مكانه نظام جديد… سماء جديدة وأرض جديدة… ويبدو أن تول متأكد أن هذا المصطلح مصطلح تمثيلي معنوي يعنى بإيجاد تغيير شامل لنفوس البشر فالسماء الجديدة تعني وعيا داخليا جديدا والأرض الجديدة هي إنعكاس ذلك الوعي على المظهر الخارجي… وما أشد حاجة الجنس البشري لمثل هذه الثورة الفكرية في هذه المرحلة التاريخية بالذات… فالفرد أساس المجتمع والكائن الواحد أساس الكون الشامل… وأي تغيير كبير للضمير الجمعي يحتاج إلى خطوات فردية….

– ومن أهم الأفكار التي يناقشها الكتاب:
الوعي الجديد.. الوهم… التصنيفات وإطلاق الأسماء… اليقظة… الإرتباط بالمصدر(الخالق الأوحد)…
الأدوار الإنسانية المفروضة… كتلة الألم والسلام الداخلي… السكون.. الإنسان الجديد أو الجنس المثالي…
وأخيرا وليس آخرا الجهل الروحي وإرتباطه بالمعاناة.

-الكتاب نشر عام ٢٠٠٥م.

– تم آختياره ضمن مجموعة نادي أوبرا للكتاب وتم مناقشته عبر سلسلة من ١٠ محاضرات أسبوعية على الإنترنت من قبل تول و وينفري.

-عدد صفحاته:٣٣٦.

-ترجم إلى عدة لغات ومنها العربية.

– مقتبسات : (كلما سارعت إلى وضع تصنيفات لفظية أو ذهنية على الأشياء والبشر والأوضاع؛ أصبح واقعك أكثر سطحية ومواتا؛ وصرت أكثر غفلة عن الواقع؛ عن معجزة الحياة التي تتفتح بإستمرار من خلالك ومن حولك؛ بهذه الطريقة يمكنك إكتساب البراعة؛ أما الحكمة فإنها ستضيع وكذلك الفرح والحب والإبداع والإحساس بالحياة؛ تصبح جميعها محجوبة في الهوة الساكنة بين الإدراك والتفسير؛ بالطبع عليك أن تستعمل الكلمات والأفكار فهي لها جمالها الخاص.
ولكن هل نحتاج إلى أن نصبح أسرى لها؟؟!!).

– (حين يستخدم الدين على نحو يعتقد فيه الفرد ان ديانته وحدها هي الحقيقة فهو بذلك يخدم الأنا ويحول ديانته إلى ايديولوجيا ويخلق حسا متوهما بالتفوق وهذا يخلق الشقاق والنزاع بين البشر).

– كما أن للكاتب كتاب آخر بنفس أهمية الأرض الجديدة وهو قوة الآن أو قوة اللحظة The power of now وله ٤٠ كتابا في مجالات النفس والتنوير والفلسفة والروحانية .

أتمنى لكم قرائة ممتعة..تحياتي.

مصادر :

تحميل كتاب ارض الجديدة ( مكتبة النور)

تاريخ النشر : 2021-02-20

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

24 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
24
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك